«زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية

وثائق جديدة تثير نظريات جديدة حول ظروف وفاته

صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
TT

«زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية

صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)
صورة تظهر نبذة من وثائق إبستين الجديدة (د.ب.أ)

«ملفات إبستين» نبع لا ينضب من الفضائح، أغرق الداخل الأميركي، وأربك العالم بسيل هائل من الأسماء والمعلومات والرسائل التي كشفت النقاب عن شبكة واسعة النطاق حبكها الرجل الذي قضى في سجنه في عام 2019. شبكة أشرك فيها أسماء كثيرة متعددة الأقطاب والانتماءات، بالتعاون مع شريكته غيلان ماكسويل التي تقبع في السجن حالياً آملة بعفو رئاسي كشرط لشهادتها. ملفات سحبت رئيساً أميركياً سابقاً، هو بيل كلينتون، إلى مقعد الشاهد في الكونغرس في سابقة غير معهودة في التاريخ الأميركي.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، كيف تحوّل ملف إبستين من قضية جنائية إلى زلزال سياسي هزّ المؤسسة الأميركية، وطبيعة علاقاته بمراكز النفوذ والمال والسياسة والثقافة.

هجمات سياسية

ألقت قضية إبستين بظلالها على أعمال الكونغرس، وأظهرت عمق الانقسامات في ملف لا ينبغي أن يكون مُسيَّساً نظراً لتورط أطراف من الحزبين فيه. وهذا ما تحدثت عنه الصحافية الاستقصائية بيف ترنر، التي استشهدت بجلسة استماع لوزيرة العدل بام بوندي أمام الكونغرس على مدى 6 ساعات، وقد اتّسمت بأجواء مشحونة للغاية.

ضحايا إبستين يقفن وراء وزيرة العدل بام بوندي في جلسة استماع في الكونغرس يوم 11 فبراير 2026 (أ.ب)

وانتقدت ترنر بوندي خصوصاً فيما يتعلق بتجاهلها ضحايا إبستين وعائلاتهم الموجودين في الجلسة، فقالت: «عندما رفع الضحايا وراءها أيديهم للإشارة إلى أن إدارة ترمب لم تتحدث معهم، كان من الجيد أن تستدير على الأقل لتراهم، وتُقرّ بوجودهم. لقد كانت في وضع دفاعي للغاية. وأعتقد أنها أخطأت في تقدير الموقف. ربما يجب أن تصدر بياناً لتشرح سبب عدم قيامها بذلك. صدمتني رؤية أن هؤلاء النساء لم يتم الاستماع إليهن. الأشخاص الذين تعرضوا للأذى بهذه الطريقة، في رأيي، يجب أن يُستمع إليهم».

ويعرب المؤرخ السياسي مات دالاك، وهو بروفسور الإدارة السياسية، عن دهشته من تحوّل القضية إلى مسألة سياسية في الولايات المتحدة، مشيراً إلى استغلال الديمقراطيين لها واستخدامها سلاحاً. ويتساءل: «أين كان الديمقراطيون خلال سنوات حكم (جو) بايدن؟ أين كانوا خلال ولاية ترمب الأولى فيما يتعلق بهذه القضية؟». لكنه يستدرك قائلاً إن «الجمهوريين ليسوا أبرياء كذلك؛ فمدير (إف بي آي) الحالي كاش باتيل، ودونالد ترمب، وبام بوندي هم الذين روجوا لنظريات المؤامرة حول قضية إبستين. والآن يبدو أنهم كانوا غير أكفاء، وفاسدين إلى حد ما. ويبدو أنهم يحاولون التستر على الأمر بالقول إنه لا يوجد شيء آخر يمكن رؤيته هنا. الأمر فوضوي للغاية. أعتقد أنه أمر قبيح للغاية»، منتقداً «تجاهل الضحايا».

