الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

العلاقات بين ماكرون وميرتس «باردة»... ومشروعهما الدفاعي مُهدّد

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
TT

الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)

في 25 مارس (آذار) من عام 1957، وُقّعت في روما معاهدة إطلاق «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» التي تحوّلت مع مرور العقود إلى الاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم، والذي يضُمّ 27 دولة بعد أن خرجت منه بريطانيا في عام 2020.

في البداية، كانت «المجموعة» مُشكّلة فقط من ستة بلدان مؤسسة هي: فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. انضمت إليها تباعاً الدول الأخرى، خصوصاً تلك التي خرجت من عباءة حلف وارسو بعد انهياره في عام 1991. لكن المعطى الثابت منذ نحو 70 عاماً أن فرنسا وألمانيا كانتا تعدان «مُحرّك» التكتل الأوروبي: الأولى تمتلك السلاح النووي، وهي الوحيدة داخل «الاتحاد» بعد «البركسيت» البريطاني، والثانية تتميز بكونها أكبر اقتصاد في المنطقة الأوروبية.

برلين وباريس... تاريخ حروب وشراكة

واللافت لدى خبراء العلاقات الفرنسية - الألمانية التي عانت من سلسلة حروب طاحنة، في عهد الإمبراطورين نابليون الأول ونابليون الثالث، ثم إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، أن الطرفين نجحا منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي في قلب الصفحات الدامية، والدخول في عملية تصالح وتعاون أثمرت رعاية قيام التكتل الأوروبي.

بوتين مع ميركل وماكرون في مناسبة سابقة (رويترز)

وكان ذلك بفعل الحاجة من جهة، ولكن أيضاً بفضل التفاهم بين الثنائي الحاكم في البلدين. فالعلاقات التي نسجها الجنرال ديغول والمستشار أديناور مهدت طريق الحوار والتعاون لمن خلفهما. وبعد الثنائي المذكور، برز ثنائي آخر بين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هيلموت شميدت، ثم ثنائي فرنسوا ميتران وهيلموت كول. وهكذا دواليك، وصولاً إلى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي عرف ثلاثة مستشارين: أنغيلا ميركل وأولاف شولتس وفريدريش ميرتس.

مع الأولى، كانت علاقات ماكرون جيدة بشكل عام؛ إذ أطلقا معاً إصلاحات اقتصادية ومالية ومشاريع دفاعية، أبرزها في عام 2017 مشروع إنتاج طائرة المستقبل القتالية. كذلك تعاونا معاً لمواجهة جائحة «كوفيد-19»، وأبرز ما قاما به استدانة جماعية لمبلغ 750 مليار يورو عن طريق مفوضية الاتحاد لدعم الاقتصاد الأوروبي المهتز.

علاقات معقدة بين ماكرون وميرتس

بيد أن وصول أولاف شولتس الاشتراكي إلى المستشارية غيّر الوضع. ماكرون وشولتس لم ينجحا في بناء علاقة شخصية قوية لاختلاف المزاج بين الرجلين، وبسبب «البرودة» التي تميز بها الثاني. لكن ماكرون استفاد من الوضع الجديد ليطرح نفسه، مع انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا، «زعيماً» لأوروبا، إلا أن وصول ميرتس، المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، قلب الوضع رأساً على عقب؛ إذ إنه نافس ماكرون منذ اليوم الأول.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متوسّطاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في ميونيخ يوم 13 فبراير (أ.ب)

ويوماً بعد يوم، كانت تظهر التشققات في العلاقات بين طرفَي «المُحرّك» الأوروبي. فمن جهة، تأخذ برلين على باريس سياستها الاقتصادية التي تعتبرها «كارثية»، وعنوانها نسبة المديونية الفرنسية قياساً بالناتج الداخلي الخام، والتي تُعدّ من الأسوأ داخل الاتحاد الأوروبي.

