«زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية

وثائق جديدة تثير نظريات جديدة حول ظروف وفاته

صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
TT

«زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية

صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)

«ملفات إبستين» نبع لا ينضب من الفضائح، أغرق الداخل الأميركي، وأربك العالم بسيل هائل من الأسماء والمعلومات والرسائل التي كشفت النقاب عن شبكة واسعة النطاق حبكها الرجل الذي قضى في سجنه في عام 2019. شبكة أشرك فيها أسماء كثيرة متعددة الأقطاب والانتماءات، بالتعاون مع شريكته غيلان ماكسويل التي تقبع في السجن حالياً آملة بعفو رئاسي كشرط لشهادتها. ملفات سحبت رئيساً أميركياً سابقاً، هو بيل كلينتون، إلى مقعد الشاهد في الكونغرس في سابقة غير معهودة في التاريخ الأميركي.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، كيف تحوّل ملف إبستين من قضية جنائية إلى زلزال سياسي هزّ المؤسسة الأميركية، وطبيعة علاقاته بمراكز النفوذ والمال والسياسة والثقافة.

هجمات سياسية

ألقت قضية إبستين بظلالها على أعمال الكونغرس، وأظهرت عمق الانقسامات في ملف لا ينبغي أن يكون مُسيَّساً نظراً لتورط أطراف من الحزبين فيه. وهذا ما تحدثت عنه الصحافية الاستقصائية بيف ترنر، التي استشهدت بجلسة استماع لوزيرة العدل بام بوندي أمام الكونغرس على مدى 6 ساعات، وقد اتّسمت بأجواء مشحونة للغاية.

ضحايا إبستين يقفن وراء وزيرة العدل بام بوندي في جلسة استماع في الكونغرس يوم 11 فبراير 2026 (أ.ب)

وانتقدت ترنر بوندي خصوصاً فيما يتعلق بتجاهلها ضحايا إبستين وعائلاتهم الموجودين في الجلسة، فقالت: «عندما رفع الضحايا وراءها أيديهم للإشارة إلى أن إدارة ترمب لم تتحدث معهم، كان من الجيد أن تستدير على الأقل لتراهم، وتُقرّ بوجودهم. لقد كانت في وضع دفاعي للغاية. وأعتقد أنها أخطأت في تقدير الموقف. ربما يجب أن تصدر بياناً لتشرح سبب عدم قيامها بذلك. صدمتني رؤية أن هؤلاء النساء لم يتم الاستماع إليهن. الأشخاص الذين تعرضوا للأذى بهذه الطريقة، في رأيي، يجب أن يُستمع إليهم».

ويعرب المؤرخ السياسي مات دالاك، وهو بروفسور الإدارة السياسية، عن دهشته من تحوّل القضية إلى مسألة سياسية في الولايات المتحدة، مشيراً إلى استغلال الديمقراطيين لها واستخدامها سلاحاً. ويتساءل: «أين كان الديمقراطيون خلال سنوات حكم (جو) بايدن؟ أين كانوا خلال ولاية ترمب الأولى فيما يتعلق بهذه القضية؟». لكنه يستدرك قائلاً إن «الجمهوريين ليسوا أبرياء كذلك؛ فمدير (إف بي آي) الحالي كاش باتيل، ودونالد ترمب، وبام بوندي هم الذين روجوا لنظريات المؤامرة حول قضية إبستين. والآن يبدو أنهم كانوا غير أكفاء، وفاسدين إلى حد ما. ويبدو أنهم يحاولون التستر على الأمر بالقول إنه لا يوجد شيء آخر يمكن رؤيته هنا. الأمر فوضوي للغاية. أعتقد أنه أمر قبيح للغاية»، منتقداً «تجاهل الضحايا».

