«الذهب المرمز» يزدهر مع قفزة الأسعار... وتحذيرات من مخاطر تنظيمية خفية

بائع يزن سواراً ذهبياً للبيع لعميل بمتجر ذهب في بانكوك بتايلاند (رويترز)
بائع يزن سواراً ذهبياً للبيع لعميل بمتجر ذهب في بانكوك بتايلاند (رويترز)
TT

«الذهب المرمز» يزدهر مع قفزة الأسعار... وتحذيرات من مخاطر تنظيمية خفية

بائع يزن سواراً ذهبياً للبيع لعميل بمتجر ذهب في بانكوك بتايلاند (رويترز)
بائع يزن سواراً ذهبياً للبيع لعميل بمتجر ذهب في بانكوك بتايلاند (رويترز)

أدى الارتفاع الكبير في أسعار الذهب إلى زيادة الطلب على ما يُعرف بـ«الذهب المرمز» (Tokenized Gold)، وهو قطاع ناشئ وسريع النمو في سوق الأصول الرقمية. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن هذا الاستثمار ينطوي على مخاطر تتعلق بـ«الحفظ الأمين» واللوائح التنظيمية، وهي مخاطر قد لا تكون واضحة دائماً للمستثمرين.

ويُعد الذهب المرمز عملات رقمية تصدر على البلوك تشين من قبل شركات العملات المشفرة، بما في ذلك «تيثير» و«باكسوس»، وهي مدعومة بمقدار معادل من الذهب المادي المخزن في خزنة، مما يتيح للمستثمرين الأفراد والتقليديين التداول في الذهب دون الحاجة إلى تسلمه فعلياً، وفق «رويترز».

وبالرغم من أن الذهب المرمز لا يزال صغيراً مقارنةً بالسوق الكلية للأصول الرقمية، فإنه ينمو بسرعة. وكان هناك ما يقرب من 20 نوعاً من الذهب المرمز، بقيمة سوقية مجمعة تقارب 6 مليارات دولار حتى يوم الاثنين، وفقاً لبيانات «كوين جيكو»، حيث تمثل عروض «باكسوس» و«تيثير» أكثر من نصف السوق. وقد نمت السوق الكلية أكثر من أربعة أضعاف منذ نهاية عام 2024.

اختبار حماية المستثمرين

وصل سعر الذهب الفوري إلى مستوى قياسي جديد عند 5594.82 دولار يوم الخميس، لكنه سجل في اليوم التالي أكبر انخفاض يومي منذ عام 1983.

وقد تشكل هذه التقلبات تهديداً لحماية المستثمرين المرتبطين بهذه المنتجات الجديدة إذا أدى تدفق طلبات الاسترداد للذهب المادي إلى كشف ثغرات يرى خبراء الصناعة أنها موجودة أحياناً.

في حالة بعض العملات الرقمية، لم يتضح مكان تخزين الذهب الأساسي ومن يتحكم فيه، مما يقلل من الشفافية للمستثمرين مقارنة بأسواق الذهب التقليدية، حسب قولهم، رغم أن بعض المصدرين ينفون ذلك.

وقال أدريان آش، رئيس قسم الأبحاث في سوق «بوليون فولت» عبر الإنترنت: «ليس من الواضح ما الذي تملكه فعلياً عند شراء أي رمز رقمي (مدعوم) بأصل مادي. إذا احتجت لإثبات ملكيتك في نزاع قانوني، قد يقرر القضاء أنك تملك الرمز فقط، وليس الذهب».

وقالت «باكسوس» في بيان إن عملياتها تخضع للإشراف الفيدرالي، مع حماية جميع الاحتياطيات في حال إفلاسها. وأضافت أن كل رمز مدعوم 100 في المائة بالذهب المادي المخصص على مستوى مؤسسي المخزون في خزائن لندن وقابل للاسترداد فعلياً في أي وقت.