النائب الجمهوري أمام لائحة ضحايا إبستين في 11 فبراير 2026 (رويترز)

واستضاف «تقرير واشنطن» الصحافية الاستقصائية فيكي وارد ومنتجة وثائقي «مطاردة غيلان». لدى وارد تاريخ طويل يتعلق بتغطية هذه الملفات؛ إذ واجهت ما وصفته بـ«تهديد شخصي من إبستين» عندما سعت للتحقيق في ممارساته في عام 2003، كما تقول. وتحدّثت وارد عن إبستين «الذي كان شخصية غامضة في ذلك الوقت»، فقالت إن «كل ما كان معروفاً عنه هو أنه فجأة، ومن دون سابق إنذار، حصل على مبلغ ضخم من المال، واشترى به أكبر منزل في نيويورك، في مانهاتن، واشترى جزيرة خاصة، وحصل على مزرعة ضخمة في نيو مكسيكو. في مرحلة ما، اشترى أيضاً شقة كبيرة في باريس، لكن لم يكن أحد يعرف من أين جاءت هذه الأموال، وكان شخصاً منعزلاً. لكن في خريف عام 2002، ظهر اسمه في صحيفة (نيويورك بوست)؛ لأنه سافر على متن طائرته مع بيل كلينتون، ومجموعة من المشاهير الأميركيين الآخرين إلى أفريقيا في مهمة خيرية. ودفع هذا العنوان رئيس تحرير مجلة (فانيتي فير) لتكليفي بالتحقيق في أمر هذا الرجل».

لكن وارد قالت إنه «بعد كشف التحقيق عن اسم ضحيتين لإبستين، ضغط الأخير على رئيس التحرير لشطبهما من المقال»، كما ذكرت أنها اضطرت للتعاقد مع شركة حماية أمنية بعد «تهديدات من إبستين».

من جهته، أعرب البروفسور دالاك عن دهشته لتمكّن إبستين من الإفلات من العقاب لسنوات طويلة، رغم وجود تقارير وتحقيقات بشأنه منذ عام 2002، ويرى أن هذا سبب أساسي في ظهور نظريات حوله، بينها عمله لصالح أجهزة استخبارات.

علاقات استخباراتية؟

أظهرت الوثائق الجديدة التي نشرتها وزارة العدل، بداية هذا الشهر، دلائل على علاقة إبستين مع مسؤولين روس، على رأسهم السفير الروسي السابق لدى الأمم المتحدة، وتواصل متكرّر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، بالإضافة إلى رسائل متبادلة مع مدير «سي آي إيه» السابق ويليام بيرنز قبل تسلُّمه منصبه؛ ما طرح أسئلة حول علاقاة إبستين المتشعّبة، وما إذا كان يعمل مُخبراً لأحد أجهزة الاستخبارات.

صورة لإبستين في الوثائق الجديدة (أ.ف.ب)

وتقول وارد إنها كثيراً ما اعتقدت أن إبستين «كان وكالة تجسس مؤلفة من رجل واحد يعمل بشكل فعال لنفسه». وأضافت أن «هذه الملفات أظهرت أن شبكته العالمية كانت أكثر اتساعاً مما كنت أعتقد، وأنه كان قادراً على (...) الحصول على معلومات سرية». وأعطت مثالاً على ذلك علاقاته مع السفير البريطاني في واشنطن بيتر ماندلسن، الذي استقال جراء الفضيحة، فقالت: «يُزعم أنه سلّم إبستين معلومات حساسة، كان بإمكانه استخدامها لصالحه. ويبدو أنه كان يمرر أيضاً معلومات من ماندلسن إلى مصادره في أعلى المستويات في جي بي مورغان».

من الأمور البارزة كذلك في الوثائق الجديدة، شريط فيديو يثير احتمال دخول شخص إلى زنزانة إبستين ليلة وفاته، على خلاف الرواية الرسمية، ما عزّز نظريات المؤامرة بأن إبستين «قُتل» ولم ينتحر. وعن ذلك، تقول ترنر: «هناك الكثير من الناس على هذا الكوكب الذين أرادوا موت هذا الرجل. وبعد هذه الوثائق الجديدة، نعلم الآن عدد الأشخاص الذين كانوا يرغبون في التزامه الصمت». وتساءلت ترنر عن سبب فقدان لقطات الكاميرا من زنزانة إبستين ليلة وفاته، وتضيف: «ليس لديَّ أي دليل على أنه قُتل، لكنني أعتقد أيضاً أن نرجسياً مثل جيفري إبستين ليس من النوع الذي ينهي حياته بنفسه. إن رجلاً مثله كان على الأرجح يجلس في تلك الزنزانة متفائلاً بأن شخصاً ما سيأتي في وقت ما ويخرجه؛ لأن لديه الكثير من المعلومات عن الكثير من الناس».

