موسكو «تسترشد بمصالحها» بعد انتهاء صلاحية معاهدة «ستارت» النووية

تتفق مع واشنطن على استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات أثناء إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات أثناء إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

موسكو «تسترشد بمصالحها» بعد انتهاء صلاحية معاهدة «ستارت» النووية

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات أثناء إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات أثناء إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

طويت الخميس صفحة معاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت) بعد أن ظلّت لنحو عقدين النظام الأساسي لعمليات تقليص القدرات النووية والرقابة على نشر الأسلحة لدى روسيا والولايات المتحدة. ومع انقضاء اليوم، انتهت مدة سريان المعاهدة وفقاً للاتفاقية المبرمة بين الطرفين.

وفشلت موسكو وواشنطن في التوصل إلى صيغ للتمديد أو المحافظة على المعاهدة بنسختها السابقة بسبب اتساع هوة الخلافات حول الشروط الجديدة لدى البلدين، ورغبة كل منهما في إشراك أطراف نووية أخرى في مفاوضات لوضع اتفاقية جديدة. وطالبت واشنطن بضمّ الصين إلى أي اتفاق مستقبلي، فيما تشترط موسكو إشراك كل من فرنسا وبريطانيا في هذه العملية.

ترمب ووزير الدفاع بيت هيغسيث في قاعدة كوانتيكيو - 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

ومع انتهاء سريان «ستارت» يكون قد تم تقويض آخر معاهدة مبرمة بين موسكو وواشنطن لتقليص التسلح والرقابة على الانتشار، بعد أن تم تقويض عدة معاهدات في السابق تنظم عمليات نشر الأسلحة القصيرة والمتوسطة في أوروبا واتفاقات تحرم التجارب النووية، وتحظر نشر أسلحة في الفضاء.

وكانت «ستارت» تعد «الركن الأخير والأساسي» وفقاً لتوصيف الكرملين في ضمان الأمن الاستراتيجي في العالم، وحذّرت موسكو من أن انتهاء العمل بها يعني فتح مرحلة وصفت بأنها «واقع بلا قيود»، بما يتيح للطرفين والأطراف الأخرى توسيع النشاط النووي من دون رقابة أو ضابط ملزم. برغم ذلك، أكّد الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، الخميس، أن روسيا «ستواصل نهجها المسؤول واليقظ تجاه الاستقرار الاستراتيجي في مجال الأسلحة النووية».

ضباط أميكريون كبار في قاعدة كوانتيكو - 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

تنسيق مع الصين

لكنه شدّد على أن بلاده «سوف تسترشد مع ذلك، في المقام الأول بمصالحها الخاصة في مسائل الاستقرار الاستراتيجي».

وسعت موسكو إلى تنسيق مواقفها مع الصين عشية انتهاء المعاهدة، وعقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ مؤتمراً عبر الفيديو الأربعاء، وقال مساعد الرئيس يوري أوشاكوف إن الزعيمين ناقشا الوضع بعد انتهاء صلاحية «ستارت».

وقّعت موسكو وواشنطن معاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية وتقييدها عام 2010. ونصّت المعاهدة على ألا يتجاوز حجم ترسانة أيٍّ من البلدين 700 صاروخ باليستي عابر للقارات منتشر، بما في ذلك الغواصات والقاذفات الثقيلة، و800 منصة إطلاق منتشرة وغير منتشرة، و1550 رأساً حربياً، بحلول فبراير (شباط) 2018.

وتقول روسيا إنها أوفت بالتزاماتها بالكامل في الموعد المحدد.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

كما أعلنت الولايات المتحدة أنها حققت المستويات المتفق عليها، ولكنها كما يشير مسؤولون روس فعلت ذلك باستبعاد بعض أسلحتها الخاضعة للمساءلة من حساباتها بشكل غير قانوني عبر إبقائها في مستودعات التخزين.

وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خريف العام الماضي، استعداده للالتزام بقيود معاهدة ستارت لمدة عام واحد، بعد انقضاء مدتها، لتسهيل المفاوضات مع واشنطن لإبرام اتفاقية جديدة. لكنه أكد أن هذا الالتزام لن يكون سارياً إلا إذا بادلته الولايات المتحدة بالمثل.

ومع أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رحّب بالمبادرة الروسية، فإن الطرفين لم يجريا أي مفاوضات في هذا الشأن، كما لم تبلغ واشنطن الطرف الروسي باستعدادها لالتزام مقابل، ما أسفر عن طي صفحة المعاهدة نهائياً في موعد انتهاء صلاحيتها.