وتقول «تيثير» على موقعها الإلكتروني إن «ذهب تيثير» يمنحك ملكية الذهب المادي الحقيقي. وأضافت أن الشركة كانت تحتفظ بحوالي 16.2 طن من الذهب المادي في نهاية ديسمبر (كانون الأول) كاحتياطي للعملة.

صورة توضيحية لسبائك الذهب (رويترز)

دفعة الترميز (Tokenization)

شهدت عملية الترميز الرقمي توسعاً عبر عدة فئات من الأصول خلال العام الماضي، بما في ذلك الأسهم والسندات. وتقول شركات الأصول الرقمية إن الترميز يسمح بتسويات أسرع وأحياناً فورية، مما يعزز السيولة ويخفض تكاليف المعاملات.

لكن نظراً لغياب إطار تنظيمي واضح للأصول الرقمية في الولايات المتحدة، تختلف حقوق وحماية المستثمرين حسب النقديين.

وبالنسبة للذهب المرمز، تكمن المخاوف الرئيسة في ما إذا كان الذهب المادي الذي يدعمه يُحتفظ به بنسبة واحد إلى واحد، ويتم تدقيقه بشكل مستقل، وقابل للاسترداد بسهولة.

وكانت مسألة من يملك الذهب الأساسي محور عدة نزاعات قانونية بعد إفلاس شركات مرتبطة بالسلع، بما في ذلك انهيار صندوق التحوط الأميركي «غم إف غلوبال» في 2011.

وقال بعض المستثمرين إن إضافة طبقة الترميز الرقمي تزيد من تعقيد مثل هذه النزاعات.

وأضاف مايكل آشلي شوليمن، شريك ومدير الاستثمار في «رانينغ بوينت كابيتال أدفايزرس»: «معظم المخاطر تقع خارج السلسلة، فيما إذا كان الرمز يمثل حقاً مباشراً بعيداً عن الإفلاس على سبائك مخصصة محددة أم مجرد مطالبة تعاقدية على المصدر وأمنائه، وهذا التمييز الهائل يحدد ما إذا كان الحائز يمتلك أصلاً فعلياً أم مجرد وعد».

ويظل الإشراف على هذه الأصول الرقمية متغيراً.

وأشار كامبل هارفي، أستاذ المالية في جامعة ديوك، إلى أن مشروع قانون طال انتظاره يمر حالياً في الكونغرس ويضع لجنة تداول السلع الأميركية مسؤولية هذه المنتجات، مع عدم وضوح ما إذا كان سيتم تمرير التشريع المثير للجدل في النهاية، وفق ما أوردت «رويترز». وقال: «أي نظام وصاية من هذا النوع يشكل تحدياً بالغ التعقيد».

«اندفاع الذهب» في عالم الكريبتو

على الرغم من أن المستثمرين يستخدمون الذهب تقليدياً كملاذ ضد التضخم، فإن اهتمامهم بالذهب المرمز ازداد بفعل ارتفاع سعر المعدن نتيجة التوترات الجيوسياسية وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة.

وقال المحلل المستقل روس نورمان: «النمو المتفجر في شعبية الرموز المدعومة بالذهب يعكس اهتمام جمهور أصغر سناً وجديد بالذهب، ربما يكونون محبطين من عدم تحرك أسعار بتكوين».

وخلال فترة صعود الذهب، كانت بتكوين، أكبر عملة رقمية تُعد أيضاً وسيلة تحوط ضد التضخم، تشهد تراجعاً، حيث هبطت بنحو 38 في المائة من ذروتها في أكتوبر (تشرين الأول).

وقالت «باكسوس» إنها شهدت تدفقات قياسية إلى رمز الذهب الخاص بها في يناير (كانون الثاني)، مما زاد قيمته السوقية بما يعادل حوالي 1.68 طن من الذهب، ليصل إجمالي احتياطياتها الفعلية في لندن إلى أكثر من 13 طناً.

ويقول مؤيدو الذهب المرمز إنه قد يحل محل بتكوين كوسيلة التحوط المفضلة ضد التضخم في محافظ العملات المشفرة.