وترفض الحكومة الأميركية هذه الادّعاءات، كما تؤكّد الوثائق الطبية وشهادة وفاة إبستين انتحاره.

علاقات متشعّبة

لم يقتصر نفوذ إبستين على السياسيين فحسب، بل امتد ليطول جامعات أميركية مرموقة، على رأسها هارفارد، إضافةً إلى مراكز أبحاث، حيث ضخّ مبالغ طائلة على شكل تبرعات استُخدمت لتلميع صورته. ويقول البروفسور دالاك إن هذه العلاقات سببها أموال التبرعات الطائلة التي قدمها إبستين للجامعات، مضيفاً أن «المال له تأثير كبير في الولايات المتحدة. له تأثير في الجامعات. له تأثير في كل مكان تقريباً. وما نراه حقاً هو أحد جوانب النظام الرأسمالي السيئة. إن النظام الرأسمالي يفعل الكثير من الأشياء العظيمة، لكنه قبيح في زوايا أخرى؛ فهو يمنح قوة استثنائية للمشاهير والأثرياء».

وأعطى دالاك دليلاً على ذلك عبر مقارنة قضية إبستين بقضية هارفي واينستين، المنتج السينمائي السابق، فيضيف: » لديك شخص غني للغاية، وقوي للغاية، يسيء استخدام تلك القوة، ويرتكب جرائم ضد النساء والفتيات القاصرات؛ لأن التوقع كان: أنني مشهور وغني، يمكنني الإفلات من العقاب. لن يحاسبني أحد».

غيلان ماكسويل «الصامتة»

مع التداعيات المستمرة لملفات ابستين، تتوجه الأنظار إلى شريكته غيلان ماسكويل التي تقبع في السجن في حكم مدته 20 عاماً. وقد اشترطت ماكسويل عفواً رئاسياً عنها مقابل إفراجها عن معلومات متعلقة بإبستين.

غيلان ماكسويل في سجنها ببروكلين في 4 يوليو 2020 (رويترز)

وتستبعد ترنر أن يصدر ترمب عفواً عنها، مشيرة إلى أن أي قرار من هذا النوع سيكون بمثابة «اعتراف بالذنب منه بأنه متورط بطريقة ما في هذه القضية». وأضافت: «لا أعتقد أن ترمب سيقدم لها أي تنازلات. ومن ثم، ما الذي سيحفزها على قول الحقيقة؟ ستتمسك بصمتها؛ لأن هذا كل ما لديها»، لكن دالاك يرى أنه من الصعب حسم ما سيقوم به ترمب «الذي يحب لفت الانتباه من خلال تصرفاته».


مقالات ذات صلة

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية «يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

أميركا تُحكم حصار الموانئ الإيرانية بحاملة طائرات ثالثة

في ما بدا أنه سباق مع الوساطات لإجراء جولة ثانية من المحادثات الأميركية - الإيرانية، أعلن الجيش الأميركي اكتمال الحصار المفروض على إيران عند مضيق هرمز.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يقف فوق وحدة مدفعية تطلق النار باتجاه جنوب لبنان من شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (أ.ب)

مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر يجتمع لبحث إمكانية وقف النار في لبنان

يعقد مجلس ‌الوزراء الإسرائيلي ‌الأمني ​المصغر ‌بقيادة ⁠رئيس ​الوزراء بنيامين نتنياهو اجتماعاً، الأربعاء، لمناقشة إمكانية التوصل ‌إلى وقف لإطلاق النار في ⁠لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران تتوجه الأنظار إلى البيت الأبيض حيث ينتظر الجميع تصريحات ترمب ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة

رنا أبتر (واشنطن)
يوميات الشرق الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: الملك تشارلز لن يلتقي بضحايا إبستين خلال زيارته للولايات المتحدة

أكد مصدر من قصر باكنغهام أن ملك بريطانيا تشارلز وزوجته الملكة كاميلا لن يلتقيا بضحايا جيفري إبستين خلال زيارتهما الرسمية للولايات المتحدة هذا الشهر

«الشرق الأوسط» (لندن)