الرئيس الروسي ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال مكالمة عبر تقنية الفيديو

أعلنت الصين أنها لا ترغب في المشاركة في مفاوضات لإبرام معاهدة جديدة، لكنها دعت موسكو وواشنطن لتجاوز خلافاتهما في هذا الشأن. وأكّد بيسكوف، الخميس، أن بلاده «تحترم الموقف الصيني».

وقال بيسكوف للصحافيين، ردّاً على سؤال حول سياق مناقشة بوتين وشي جينبينغ لمعاهدة ستارت: «لقد طُرح هذا الموضوع بالأمس بالفعل من حيث عواقبه السلبية على نظام الحدّ من التسلح النووي الدولي والاستقرار الاستراتيجي. كما تعلمون، فإن أصدقاءنا الصينيين يرون أن قدراتهم النووية لا تُقارن بقدرات الولايات المتحدة وروسيا، ولذلك فهم لا يرغبون في المشاركة في المفاوضات، معتبرين ذلك غير مناسب. ونحن نحترم هذا الموقف».

أرشيفية للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

من جانب آخر، أعلنت القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا، في بيان، أن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا على استئناف الحوار العسكري بينهما، وذلك عقب اجتماع، جمع مسؤولين عسكريين روسيين وأميركيين رفيعي المستوى في أبوظبي. وجاء الاتفاق بعد لقاءات في أبوظبي، جمعت قائد القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا، والقائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا، الجنرال أليكسوس جرينكويتش، ومسؤولين عسكريين روس وأوكرانيين رفيعي المستوى، بحسب بيان القيادة.

وأكّد البيان أن هذه القناة «ستوفر اتصالاً عسكرياً مستمراً بين الطرفين في إطار مساعيهما نحو تحقيق سلام دائم».

يذكر أنه تم تعليق الاتصالات العسكرية رفيعة المستوى بين واشنطن وموسكو في عام 2021، قبيل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.


مقالات ذات صلة

واشنطن وطهران إلى طاولة مسقط وسط «خطوط حمراء»

شؤون إقليمية طائرة إتش سي-130 جي «كومبات كينغ 2» أثناء تنفيذ مهمة تزويد بالوقود جواً ودعم العمليات الجوية في مناطق انتشار القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) p-circle

واشنطن وطهران إلى طاولة مسقط وسط «خطوط حمراء»

عشية محادثات حساسة في مسقط، وضعت إيران سقفاً واضحاً لأي حوار محتمل مع الولايات المتحدة، معتبرة أن برنامجي تخصيب اليورانيوم والقدرات الصاروخية «خطوطاً حمراء».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران-واشنطن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون يدعو إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»، وقالت أوساطه إنه مصمم على الدفع نحو «إحداث تغيير».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتحدث على هامش مؤتمر صحافي للرئيس دونالد ترمب بالبيت الأبيض 29 يناير (أ.ف.ب) p-circle

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش... وموسكو تتشدد حيال «دعاة الحرب» الأوروبيين... بينما يضيق الخناق على نفطها

إيلي يوسف (واشنطن) رائد جبر (موسكو)
شؤون إقليمية صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

«ضربات مفاجئة» في حال فشل المفاوضات الأميركية – الإيرانية

أبلغ رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير مسؤولين أميركيين بأن بلاده مستعدة لتوجيه «ضربات مفاجئة» في حال «اختار الإيرانيون طريق الحرب».

نظير مجلي (تل أبيب)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في العاصمة واشنطن 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: نسعى حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إن بلاده تسعى حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

كييف: محادثات أوكرانية روسية أميركية مرتقبة في الأسابيع المقبلة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

كييف: محادثات أوكرانية روسية أميركية مرتقبة في الأسابيع المقبلة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن الجولة المقبلة ‍من المحادثات حول إنهاء الحرب المستمرة منذ ما يقرب من أربع سنوات، من المرجح ​أن تُعقد في الولايات المتحدة.

وأضاف زيلينسكي، في خطابه الليليّ المصور: «ما يمكن قوله بالفعل هو أن الاجتماعات التالية مقرَّرة في المستقبل القريب. وعلى الأرجح في أميركا».

