طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

عملية بسيطة قد تكون وراء تشكّل الأجسام ذات الفصين التي حيّرت العلماء لعقود

كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
TT

طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)

نجح أحد الطلاب في حلّ لغز كوني طال أمدُه يتعلَّق ببعض أكثر الأجسام غرابة في نظامنا الشمسي؛ «رجال الثلج» الجليديين الذين يستوطنون أطرافه البعيدة.

ونقلت «الإندبندنت» عن بحث نشرته دورية «الإخطارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، أنه لطالما تناقش علماء الفلك حول أصول هذه «الثنائيات المتلامسة»؛ وهي أجرام تتكوَّن من كرتين متّصلتين، في شكل يحاكي هيئة «رجل الثلج».

والآن، يزعم باحثون في جامعة ولاية ميشيغان امتلاك أدلة تشير إلى أن عملية بسيطة على نحو مفاجئ يمكن أن تفسّر نشوء هذه الأشكال المميّزة.

توجد أجرام «رجال الثلج» السماوية الغريبة في «حزام كايبر»، وهو امتداد شاسع يقع خلف كوكب نبتون، ويعجّ بالبقايا الجليدية التي يعود تاريخها إلى الحقبة التي تَشكل فيها النظام الشمسي. ويقع هذا النطاق خلف حزام الكويكبات المضطرب الممتدّ بين المريخ والمشتري.

وقد ظلت هذه اللبنات القديمة، المعروفة باسم «الكويكبات الأولية»، على حالها دون أن يمسّها تغيير لمليارات السنوات، ويُصنّف واحد تقريباً من بين كل 10 من هذه الأجرام ضمن فئة «الثنائيات المتلامسة».

ويكمن اللغز المحيّر الذي استعصى على الحلّ في كيفية تشكّل مثل هذه الهياكل الهشَّة، من دون أن تتحطَّم بعنف نتيجة اصطدام بعضها ببعض.

وقد طوَّر جاكسون بارنز، وهو طالب دراسات عليا في الجامعة، أول محاكاة حاسوبية توضح كيف يمكن لهذه الأشكال ذات الفصين أن تنشأ بشكل طبيعي من خلال «الانهيار الجاذبي».

وتُعرف هذه العملية بأنها المسار الذي تتقلَّص من خلاله المادة تحت تأثير جاذبيتها الخاصة، مُتغلّبةً على القوى التي قد تؤدّي بخلاف ذلك إلى تشتّتها.

وكانت النماذج الحاسوبية السابقة تتعامل مع الأجرام المتصادمة وكأنها كتل سائلة تندمج بسرعة لتشكل كرات مفردة، ممّا جعل من المستحيل إعادة محاكاة نشأة «الثنائيات المتلامسة». أما محاكاة بارنز التي استندت إلى مرافق حوسبة عالية الأداء، فقد سمحت للأجرام بالحفاظ على تماسكها واستقرارها برفق ضد بعضها البعض.

وفي حين ذهبت نظريات أخرى إلى أنّ إنتاج هذه الأشكال قد يتطلَّب أحداثاً نادرة أو ظروفاً استثنائية، يرى الباحثون أنّ مثل هذه التفسيرات لا يمكن أن تفسّر وفرتها الظاهرة؛ حيث صرح الدكتور سيث جاكوبسون، الأستاذ المساعد في علوم الأرض والبيئة والمشرف الرئيسي على الدراسة، وأضاف: «إذا كنا نعتقد أن 10 في المائة من الكويكبات الأولية هي ثنائيات متلامسة، فلا يمكن للعملية التي تشكلها أن تكون نادرة؛ إذ إن الانهيار الجاذبي يتوافق تماماً مع ما رصدناه».