كذلك، ترفض ألمانيا المقترح الفرنسي القاضي بتكرار الاستدانة الجماعية. وتعثّرت العلاقات بين الجانبين إلى درجة أن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، المعروف بتحفظه، لم يتردد في انتقاد غياب الإصلاحات الاقتصادية والمالية الفرنسية، وضعف الاستثمارات الفرنسية في ميدان الدفاع قياساً بما أقرّته ألمانيا، ومن ذلك تخصيص 86 مليار يورو للنفقات الدفاعية العام الحالي، والتخطيط للوصول إلى 150 ملياراً في عام 2029، في حين أن الميزانية الدفاعية الفرنسية تبلغ، بشق الأنفس، 57 مليار يورو للعام الحالي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه يوم 6 يناير (د.ب.أ)

ثمة مسائل أخرى تواجَه فيها الطرفان؛ فالرئيس الفرنسي كان من بين أبرز الذين أجهضوا، نهاية العام الماضي، مشروع استخدام الأصول المالية الروسية المجمدة في أوروبا، خصوصاً في بلجيكا، لتقديم قروض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، الأمر الذي أجبر المفوضية على استدانة المبلغ من الأسواق المالية. وكان ميرتس من أهم المتحمسين والدافعين للاستحواذ مؤقتاً على الأصول الروسية.

كذلك، فإن ماكرون كان من أشدّ الرافضين لإبرام معاهدة التجارة الحرة مع دول أميركا الجنوبية، المعروفة بـ«ميركوسور»؛ لأن باريس اعتبرت أنها تمسّ بمصالح فئة من المزارعين الفرنسيين، في حين أن برلين كانت تدفع للسير بها بقوة؛ لما تفتح أمام صناعاتها، خصوصاً صناعة السيارات، من أسواق في الجزء الجنوبي من القارة الأميركية. وفي المقابل، فإن ميرتس أجهض رغبة ماكرون في الاستدانة الجماعية مجدداً لدعم الاقتصاد الأوروبي.

صعوبات بناء الصناعات الدفاعية المشتركة

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض بداية عام 2025، واستشعار الأوروبيين أن التزام واشنطن بالحلف الأطلسي لم يعد كما كان في السابق، وجد ماكرون أن دعوته لبناء قوة أوروبية تدافع عن مصالح أوروبا أخذت تلقى آذاناً صاغية.

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (يميناً) يفحص غواصة مسيّرة خلال زيارته مركزاً للابتكار تابعاً للجيش الألماني في منطقة إردينغ بالقرب من مدينة ميونيخ جنوب ألمانيا (أ.ف.ب)

وكانت باريس قد صُدمت من مشروع ألماني سابق يقوم على بناء «درع الفضاء الأوروبي» المخصص لحماية السماء الأوروبية من الصواريخ والمسيّرات. المشروع أطلقته برلين في سبتمبر (أيلول) من عام 2022، ووصل عدد المشاركين فيه إلى 20 بلداً ليست فرنسا من بينهم. ويتميز المشروع بالرغبة في الإسراع ببناء «الدرع» عن طريق الاستفادة من أنظمة الدفاع الجوي المتوافرة في السوق الدولية، من غير التركيز على الصناعات الدفاعية الأوروبية. وأبرز نظامين دفاعيين لجأ إليهما القائمون بالمشروع، بقيادة ألمانية، هما نظام «باتريوت باك 3ـ إم إس إي» الذي تنتجه شركتا «رايتن» و«لوكهيد مارتن» الأميركيتين، وهو نظام للدفاع الجوي متوسط المدى. ونظام «أروــ 3» الإسرائيلي للدفاع الجوي والفضائي للمستويات المرتفعة الذي تنتجه شركة «الصناعات الفضائية الإسرائيلية» بالاشتراك مع شركة «بوينغ». والطرف الأوروبي الوحيد هو شركة «دييل ديفانس» الألمانية للدفاع الجوي المنخفض والمتوسط.

إجهاض مشروع طائرة المستقبل القتالية

ما سبق يميط اللثام عن صعوبة السير بصناعات دفاعية مشتركة على المستوى الأوروبي. لكن ثمة مشروع آخر يُبيّن صعوبة التعاون الفرنسي - الألماني، والذي احتلّ حيّزاً وافراً من الصحافة الأوروبية خلال الأسبوع الماضي.

