سوريا تخشى تداعيات الحرب على وضعها الداخلي

تتحسّب لتراجع الاستثمارات وتحويلات المغتربين وعودة أزمة الطاقة ستزيد الضغط على الأسر

طوابير السوريين لفحص وثائق سفرهم عند معبر جديدة يابوس الحدودي مع لبنان وسط ازدياد حركة العبور عبر الحدود (إ.ب.أ)
طوابير السوريين لفحص وثائق سفرهم عند معبر جديدة يابوس الحدودي مع لبنان وسط ازدياد حركة العبور عبر الحدود (إ.ب.أ)
TT

سوريا تخشى تداعيات الحرب على وضعها الداخلي

طوابير السوريين لفحص وثائق سفرهم عند معبر جديدة يابوس الحدودي مع لبنان وسط ازدياد حركة العبور عبر الحدود (إ.ب.أ)
طوابير السوريين لفحص وثائق سفرهم عند معبر جديدة يابوس الحدودي مع لبنان وسط ازدياد حركة العبور عبر الحدود (إ.ب.أ)

حذر خبراء سوريون من خطر احتمال استمرار التصعيد في المنطقة لمدى مفتوح على سوريا، التي تجد نفسها في قلب التوتر الحاصل في المنطقة، وذلك في الوقت الذي تنوء فيه الحكومة السورية بتلبية احتياجات مواطنيها مع عودة مئات الآلاف من اللاجئين من لبنان وتوقعات بعودتهم من تركيا ودول الجوار خلال الصيف المقبل.

وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «إذا هدأ التوتر في المدى المنظور فسيكون تأثير الحرب الجارية في المنطقة محدوداً، ولكن إذا استمر فالنتائج ستكون كارثية على دول المنطقة ذات الاقتصاد الهش وفي مقدمتها سوريا».

وبينما نفت وزارة الطاقة السورية وجود أي نقص في المشتقات النفطية حالياً، كان المزيد من اللاجئين السوريين في لبنان يتدفقون إلى سوريا. وأفادت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) بأن منفذ جوسية في ريف حمص الحدودي مع لبنان شهد الثلاثاء، زيادة ملحوظة في أعداد السوريين العائدين على خلفية التطورات الأمنية الراهنة في المنطقة.‏

طفلة سورية فرّت من الحرب في لبنان مع عائلتها تصل إلى معبر الحدود السورية اللبنانية في جديدة يابوس يوم الثلاثاء (إ.ب)

وقالت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، الاثنين، إن منفذي «جديدة يابوس» و«جوسية» الحدوديين مع لبنان، استقبلا نحو 11 ألف مسافر قادمين من الأراضي اللبنانية، معظمهم من السوريين، مؤكدة استمرار الجاهزية والاستنفار الكامل لمواكبة تزايد أعداد القادمين.

هذا، وقد بدأت ملامح أزمة محلية تلوح في الأفق مع تزايد الطوابير أمام مراكز بيع الغاز المنزلي، وازدياد ساعات تقنين الكهرباء بعد انفراج نسبي شهدته أزمة الكهرباء والطاقة خلال الأشهر القليلة الماضية.

كما يبدو أن التأثير السلبي لتداعيات التصعيد الحاصل في المنطقة بدأ بالظهور فوراً في سوريا، وقال الباحث الاقتصادي فراس شعبو لـ«الشرق الأوسط»، إنه رغم أن سوريا ليست طرفاً في التصعيد لكنها في قلبه الاقتصادي، وإذا استمر إلى أجل مفتوح فسيكون التأثير كارثياً على الدول ذات الاقتصاد الهش وفي مقدمتها سوريا، وستضطر الدول والمؤسسات الراغبة بالاستثمار، تلك التي وقّعت اتفاقيات مع سوريا، إلى الانكفاء فيما يسمى «التحوط الداخلي»، ومن ثمّ ستترك سوريا على حالها، وهي غير قادرة على تلبية احتياجات المواطنين في الداخل، فما بالنا مع بدء عودة مئات الآلاف من اللاجئين اضطرارياً من لبنان والعراق، وتوقعات بعودة أعداد كبيرة منهم من تركيا خلال فصل الصيف، وقدوم المغتربين، الأمر الذي سيرتب أعباء كبيرة على الحكومة السورية.

من جانبه، رأى الباحث الأكاديمي والمستشار الاقتصادي، زياد أيوب عربش، أن التصعيد العسكري تحول إلى «صدمة اقتصادية» امتدت آثارها عبر أسعار النفط، وحركة الشحن البحري، ومسارات الطيران المدني.