يُذكر أنّ الثنائيات المتلامسة شوهدت للمرة الأولى بتفاصيل دقيقة في يناير (كانون الثاني) 2019، عندما حلّقت مركبة «نيو هورايزونز» التابعة لوكالة «ناسا» بالقرب من جرم في «حزام كايبر» سُمّي لاحقاً بـ«أولتيما ثولي». وقد دفعت تلك الصور العلماء إلى إعادة فحص الأجرام البعيدة الأخرى، ليكتشفوا أنّ نحو 10 في المائة من الكويكبات الأولية تشترك في الشكل المميّز عينه.

وفي «حزام كايبر» قليل الكثافة، تنجرف هذه الأجرام دون أن يمسها اضطراب يُذكر، ونادراً ما تصطدم بحطام فضائي آخر.

ففي التاريخ المبكر لمجرّة «درب التبانة»، كانت المجرّة تتكوَّن من قرص من الغاز والغبار؛ ولا تزال بقايا تلك الحقبة قائمة في «حزام كايبر» اليوم، بما في ذلك الكواكب القزمة مثل «بلوتو»، جنباً إلى جنب مع المذنبات والكويكبات الأولية.

تُعد الكويكبات الأولية من بين أولى الأجسام الصلبة التي تشكلت نتيجة تكتل الغبار والمواد التي بحجم الحصى تحت تأثير الجاذبية. وهي تُشبه إلى حدّ كبير كرات الثلج المضغوطة؛ إذ تُمثّل تجمّعات مفكَّكة انبثقت من سحب من الجزيئات متناهية الصغر.

وتُظهر محاكاة بارنز أنه مع دوران إحدى هذه السحب، يمكن أن تنكمش نحو الداخل وتنقسم إلى جسمين منفصلين يبدآن في الدوران بعضهما حول بعض؛ وهي ظاهرة «الكويكبات الثنائية» التي تُرصد بكثرة في «حزام كايبر». ومع الوقت، تتقارب مداراتهما بشكل لولبي حتى يتلامس الزوجان برفق ويندمجان، محتفظين بأشكالهما المستديرة.

ويوضح أنّ السبب وراء بقاء هذه الهياكل التي تبدو هشة لبلايين السنوات يعود ببساطة إلى «عامل المصادفة». ففي مثل هذه المناطق النائية، نادراً ما تحدث اصطدامات. وفي غياب أيّ ارتطام كبير، لا يوجد ما يكفي من القوة لفصل الجسمين عن بعضهما، وهو ما يفسر خلو عدد من الثنائيات المتلامسة من الفوهات الناتجة عن الارتطامات، أو ندرتها الشديدة.

ولطالما ساور العلماء الشك في أنّ الانهيار الجاذبي هو المسؤول عن هذه الظاهرة، لكنهم كانوا يفتقرون حتى الآن إلى نماذج قادرة على اختبار الفكرة بشكل سليم. وفي هذا الصدد، قال بارنز: «أصبحنا قادرين على اختبار هذه الفرضية للمرة الأولى بطريقة علمية رصينة. وهذا هو مبعث الإثارة في هذه الورقة البحثية».

ويعتقد أنّ هذا النموذج قد يساعد الباحثين أيضاً في فهم أنظمة أكثر تعقيداً تضم 3 أجرام أو أكثر؛ إذ يعكف الفريق حالياً على تطوير عمليات محاكاة ترصد تفاصيل عملية الانهيار بدقة أكبر.

ومع انطلاق البعثات الفضائية المستقبلية في أعماق النظام الشمسي الخارجي، يرى الباحثون أنّ شكل «رجل الثلج» المألوف قد يتبيّن أنه أكثر شيوعاً بكثير مما كان يُعتقد في السابق.


مقالات ذات صلة

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

علوم صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض عام 2029.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
يوميات الشرق في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)

13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في تلك اللحظة بالذات، يمكننا أن ندع العواطف تسيطر علينا ونبدأ الحديث عن النجاح...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)

رواد «أرتيميس 2» يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها بشر في الفضاء

اجتاز رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس 2»، الاثنين، أبعد نقطة وصل إليها رواد «أبولو» عن الأرض عام 1970، ليحلقوا فوق مناطق غير مكتشفة من القمر.