النائب الجمهوري أمام لائحة ضحايا إبستين في 11 فبراير 2026 (رويترز)

واستضاف «تقرير واشنطن» الصحافية الاستقصائية فيكي وارد ومنتجة وثائقي «مطاردة غيلان». لدى وارد تاريخ طويل يتعلق بتغطية هذه الملفات؛ إذ واجهت ما وصفته بـ«تهديد شخصي من إبستين» عندما سعت للتحقيق في ممارساته في عام 2003، كما تقول. وتحدّثت وارد عن إبستين «الذي كان شخصية غامضة في ذلك الوقت»، فقالت إن «كل ما كان معروفاً عنه هو أنه فجأة، ومن دون سابق إنذار، حصل على مبلغ ضخم من المال، واشترى به أكبر منزل في نيويورك، في مانهاتن، واشترى جزيرة خاصة، وحصل على مزرعة ضخمة في نيو مكسيكو. في مرحلة ما، اشترى أيضاً شقة كبيرة في باريس، لكن لم يكن أحد يعرف من أين جاءت هذه الأموال، وكان شخصاً منعزلاً. لكن في خريف عام 2002، ظهر اسمه في صحيفة (نيويورك بوست)؛ لأنه سافر على متن طائرته مع بيل كلينتون، ومجموعة من المشاهير الأميركيين الآخرين إلى أفريقيا في مهمة خيرية. ودفع هذا العنوان رئيس تحرير مجلة (فانيتي فير) لتكليفي بالتحقيق في أمر هذا الرجل».

لكن وارد قالت إنه «بعد كشف التحقيق عن اسم ضحيتين لإبستين، ضغط الأخير على رئيس التحرير لشطبهما من المقال»، كما ذكرت أنها اضطرت للتعاقد مع شركة حماية أمنية بعد «تهديدات من إبستين».

من جهته، أعرب البروفسور دالاك عن دهشته لتمكّن إبستين من الإفلات من العقاب لسنوات طويلة، رغم وجود تقارير وتحقيقات بشأنه منذ عام 2002، ويرى أن هذا سبب أساسي في ظهور نظريات حوله، بينها عمله لصالح أجهزة استخبارات.

علاقات استخباراتية؟

أظهرت الوثائق الجديدة التي نشرتها وزارة العدل، بداية هذا الشهر، دلائل على علاقة إبستين مع مسؤولين روس، على رأسهم السفير الروسي السابق لدى الأمم المتحدة، وتواصل متكرّر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، بالإضافة إلى رسائل متبادلة مع مدير «سي آي إيه» السابق ويليام بيرنز قبل تسلُّمه منصبه؛ ما طرح أسئلة حول علاقاة إبستين المتشعّبة، وما إذا كان يعمل مُخبراً لأحد أجهزة الاستخبارات.

صورة لإبستين في الوثائق الجديدة (أ.ف.ب)

وتقول وارد إنها كثيراً ما اعتقدت أن إبستين «كان وكالة تجسس مؤلفة من رجل واحد يعمل بشكل فعال لنفسه». وأضافت أن «هذه الملفات أظهرت أن شبكته العالمية كانت أكثر اتساعاً مما كنت أعتقد، وأنه كان قادراً على (...) الحصول على معلومات سرية». وأعطت مثالاً على ذلك علاقاته مع السفير البريطاني في واشنطن بيتر ماندلسن، الذي استقال جراء الفضيحة، فقالت: «يُزعم أنه سلّم إبستين معلومات حساسة، كان بإمكانه استخدامها لصالحه. ويبدو أنه كان يمرر أيضاً معلومات من ماندلسن إلى مصادره في أعلى المستويات في جي بي مورغان».