استجابة فرق الدفاع المدني السوري يوم الاثنين لـ3 مواقع سقوط أجسام حربية في محافظتي درعا والقنيطرة نتيجة التوتر العسكري في المنطقة (حساب إكس)

ومع ارتفاع المخاطر الأمنية في المنطقة بدأت الاقتصادات الهشة ـ وفي مقدمتها سوريا ـ تواجه ضغوطاً متسارعة على الطاقة وسلاسل الإمداد وسعر الصرف وسط تحذيرات من اضطراب الإمدادات، خاصة أن الضربات الواسعة لإيران تحمل رسائل اقتصادية، مع تهديدات بتعطيل الملاحة في الخليج، كما ساهمت الضربات الإيرانية على مضيق هرمز (25 في المائة من تجارة النفط العالمية)، برفع أقساط التأمين وتكاليف الشحن.

وأشار الباحث زياد أيوب عربش إلى بدء ارتفاع تكاليف الشحن ورسوم التأمين لعدم توفر الوقود والمواد الصناعية والغذائية ومستلزمات الإنتاج والمواد الأولية والوسيطة في سوريا، لافتاً إلى أن النفط يدخل في إنتاج 500 ألف منتج في سوريا. وقد ظهر التأثر على الصناعات الكثيفة الطاقة (أسمنت، غذاء، زراعة) وارتفعت الأسعار مع انخفاض الإنتاج وزيادة التضخم.

وفيما يتعلق بالتأثيرات القصيرة والمتوسطة المدى، حذر الباحث عربش من أن استمرار التصعيد واتساع نطاقه سيؤديان إلى ارتفاع سعر النفط وقد يتجاوز حاجز الـ100 دولار، ومن ثمّ «لن يكون مستغرباً إغلاق عدد من المصانع، وتفشي البطالة، خاصة مع انخفاض التحويلات الخارجية من دول الاغتراب وعلى رأسها دول الخليج العربي، وعزوف المستثمرين عن التقدم باستثمارات طالما انتظرتها سوريا، وهروب رؤوس الأموال، وزيادة البطالة مرة أخرى مع ركود تضخمي متراكم، خاصة في البناء والسياحة،كما أن خطر عودة أزمة الطاقة سيزيد الضغط على الأسر السورية».

وأكدت وزارة الطاقة في بيان لها، الثلاثاء، أنه «لا يوجد في الوقت الحالي أي نقص في المشتقات النفطية داخل سوريا، سواء البنزين أو المازوت أو الغاز المنزلي». وقالت إن المصافي العاملة مستمرة في أداء مهامها بشكل طبيعي، وعقود استيراد النفط الخام قائمة عبر القنوات المعتمدة، ويتم تكرير الكميات وفق البرامج التشغيلية المعتادة، والمخزون التشغيلي ضمن الحدود الآمنة.

وبينت أن الازدحام الذي شهدته بعض محطات الوقود خلال الساعات الماضية، ناتج عن ارتفاع غير مسبوق في حجم الطلب، حيث تجاوزت نسبة المبيعات 300 في المائة مقارنة بالمعدل اليومي الطبيعي، وذلك نتيجة التخوف من التطورات الإقليمية وانتشار الإشاعات، وليس بسبب نقص فعلي في المادة.

خطة استجابة لأوضاع للسوريين القادمين من لبنان عبر معبري جديدة يابوس وجوسية (وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث)

إلا أن الباحث والخبير الاقتصادي فراس شعبو، توقع أياماً قادمة صعبة جداً على الحكومة السورية والمواطن السوري في «حال لم يهدأ التصعيد»، لأن الاقتصاد السوري يعتمد بشكل أساسي على استيراد معظم المواد الأساسية، وفي المقابل قاعدة الإنتاج محدودة، والاحتياطي ضعيف، والبنية التحتية متهالكة، إضافة إلى وجود خلل في سعر الصرف، مؤكداً أن هشاشة الاقتصاد السوري الخارجية أكبر من هشاشته الداخلية، وأي صدمة عالمية في قطاع الطاقة ستنعكس عليه سلباً، ومن ثمّ على القدرة الشرائية و الوضع المعيشي.

ويتفق مع هذا التحليل الأكاديمي زياد أيوب عربش، لأن اقتصاد سوريا «مرتبط بمسار الصراع عبر النفط والنقل وسعر الصرف»، وأي صدمة خارجية كبيرة سيصعب امتصاصها بسبب الاعتماد على الاستيراد. وبرأيه «بين تصعيد مفتوح أو احتواء سياسي محتمل، يبقى مسار الحرب العامل الحاسم في تحديد مستوى الاستقرار الاقتصادي والمعيشي خلال المرحلة المقبلة».