وقال باولو أردوينو، الرئيس التنفيذي لشركة «تيثير»، في مقابلة مع «رويترز» الشهر الماضي: «سنخصص حوالي 10 في المائة لبتكوين و10 إلى 15 في المائة للذهب». وأضاف: «من الصعب تحديد أيهما أفضل بالنسبة لي».


مقالات ذات صلة

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، مع طغيان التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي على الضغوط السلبية الناجمة عن ارتفاع النفط وعوائد السندات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد رسم بياني لسعر سهم المؤشر الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية بدعم من تراجع النفط

ارتفعت الأسهم الأوروبية قليلاً يوم الجمعة، إذ تتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية، بدعم من تراجع أسعار النفط، رغم استمرار حذر المستثمرين إزاء التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عائدات سندات اليورو تتجه للارتفاع للأسبوع السابع على التوالي

تتجه عائدات السندات الحكومية في منطقة اليورو نحو تسجيل ارتفاع أسبوعي سابع على التوالي، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وازدياد المؤشرات المتشددة من البنوك المركزية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)

السندات الهندية تتراجع متجهةً لتسجيل سادس خسارة أسبوعية

تراجعت السندات الحكومية الهندية في التعاملات المبكرة يوم الجمعة، متجهة إلى تسجيل سادس خسارة أسبوعية متتالية.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
الاقتصاد شاحنة محمّلة بالنحاس تستعد لتفريغ حمولتها داخل نفق في منجم «سي إس إيه كوبار» شمال مدينة كوبار في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)

النحاس يرتفع قليلاً ويتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية

ارتفعت أسعار النحاس بشكل طفيف يوم الجمعة، متجهة إلى إنهاء الأسبوع على مكاسب، في ختام أسبوع متقلب شهد ارتفاع الأسعار بفعل شح المعروض في الصين.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، مع طغيان التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي على الضغوط السلبية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة إلى مستويات مقلقة.

وصعدت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية، «أدفانسد مايكرو ديفايسز» و«مارفيل» و«سيريبراس» و«إنتل»، بنحو 2 في المائة لكل منها، لتتصدر المكاسب في تعاملات ما قبل افتتاح السوق. كما سجلت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة «تسلا» و«إنفيديا» و«سبيس إكس» ارتفاعات طفيفة، وفق «رويترز».

وقفز سهم شركة «أكامي تكنولوجيز» 21 في المائة، بعدما وقعت شركة خدمات تكنولوجيا المعلومات اتفاقية خدمات سحابية بقيمة 11.6 مليار دولار مع مختبر الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك».

وجاء التفاؤل الذي ساد قطاع الذكاء الاصطناعي هذا الأسبوع مدفوعاً بتزايد الإقبال بين المستهلكين الشباب على تطبيق الذكاء الاصطناعي «ميوز» التابع لشركة «ميتا»، وعلى جهاز مدمج مع وكيل الذكاء الاصطناعي «تشارم».

وتتجه أسهم عملاق وسائل التواصل الاجتماعي إلى تسجيل مكاسب للأسبوع الخامس على التوالي، في أطول سلسلة مكاسب أسبوعية للسهم منذ أواخر يناير (كانون الثاني) 2023، ليصبح على بُعد أقل من 1 في المائة من بلوغ قيمة سوقية قدرها تريليونا دولار. واستقر سهم «ميتا» دون تغيير يذكر في تعاملات ما قبل السوق.

وبحلول الساعة 05:15 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» 162 نقطة، أو 0.31 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» 23.75 نقطة، أو 0.31 في المائة، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» 188 نقطة، أو 0.61 في المائة.

وقاد قطاعا خدمات الاتصالات، الذي يضم «ميتا»، والتكنولوجيا المكاسب الأسبوعية بين قطاعات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». كما يتجه المؤشر القياسي ومؤشر «ناسداك»، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، إلى تسجيل مكاسب أسبوعية.