من الأمور البارزة كذلك في الوثائق الجديدة، شريط فيديو يثير احتمال دخول شخص إلى زنزانة إبستين ليلة وفاته، على خلاف الرواية الرسمية، ما عزّز نظريات المؤامرة بأن إبستين «قُتل» ولم ينتحر. وعن ذلك، تقول ترنر: «هناك الكثير من الناس على هذا الكوكب الذين أرادوا موت هذا الرجل. وبعد هذه الوثائق الجديدة، نعلم الآن عدد الأشخاص الذين كانوا يرغبون في التزامه الصمت». وتساءلت ترنر عن سبب فقدان لقطات الكاميرا من زنزانة إبستين ليلة وفاته، وتضيف: «ليس لديَّ أي دليل على أنه قُتل، لكنني أعتقد أيضاً أن نرجسياً مثل جيفري إبستين ليس من النوع الذي ينهي حياته بنفسه. إن رجلاً مثله كان على الأرجح يجلس في تلك الزنزانة متفائلاً بأن شخصاً ما سيأتي في وقت ما ويخرجه؛ لأن لديه الكثير من المعلومات عن الكثير من الناس».

وترفض الحكومة الأميركية هذه الادّعاءات، كما تؤكّد الوثائق الطبية وشهادة وفاة إبستين انتحاره.

علاقات متشعّبة

لم يقتصر نفوذ إبستين على السياسيين فحسب، بل امتد ليطول جامعات أميركية مرموقة، على رأسها هارفارد، إضافةً إلى مراكز أبحاث، حيث ضخّ مبالغ طائلة على شكل تبرعات استُخدمت لتلميع صورته. ويقول البروفسور دالاك إن هذه العلاقات سببها أموال التبرعات الطائلة التي قدمها إبستين للجامعات، مضيفاً أن «المال له تأثير كبير في الولايات المتحدة. له تأثير في الجامعات. له تأثير في كل مكان تقريباً. وما نراه حقاً هو أحد جوانب النظام الرأسمالي السيئة. إن النظام الرأسمالي يفعل الكثير من الأشياء العظيمة، لكنه قبيح في زوايا أخرى؛ فهو يمنح قوة استثنائية للمشاهير والأثرياء».

وأعطى دالاك دليلاً على ذلك عبر مقارنة قضية إبستين بقضية هارفي واينستين، المنتج السينمائي السابق، فيضيف: » لديك شخص غني للغاية، وقوي للغاية، يسيء استخدام تلك القوة، ويرتكب جرائم ضد النساء والفتيات القاصرات؛ لأن التوقع كان: أنني مشهور وغني، يمكنني الإفلات من العقاب. لن يحاسبني أحد».

غيلان ماكسويل «الصامتة»

مع التداعيات المستمرة لملفات ابستين، تتوجه الأنظار إلى شريكته غيلان ماسكويل التي تقبع في السجن في حكم مدته 20 عاماً. وقد اشترطت ماكسويل عفواً رئاسياً عنها مقابل إفراجها عن معلومات متعلقة بإبستين.

غيلان ماكسويل في سجنها ببروكلين في 4 يوليو 2020 (رويترز)

وتستبعد ترنر أن يصدر ترمب عفواً عنها، مشيرة إلى أن أي قرار من هذا النوع سيكون بمثابة «اعتراف بالذنب منه بأنه متورط بطريقة ما في هذه القضية». وأضافت: «لا أعتقد أن ترمب سيقدم لها أي تنازلات. ومن ثم، ما الذي سيحفزها على قول الحقيقة؟ ستتمسك بصمتها؛ لأن هذا كل ما لديها»، لكن دالاك يرى أنه من الصعب حسم ما سيقوم به ترمب «الذي يحب لفت الانتباه من خلال تصرفاته».


مقالات ذات صلة

ترمب وروته يجتمعان قبل قمة أنقرة لمناقشة دفاعات «الأطلسي»

الولايات المتحدة​ لقاء سابق يجمع بين ترمب وروته خلال «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (رويترز)

ترمب وروته يجتمعان قبل قمة أنقرة لمناقشة دفاعات «الأطلسي»

واشنطن لم تعد تتعامل مع الـ«ناتو» بوصفه إطاراً سياسياً ثابتاً، بل على أنه عَقد قابل لإعادة التفاوض كل مرة؛ مما يفسر اللغة المتشددة التي يستخدمها الرئيس ترمب...

