على ربوة من الحرة الغربية في المدينة المنورة، يقف «مسجد القبلتين» شاهداً حياً على لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي؛ حيث لم يكن مجرد بناء من اللبن والسعف وجذوع النخيل عند تشييده في العام الثاني للهجرة، بل كان مسرحاً لحدث غيّر وجهة الصلاة في العالم أجمع.

قصة التحول: من القدس إلى مكة
تعود ذاكرة المكان إلى الـ15 من شعبان في العام الثاني للهجرة، حينما كان النبي محمد، يزور أم بشر من بني سلمة، وأثناء أدائه لصلاة الظهر، نزل الوحي الإلهي بآية كريمة، ليتحول النبي والمصلون خلفه في منتصف الصلاة من استقبال بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. وبتلك الركعات التي انقسمت بين قبلتين، اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد، وبات مزاراً لا تغيب عنه شمس الزوار.
يحكي الدكتور عبد الرحمن الوقيصي، الباحث في التاريخ، حكاية المسجد وتاريخيته، وقال حينما خلت البقاع حول مسجد النبي، أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم، التي هي اليوم منطقة مسـجد القبلتين وما حولها، إلى قرب المسـجد النبوي، فنهاهم النبي، وقال لهم حديثه المشهور: (يا بني سلِمةَ دِيارَكم تُكتَبْ لكم آثارُكم) قالها ثلاثاً.
ويضيف الوقيصي: «من هنا يظهر إعطاء النبي هذا المسجد، وما حوله أهمية خاصة، حتى لا تُهجر هذه المنطقة، وحتى يُكتب لهم أجر الصلاة في مسجدهم، الذي كان يعرف أصلاً باسم مسجد بني سلم في ذلك الوقت، وحتى يُكتب لهم أيضاً أجر القدوم إلى النبي والعودة إلى ديارهم في كل مرة يقدمون عليه».

رحلة الإعمار والازدهار
لم ينقطع اهتمام المسلمين بهذا المعلم عبر العصور؛ فقد جدده عمر بن عبد العزيز عام 87هـ، ثم شاهين الجمالي عام 893هـ، وصولاً إلى العصر العثماني في عهد سليمان القانوني.
إلا أن النقلة النوعية الكبرى بدأت في العهد السعودي، انطلاقاً من أمر الملك عبد العزيز، بتجديد عمارته وتوسعته وبناء مئذنة له لتصل مساحته إلى 425 متراً مربعاً.
واستمرت عجلة التطوير في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، الذي أمر بإعادة بناء المسجد وتوسعته وفق أحدث التقنيات الهندسية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، وصولاً إلى التحسينات المستمرة في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة ضيوف الرحمن.

رؤية حضارية لـ 8 ملايين زائر
واليوم، يشهد المسجد تحولاً جديداً تحت إشراف هيئة تطوير المدينة المنورة من خلال «مركز القبلتين الحضاري»، وهو مشروع تطويري شامل يهدف لتعزيز تجربة الزوار وربط التاريخ بالحاضر.
وتشمل أبرز ملامح التطوير الحديث، زيادة الطاقة الاستيعابية حيث قفزت القدرة الاستيعابية للمسجد والساحات الخارجية لتستوعب أكثر من 20 ألف مصلٍ في وقت واحد، إضافة إلى التجهيزات اللوجيستية، وتزويد الموقع بـ50 مظلة ذكية مزودة بمراوح رذاذ، بالإضافة إلى مواقف ضخمة تتسع لـ300 حافلة.
وسجل المركز أرقاماً قياسية، حيث استقبل أكثر من 8 ملايين زائر خلال عام 2025، ما يجعله إحدى أكثر الوجهات الدينية والسياحية جذباً في المنطقة. ويقع المركز على بُعد نحو 5 كم شمال غربي المسجد النبوي، ويفتح أبوابه على مدار الساعة، ليقدم نموذجاً فريداً يجمع بين الروحانية التاريخية والخدمات العصرية، مؤكداً مكانة المدينة المنورة وجهة عالمية للحضارة الإسلامية.





