«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

مع التحرّكات السياسية والأمنية المتسارعة في الصومال وإثيوبيا وإريتريا

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة

حصاد الأسبوع ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على

«الشرق الأوسط» (مدريد)
حصاد الأسبوع قبل النتيجة الرسمية، مؤيدو حزب "البديل من أجل ألمانيا" فرحون لدى إعلان نتائج المصوتين الخارجين من مراكز الاقتراع (آ ب)

فوز «البديل من أجل ألمانيا» في ساكسونيا ـــ أنهالت يصدم مؤسسة الحكم

على الرغم من الحجم الصغير وعدد السكان المتواضع، فإن ولاية ساكسونيا - أنهالت الألمانية تركت، مساء الأحد الماضي، أثراً عميقاً على السياسة في ألمانيا ومؤلماً

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع 
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف

حمزة مصطفى (بغداد)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.