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ امرأة تحمل ملصقاتٍ انتخابية خاصة بألان ويلسون المدعي العام لولاية كارولاينا الجنوبية والمرشح الجمهوري لمنصب الحاكم تحمل عبارة «مدعوم من ترمب» وذلك في مدينة كولومبيا بولاية ساوث كارولاينا (أ.ف.ب)

«ظاهرة زهران ممداني» تتكرر في الانتخابات التمهيدية بنيويورك

تتكرر «ظاهرة زهران ممداني» في الانتخابات التمهيدية بنيويورك، وتضع الحزب الديمقراطي أمام اختبار صعب بشأن إسرائيل والهجرة والضرائب...

هبة القدسي (واشنطن)
المشرق العربي صورة التقطت من شمال إسرائيل لدبابة تعبر قرب أبنية مدمرة في جنوب لبنان (أ.ب)

لبنان ينتزع انسحاباً جزئياً رغم انفجار «الغضب الإسرائيلي»

انفجر الغضب الإسرائيلي من «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية خلال الجولة الخامسة من المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ) p-circle

كاتس: لا مطلب أميركياً بالانسحاب من لبنان

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، إنّ الولايات المتحدة لم تطلب سحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 19 يونيو 2026 (رويترز) p-circle

لافروف: روسيا تريد معرفة إذا تغيّر موقف ترمب من حرب أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، إن روسيا تتطلع إلى معرفة ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب غيّر موقفه فعلاً تجاه حرب أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

روبيو: اجتماع مرتقب بين أميركا وإيران في سويسرا الأسبوع المقبل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ب)
TT

روبيو: اجتماع مرتقب بين أميركا وإيران في سويسرا الأسبوع المقبل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ب)

أعرب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، عن اعتقاده بأن المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران ستُستأنف في 29 أو 30 يونيو (حزيران) في سويسرا.

وقال روبيو من الكويت خلال جولته الخليجية: «الفريق الفني سيعود، على ما أعتقد، في 29 أو 30... وأعتقد أنهم سيعودون إلى سويسرا، إذا لم أكن مخطئاً».

وأضاف أنه يعتقد أن جميع الدول تعارض فرض إيران رسوماً على عبور مضيق هرمز الحيوي. وصرّح: «لا أعرف أي دولة في العالم تؤيد فرض رسوم عبور أو بدلات مرور لاستخدام المضيق».

ووصل وزير الخارجية الأميركي إلى الكويت الأربعاء، ضمن جولته الخليجية التي بدأت من الإمارات يوم الثلاثاء.


ترمب وروته يجتمعان قبل قمة أنقرة لمناقشة دفاعات «الأطلسي»

لقاء سابق يجمع بين ترمب وروته خلال «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (رويترز)
لقاء سابق يجمع بين ترمب وروته خلال «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (رويترز)
TT

ترمب وروته يجتمعان قبل قمة أنقرة لمناقشة دفاعات «الأطلسي»

لقاء سابق يجمع بين ترمب وروته خلال «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (رويترز)
لقاء سابق يجمع بين ترمب وروته خلال «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (رويترز)

يجتمع الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، مارك روته، مع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في البيت الأبيض مساء الأربعاء، في زيارة وصفها المحللون والصحف الأميركية والأوروبية بأنها زيارة «بالغة الحساسية». فرغم الزيارات المتعددة التي أجراها روته إلى البيت الأبيض، التي بلغت 5 زيارات منذ بدء ولاية ترمب الثانية، فإن هذه الزيارة تحديداً تأتي وسط مناخ مختلف، وتأتي قبل قمة مرتقبة في أنقرة الشهر المقبل يُفترض أن تناقش كيفية ترجمة وعود الدول الأعضاء في «الحلف» بزيادة إسهاماتها إلى التزامات أشد صرامة ووضوحاً.