سرب طائرات «رافال» فرنسية الصنع في تمرين «أوريون 26» قرب قاعدة سان نازيرن يوم 19 فبراير (رويترز)

ذلك أنه بعد 9 سنوات على إطلاق برنامج فرنسي - ألماني طموح يقوم على بناء طائرة قتالية من الجيل الجديد (نظام القتال الجوي المستقبلي)، بقيمة تبلغ 100 مليار يورو، يبدو اليوم أنه في طريقه إلى الانهيار بسبب الخلافات بين باريس وبرلين، وأيضاً بين الشركات الضالعة في المشروع.

وسرت معلومات في الأيام القليلة الماضية أن برلين تسعى لشراء 35 طائرة من طراز «إف-35» المتطورة من الولايات المتحدة، ما يعني أنها قلبت صفحة الطائرة القتالية المستقبلية التي كان من المفترض أن تدخل الخدمة في عام 2040. كذلك، ثمة معلومات تتحدث عن احتمال أن تلتحق برلين ببرنامج منافس بريطاني - إيطالي - ياباني إذا تبين لها أنه يصعب التغلب على الهوة القائمة بينها وبين باريس.

وكانت إسبانيا قد انضمت إلى المشروع الثنائي في عام 2019، إلا أن صوتها يبدو ضعيفاً إزاء العاصمتين الكبريين.

حقيقة الأمر أن شركة «داسو للصناعات الجوية» الفرنسية التي تصنّع طائرة «رافال» القتالية، تجد نفسها اليوم في وضع المهيمن، نظراً للنجاحات التي حصدتها «رافال» في السنوات الماضية. وآخر نجاحاتها سيكون توقيع عقد بين باريس ونيودلهي قريباً لتزويد الهند بـ114 طائرة «رافال»، إضافة إلى 35 طائرة أخرى تنطلق من حاملات الطائرات.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يتصافحان عقب مؤتمرهما الصحافي في مدينة مومباي يوم 17 فبراير (أ.ب)

وسبق لـ«داسو» أن باعت طائرتها إلى مصر والإمارات واليونان وصربيا، وإلى العديد من الدول الأخرى. كما أنها المزود الوحيد للجيش الفرنسي. ولذا، تعتبر «داسو» أن قيادة مشروع الطائرة المشتركة يجب أن يعود إليها حكماً، باعتبار أن الجانب الألماني وإن كان يملك حصة في شركة «بوينغ» للطائرات التجارية، فإنه لا يمتلك الخبرة الضرورية لبناء الطائرات القتالية.

وإذا فرط عقد الطائرة المشتركة، فإن الأوروبيين سيجدون أنفسهم في منافسة أوروبية داخلية حامية لإنتاج طائرة المستقبل، الأمر الذي سينعكس على طموحاتهم لبناء صناعات دفاعية موحدة يُفترض أن تشكل البنية الأساسية لقيام دفاع أوروبي مشترك، والسير نحو الاستقلالية الاستراتيجية.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

‌قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقناة «سي.إن.إن» في مقتطفات من ​مقابلة بُثت أمس السبت إن روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة.

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

‌قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقناة «سي.إن.إن» في مقتطفات من ​مقابلة بُثت أمس السبت إن روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة لاستخدامها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال زيلينسكي لفريد زكريا على قناة «سي.إن.إن» إن استخدام إيران لطائرات «شاهد" الروسية ‌الصنع لمهاجمة ‌القواعد الأمريكية ​هو «حقيقة ‌مؤكدة ⁠بنسبة ​100 في المائة».