«الشرق الأوسط» (هيوستن (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة لا تختلف كثيراً عما يجري على الأرض، فهم يأكلون الفطائر ويلتقطون صوراً بهواتفهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

محمد كردفاني: مررت بفترة اكتئاب بعد نجاح «وداعاً جوليا»

فيلم «وداعا جوليا» حقق نجاحاً لافتاً وأصاب مخرجه بقلق واكتئاب (الشرق الأوسط)
فيلم «وداعا جوليا» حقق نجاحاً لافتاً وأصاب مخرجه بقلق واكتئاب (الشرق الأوسط)
TT

محمد كردفاني: مررت بفترة اكتئاب بعد نجاح «وداعاً جوليا»

فيلم «وداعا جوليا» حقق نجاحاً لافتاً وأصاب مخرجه بقلق واكتئاب (الشرق الأوسط)
فيلم «وداعا جوليا» حقق نجاحاً لافتاً وأصاب مخرجه بقلق واكتئاب (الشرق الأوسط)

قال المخرج السوداني محمد كردفاني إن نجاح العمل الأول لأي مخرج يُصعِّب عليه مهمة إنجاز العمل الثاني، وهو ما تأكّد له بعد فيلمه «وداعاً جوليا»، الذي حقق نجاحاً فنياً ونقدياً وجماهيرياً، وشارك في مهرجانات دولية، وفاز بنحو 65 جائزة، «وهو ما لم يتحقق تقريباً لأي فيلم عربي»، وفق قوله.

وأضاف كردفاني، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا النجاح الكبير جعلني أمرُّ بفترة اكتئاب، حتى استقررت على مشروع فيلمي الثاني (عن الحب وقوانين سبتمبر)، الذي حاز 3 جوائز إنتاجية في الدورة الماضية لمهرجان البحر الأحمر»، لافتاً إلى أنه دخل عالم السينما من باب الكتابة، وأن الإخراج جاء مصادفةً ولم يكن من بين أحلامه، وقد ترك عمله في مجال هندسة الطيران ليتفرّغ للسينما.

وأعادت مشاركته، بوصفه عضوَ لجنة تحكيم في الدورة الـ12 لمهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، إليه ذكرى أول جائزة في حياته، حازها من المهرجان نفسه، حين فاز فيلمه القصير «نيركوك» بجائزة «هيباتيا الذهبية» في الدورة الثالثة للمهرجان. كما كان قد شارك بفيلمه القصير الأول «ذهب ولم يعد» في مهرجان «الإسكندرية لدول البحر المتوسط».

وقال كردفاني إن المشاركة في لجان التحكيم تتيح له مشاهدة أفلام عديدة والاطلاع على ثقافات متباينة، كما تمكّنه، بصفته منتجاً، من اكتشاف أصوات جديدة. وأشار إلى أن أول مشاركة له في لجان التحكيم كانت في مهرجان «كارلوفي فاري» بالتشيك، بعد عام من مشاركته فيه بفيلمه «وداعاً جوليا».

ويرى المخرج السوداني أن الفيلم القصير ليس مرحلة عابرة في حياته مخرجاً، قائلاً: «لدي أفكار لا تصلح إلا أفلاماً قصيرة، وأستمتع شخصياً بصناعتها، لأنها تمنح صانعها حرية التجريب. كما أتطلع لخوض تجربة عمل كوميدي. والأفلام القصيرة مهمة للمخرجين الجدد، لأنها تتيح لهم تنفيذ مشروعاتهم دون تمويل كبير، وتمنحهم خبرات قبل خوض تجارب الأفلام الطويلة».