وتشير وسائل الإعلام الأميركية إلى أن هذا اللقاء ليس مجرد محطة بروتوكولية في أجندة دبلوماسية مزدحمة، بل سيكون اختباراً جديداً للعلاقة الشخصية والسياسية بين ترمب وروته، وهي علاقة صمدت منذ الولاية الأولى للرئيس الأميركي، وتجاوزت كثيراً من التوترات التي طبعت علاقة واشنطن بحلفائها الأوروبيين.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع الـ«ناتو» يوم 18 يونيو 2026 (أ.ب)

والمعروف عن روته قدرته على امتصاص غضب ترمب، والتحدث بعبارات إطراء تعجب الرئيس الأميركي. وقد استبق لقاءه مع الرئيس ترمب بإطلالة إعلامية على شبكة «فوكس نيوز»، مساء الثلاثاء، لمّح خلالها إلى ما وصفه بمستوى «مذهل» من الاستثمارات التي تضخها دول الـ«ناتو» في دفاعاتها. وأشار إلى أن لديه ما يعلنه في اليوم التالي، في محاولة واضحة لتهيئة الأجواء لرسالة مطمئنة إلى البيت الأبيض، من دون التخلي عن الإقرار بوجود ضغط أميركي متصاعد.

لكن خلف هذا التفاؤل الحذر، يشير كثير من التحليلات السياسة إلى أن واشنطن لم تعد تتعامل مع «الحلف» بوصفه إطاراً سياسياً ثابتاً، بل على أنه عقد قابل لإعادة التفاوض في كل مرة؛ مما يفسر اللغة المتشددة التي استخدمها ترمب حين قال إن الولايات المتحدة تحملت «تريليونات» لحماية أوروبا، وإن بعض الدول «لم تكن موجودة» حين احتاجتها واشنطن خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، في إشارةٍ إلى أزمة الثقة التي لا تزال تظلل العلاقة عبر الأطلسي.

قمة أنقرة

الأمين العام لحلف الـ«ناتو» مارك روته يتحدث عقب اجتماع لوزراء دفاع الحلف في بروكسل يوم الخميس 18 يونيو 2026 (أ.ب)

وتأتي زيارة روته واشنطن في إطار التحضيرات النهائية لقمة الـ«ناتو» في أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل، حيث تريد قيادة «الحلف» أن تُظهر أن قمة العام الماضي في لاهاي لم تكن مجرد إعلان نيات، بل نقطة انعطاف حقيقية في مسار إعادة بناء القدرات الدفاعية الأوروبية. فقد اتفق الحلفاء هناك على هدف تحويلي يقضي برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، عبر مسارين: 3.5 في المائة للمتطلبات العسكرية المباشرة، و1.5 في المائة للإنفاق المرتبط بالمرونة والبنية التحتية والدعم الصناعي الدفاعي.

لكن بعض الدول ما زالت متأخرة في دفع مستحقاتها، وقد ذكرها الرئيس ترمب بالاسم؛ من إسبانيا وبلجيكا، إلى إيطاليا وكندا والبرتغال وسلوفينيا ولوكسمبورغ... وغيرها، بما يجعل قمة أنقرة ساحة تقييم ومحاسبة بقدر ما أنها ساحة تفاوض.

مصير الوجود الأميركي

وتتجاوز الخلافات الراهنة ملف الإنفاق، إلى أسئلة أوسع بشأن الدور الأميركي داخل أوروبا، ومصير الحضور العسكري الأميركي في القارة، وحدود الالتزام الأميركي في حال اتسعت التوترات خارج «المسرح الأطلسي»، سواء أكانت في أوكرانيا أم إيران أم البحر الأسود.