وأعلن كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف، الخميس، أن جولة جديدة من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة ستُعقد «في الأسابيع المقبلة»، بعد مفاوضات «بنّاءة» في أبوظبي أسفرت عن تبادل أسرى.

وقال عمروف، عبر تطبيق «تلغرام»: «اتفقت الوفود على إبلاغ عواصمها ومواصلة المحادثات الثلاثية في الأسابيع المقبلة»، لافتاً النظر إلى أن المفاوضات ركزت خصوصاً على «آليات تنفيذ وقف لإطلاق النار»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه قال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إن المحادثات الثلاثية مع روسيا وأوكرانيا كانت بناءة، وستستمر ‌في الأسابيع المقبلة.

وأعلنت روسيا وأوكرانيا، الخميس، أنهما أجرتا عملية تبادل سجناء حرب شملت 157 أسيراً من كل جانب، وذلك للمرة الأولى منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في تطوّر يُعد النتيجة الوحيدة المعلَنة حتى الساعة لمحادثاتٍ أُجريت في أبوظبي لوضع حد للحرب، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في حساباته عبر منصات التواصل الاجتماعي، أن 157 أوكرانياً، بينهم عناصر في الجيش والحرس الوطني وحرس الحدود، إضافة إلى مدنيين، جرى الإفراج عنهم وإعادتهم إلى أوكرانيا.

وتابع: «كانوا بغالبيتهم في الأَسر منذ 2022»، العام الذي بدأت فيه روسيا غزو أوكرانيا.


ماكرون يدعو إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

ماكرون يدعو إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي». وقالت أوساطه إنه مصمم على الدفع نحو «إحداث تغيير»، خلال اجتماع مرتقب لقادة الاتحاد.

وقال الرئيس الفرنسي، على منصة إكس: «من أجل أوروبا قرارها بيدها وأكثر تنافسية وسيادة، أعمل مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، للتحضير لاجتماع رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي، الأسبوع المقبل، بشأن التنافسية».

وأضاف: «رسالتي هي تسريع أجندة استقلالنا الأوروبي. الاستثمار، والحماية، والتنويع، والتبسيط، بشكل أسرع».

وسيلتقي القادة الأوروبيون، في 12 فبراير (شباط)، ببلجيكا، في اجتماع غير رسمي، بحضور رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي، مُعدّ تقرير مهم حول تعزيز القدرة التنافسية للقارة العجوز.

ووفق مصدر مقرَّب من ماكرون، فإن الأخير يريد الاستفادة من هذا الاجتماع «لطرح بعض المقترحات القوية، وإحداث تغيير طفيف في الأمور بحيث تتمخض قرارات عن التصريحات التي أعقبت تهديدات (الرئيس الأميركي) دونالد ترمب» بشأن غرينلاند والرسوم الجمركية.

وأضاف المصدر: «الخطر الكبير الذي ينتظرنا هو أن تتلاشى الحماسة (الأوروبية)، وهذا ما حدث، قبل عام، بعد حادثة المكتب البيضوي»؛ في إشارة إلى اللحظة التي هاجم فيها الرئيس الأميركي نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لفظياً في البيت الأبيض، ما أثار تصريحات أوروبية منددة.


«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش

أعضاء الوفود الأميركية والروسية والأوكرانية في الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بأبوظبي (رويترز)
أعضاء الوفود الأميركية والروسية والأوكرانية في الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بأبوظبي (رويترز)
TT

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش

أعضاء الوفود الأميركية والروسية والأوكرانية في الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بأبوظبي (رويترز)
أعضاء الوفود الأميركية والروسية والأوكرانية في الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بأبوظبي (رويترز)

اختُتمت الخميس المحادثات الثلاثية التي أقيمت الأربعاء والخميس في العاصمة الإماراتية بهدف إيجاد حل للحرب، التي ستبدأ عامها الخامس مع نهاية الشهر الحالي.

رغم وصف الاجتماعات التي انعقدت على مدى يومين في أبوظبي بين الأوكرانيين والروس والأميركيين بأنها «مثمرة» و«إيجابية»، فإن ما رشح منها حتى الآن يوحي بأن الطريق إلى اختراق حقيقي ما زال طويلاً. فالتقدم الأوضح جاء في ملف إنساني قابل للتحقيق سريعاً: اتفاق على تبادل 314 أسيراً، وهو أول تبادل بهذا الحجم منذ نحو خمسة أشهر، أعلنه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، مرفقاً ذلك برسالة سياسية مزدوجة: «هناك نتائج ملموسة»، لكن «العمل لا يزال كبيراً» لإنهاء الحرب. وتضمّ المحادثات إضافة إلى ويتكوف جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب.

المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف (أ.ب)

وقال ويتكوف عبر منصة «إكس»: «اتفقت أميركا وأوكرانيا وروسيا اليوم على تبادل 314 أسيراً في أول عملية تبادل من نوعها منذ 5 أشهر». وذكرت وكالة «ريا نوفوستي» للأنباء الروسية، الخميس، نقلاً عن وزارة الدفاع أن روسيا وأوكرانيا تبادلتا 157 أسير حرب لكل منهما.

وعلق المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف على انتهاء الجولة الثانية، قائلاً الخميس إن «المفاوضات بشأن تسوية الأزمة الأوكرانية جارية في أبوظبي، ومن السابق لأوانه استخلاص أي نتائج». كلامه يعني أنه قد تكون هناك جولات ثلاثية أخرى في المستقبل القريب.

وأعلنت واشنطن في جلسة الأربعاء عن تحقيق تقدم جيد، تمثل في مناقشة الأفكار التي طرحت خلال الجولة الأولى بشكل تفصيلي. وكانت الجولة الأولى من المشاورات الثلاثية عُقدت في أبوظبي أيضاً يومي 23 و24 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقال المفاوض الروسي كيريل ديمتريف: «هناك تقدم لا شكّ، الأمور تسير في الاتجاه الصحيح»، مندداً في الوقت نفسه بما عدّها محاولات أوروبية «لعرقلة المسار».

وأضاف ديمتريف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي والممثل الخاص للرئيس الروسي للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، أنه تم إحراز تقدم في حل الأزمة الأوكرانية. وأشار إلى «تقدم إيجابي وجيد».

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وكان لافتاً أن ديمتريف شنّ برغم ذلك هجوماً لاذعاً على الأوروبيين، وقال إن «دعاة الحرب من أوروبا وبريطانيا يحاولون باستمرار التدخل وعرقلة هذه العملية. ومع ذلك، كلما زادت محاولاتهم، أصبح التقدم أكثر وضوحاً».

وقالت ديانا دافيتيان، المتحدثة باسم رئيس الوفد الأوكراني رستم عمروف، للصحافيين: «انتهت المفاوضات»، مشيرة إلى أن كييف ستُعلن عن مزيد من التفاصيل في وقت لاحق.

ووصف عمروف، رئيس إدارة الأمن القومي والدفاع وكبير المفاوضين الأوكرانيين المحادثات بأنها «هادفة ومثمرة». وعُقدت الجولة الثانية مثل سابقتها خلف أبواب مغلقة.

وقال عمروف: «بدأ اليوم الثاني من المحادثات في أبوظبي، نعمل بالصيغ نفسها كما كانت الحال في الأمس: مشاورات ثلاثية، ومجموعات عمل، ثم مواءمة المواقف لاحقاً».



هذا النوع من الخطوات يمنح المفاوضات «رصيداً» يمنع انهيارها، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الهوة في الملفات الأصعب: وقف إطلاق النار، وحدود السيطرة على الأرض، وشكل الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف وتتحفظ عليها موسكو. لذلك تبدو حصيلة أبوظبي أقرب إلى إدارة الصراع، وتثبيت قناة التواصل، لا إلى تسوية.

غير أن المشكلة ليست في «غياب البنود» على جدول الأعمال، بل في تضاد الحسابات: فلاديمير بوتين يريد إنهاءً يثبت مكاسبه ويمنع ما يراه عودة «التهديد» على حدوده؛ وكييف تريد وقفاً للنار لا يكافئ الغزو، ويؤسس لضمانات أمنية تمنع تكراره. وبينهما إدارة دونالد ترمب تسعى إلى إنجاز سياسي سريع، لكن أدواتها (الضغط والعقوبات) قد ترتد على المسار إذا تحولت إلى اختبار كسر عظم.

الوفد الأوكراني برئاسة رستم عمروف

اتصالات مع باريس

تجنب الكرملين تأكيد أو نفي معطيات تحدثت عن زيارة غير معلنة قام بها مستشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى موسكو. وكانت وكالة «رويترز» قد أفادت سابقاً بأن المستشار الدبلوماسي لماكرون، إيمانويل بون، زار موسكو للقاء مسؤولين روس.