مقالات ذات صلة

الذهب يستقر قرب 4380 دولاراً مع ترقب مسار التضخم والفائدة

الاقتصاد سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام معروضة في مصفاة للذهب والفضة في فيينا (أ.ف.ب)

الذهب يستقر قرب 4380 دولاراً مع ترقب مسار التضخم والفائدة

استقرت أسعار الذهب في بداية تعاملات الأسبوع قرب 4380 دولاراً للأوقية، بينما تراقب الأسواق تطورات الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يقود دراجة هوائية على ضفة نهر موسكفا، ويظهر في الأفق مصفاة النفط التابعة لشركة غازبروم نفط الروسية في موسكو (أ.ف.ب)

آمال التهدئة تدفع النفط دون 102 دولار... الأدنى في أكثر من أسبوع

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 2 في المائة في التعاملات الآسيوية المبكرة يوم (الاثنين)، مسجلة أدنى مستوياتها في أكثر من أسبوع.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
شؤون إقليمية صورة من فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» لعملياتها في إطار الحصار البحري على إيران

تهديدات متبادلة تعيد «شبح الحرب»

تبادلت واشنطن وطهران، أمس، تهديدات شديدة اللهجة أعادت شبح العودة إلى تصعيد الحرب الدائرة بينهما، والتي دخلت شهرها السابع.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الولايات المتحدة​ ترمب يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك (رويترز)

أسبوع حافل بالاجتماعات ينتظر ترمب مع انعقاد الجمعية العامة

يشمل برنامج الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستمر يومين لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة سلسلة من الاجتماعات الثنائية والفعاليات مع شخصيات سياسية بارزة.يشمل

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية 
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة على هامش قمة «بريكس» (إ.ب.أ)

وثيقة روسية تكشف تعاوناً مع إيران لتجاوز العقوبات

قالت شبكة «فوكس نيوز» الأميركية إن التعاون يهدف، من بين أمور أخرى، إلى الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على البلدين.

«الشرق الأوسط» (لندن- موسكو)

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
TT

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)

استعادت القوات الحكومية اليمنية، أمس (الأحد)، جبل نعمان الاستراتيجي غرب محافظة تعز، بعد مواجهات مع الحوثيين.

وأكدت مصادر عسكرية أن سيطرة الجيش على الجبل أعادت وصل جبهة بني بكاري بجبهة الكدحة، وأمّنت طريق بني بكاري - الأشروح - البيرين. ورأت المصادر أن هذه التطورات أربكت خطط الحوثيين، وجعلت ما تبقى من مواقعهم في عزلة الشراجة مكشوفاً نارياً.

كما تصدّت القوات الحكومية لهجمات حوثية في الدمدم وشريرة والوازعية وراسن وبني عمر، في حين لم يطرأ تغيير على خطوط السيطرة في جرداد والمرتفعات المحيطة بها.


لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

يُراهن لبنان على لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقائهما المرتقب في واشنطن، لتجنب فراغ في الجنوب يحدث بانسحاب قوات «يونيفيل»، في ظل غياب التوافق على المرجعية الدولية البديلة.

وفي السياق، كشف مصدر وزاري، أن الرئيس اللبناني جوزيف عون أثار المخاوف من حصول فراغ في الجنوب، لدى اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. وقال المصدر إنهما أبديا تفهماً لمخاوفه.


تأهب إسرائيلي كبير في الضفة

فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
TT

تأهب إسرائيلي كبير في الضفة

فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)

رفع الجيش الإسرائيلي مستوى التأهب بشكل كبير في الضفة الغربية، أمس (الأحد)، بالمواكبة مع فعاليات «يوم الغفران» اليهودي، كما نصبت القوات الإسرائيلية حواجز عسكرية على مداخل قرى بالضفة.

ووسط استنكار فلسطيني، اقتحم وزير الأمن الإسرائيلي القومي المتطرف إيتمار بن غفير، باحات المسجد الأقصى، أمس، وذلك غداة اقتحام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، منطقة حائط البراق بالقدس المحتلة. وميدانياً، قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينياً في قرية قرب جنين، كما قُتل إسرائيلي في هجوم مسلّح على مستوطنة شمال غرب رام الله.