وقد أعادت مراجعات «البنتاغون» بشأن تموضع القوات الأميركية في أوروبا، وتصريحات وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، اللاذعة بشأن العلاقة «غير المتوازنة» داخل «الحلف» - خلال اجتماع وزراء الدفاع بمقر الـ«ناتو» في بروكسل الأسبوع الماضي - إلى الواجهة سؤالاً حسّاساً: هل تسعى واشنطن إلى شراكة أدقّ توازناً، أم إلى إعادة صياغة «الحلف» على مقاس أولوياتها العالمية الجديدة؛ من الصين إلى الشرق الأوسط؟

الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والأميركي دونالد ترمب في صورة جماعية لقادة الـ«ناتو» خلال قمة عام 2025 (د.ب.أ)

في المقابل، تدرك العواصم الأوروبية أن القمة المقبلة في تركيا قد تكون لحظة مفصلية، ليس فقط لأنها ستقيس مدى التزام الأعضاء ما وعدوا به في لاهاي؛ بل لأنها ستكشف أيضاً عما إذا كان الـ«ناتو» لا يزال قادراً على الجمع بين قيادة أميركية صلبة، واستقلالية أوروبية متنامية من دون أن يفقد تماسكه السياسي.

وبين هذين الاتجاهين، يدخل روته إلى المكتب البيضاوي وهو يحمل مهمة دقيقة؛ هي تهدئة غضب الرئيس الأميركي من جهة، وإقناع الحلفاء من جهة أخرى بأن «الشراكة عبر الأطلسي» ما زالت قابلة للحياة، وإن كانت أقل تلقائية مما كانت عليه في الماضي.


«ظاهرة زهران ممداني» تتكرر في الانتخابات التمهيدية بنيويورك

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني يتحدث خلال حفل لمتابعة نتائج الانتخابات التمهيدية للمرشحة لعضوية الكونغرس عن مدينة نيويورك كلير فالديز (أ.ف.ب)
عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني يتحدث خلال حفل لمتابعة نتائج الانتخابات التمهيدية للمرشحة لعضوية الكونغرس عن مدينة نيويورك كلير فالديز (أ.ف.ب)
TT

«ظاهرة زهران ممداني» تتكرر في الانتخابات التمهيدية بنيويورك

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني يتحدث خلال حفل لمتابعة نتائج الانتخابات التمهيدية للمرشحة لعضوية الكونغرس عن مدينة نيويورك كلير فالديز (أ.ف.ب)
عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني يتحدث خلال حفل لمتابعة نتائج الانتخابات التمهيدية للمرشحة لعضوية الكونغرس عن مدينة نيويورك كلير فالديز (أ.ف.ب)

انشغلت الدوائر السياسية الأميركية صباح الأربعاء بمحاولة تفسير «ظاهرة عمدة نيويورك زهران ممداني» الذي ساند 3 مرشحين تقدميين في تحقيق انتصار لافت بالانتخابات التمهيدية في نيويورك، التي جرت الثلاثاء، في تطور يعكس تحولاً عميقاً في توجهات الحزب نحو اليسار التقدمي، خصوصاً في قضايا مثل تأييد وقف الدعم الأميركي لإسرائيل، وحل شرطة الهجرة والجمارك، وفرض الضرائب على الأثرياء.

المرشحة لعضوية الكونغرس كلير فالديز التي فازت في سباقها الانتخابي ضد رئيس منطقة بروكلين أنطونيو رينوسو عن الدائرة الـ7 بنيويورك (أ.ف.ب)

وقد جرت الانتخابات التمهيدية مساء الثلاثاء في نيويورك وميريلاند وساوث كارولاينا ويوتا، لكن نتائج نيويورك المثيرة للجدل اجتذبت الأنظار بشكل موسع. ففي الدائرة الـ10 بنيويورك، فاز براد لاندر، الذي وصف ما يحدث في غزة بـ«الإبادة الجماعية»، على النائب الحالي دان غولدمان بنسبة تفوق 65 في المائة مقابل 34 في المائة. كان غولدمان مدعوماً من قيادات الحزب التقليدية، بمن فيهم زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز.

