«حتى الآن»... رحلة تعليمية تتحول إلى خطاب بصري مكتمل

معرض قاهري يضم 60 عملاً من 5 دول عربية

عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)
عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)
TT

«حتى الآن»... رحلة تعليمية تتحول إلى خطاب بصري مكتمل

عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)
عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)

يعكس الفن التراث الثقافي والقيم الإنسانية، ولذلك يكتسب المرء من خلال تعلّم الفنون فهماً أعمق للثقافات المختلفة والسياقات التاريخية.

وفي حي الزمالك بالقاهرة يحتضن «كايرو غاليري» معرضاً بعنوان «حتى الآن»، الذي يأتي بوصفه حصيلة تجربة تعليمية مكثفة نظمها «نادي منجم»، حيث عمل المشاركون ضمن ورشة فنية تحت إشراف التشكيلي المصري محمد خضر.

وتكمن خصوصية المعرض في كونه مساحة تفاعلية بين التعلُّم والهواية والممارسة الاحترافية؛ إذ تعكس الأعمال المعروضة تحوُّل التجربة التعليمية إلى خطاب بصري مكتمل، وتكشف عن تطور الأساليب الشخصية للمشاركين.

لوحة تجريدية للفنانة السعودية مشاعل العطاوي (الشرق الأوسط)

ويقدم المعرض تجربة فنية جديدة تجمع بين 18 فناناً من 5 دول عربية، هي مصر، والسعودية، والكويت، وسوريا، واليمن، في رحلة تعليمية وتشكيلية تسعى إلى اكتشاف الهوية الفنية لكل مشارك، وتقديم أعمال تعكس خبراتهم وتجاربهم الشخصية، من دون قيود على الأسلوب أو الموضوع.

وحول ذلك، يقول الفنان محمد خضر، مؤسس نادي «منجم» للفنون، لـ«الشرق الأوسط»: «(منجم) هو مجتمع فني يضم مجموعة كبيرة من الفنانين الهواة، ونحاول من خلال هذا المجتمع الانتقال بالفنانين من الهواية إلى الاحتراف؛ إذ يعتبر النادي مساحة نتعلم فيها كيف نرى، وكيف نختار، وكيف نتحمل مسؤولية اختيارنا».

وأضاف: «يأتي ذلك انطلاقاً من أن التعليم لا يقوم على نقل الأساليب، ولا على إنتاج متشابه، بل على إظهار التجربة الشخصية لكل فنان، واحترام شخصيته ومساره»، مشيراً إلى أن «المنجم الحقيقي لا يوجد في الخارج، بل داخل كل فنان، ودورنا أن نقوم بعملية تنقيب تسمح للأسلوب بأن يخرج من الداخل بشكل طبيعي».

الفنان المصري محمد خضر (الشرق الأوسط)

ويضم النادي أعضاء من 8 جنسيات عربية مختلفة، بينها البحرين، والأردن، وتونس، بجانب الدول المشاركة.

ويؤكد خضر أن «المعرض ليس نهاية مرحلة، ولا عرضاً لنتائج نموذجية، بل لحظة انتقال من مساحة تعلُّم وتجريب إلى الوقوف أمام العمل والجمهور وتحمل المسؤولية. إنه إعلان عن بداية بحث فني شخصي، وهذا العرض إحدى محطاته».

ويجتمع الفنانون عند تجربة تعليمية واحدة؛ فالأعمال تحمل نتاج خبراتهم، دون محاولة تقديم موضوع بصري موحَّد، ويشارك جميعهم لأول مرة بشكل احترافي، بعد أن تعاون النادي مع «كايرو غاليري» لتقديم هذه التجربة، وفق خضر.

ويقول: «الهدف دعم الهوية، والبحث عن الشخصية الفنية لكل فنان، وعدم جعل الفن حكراً على أسلوب معين».

تستخدم ميراي ميشيل التفكيكية في محاولة لخلق حوار إنساني (الشرق الأوسط)

وتأسس النادي منذ 5 سنوات، ويعتمد على اجتماعات إلكترونية في الجلسات التعليمية، يتم خلالها مناقشة تاريخ الفن، وأسسه، وموضوعات مرتبطة بعلم النفس، فضلاً عن تقديم تحليل ونقد للوحات الفنية».