«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
TT

«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

عندما وصفت الصين، يوم الاثنين، الحصار الأميركي للنفط الإيراني المغادر عبر مضيق هرمز بأنه «خطير وغير مسؤول»، شكّل ذلك لمحة سريعة عن التحدي الأخير الذي يواجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب: كيف يمنع نزاع إيران من تقويض انفراجة آخذة في التشكّل مع الصين؟

ومن المتوقع أن يصل ترمب إلى بكين بعد أربعة أسابيع، في زيارة كان يُنظر إليها على أنها جهد مُعدّ بعناية ومنظّم بإحكام لإعادة صياغة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. وكان الرئيس قد أرجأ الرحلة مرة بالفعل، ويؤكد مسؤولو البيت الأبيض أنه لا يوجد نقاش لتأجيلها مجدداً، حتى لو واصلت الولايات المتحدة خنق صادرات النفط الإيرانية. وكان نحو 90 في المائة من هذه الصادرات -أي أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً- تتجه إلى الصين قبل بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

في البداية، التزمت الصين قدراً من الهدوء إزاء العمل العسكري، مدركةً أن الشحنات الموجودة بالفعل في البحر، إلى جانب مخزون كبير من الاحتياطيات الطارئة من النفط، قد تكفيها مؤقتاً. كما تجاهلت مطلب ترمب إرسال سفن حربية للحفاظ على فتح المضيق، واكتفت بدعوات تقليدية للطرفين لخفض التصعيد.

لكن مع بدء الحصار يوم الاثنين، ومع احتمال أن تُمنع سفن شحن ترفع العلم الصيني، وبعضها بطواقم صينية، من المرور بواسطة البحرية الأميركية، تغيّرت النبرة.

«شريعة الغاب»

وأدلى الزعيم الصيني شي جينبينغ بأول تعليق علني له على الحرب يوم الثلاثاء، قائلاً إن العالم لا يمكنه المخاطرة بالعودة إلى «شريعة الغاب». ولم يذكر الولايات المتحدة أو ترمب بالاسم، لكنه أشار خلال اجتماع مع ولي عهد أبوظبي إلى أن «الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي يعني عدم استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا».

وكانت تلك إشارة واضحة إلى ترمب، الذي قال في يناير (كانون الثاني) لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، مضيفاً: «أنا لا أسعى لإيذاء الناس». وأوضح أنه سيكون الحَكَم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله.

من جانبها، اتخذت وزارة الخارجية الصينية، التي تؤدي دورها المعتاد في توجيه الرسائل بين واشنطن وبكين، موقفاً أكثر تشدداً، متهمةً الولايات المتحدة بفرض «حصار موجّه» من شأنه «زيادة المواجهة وتصعيد التوتر، في ظل وقف إطلاق نار هش أصلاً، وتعريض سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز لمزيد من الخطر».

تحفّظ على الانتقاد المباشر

في المقابل، تجنّب ترمب إلى حد كبير توجيه انتقادات حادة، حتى بعدما تبيّن الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما أرسلت شحنة من صواريخ محمولة على الكتف إلى الإيرانيين لاستخدامها في النزاع. وهذه المعلومات غير حاسمة، ولا يوجد دليل على استخدام صواريخ صينية ضد القوات الأميركية أو الإسرائيلية.

وقال ترمب: «أشك في أنهم سيفعلون ذلك»، مضيفاً سريعاً: «إذا ضبطناهم يفعلون ذلك فستُفرض عليهم رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة»، في تهديد اعتاد توجيهه إلى أي دولة تتحدى إرادته. لكنه لم يتابع الموضوع، ربما إدراكاً منه أن أي تهديد بفرض رسوماً جديدة قد يعرقل آماله في إعلان اتفاق تجاري، وهو الهدف الأسهل تحقيقاً في مسار الدبلوماسية بين البلدين.

وقال كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأميركي السابق في عهد الرئيس جو بايدن، ورئيس مجموعة «آسيا غروب» التي أسسها، إن «الرئيس ترمب خلق وضعاً باتت فيه اثنتان من كبرى أولوياته في تعارض مباشر». وأضاف: «الأولى هي مراقبة والتحكم في جميع الشحنات التي تمر عبر المضيق، بما في ذلك شحنات الصين. والثانية هي رغبته في زيارة إيجابية إلى بكين».