وفي الدائرة الـ13 حققت دارياليزا أفيلا شوفالييه - التي شاركت في احتجاجات جامعة كولومبيا ضد إسرائيل - انتصاراً مذهلاً على النائب آدريانو إسبايات، الذي يمثل الدائرة منذ 5 فترات. وفي الدائرة الـ7، هزمت كلير فالديز المرشحَ أنطونيو رينوسو، الذي اختارته النائبة المتقاعدة نيديا فيلاسكيز خلفاً لها.

وتجول ممداني في أرجاء مدينة نيويورك محتفلاً مع الحشود التي هتفت: «الحرية لفلسطين» رافعين شعارات مثل: «فلسطين حرة» وشعار «دي إس إيه - DSA (الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا)».

وسلطت نتائج هذه المنافسات الثلاث - وهي الأبرز من بين 26 سباقاً تمهيدياً لمجلس النواب في نيويورك - الضوء على مدى توجه مدينة نيويورك نحو اليسار.

ووصفت جريدة «نيويورك تايمز» ممداني - الذي تولي منصب عمدة نيويورك قبل أقل من 6 أشهر - بأنه «صانع الملوك»، وأشارت إلى أن نجاح حلفائه يعدّ استعراضاً لقوة اليسار الصاعد؛ مما أحدث صدمة في أروقة الحزب الديمقراطي، فالرجل الذي خرج من رحم التيار التقدمي لم يكتفِ بإحراج المؤسسة التقليدية، بل فرض نفسه عنواناً لتحول أوسع في المزاج الديمقراطي؛ من مدينة نيويورك إلى أروقة الكونغرس في واشنطن.

براد لاندر المرشح عن الدائرة الـ10 للكونغرس في نيويورك مع زهران ممداني (رويترز)

من جانبه، قال الرئيس دونالد ترمب إن «أميركا الجميلة» لن تصبح أبداً دولة شيوعية. وأضاف، في تغريدات عبر منصته «تروث سوشيال»، أن «كثيراً من الشيوعيين الذين يخوضون الانتخابات في ولايات (زرقاء) - (ديمقراطية) - تعاني من فشل ذريع؛ يبدو أنهم يحققون نتائج جيدة في منافساتهم بعضهم ضد بعض. لكن الخبر السيئ هو أن التاريخ أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الولايات المتردية التي سيتولون إدارتها قريباً لن تزداد إلا سوءاً».

تغييرات ديموغرافية

ويقول المحللون إن النتائج التي أفرزتها الانتخابات التمهيدية في نيويورك، لم تكشف فقط عن تفوق مرشح تقدمي على منافسيه، بل أظهرت أيضاً أن خرائط الناخبين في المدينة بدأت تتغير بصورة لافتة. فقد رجحت الكفة في أحياء شابة ومتنوعة، وبين ناخبين أكبر حماساً لخطاب العدالة الاجتماعية، وأشد تحفظاً تجاه السياسات الخارجية الأميركية التقليدية، لا سيما الدعم غير المشروط لإسرائيل. وهذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلاً انتخابياً عابراً، بل إشارة واضحة إلى أن الجيل الجديد داخل الحزب لم يعد يكتفي بالشعارات الوسطية القديمة.

يغادر زهران ممداني مركز الاقتراع بعد إدلائه بصوته (رويترز)

وقد استفاد ممداني من تحالف بين الشباب والناشطين والناخبين التقدميين الذين يرون أن الحزب الديمقراطي ابتعد كثيراً عن أولويات القاعدة الشعبية، وصوتوا لمصلحة أجندة أعلى صدامية في ملفات الهجرة، والعدالة الضريبية، والإنفاق العام، والسياسة تجاه الشرق الأوسط. كما أظهرت النتائج تسامح الناخبين مع آراء اليسار المتطرفة، فقد فازت أفيلا شوفالييه التي انتقدت سابقاً في منشوراتها على مواقع التواصل الاجتماعي كلاً من كامالا هاريس وجو بايدن وابنه هانتر، كما شنت حملة لاذعة ضد منظمة «إيباك (لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية)».