مسيرة إيرانية من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا على الأراضي الأوكرانية في معرض بالعاصمة كييف (رويترز)

وتم ربط ⁠طائرات «شاهد» المسيرة بهجمات أخرى على دول في المنطقة، على الرغم من أن هوية الشركات المصنعة لها ليست واضحة دائما. كانت إيران رائدة ⁠في تطوير طائرات «شاهد» ‌المسيرة، وهي ‌بديل أرخص بكثير من ​الصواريخ باهظة ‌الثمن. وقال الأوكرانيون ‌إن هذه الطائرات شهدت استخداما واسعا لأول مرة خلال الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث أطلقت القوات الروسية الآلاف ‌منها منذ خريف عام 2022.

وعلى الرغم من أن ⁠إيران ⁠هي التي زودت هذه الطائرات في البداية، إلا أن روسيا تصنع الآن طائرات «شاهد» الخاصة بها. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت القوات المسلحة لدول أخرى طائرات مسيرة من طراز «شاهد»، بما في ذلك الجيش الأمريكي، ​الذي صرح ​بأنها جزء من الحملة الحالية ضد إيران.


سويسرا ترفض طلبين أميركيين لتحليق طائرات مرتبطة بالحرب على إيران

مقاتلات أميركية تحلّق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» المشتركة في الضربات على إيران (أ.ف.ب)
مقاتلات أميركية تحلّق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» المشتركة في الضربات على إيران (أ.ف.ب)
TT

سويسرا ترفض طلبين أميركيين لتحليق طائرات مرتبطة بالحرب على إيران

مقاتلات أميركية تحلّق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» المشتركة في الضربات على إيران (أ.ف.ب)
مقاتلات أميركية تحلّق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» المشتركة في الضربات على إيران (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة السويسرية، اليوم السبت، أنها ناقشت طلبات قدمتها طائرات عسكرية ورسمية أميركية للتحليق فوق أراضيها، وأنها رفضت طلبين ووافقت على ثلاثة بناء على قانون الحياد السويسري.

وذكرت الحكومة، في بيان نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، أنه «يحظر قانون الحياد تحليق الطائرات التابعة لأطراف الصراع التي تخدم أغراضاً عسكرية متعلقة بالصراع. ويسمح بالعبور لأغراض إنسانية وطبية، بما في ذلك نقل الجرحى، وكذلك التحليق غير المرتبط بالصراع».

وهددت إيران، السبت، بتصعيد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط باستهداف أي منشأة في المنطقة لها صلات بالولايات المتحدة، وذلك بعد أن قصفت واشنطن مركز الطاقة الرئيسي لها. وتوقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن ترسل «دول كثيرة» سفناً حربية للمنطقة.

ومع دخول الصراع أسبوعه الثالث، رفعت إيران راية التحدي بعدما قصفت قوات أميركية مواقع عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية التي تُصدر 90 في المائة من النفط الإيراني.

ومنذ أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة الهجوم على إيران في 28 فبراير (شباط)، أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من ألفي شخص، معظمهم في إيران، وتسببت في أكبر اضطراب في إمدادات النفط على الإطلاق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار العالمية.

وقال ترمب إن دولاً كثيرة سترسل سفناً حربية للسماح بمرور السفن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20 في المائة من إمدادات الطاقة في العالم.


«اليونيسكو» قلقة من تداعيات الحرب على مئات المواقع التراثية في الشرق الأوسط

مقر «اليونيسكو» في باريس (أ.ف.ب)
مقر «اليونيسكو» في باريس (أ.ف.ب)
TT

«اليونيسكو» قلقة من تداعيات الحرب على مئات المواقع التراثية في الشرق الأوسط

مقر «اليونيسكو» في باريس (أ.ف.ب)
مقر «اليونيسكو» في باريس (أ.ف.ب)

تُثير الحرب في الشرق الأوسط التي اندلعت بسبب الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران قلق منظمة «اليونيسكو» التي تخشى من اتساع نطاق الأضرار التي لحقت بمواقع تراثية في عدد من بلدان المنطقة.

ويقول لازار إلوندو أسومو، مدير مركز التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يطاول النزاع ما يقرب من 18 دولة، يوجد فيها نحو 125 موقعاً من مواقع التراث العالمي، و325 موقعاً آخر يمكن أن تصبح مواقع تراث في المستقبل».