محادثات صعبة

كان سفير ترمب لدى الصين، ديفيد بيرديو، في المكتب البيضاوي، مساء الثلاثاء، يناقش الزيارة المرتقبة. وقال مسؤولون في الأمن القومي إنه قبل اندلاع النزاع مع إيران، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت، قد تفاوض على الخطوط العريضة لمبادرات اقتصادية كان البلدان سيعلنانها.

لكن لم يُحرز تقدم يُذكر في القضايا الأمنية الكبرى، حسب مسؤولين أميركيين، بما في ذلك كيفية التعامل مع مستقبل تايوان، أو الترسانة النووية الصينية المتنامية بسرعة، أو تعزيزها العسكري في بحر الصين الجنوبي والمواجهات التي أثارها ذلك مع الفلبين.

ومع تبقي شهر على وصول ترمب إلى بكين، لا يزال من غير الواضح كيف سيُدير الزعيمان نقاشاً حول الحصار -إذا استمر- أو حول استعراض القوة العسكرية الأميركية الذي بدأ بالقبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا، ثم تواصل مع هجوم ترمب على إيران.

لكن هناك مؤشرات قوية على أن الجيش الصيني يراقب من كثب كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لهذين الهجومين. ويبدو أن المسؤولين الصينيين قلقون من السرعة التي جرى بها «شلّ» القيادة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب.

وقال راش دوشي، أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون ومستشار سابق للرئيس جو بايدن في شؤون الصين: «هناك كثير من التكهنات حول ما يمكن أن يعرقل الانفراجة بين الولايات المتحدة والصين ويقوّض القمة». وأضاف: «لم تكن قضايا مثل رقائق الذكاء الاصطناعي أو حتى المعادن النادرة هي العامل الحاسم... لكن قد تكون إيران».

وأشار إلى أن الحصار قد «يخلق ديناميكيات معقدة» في حال حدوث مواجهة بين البحرية الأميركية وسفن تجارية صينية، رغم أن الطرفين يبدوان حريصين على تجنب ذلك. وأضاف أن التقارير عن احتمال دراسة الصين إرسال دعم عسكري فتاك إلى إيران تُؤخذ بجدية من مسؤولين كبار في الكونغرس وأجهزة الاستخبارات.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، تتوجه أنظار المشرعين إلى البيت الأبيض، حيث ينتظر الجميع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة. غير أن مفتاح فهم المواقف يكمن في خلفية المشهد، حيث يراقب الكونغرس عقارب الساعة. فالجمهوريون، الذين يدعمون حتى الآن صلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية ضد إيران، يقرّون بقرب انتهاء مهلة الستين يوماً التي تتيح للإدارة التحرك عسكرياً قبل أن يتدخل الكونغرس ويقول كلمته. وقد ينضمّ الجمهوريون حينها إلى الجهود الديمقراطية المستمرة لتقييد هامش تحرّك ترمب في الحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في مؤتمر صحافي بالكونغرس 14 أبريل 2026 (رويترز)

وهذا ما تحدث عنه السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال: «دخلنا في اليوم الـ45، والآن يجب أن نبدأ بالحديث عن إقرار تفويض استعمال القوة العسكرية في الكونغرس». وتابع: «نحتاج إلى مؤشر واضح حول الوجهة التي تريد الإدارة الذهاب إليها: هل ستصعّد أكثر أم تبدأ بوقف الأعمال العدائية؟».

وتطرقت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تخوض سباقاً حاسماً في ولايتها ماين للحفاظ على مقعدها، إلى مسألة تفويض الحرب، فقالت محذرة: «عند بلوغ عتبة الستين يوماً، أو في حال تم نشر قوات برية، تصبح موافقة الكونغرس ضرورية. حينها لن أصوّت لصالح إقرار هذا العمل العسكري».

مخاطر انتخابية

ويعلم ترمب جيداً المخاطر السياسية الناجمة عن استمرار الحرب، فهو يتحدث باستمرار مع القيادات الجمهورية التي تستعد لانتخابات نصفية حاسمة للحزب وللرئيس. ففوز الديمقراطيين فيها يعني عرقلة أجندة الجمهوريين، وتسليم الديمقراطيين مفتاح عزل ترمب. وفي هذا الإطار عقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مطلع هذا الأسبوع مع رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، ورئيس اللجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس، لرسم الاستراتيجية الانتخابية.