ومع ذلك، ظلت المكاسب محدودة مع حومان أسعار خام برنت حول مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، وارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5.1 في المائة، وسط تنامي المخاوف بشأن التضخم الناجم عن الصراعات الممتدة في إيران وأوكرانيا، فضلاً عن الارتفاع الكبير في مستويات الدين الحكومي.

وبعث تقرير بصيصاً من الأمل، إذ أشار إلى استمرار المفاوضين الأميركيين والإيرانيين في بحث مسار تدريجي للخروج من حالة الحرب، يتضمن إعادة طهران فتح مضيق هرمز ورفع واشنطن حصارها الاقتصادي.

وأظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن المتداولين يرون احتمالاً بنسبة 71 في المائة لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بما لا يقل عن 25 نقطة أساس في أكتوبر (تشرين الأول)، ارتفاعاً من نحو 50 في المائة في وقت سابق من هذا الأسبوع.

ومن المرجح أن يؤكد صناع السياسات، ومن بينهم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي جيفري شميد، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، موقفهم المتشدد بشأن السياسة النقدية خلال تصريحاتهم المقررة في وقت لاحق اليوم.

ومن المقرر أيضاً صدور بيانات السلع المعمرة لشهر أغسطس (آب) في الساعة 8:30 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وارتفع سهم شركة «بيبول» بنسبة 9.4 في المائة، عقب تقرير أفاد بأن شركة «إم جي إم ريزورتس إنترناشيونال» تجري محادثات بشأن عرض للاستحواذ على شركة الخدمات عبر الإنترنت.


الفقر يعود للارتفاع في الأرجنتين مع تآكل الأجور

مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
TT

الفقر يعود للارتفاع في الأرجنتين مع تآكل الأجور

مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)

ارتفع معدل الفقر في الأرجنتين مجدداً خلال النصف الأول من عام 2026، ليبدِّد جزءاً من التَّحسُّن الكبير الذي تحقَّق خلال العامين الأولين من حكم الرئيس خافيير ميلي، مع عجز الأجور عن مجاراة ارتفاع الأسعار، وازدياد الضغوط على سوق العمل وقطاعَي الصناعة والتجزئة.

وأظهرت بيانات رسمية أن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بلغت 32.3 في المائة خلال الأشهر الستة الأولى من العام، بزيادة 4.1 نقطة مئوية مقارنة بالنصف الثاني من 2025، عندما بلغ المعدل 28.2 في المائة.

كما ارتفع معدل الفقر المدقع إلى 7.5 في المائة، من 6.3 في المائة، ما يعكس اتساع الضغوط المعيشية رغم نجاح الحكومة في إبطاء وتيرة التضخم مقارنة بالمستويات الاستثنائية التي واجهتها البلاد سابقاً.

وكان الأطفال الأكثر تضرراً من تدهور الأوضاع الاجتماعية، إذ أظهرت البيانات أن 44.5 في المائة من الأرجنتينيِّين الذين تبلغ أعمارهم 14 عاماً أو أقل يعيشون تحت خط الفقر، بينما بلغت نسبة الفقر المدقع بينهم 10.8 في المائة.

وتُشكِّل الأرقام الجديدة تحولاً في المسار الذي استند إليه ميلي في الدفاع عن برنامجه الاقتصادي القائم على التقشف، وتقليص دور الدولة، وإلغاء القيود التنظيمية وفتح الاقتصاد بصورة أكبر أمام المنافسة الخارجية.

وشهد معدل الفقر تقلبات حادة منذ وصول ميلي إلى السلطة؛ فقد قفز إلى 52.9 في المائة في النصف الأول من عام 2024، بعد إجراءات اقتصادية تضمَّنت خفض قيمة البيزو بأكثر من النصف، قبل أن يبدأ في التراجع مع انحسار التضخم واستقرار بعض المؤشرات الاقتصادية.

وبحلول النصف الثاني من 2025، انخفض معدل الفقر إلى 28.2 في المائة، أي نحو نصف الذروة المُسجَّلة في 2024، في تحسُّن عدّته الحكومة دليلاً على نجاح برنامجها في استعادة الاستقرار بعد سنوات من الاختلالات المالية والنقدية.