ويُعدّ هذا المعرض الثالث للنادي بعد مشاركات سابقة مع مجموعات أخرى، لكنه الأول الذي يضم أعضاء «منجم» وحدهم، وهناك معرض آخر مُخطَّط له في الصيف المقبل.

ويلتقي الزائر بأعمال متنوعة، منها التصوير، والكولاج، والرسم بالزيت، وبالألوان المائية، والأكريلك؛ ما يعكس التنوع الفني الذي يسعى النادي لتقديمه، ويتيح للجمهور فرصة مشاهدة مستويات مختلفة من التجريب.

وتقدم الفنانة السعودية، مشاعل العطاوي، في المعرض المستمر حتى 20 فبراير (شباط) الحالي، أعمالاً تجريدية تتميز بالمينمالية والتلخيص، وتبرز الفراغات؛ فهي ترفض ازدحام المسطح بالتفاصيل والعناصر، انطلاقاً من رغبتها في إتاحة مساحة للمتلقي للتفكير وإطلاق خياله من دون وصاية منها.

وتعكس أعمال فجر رباح من الكويت تراث بلادها، بينما تركز مواطنتها لولوة المرزوق على البحر والصيد في الكويت، بوصفه جزءاً من تراث عائلتها، وتنشغل أعمال السورية ميديا أمراني بفكرة البقاء والذاكرة.

عمل للفنانة الكويتية فجر الرباح _الشرق الأوسط_

ويشهد المعرض مشاركة أكبر من مصر، ومن المشاركين ميراي ميشيل (26 عاماً) التي تقدم أعمال كولاج وميكس ميديا، تفكك خلالها العناصر وتعيد ترتيبها بشكل جديد، وذلك في محاولة خلق حوار إنساني مع الطبيعة للتعرُّف عليها، وتطرح الفنانة تساؤلات شخصية تعكس بحثها عن الحرفية والهوية.

وتحتفي لوحات التشكيلية المصرية بسنت الدبيكي بالإنسان، ولحظات التأمل والسلام النفسي والهدوء، في حين يظهر تأثر مواطنتها نورا سالم الشغوفة بالرسم منذ الطفولة بالفن الأفريقي والموسيقى اللاتينية، ويبرز دمج الرقص والموسيقى في تجربتها الفنية.

لحظات التأمل والسلام النفسي في لوحات المصرية بسنت الدبيكي (الشرق الأوسط)

أما شاهيناز الإتربي فهي مصممة أزياء في الأصل، وتعمل بخامة القماش، حيث تدمج أقمشة قديمة وخامات معادة التدوير مع أكريلك؛ لعمل طبقات تعبر عن تراكمات الزمن، وتستفيد من خبرتها في تصميم الأزياء في لوحاتها الفنية.

ويوضح محمد خضر فلسفته التعليمية في مؤسسة «منجم» قائلاً: «أقترح البرنامج التعليمي وأبحث مع الطلاب في إطاره، ثم أدير العملية التعليمية».

ويتابع: «ودوما يكون سؤالي لهم هو: هل تستطيع أن تتعلم؟ فليس كل شخص يمكنه التعلم؛ فالبعض قد يمتلك الحرفة لكنه يفتقد الملكة الإبداعية».

ويرى خضر أن «للفن جناحين مهمين: الجناح الأول هو الحرفة والمهارة، والآخر هو الإبداع والرؤية، ومن دون أي منهما، يكون العمل ضعيفاً». ويضيف: «ومن هذا المنطلق نركز على كيفية إدارة المهارة والوقت ليصبح احترافياً».

ويعكس عنوان المعرض «حتى الآن» مستوى الفنان في اللحظة الراهنة، وليس جوهره الإبداعي «فهذا المعرض هو نحن حتى الآن، لكننا لن نبقى على هذه الحالة طويلاً؛ فكل إنسان ينبغي أن يطور نفسه، ولا يخجل من مستواه الحالي» وفق خضر.

لوحة للفنانة الكويتية لولوة المرزوق (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أهمية التنوع الثقافي للمشاركين قائلاً: «كون المعرض من دول مختلفة هو أمر مهم للمتلقي؛ لأنه يتيح له مشاهدة فنانين من بيئات وثقافات مختلفة، وتكوين علاقات دولية، وتبادل خبرات». ويتابع: «كما تبرز هنا اللقاءات الإلكترونية الدورية التي تصنع نوعاً من الترابط والحوار الفني المستمر بين المشاركين».


مقالات ذات صلة

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

يوميات الشرق حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.