وبعد 3 سنوات من فيلمه «وداعاً جوليا»، استقر كردفاني أخيراً على ثاني أفلامه «عن الحب وقرارات سبتمبر». ويقول عن سبب تأخره: «لأن الفيلم الثاني أصعب من الأول، ولا سيما إذا حقق الأول نجاحاً كبيراً. لقد مررت بفترة أشبه بالاكتئاب لمدة عام ونصف عام بعد نجاح (وداعاً جوليا)، ولم أتحمس لأي فكرة. وكلما كتبت فكرة مزّقت أوراقها لشعوري بأنها لا تعبِّر عما أطمح إليه. ومنذ نحو عام استقررت على فكرة، وتمسكت بها، وبدأت العمل عليها، لكن تشغلني أمور كثيرة، مثل إنتاج أفلام قصيرة لمخرجين سودانيين وسعوديين من خلال شركتي المتخصصة في الوثائقيات، إضافة إلى السفر والحرب في السودان والشرق الأوسط، ما يجعلني لا أجد وقتاً كافياً للكتابة».

كردفاني قال إن الصدفة قادته إلى الإخراج (الشرق الأوسط)

ولا يواجه مشروع فيلمه مشكلة في الإنتاج، كما يقول: «يسير المشروع إنتاجياً بخطى جيدة، بدءاً من صندوق البحر الأحمر الذي حصلنا منه على 3 جوائز بقيمة 87 ألف دولار في الدورة الماضية للمهرجان. كما تشارك في الإنتاج جهات دعمت (وداعاً جوليا) وتواصلت معنا، وحصلنا على دعم أفريقي جديد يُمنح للأفلام القادرة على تغيير وجهات نظر الناس. لذا تسير الأمور الإنتاجية بشكل أسهل كثيراً مقارنة بالفيلم الأول». وأكد أنه يتطلع إلى بدء التصوير في سبتمبر (أيلول) 2027.

واعتاد كردفاني كتابة أفلامه بنفسه، موضحاً أن رحلته بدأت عبر الكتابة، إذ قال: «كنت أكتب القصص ويقرأها زملائي في الجامعة، فكتبت قصة (ذهب ولم يعد)، وفكرت في تحويلها إلى فيلم قصير لأجرب وسيطاً جديداً لنقل القصة. وخلال تصويرها أحببت السينما، إذ لم يكن من بين طموحاتي أن أكون مخرجاً، ولم أشاهد أفلاماً كثيرة من قبل، لكن الأمر جاء مصادفة».

وترك كردفاني عمله مهندساً للطيران من أجل السينما، كما يوضح: «تركت عملي وعدت إلى السودان، وأسّست شركة إنتاج. وجعلني ذلك أنظر إلى الأمر بما يتجاوز كونه هواية، فأنا رب أسرة، وهذه المشروعات السينمائية لا بد أن تنجح فنياً وتجارياً أيضاً. وكنت أعيش في البحرين، ثم عدت إلى السودان عام 2022، وأسست الشركة واستقررت فيها، حتى اندلعت الحرب في 2023، فاضطررت إلى المغادرة، وأنا الآن مقيم في القاهرة».

وجمع فيلم «وداعاً جوليا» بين النجاح الجماهيري والفني، وحاز نحو 65 جائزة دولية، من أبرزها «جائزة الحرية» في مهرجان «كان». ويقول كردفاني: «أكثر ما أفخر به في هذا الفيلم أنه نُفّذ على يد شباب صغار عملوا معي، وبفضل نجاحه تمكن أكثر من نصف هذا الفريق من العمل في السينما، سواء في السعودية أو مصر، في وقت كان من الصعب فيه على السودانيين الحصول على وظائف بعد الحرب».

ويرى كردفاني أن السينما منحت الأمل للسودانيين، إذ جاء عرض فيلم «وداعاً جوليا» بوصفه حدثاً مبهجاً وسط أحداث مأساوية خلفتها الحرب في بلاده، فحظي باحتفاء واسع. ويشير إلى أن بعضهم شاهد الفيلم مرات عدَّة، حتى وصل عدد دور العرض إلى 30 صالة في القاهرة، وهو ما لم يتحقق لأي فيلم عربي هناك.