لكن بيانات 2026 تشير إلى أن خفض التضخم وحده لم يكن كافياً لحماية القوة الشرائية للأسر؛ فقد ظلت الأسعار مرتفعة في الوقت الذي لم تتمكَّن فيه الأجور من اللحاق بها بالسرعة نفسها؛ ما أدى إلى عودة نسبة من السكان إلى ما دون خط الفقر.

وتزامن ذلك مع ضغوط متزايدة في سوق العمل؛ فقد ارتفع معدل البطالة إلى 7.9 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام، وهو أعلى مستوى منذ 2021، وسط خسائر ملحوظة للوظائف في قطاعَي التصنيع والتجزئة.

وتواجه الشركات المحلية بدورها منافسة أكبر بعد قرار حكومة ميلي فتح الاقتصاد أمام الواردات، في وقت أدى فيه ضعف القوة الشرائية إلى تراجع الطلب المحلي. وأسهم الجمع بين المنافسة الأجنبية وتباطؤ الاستهلاك في زيادة الضغوط على الشركات، خصوصاً في القطاعات الأكثر اعتماداً على السوق الداخلية.

ومنذ تولي ميلي السلطة، أغلقت نحو 30 ألف شركة أبوابها، في مؤشر على حجم إعادة الهيكلة التي يشهدها الاقتصاد الأرجنتيني مع انتقال الحكومة من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الحماية والدعم، إلى سياسات أكثر انفتاحاً على الأسواق والمنافسة.

وتبرز بيانات الفقر الجديدة التحدي الذي يواجه المرحلة التالية من البرنامج الاقتصادي للحكومة. فبعد التركيز على كبح التضخم وتصحيح الاختلالات الاقتصادية، باتت قدرة الأجور والتوظيف والنشاط المحلي على التعافي عاملاً أساسياً في تحديد ما إذا كان التحسُّن الاقتصادي سينعكس بصورة مستدامة على مستويات المعيشة.

وبينما لا يزال معدل الفقر أقل بكثير من ذروة 2024، فإن عودته إلى الارتفاع تكشف هشاشة المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال الفترة الماضية. وسيعتمد مسارها خلال الأشهر المقبلة بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف واستعادة القوة الشرائية بالتزامن مع استمرار جهود السيطرة على التضخم.


صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
TT

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

بدأت الأموال اليابانية رحلة العودة من الأسواق الخارجية، لكن موجة إعادة توطين واسعة للأصول لا تزال مؤجلة، إذ ينتظر كبار المستثمرين اتضاح المستوى الذي ستبلغ عنده عوائد السندات الحكومية ذروتها، والمدى الذي سيذهب إليه بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة.

ويبدو أن البنك المركزي نجح، مؤقتاً، في كبح موجة جديدة من المضاربات ضد الين، بعد رفع الفائدة الأسبوع الماضي، وتأكيد التزامه بمواجهة التضخم، إلى جانب تقارير عن إجراء السلطات عمليات تحقق من أسعار الصرف، وهي خطوة تُعد عادة مؤشراً إلى احتمال التدخل في سوق العملات.

لكن المؤسسات الاستثمارية الكبرى لا تزال مترددة في ضخ أموال كبيرة في السندات المحلية بينما تستمر العوائد في الارتفاع. كما زاد الغموض بعد تصويت عضوين في بنك اليابان لصالح موقف أكثر ميلاً للتيسير خلال الاجتماع الأخير، بالتزامن مع استمرار عمليات بيع السندات هذا الأسبوع.

وقال شوكي أوموري، استراتيجي الدخل الثابت في «دويتشه بنك» بطوكيو، إن تجارة العائد التي تنفذها الأموال السريعة «جرى تفكيكها بالفعل»، لكن تحرك «الأموال البطيئة» لم يبدأ بعد، في إشارة إلى صناديق التقاعد والأسر اليابانية التي تحتفظ بأصول خارجية من دون تحوط للعملة.