دعم إسرائيل يتراجع

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إنه رغم أن كثيراً من المسؤولين الديمقراطيين لا يزالون يدعمون إسرائيل، فإن الدفعة المقبلة من الديمقراطيين في الكونغرس تتجه إلى تكون أكبر حذراً وتحفظاً بشأن العلاقة الأميركية - الإسرائيلية، مقارنة بأي وقت مضى منذ تأسيس الدولة اليهودية عقب الحرب العالمية الثانية.

وأشارت وسائل إعلام أميركية أخرى إلى التحول الواضح في نظرة الناخبين الشباب إلى السياسة الخارجية، التي أصبحت لا ترى في «إسرائيل» أو «الهجرة» أو «الحروب» ملفات بعيدة عن حياتها اليومية، بل تعدّها جزءاً من سؤال أكبر بشأن العدالة والهوية والتمثيل السياسي؛ ولذا وجد ممداني صدى واسعاً لدى جيل لم يعد يقبل بالخطابات الدبلوماسية التقليدية، بل يريد مواقف أوضح وأجرأ.

بقية الولايات

ويس مور حاكم ولاية ميريلاند يلقي كلمة خلال مؤتمر «شبكة العمل الوطني - إن إيه إن» في نيويورك يوم 9 أبريل 2026 (أ.ب)

وفي بقية الولايات، عكست نتائج الانتخابات التمهيدية استمرار الاستقطاب داخل الحزبين أكثر مما عكست انقلاباً كاملاً في الخريطة السياسية. ففي ميريلاند، كشفت الانتخابات التمهيدية عن مشهد سياسي أعقد مما توحي به صورة الولاية بوصفها معقلاً ديمقراطياً آمناً. فالمعركة الأبرز دارت في سباقين مكلفين لمجلس النواب؛ أحدهما انتهى بفوز آدرِيان بوافو في دائرة شديدة التنافس. السباق الآخر شهد دفاع أبريل ماكلين ديلاني عن مقعدها أمام محاولة عودة من ديفيد ترون. أما على مستوى سباق الحاكم، فقد أثبت الحاكم الحالي ويس مور أنه لا يزال ممسكاً بزمام المبادرة داخل الحزب الديمقراطي، بعدما تجاوز تحدياً ليبرالياً ضعيف الموارد. لكن التحدي الأهم له سيكون في المواجهة المقبلة مع الجمهوري دان كوكس، وهو اسم يمنح السباق بعداً آيديولوجياً أعلى حدة؛ لأن عودته تعني أن المعركة في الولاية لن تكون على الأداء المحلي فقط، بل أيضاً بشأن موقع ميريلاند داخل دوائر الاستقطاب الوطني المتصاعد.

امرأة تحمل ملصقاتٍ انتخابية خاصة بألان ويلسون المدعي العام لولاية كارولاينا الجنوبية والمرشح الجمهوري لمنصب الحاكم تحمل عبارة «مدعوم من ترمب» وذلك في مدينة كولومبيا بولاية ساوث كارولاينا (أ.ف.ب)

وفي ساوث كارولاينا ويوتا، بدت التمهيديات أقل ضجيجاً من ميريلاند، لكنها لا تقل دلالة. ففي ساوث كارولاينا، رسخت النتائج منطق الحزب الجمهوري المتماسك خلف مرشحين أقرب إلى قاعدة ترمب، حيث فاز ألان ويلسون بترشيح الحزب لمنصب الحاكم؛ مما يعكس استمرار نفوذ التيار الشعبوي داخل الحزب الجمهوري وقدرته على ضبط اتجاهه في الولايات المحافظة. أما في يوتا، فبدت النتائج أقل ضجيجاً، وأظهرت أن الجمهوريين ما زالوا يحافظون على موقعهم المهيمن، بينما واصل الديمقراطيون البحث عن مرشحين قادرين على بناء قاعدة تنافسية في ولاية تميل تاريخياً إلى المحافظين.