وتجمعه صداقة بمواطنه المخرج أمجد أبو العلا، الذي شاركه إنتاج «وداعاً جوليا»، وشجّعه على تقديمه كفيلم طويل بعد أن كان ينوي تقديمه عملاً قصيراً، كما دعاه للمشاركة في فيلمه «ستموت في العشرين»، ليكتشف عالماً مختلفاً لا يقوم فيه المخرج بكل شيء، بل يعمل ضمن فريق كبير ذي أدوار محددة. واستمر التحضير للفيلم 4 سنوات، لينتهي التصوير قبل اندلاع الحرب في السودان بشهرين فقط.


مسابقة «النقاد للأفلام العربية» تجتذب القضايا السياسية والإنسانية

من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

مسابقة «النقاد للأفلام العربية» تجتذب القضايا السياسية والإنسانية

من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

اجتذبت القائمة النهائية للمرشحين لجوائز «النقاد للأفلام العربية» في نسختها العاشرة، والمقرر إعلان نتائجها خلال حفل خاص على هامش الدورة المقبلة من مهرجان «كان» السينمائي الدولي يوم 16 مايو (أيار) الحالي، الأفلامَ السياسية والإنسانية، لتكون القضايا الأبرز في الاختيارات التي ضمّت 24 فيلماً من مختلف الدول العربية، تنوَّعت بين الروائي الطويل والوثائقي.

واختار «مركز السينما العربية»، المنظم للمسابقة، 307 نقاد سينمائيين من 75 دولة للمشاركة في التصويت على أبرز الأفلام العربية التي عُرضت خلال العام الماضي. وتصدَّر القائمة الفيلم الفلسطيني «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، الذي حصد 6 ترشيحات في الإخراج، والسيناريو، والتمثيل، بالإضافة إلى جائزة أفضل فيلم. وهو عمل مدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر»، وانطلق عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «تورونتو» السينمائي في كندا.

«فلسطين 36» هو دراما تاريخية تستحضر لحظة مفصلية من تاريخ فلسطين، وتُسلِّط الضوء على مرحلة الانتداب البريطاني من خلال قصة إنسانية كثيفة المشاعر والتفاصيل، بالتزامن مع اندلاع الثورة الكبرى عام 1936، بوصفها أوسع انتفاضة جماعية ضد الاستعمار البريطاني، شارك فيها فلسطينيون من مختلف الطبقات والقرى والمدن، وشكَّلت منعطفاً حاسماً في مسار النضال المناهض للاستعمار.

تصدّر فيلم «فلسطين 36» ترشيحات النقاد (الشركة المنتجة)

وينافس الفيلم المغربي «زنقة مالقا» للمخرجة مريم التوزاني في القائمة النهائية على 5 جوائز، من بينها أفضل فيلم، إلى جانب التمثيل، والإخراج، والسيناريو، والموسيقى. وتدور أحداثه حول «ماريا»، وهي امرأة إسبانية تبلغ من العمر 79 عاماً، تعيش وحيدة في طنجة، وتتشبث ببيتها العتيق الذي أصبح جزءاً من ذاكرتها وهوّيتها.

في حين يمثّل الفيلم السعودي «هجرة» السينما السعودية في قائمة الترشيحات، منافساً على جائزتَي أفضل ممثل لبطله نواف الظفيري، وأفضل موسيقى. وتبدأ قصته في مدينة الطائف، مروراً بمكة المكرمة، حيث تختفي الفتاة «سارة»، فتبدأ الجدة والطفلة «جنى» في البحث عنها، متجهتَين نحو الشمال. ومن هنا ينتقل الفيلم إلى الصحراء، قبل أن يستقر في جبال تبوك الثلجية.

ومن بين الأفلام المرشحة أيضاً، أعمال شاركت في مهرجانات دولية، مثل الفيلم المصري «المستعمرة» الذي عُرض في مهرجان «برلين»، والفيلم الأردني «اللي باقي منك» الذي حصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «البحر الأحمر» بدورته الماضية، إلى جانب الوثائقي المصري «الحياة بعد سهام» الذي نال جوائز عدَّة منذ عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «كان».