وقال بيسكوف للصحافيين رداً على سؤال حول ما إذا كانت زيارة بون إلى موسكو زيارة عمل ولأي غرض: «نعلم أيضاً أن قصر الإليزيه لم يؤكد هذه المعلومات أو ينفيها. وتضامناً مع القصر، لن نؤكد أو ننفي».

ماكرون وبوتين (أ.ف.ب)

وفي وقت سابق، صرّح ماكرون بأن مناقشات فنية جارية للتحضير للقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. من جانبه، أفاد المتحدث باسم الرئاسة الروسية بأن موسكو وباريس تجريان بعض الاتصالات على مستوى العمل، لكنها لم تكن ذات أهمية حتى الآن. كما أوضح أنه لا توجد خطط محددة بعد لعقد لقاءات بين زعيمي البلدين.

وأكد الرئيس الأوكراني أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لا يخشى الأوروبيين». وقال إنّ «بوتين لا يخشى إلا ترمب»، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي يملك «وسائل ضغط من خلال الاقتصاد والعقوبات والأسلحة التي يمكنه نقلها إلينا».

إنجاز صغير لشراء الوقت

لا يقلّل أحد من وزن تبادل الأسرى سياسياً ومعنوياً، خصوصاً بعد أشهر من جمود هذا المسار. لكن بطبيعته لا يفرض على الطرفين تنازلات استراتيجية. فروسيا يمكنها تقديمه من دون التراجع عن شروطها الميدانية، وأوكرانيا تستطيع قبوله من دون الاعتراف بمطالب موسكو حول الأراضي أو «ترتيبات ما بعد الحرب».

الأهم أن الاتفاق يوضح كيف تعمل «دينامية التفاوض» الآن: كلما كانت الخطوة أقل تكلفة على الطرفين، زادت فرص إنجازها. أما حين تنتقل المباحثات إلى وقف نار قابل للتثبيت أو إلى ملف الأراضي، فتعود المواقف المتشددة لتفرض إيقاعها. هنا تكمن مفارقة «الإيجابية» المعلنة: إيجابية في الشكل، وتواضع في النتائج، لأن سقف الخلافات لم ينخفض بعد.

وطرح ممثلو الكرملين خلالها رؤيتهم لمسار التسوية، وأكدوا أن العقدة الأساسية ما زالت تراوح مكانها في ملف التنازل عن الأراضي. ووفقاً لموسكو فإن انسحاب القوات المسلحة الأوكرانية من دونباس يعد شرطاً أساسياً لإبرام تسوية سياسية طويلة الأمد. في المقابل يرفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تقديم تنازلات تجبره على الانسحاب من مزيد من الأراضي، وقال إنه «لا ينبغي أن نمنح روسيا بالطرق الدبلوماسية الفرصة للسيطرة على أراض فشلت في احتلالها بالقوة العسكرية».

زيلينسكي مع رئيس وزراء بولندا (أ.ف.ب)

طالبت موسكو، الأربعاء، كييف بقبول شروطها لإنهاء الحرب المستمرة منذ أربعة أعوام، ما يعزّز الشكوك بشأن فرص نجاح الجهود الدبلوماسية التي يقودها ترمب.

وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحافيين: « ما دام لم يتخذ نظام كييف القرار المناسب، فسوف تستمر العملية العسكرية الخاصة»، مستعملاً التسمية الروسية للغزو.

وتتمثل نقطة الخلاف الرئيسية في المحادثات الرامية إلى تسوية النزاع، في مصير أراض في شرق أوكرانيا.

وفي شرط مسبق لأي اتفاق، تطالب موسكو كييف بسحب قواتها من مساحات شاسعة من إقليم دونباس، من بينها مدن شديدة التحصين وغنية بموارد طبيعية.

وفيما ترفض كييف التخلّي عن المناطق التي تطالب بها موسكو في منطقة دونيتسك شرقاً، تقترح تجميد خطوط القتال على طول خط الجبهة الحالية، وترفض سحباً لقواتها من جهة واحدة.

قناة عسكرية بين واشنطن وموسكو

إلى جانب ملف الأسرى، برز تطور أميركي - روسي مهم، عُدّ دلالة على «إدارة الصراع»: إعادة تفعيل حوار عسكري رفيع المستوى لأول مرة منذ 2021، وفق ما نقلته «رويترز» وأكدته أيضاً تقارير أميركية. هذه الخطوة لا تعني تطبيعاً سياسياً شاملاً، لكنها تعني شيئاً محدداً: فتح خط مؤسسي لتقليل احتمالات سوء الحسابات، خصوصاً مع اتساع ساحات الاحتكاك (البحر، والجو، والطاقة).