ويضيف: «نحن نتحدث عما يقرب من 10 في المائة من مواقع التراث العالمي التي قد تكون معنيّة أو ضحية لتبعات الأعمال العدائية»، متابعاً أن ما يُثير قلق المنظمة هو تلقيها معلومات عن «تعرّض مواقع للقصف»، لا سيّما في إيران، لكن أيضاً في إسرائيل ولبنان.

ومن بين 29 موقعاً إيرانياً مدرجة على لائحة التراث العالمي، أحصت «اليونيسكو» حتى الآن تضرّر 4 مواقع على الأقل، أبرزها قصر غُلِستان الواقع وسط طهران.

ويقول إلوندو أسومو: «إنه قصر مذهل، بزخارفه من المرايا، وثريّاته الاستثنائية، ومكان شهد شطراً كبيراً من تاريخ إيران بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر».

وحسب لقطات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، تحطّمت النوافذ وتناثر على أراضي غرف عدة حطام المرايا والثريّات والزجاجيات الملوّنة التي تشتهر بها أروقة القصر.

وتضرر أيضاً مسجد الجمعة في أصفهان (وسط) «بخزفياته المدهشة وقبته الرائعة التي ألهمت بناء المساجد في المنطقة»، وفق المسؤول في المنظمة.

وبعد مرور أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب، أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة الإيرانية، السبت، عن تضرر 56 متحفاً وموقعاً تاريخياً على الأقل، أبرزها قصر غلستان في طهران وساحة نقش جهان الرئيسية في أصفهان.

وفي لبنان، تعرضت أنحاء قريبة من المدفن الأثري في منطقة البص في مدينة صور (جنوب)، والمدرج على لائحة التراث العالمي، لضربات إسرائيلية.

وأكد مسؤولون أن الموقع نفسه لم يتعرض لأضرار. وندد وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة بهذه الضربات، وقال إن «المواقع الأثرية ليس فيها أيّ وجود عسكري أو أمني، وبالتالي لا يمكن استعمال هذه الحجّة لقصفها أو المساس بها»، حسبما نقلت عنه «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية.

ويلفت المسؤول في «اليونيسكو»، إلوندو أسومو، إلى أنه «لا يمكن معرفة طبيعة الأضرار اليوم»، مضيفاً: «سيكون من الضروري التوجّه إلى الموقع مع الخبراء لإجراء تقييمات أدق بكثير».

ويُشير إلى أنه في ظل «العنف والأعمال العدائية»، يجرى هذا التقييم راهناً عن طريق «صور الأقمار الاصطناعية التي تتيح المقارنة بين ما قبل وما بعد».

ويؤكد أن «اليونيسكو» سخّرت موظفين محليين وحرفيين على الأرض «للتحقّق من المعلومات، وتوثيقها، وتأمين القطع الأثرية والمجموعات المتحفية».

وبحكم مواجهتها المتكرّرة لمثل هذه الحالات في أنحاء عدة من العالم، أعدت «اليونيسكو» إجراءات خاصة للتعامل معها.

ويوضح إلوندو أسومو: «بمجرد بدء الأعمال العدائية، قمنا بإبلاغ الدول المتحاربة بالإحداثيات الجغرافية للمواقع المحمية».

كما تُرفع أو تُرسم على المواقع التراثية إشارات ضمن مبادرة «الدرع الأزرق»، وهي لجنة مرتبطة بـ«اليونيسكو» تُلقَّب بـ«الصليب الأحمر للتراث».

وانسحبت إسرائيل من «اليونيسكو» عام 2017. وحذت الولايات المتحدة حذوها، وستصبح خطوتها سارية في نهاية 2026. ويؤكد إلوندو أسومو أن ثمة «حواراً، وتواصلت» مع البلدين الموقّعين على اتفاقية عام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، وعلى اتفاقية التراث العالمي.

ويشدد على أن «(اليونيسكو) تضطلع بدورها في حمل جميع الدول (...) على احترام التزاماتها وحماية التراث».