وأكد المؤسس والشريك في «مركز السينما العربية»، علاء كركوتي، لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار الجوائز للعام العاشر أسهم في توسيع قاعدة النقاد المشاركين من مختلف أنحاء العالم. وقال: «كلما زاد عدد الجنسيات المشاركة، الذي وصل إلى 75 جنسية، اتسعت مساحة مشاهدة وتقييم الإنتاج السينمائي العربي، ولم يعد الأمر حكراً على لغات أو مناطق بعينها، بل أصبح انعكاساً مباشراً لتنوع الكتابة النقدية حول هذه الأفلام». وأضاف أن هذا التنوع يُسهم في إبراز الإنتاج السينمائي العربي سنوياً أمام عدد كبير من النقاد والمبرمجين في المهرجانات الدولية، مما يساعدهم على اختيار الأفلام المناسبة لبرامجهم، وبالتالي يعزّز فرص ترويج السينما العربية عالمياً.

لقطة من فيلم «زنقة مالقا» (الشركة المنتجة)

وأشار كركوتي إلى أن معايير الاختيار تختلف في ظل هذا العدد الكبير من الجنسيات، إذ إن الوصول إلى إجماع ليس أمراً سهلاً، نظراً إلى تباين وجهات نظر النقاد، مما يخلق حالة من التعدد والثراء في التقييم. ولفت إلى أن العملية التنظيمية لا تواجه صعوبات تُذكر، غير أن التحدي الحقيقي يكون لدى النقاد أنفسهم، لا سيما في السنوات التي تشهد زخماً في الإنتاجات القوية، كما حدث في عام 2025، الذي وصفه بأنه عام مزدحم بالأفلام المميزة، مما وضع النقاد في حيرة عند التصويت، قبل أن يحسموا اختياراتهم في النهاية.

من جانبه، قال عضو لجنة التحكيم، الناقد السعودي أحمد العياد، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهمية جوائز «النقاد للأفلام العربية» لا تقتصر على تكريم أفضل الإنتاجات، بل تمتد إلى دورها الحيوي في تسليط الضوء على السينما العربية ضمن سياق دولي واسع، خصوصاً مع إعلان نتائجها على هامش مهرجان «كان» السينمائي، إحدى أهم المنصات العالمية لصناعة السينما. وأضاف أن هذا التوقيت يمنح الأفلام العربية فرصة أكبر للحضور والتأثير، حيث تتجه أنظار العالم إلى «كان»، مما يُسهم في إبراز التجارب العربية أمام صُنّاع القرار والمبرمجين والنقاد من مختلف الدول.

وأشار إلى أن توسّع قاعدة المصوتين سنوياً وضم أسماء جديدة من نقاد دوليين يعزّزان انتشار الجائزة ويمنحانها تنوعاً أكبر في الرؤى، وهو ما ينعكس مباشرة على الترويج للسينما العربية عالمياً. ولفت إلى أن المشهد السينمائي الدولي يشهد حالياً توجهاً متزايداً نحو الشراكات العابرة للحدود، مما يجعل من هذه الجوائز منصة مهمة لدعم هذا الاتجاه، عبر تعريف العالم بإمكانات السينما العربية وفتح آفاق جديدة للتعاون والإنتاج المشترك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أسلوب الكتابة يكشف الحالة النفسية... هل تفضح الكلمات الاكتئاب؟

ما يمرّ على الورق... مرَّ في القلب أولاً (جامعة فرجينيا كومنولث)
ما يمرّ على الورق... مرَّ في القلب أولاً (جامعة فرجينيا كومنولث)
TT

أسلوب الكتابة يكشف الحالة النفسية... هل تفضح الكلمات الاكتئاب؟

ما يمرّ على الورق... مرَّ في القلب أولاً (جامعة فرجينيا كومنولث)
ما يمرّ على الورق... مرَّ في القلب أولاً (جامعة فرجينيا كومنولث)