بدأ الكونغرس العد العكسي لإنهاء حرب إيران (رويترز)

ولعلّ ما يؤرق القيادات الحزبية هو التأييد شبه الغائب للحرب في صفوف الناخبين الأميركيين الذين يشعرون بتداعياتها الاقتصادية مع استمرار الأسعار بالارتفاع. وهذا سيكون عاملاً أساسياً يحسم توجهاتهم لدى الإدلاء بأصواتهم في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وقد شعر أعضاء الكونغرس بوطأة الحرب وتأثيرها على الأميركيين خلال إجازتهم الربيعية التي قضوها في ولاياتهم واستمعوا إلى آراء الناخبين. لهذه الأسباب، يبدو أن ترمب يسعى إلى كبح جماح الحرب قبل أن يفقد السيطرة على قاعدته الشعبية من جهة، وأن يفقد ثقة المستقلين الذين عادة ما يحسمون السباقات المتأرجحة في صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، سعى ترمب إلى احتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما قال في مقابلة سابقة إن أسعار الوقود قد تبقى على حالها أو ترتفع قليلاً بحلول انتخابات الكونغرس في نوفمبر. وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، سُجّلت في البيت الأبيض وبُثّت الأربعاء، قال إنه أسيء اقتباسه، مؤكداً رضاه عن مستوى أسعار النفط الحالية عند نحو 92 دولاراً للبرميل. وأضاف: «ستنخفض بشكل كبير جداً فور انتهاء هذا الأمر»، في إشارة إلى الحرب، عادّاً أنها «قد تنتهي قريباً جداً». كما توقّع أن تتراجع أسعار البنزين، التي يبلغ متوسطها حالياً أكثر بقليل من 4 دولارات للغالون، إلى مستويات «أدنى بكثير» بحلول موعد الانتخابات، مؤكداً أن «أسعار الوقود ستنخفض بشكل هائل» فور تسوية النزاع.


ترمب: طلبت من الرئيس الصيني عدم تزويد إيران بالأسلحة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ب)
TT

ترمب: طلبت من الرئيس الصيني عدم تزويد إيران بالأسلحة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشبكة «فوكس بيزنس» في مقابلة بُثت اليوم الأربعاء إنه طلب من نظيره الصيني شي جينبينغ في رسالة ألا يزود إيران بالأسلحة، وإن شي رد قائلا إنه «في الأساس، لا يفعل ذلك».

وأشار الرئيس ​الأميركي، الأربعاء، إلى أن الصين والولايات المتحدة تعملان معا، ‌وإن بكين ‌ترحّب ​بجهوده ‌الرامية ⁠لفتح ​مضيق هرمز ⁠بشكل دائم.وأضاف ترمب في منشور على منصة ⁠«تروث سوشيال»: «الصين ‌سعيدة ‌جدا لأنني ​أعمل ‌على فتح ‌مضيق هرمز بشكل دائم. أفعل ذلك من ‌أجلهم، ومن أجل العالم أيضا. ⁠لن يتكرر ⁠هذا الوضع أبدا. لقد وافقوا على عدم إرسال أسلحة إلى إيران».

وكانت شبكة «سي إن إن» قد نشرت تقريراً يوم الجمعة الماضي أشار إلى أن هناك معلومات استخباراتية أميركية تكشف أن الصين تستعد لتسليم إيران منظومات دفاع جوي جديدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

ونقلت الشبكة عن 3 أشخاص مطلعين على التقييمات الاستخباراتية أن هناك مؤشرات على أن بكين تعمل على تمرير هذه الشحنات عبر دول ثالثة لإخفاء مصدرها الحقيقي.

وقالت المصادر إن الأنظمة التي تستعد الصين لنقلها هي صواريخ مضادة للطائرات تُطلق من الكتف، تُعرف باسم «مانباد».

وأضاف التقرير أن هذه المعلومات تشير إلى أن طهران قد تستغل وقف إطلاق النار لإعادة تزويد بعض أنظمة أسلحتها بدعم من شركاء خارجيين.

وقالت المصادر إن هذه الصواريخ المحمولة على الكتف شكَّلت خلال الحرب تهديداً غير متكافئ للطائرات العسكرية الأميركية التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، وقد تعود لتُشكِّل التهديد نفسه إذا انهار وقف إطلاق النار.