وبعبارة أخرى، حتى إن تعثر مسار وقف النار، فإن وجود قناة عسكرية يساعد على منع الانزلاق إلى تصعيد غير مقصود، ويخدم أيضاً هدف الإدارة الأميركية في إبقاء «مسار التفاوض» قائماً من دون أن يتحول كل حادث ميداني إلى أزمة مباشرة بين قوتين نوويتين. لذلك فهي خطوة «واقعية» أكثر منها «تصالحية».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

«الاقتصادات» إلى الواجهة السياسة

في موازاة الدبلوماسية، يتقدم عامل آخر ليصبح مؤثراً في حسابات الكرملين: تمويل الحرب. هنا تتقدم «الاقتصادات» إلى واجهة السياسة. فالتقييم المزداد في العواصم الغربية هو أن شريان تمويل الحرب الروسية، عائدات النفط المنقولة بحراً، أصبح نقطة ضعف قابلة للاستهداف أكثر من أي وقت. وحسب تقرير في «واشنطن بوست»، يدرس الاتحاد الأوروبي حزمةً قد تستبدل سقف الأسعار المفروض منذ 2022 بحظرٍ بحري على الخدمات اللازمة لشحن النفط الروسي، مثل التأمين والنقل، بما يرفع التكلفة والمخاطر على ما يُعرف بـ«أسطول الظل».

وفي موازاة ذلك، حذّرت 14 دولة أوروبية، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، من احتمال اعتراض ناقلات تعمل بما يخالف قواعد الملاحة، وهو ما يضيف بُعداً أمنياً لصراع كان يُدار أساساً عبر المواني والبنوك.

وهنا يتقاطع مسارا أبوظبي والعقوبات: إذا اقتنعت واشنطن بأن روسيا «تراوغ» أو تُبطئ المسار، فيصبح توسيع الضغط على الطاقة خياراً وارداً، وهو ما يرفع ثمن الوقت الذي تشتريه موسكو بالمماطلة. وفي المقابل، قد ترى روسيا أن تقديم تنازلات كبيرة تحت ضغط اقتصادي يهدد صورتها الردعية، فتتشدد أكثر، أو تسعى إلى «تجميد» يثبت مكاسبها قبل اشتداد الخناق.

في المحصلة، ما تحقق في أبوظبي مهم لكنه محدود: تبادل أسرى يمنح الجميع سبباً لمواصلة التفاوض، وقناة عسكرية تخفف أخطار الانزلاق، فيما يبقى «الاختراق» رهينة سؤال التمويل والحدود والضمانات. ومع تصاعد معركة أسطول الظل، يبدو أن الاقتصاد بدأ يفرض توقيته على السياسة، إما بتسريع التسوية، وإما بتغذية تشددٍ يدفع نحو جولات تفاوض أطول وأصعب.

بالمقابل، وفي مقابلة على قناة «فرانس 2» التلفزيونية الفرنسية العامة مساء الأربعاء، أقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنّ الصراع له أثر بالغ على قوات بلاده، إذ أسفر عن «عدد كبير» من المفقودين، وبلغ عدد القتلى من الجنود الأوكرانيين «55 ألفاً»، وهو رقم أقل بكثير من التقديرات الغربية، مضيفاً أنّ موسكو ستضطر إلى التضحية بـ800 ألف رجل إضافي لإكمال الغزو الروسي لهذه المنطقة.

ونادراً ما تكشف كييف وموسكو عن أعداد خسائرهما الخاصة، بينما يعلن كل واحد منهما عن خسائر الطرف الآخر. ويقول المحللون إن كل جانب من المرجح أن يقلل من عدد قتلاه.

وتشير تقديرات مستقلة إلى أن الحصيلة أعلى بكثير. فقد قدر تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن في يناير عدد خسائر أوكرانيا بين 500 ألف و600 ألف جندي، بينهم 100 ألف إلى 140 ألف قتيل، بينما بلغت خسائر روسيا نحو 1.2 مليون جندي، بينهم 325 ألف قتيل. ويؤكد مركز الدراسات الاستراتيجية أن أرقامه مستندة إلى معلومات من الجيش ووكالات الاستخبارات وحكومات دول مختلفة.