وجدت دراسة دولية أن أسلوب الكتابة اليومي قد يحمل مؤشرات دقيقة على الحالة النفسية للأفراد، بما في ذلك عوارض الاكتئاب، ممّا يفتح المجال أمام استخدام اللغة أداةً مساعدة في التشخيص المبكر للاضطرابات النفسية.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة العلوم الاجتماعية والإنسانية في بولندا، أن نتائج الدراسة تشير إلى إمكان رصد علامات الاكتئاب في وقت مبكر من خلال تحليل الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل تفاقم الحالة، ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية متخصصة بالاضطرابات المزاجية والقلق.

والاكتئاب هو اضطراب نفسي شائع يؤثّر في المزاج والتفكير والسلوك، ويتميَّز بمشاعر مستمرة من الحزن وفقدان الاهتمام أو المتعة في الأنشطة اليومية.

وركزت الدراسة على مفهوم يُعرف باسم «الفاعلية الدلالية»، وهو مقياس يعكس درجة استخدام الفرد للغة التي تعبّر عن السيطرة الفعلية على أفعاله وقراراته.

وأجرى الباحثون دراستين اعتمدتا على تحليل لغوي واسع لأكثر من 17 ألف منشور على منصة «إكس»، وأكثر من 3 آلاف منشور على منصة «ريديت»، باستخدام تقنيات التعلّم الآلي ونماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقييمات خبراء.

وقد اختيرت هاتان المنصتان؛ لأن المستخدمين غالباً ما يشاركون فيهما تجارب شخصية حقيقية، مع التركيز على النساء في مرحلة ما بعد الولادة، لكونهنّ من الفئات الأكثر عرضة للاكتئاب.

وأظهرت نتائج الدراستين أن انخفاض «الفاعلية الدلالية» يرتبط بشكل موثوق بعوارض المزاج المنخفض والاكتئاب.

كما استخدم الباحثون خوارزمية لقياس هذا المفهوم على مقياس يتراوح بين - 100 و100. فعلى سبيل المثال، حصلت جملة مثل: «كنتُ أشعر بأنني أتحدر تدريجياً إلى عمق أكبر» على درجة - 46.64، وهو ما يعكس مستوى منخفضاً من الفاعلية والشعور بالعجز.

في المقابل، حصلت جملة مثل: «بعد أشهر من ولادتي ركضت أول كيلومتر لي وشعرتُ بفخر كبير» على درجة 56.14، ممّا يعكس مستوى مرتفعاً من الفاعلية.

كما نقل الباحثون شهادة لأحد المرضى جاء فيها: «الاكتئاب يجعلني غير قادر تماماً على القيام بأي شيء... حتى ارتداء الملابس يبدو مهمّة صعبة».

وتوضح الدراسة أن هذا الشعور العميق بالعجز وفقدان القدرة على الفعل يُعدّ من العوارض الشائعة لدى المصابين بالاكتئاب السريري، كما يظهر أيضاً في حالات اكتئاب ما بعد الولادة.

ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون عوارض اكتئاب يميلون إلى استخدام لغة سلبية أو صيغ مبنية للمجهول، وهو ما يعكس شعوراً متزايداً بفقدان السيطرة على حياتهم. كما أظهرت التحليلات أن المنشورات التي تتناول تجارب مؤلمة بعد الولادة تحتوي بشكل أكبر على هذا النمط اللغوي.

ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة تكمن في إثبات إمكان رصد هذه الأنماط اللغوية بشكل آلي على وسائل التواصل الاجتماعي، ممّا قد يفتح الباب أمام تطوير أدوات جديدة في تشخيص الاضطرابات النفسية، خصوصاً في حالات اكتئاب ما بعد الولادة، إذ يمكن أن يُسهم التدخّل المبكر في تحسين صحة الأم والطفل معاً.