ونقلت الشبكة عن متحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن قوله إن الصين «لم تقدِّم قط أسلحةً لأي طرف في النزاع»، وإنِّ هذه المعلومات «غير صحيحة».

وأضاف أن بكين، بوصفها «دولة كبرى مسؤولة»، تفي بالتزاماتها الدولية، داعياً الولايات المتحدة إلى تجنب «اتهامات لا أساس لها... والتهويل».

ومن جهته، قال وزير الخزانة ‌الأميركي سكوت بيسنت إن الصين أظهرت أنها شريك عالمي غير موثوق به خلال حرب الشرق الأوسط بسبب تكديس إمدادات النفط، وتقليص صادرات سلع معينة، تماماً مثلما فعلت بتخزين الإمدادات الطبية ​خلال جائحة «كوفيد - 19».

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد صرح بيسنت لصحافيين، أمس الثلاثاء، بأنه تحدث إلى مسؤولين صينيين عن هذا الموضوع. ولم يرد بيسنت على سؤال عما إذا كان الخلاف سيعرقل خطة الرئيس الأميركي لزيارة بكين في نهاية الشهر، لكنه قال إن ترمب ونظيره الصيني تربطهما علاقة عمل جيدة للغاية.

واستطرد قائلاً: «أعتقد أن رسالة الزيارة هي الاستقرار. شهدنا استقراراً كبيراً في العلاقات منذ الصيف الماضي... أعتقد أن التواصل هو العامل الأساسي».

لكن بيسنت انتقد الصين بشدة لتصرفاتها خلال الحرب ‌الأميركية الإسرائيلية مع إيران، ‌التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة ​تصل إلى ‌50 ⁠في المائة، وتسببت ​في ⁠اضطرابات بسلاسل التوريد.

وقال بيسنت: «كانت الصين شريكاً عالمياً غير موثوق به ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضية؛ الأولى خلال جائحة (كوفيد - 19)، عندما احتكرت منتجات الرعاية الصحية، والثانية فيما يتعلق بالمعادن النادرة»، في إشارة إلى تهديد بكين العام الماضي بتقييد صادرات تلك المعادن.

وأضاف أن الصين الآن تكدس مزيداً من النفط بدلاً من المساعدة في تخفيف النقص في الطلب العالمي الناجم عن إغلاق إيران مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره ⁠20 في المائة من نفط العالم قبل الحرب.

وكان لدى الصين ‌بالفعل احتياطي نفطي استراتيجي يعادل تقريباً حجم ‌الاحتياطي الكامل الذي تحتفظ به وكالة الطاقة الدولية، ​التي تضم 32 دولة، لكنها استمرت في ‌شراء النفط.

وقال بيسنت: «لقد استمروا في الشراء، واحتكروا النفط، وقطعوا صادرات كثير ‌من المنتجات».

وقال ليو بنغيو المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن إن النقص الذي يواجه سوق الطاقة العالمية يعود إلى «الوضع المتوتر في الشرق الأوسط»، ودعا إلى وقف فوري للعمليات العسكرية هناك.

وأضاف: «المهمة الملحة هي وقف العمليات العسكرية فوراً، ومنع الاضطرابات في الشرق الأوسط من التأثير ‌سلباً على الاقتصاد العالمي»، مؤكداً أن الصين تعمل بنشاط على إنهاء الصراع، وستواصل «لعب دور بنّاء».

وبدأ الجيش الأميركي، يوم الاثنين، فرض سيطرته على حركة السفن المغادرة للموانئ الإيرانية، وهدّدت طهران بالرد على موانئ جيرانها في الخليج بعد انهيار محادثات مطلع الأسبوع في إسلام آباد بشأن إنهاء الحرب. وقفزت أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل، دون أي مؤشر على معاودة فتح المضيق قريباً.

وقال بيسنت للصحافيين في وقت سابق إن «الحصار سيضمن عدم السماح لأي سفن صينية أو غيرها بالمرور عبر المضيق». وأصاف: «لن يتمكنوا من الحصول ​على نفطهم. يمكنهم الحصول على ​النفط، لكن ليس النفط الإيراني».

وأشار إلى أن الصين كانت تشتري أكثر من 90 في المائة من النفط الإيراني، الذي يُشكّل نحو ثمانية في المائة من مشترياتها السنوية.