وتم تداول الين قرب 159 مقابل الدولار، الجمعة، بعدما فقد معظم مكاسبه الحادة التي سجلها في مطلع سبتمبر (أيلول). ومع ذلك، لا تتجاوز خسائره منذ بداية العام نحو 1 في المائة، بعدما سجل في يوليو (تموز) أدنى مستوى في نحو أربعة عقود عند أقل بقليل من 164 يناً للدولار.

وتشير بيانات مراكز المضاربين إلى تراجع الرهانات على انخفاض العملة بصورة كبيرة، إذ تحولت المراكز من صافي بيع قوي إلى أكبر صافي شراء منذ يوليو 2025، بقيمة 9.7 مليار دولار خلال أول أسبوعين من سبتمبر.

غير أن اتساع موجة رفع أسعار الفائدة عالمياً لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن حرب الشرق الأوسط يعني أن فروق العائد بين اليابان والاقتصادات الكبرى قد لا تضيق سريعاً، ما يحد من قدرة الين على تحقيق ارتفاع مستدام.

وفي سوق السندات، تغيرت الحسابات جذرياً. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بنحو نقطتين مئويتين خلال أقل من عامين، ليتجاوز 3 في المائة ويسجل أعلى مستوى في 30 عاماً. ووفق «دويتشه بنك»، أصبح الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية بعد التحوط من مخاطر العملة يقدم للمستثمر الياباني عائداً أقل من السندات المحلية.

وبدأت هذه المعادلة بالفعل في جذب الأموال. فقد اشترى المستثمرون سندات سيادية يابانية بقيمة 4.8 تريليون ين الشهر الماضي، وهي أكبر مشتريات صافية في ثلاثة أشهر، وفق تحليل «باركليز»، مع مشاركة البنوك وشركات التأمين في الشراء.

وتقدر «إتش إس بي سي» أن البنوك اليابانية باعت نحو 70 مليار دولار من السندات الأجنبية هذا العام، بعدما اشترت ما قيمته 35 مليار دولار في العام الماضي، وهو تحول يمكن أن تمتد آثاره إلى أسواق الدين في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة.

لكن شركات التأمين على الحياة، التي تدير أصولاً تبلغ 438.6 تريليون ين، نحو 2.78 تريليون دولار، تتحرك بوتيرة أكثر بطئاً. وقال آرون هيرد، مدير المحافظ لدى «ستيت ستريت غلوبال أدفايزرز»، إن إعادة الأموال اليابانية لا تزال في مرحلة مبكرة، متوقعاً أن تكتسب زخماً أكبر خلال 2027، بعد أن يقتنع المستثمرون بأن عوائد السندات اليابانية بلغت ذروتها.

وقد يشكل صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي، الذي يدير نحو 1.8 تريليون دولار، عاملاً حاسماً. فقد شجع وزير المالية الصندوق على زيادة مخصصاته للأسواق المحلية، ويرى محللون أن أي تغيير رسمي في توزيعه للأصول قد يدفع مؤسسات يابانية أخرى إلى التحرك في الاتجاه نفسه.

وفي المقابل، يظل ارتفاع العوائد الأميركية وتوقعات المزيد من التشديد من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» عقبة أمام بنك اليابان والين. ويرى محللون أن التحول الحقيقي قد يبدأ عندما تقتنع شركات التأمين والمؤسسات طويلة الأجل بأن دورة رفع الفائدة اليابانية تقترب من نهايتها، فتسرع إعادة الأموال إلى الداخل.

وحتى ذلك الحين، تبدو اليابان أمام مرحلة انتقالية؛ حيث إن جاذبية السندات المحلية ترتفع، والمضاربات ضد الين تتراجع، لكن المستثمرين الكبار لا يريدون شراء السندات بينما أسعارها لا تزال تهبط وعوائدها تصعد. وعندما تستقر العوائد، قد تتحول إعادة توطين رؤوس الأموال اليابانية إلى قوة مؤثرة ليس فقط في الين، بل في أسواق السندات العالمية أيضاً.