«لجنة تكنوقراط غزة» للعبور إلى القطاع وسط تحديات «تسليم المهام»

مصدر فلسطيني مطلع أكد لـ«الشرق الأوسط» جاهزية «حماس» للمغادرة

رجل يسكب مشروباً ساخناً خارج خيمة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
رجل يسكب مشروباً ساخناً خارج خيمة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة تكنوقراط غزة» للعبور إلى القطاع وسط تحديات «تسليم المهام»

رجل يسكب مشروباً ساخناً خارج خيمة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
رجل يسكب مشروباً ساخناً خارج خيمة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تترقب «لجنة تكنوقراط قطاع غزة» عملها في القطاع، بجانب تسلّم المهام من حركة «حماس»، تنفيذاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم قبل نحو 3 أشهر، بين الحركة وإسرائيل بوساطة «مصرية-أميركية-قطرية-تركية».

وبينما تشير إسرائيل إلى أنها ستسمح بدخول اللجنة خلال أيام، وتؤكد «حماس» استعدادها لتسليم مهامها، يضع الواقع المدمر وعقبات استكمال التسلّم والقيود الإسرائيلية تحديات عديدة أمام لجنة التكنوقراط، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى أن زيارة محتملة من المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، إلى إسرائيل، الثلاثاء، قد تقلل منها وتدفع الاتفاق خطوات إلى الأمام.

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، إنه «لا توجد عقبات حقيقية من جهة حركة (حماس) في عملية التسليم، إذ إن الحركة تنوي تسليم كل ما لديها دون مواربة، وستُسهّل كل ما يمكن من أجل إنجاح تجربة (لجنة التكنوقراط)، وستعمل على توسيع دورها وتمكينها من أداء مهامها. وستبقى في حالة إسناد ودعم مرحلي إلى أن تتم عملية التسليم كاملة كما ينبغي»، لافتاً إلى أنها «جهّزت ما يمكن تسليمه من أوراق، وملفات، وموظفين، ومفاصل إدارية، ومقرات، وكل ما يتصل بعمل الحكومة والإدارة الجديدة».

اجتماع للجنة إدارة غزة في القاهرة (هيئة الاستعلامات المصرية)

ويرى المصدر أن «التحدي الأبرز في التسليم قد يتمثّل في ملف الموظفين ورواتبهم واستمرارية عملهم وترتيب أوضاعهم الوظيفية، فهذا ملف كامل يحتاج إلى تفكير وطني فلسطيني جامع، في ظل وجود عشرات الآلاف من الموظفين في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات والأمن، ومن حقهم أن تُحفظ حقوقهم، وأن يستمروا في أعمالهم »، داعياً إلى «رؤية أعمق وسياسات واضحة من قِبل الحكومة أو الإدارة الجديدة، بما يُسهم في تحقيق الاستقرار وتهيئة بيئة للنمو والتعافي».

وفي بيان الاثنين، أعلن الناطق باسم «حماس»، حازم قاسم، أن جميع الإجراءات والترتيبات اللازمة لدى الجهات الحكومية والإدارية في قطاع غزة قد استُكملت لتسليم جميع السلطات والمقدرات إلى اللجنة الوطنية المستقلة لإدارة القطاع. وأوضح أن «عملية التسليم ستبدأ فور دخول اللجنة إلى غزة بشكل شفاف وشامل في جميع المجالات».

ولم تحدد اللجنة موعد دخولها القطاع، غير أن «هيئة البث الإسرائيلية»، كشفت، الأحد، عن أن «اللجنة التكنوقراطية (المعروفة باسم اللجنة الوطنية لإدارة غزة المكوّنة من 11 شخصية، وبدأت أعمالها من القاهرة) ستدخل إلى القطاع خلال الأيام المقبلة عبر المعبر».

امرأتان تجلسان وتتفاعلان في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بينما أعلن رئيس اللجنة، علي شعث، في بيان يوم الاثنين، «التعاون مع الوسطاء والسلطة الوطنية الفلسطينية ومجلس السلام بقيادة الرئيس ترمب، لتكون هذه الخطوة مدخلاً لترتيب أوسع من الاستقرار واستعادة الخدمات الأساسية والتمهيد لمسار الإغاثة والتعافي والإعمار». والأحد، تحدّث الممثل الأعلى لقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، في تصريحات صحافية، عن استعداد اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتحويل مسار القطاع من العنف والدمار إلى التعافي وإعادة الإعمار.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، قال إن «اللجنة لو عبرت إلى القطاع ستكون هناك تحديات أمامها؛ أولها قيود الوجود الإسرائيلي وعدم الانسحاب، وعدم تدشين قوات الاستقرار الدولية بعد، بخلاف عدم القدرة على زيادة المساعدات أو مواد الإعمار وتمهيد الشوارع أو سبل التعافي المبكر في القطاع».

وكذلك يرى المحلل السياسي الفلسطيني، إبراهيم المدهون، أن «هناك عقبات جسيمة ستواجه لجنة التكنوقراط، وذلك لأنها جاءت بعد إبادة جماعية، وفي ظل واقع إنساني كارثي، ومع تدمير أكثر من 80 في المائة من قطاع غزة، ووجود أكثر من مليون ونصف المليون نازح بلا مأوى، ووضع صحي شديد الصعوبة، من أعداد هائلة من المصابين والمرضى، في ظل انعدام الإمكانات وتدمير المستشفيات والمدارس».

ويضيف: «لكن التحدي الأكبر يتمثّل في استمرار وجود الاحتلال على أكثر من 60 في المائة من أراضي قطاع غزة، وعدم انسحابه، واستمرار العدوان العسكري الإسرائيلي، وتحكم الاحتلال بالمعابر وإحكام سيطرته عليها»، مستدركاً: «رغم ذلك، لا يزال هناك أفق لإمكانية إنجاحها، خصوصاً في ظل القبول الفلسطيني والدعم الوطني والرضا المجتمعي، والدعم الإقليمي والدولي، مع تسهيلات سياسية وإنسانية من أطراف عدة، مما قد يساعدها على أداء مهامها».

المباني التي دُمّرت خلال العمليات البرية والجوية الإسرائيلية في شمال قطاع غزة (أ.ب)

تلك التطورات تتزامن مع ترقب وصول ويتكوف، الثلاثاء، إلى إسرائيل، لعقد اجتماعات مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقائد الجيش، لبحث ملفات من بينها تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، حسبما نقلته «رويترز»، و«هيئة البث الإسرائيلية».

وتضع خطة ترمب لغزة، التي دخلت حالياً مرحلتها الثانية، تصوراً لتسليم الحكم إلى لجنة تكنوقراط من الفلسطينيين، وإلقاء «حماس» سلاحها، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي لتجري إعادة إعمارها، ومشاركة قوات استقرار دولية، مقابل استمرار هجمات إسرائيلية على القطاع، وكان أبرزها السبت، مما أسفر عن مقتل 30 شخصاً.

ويرى السفير حسن أن زيارة ويتكوف إلى إسرائيل يُعوّل عليها في دفع اتفاق غزة ووقف الخروقات، ويتفق معه المدهون، على أن تحركات المبعوث الأميركي بالغة الأهمية في متابعة الاتفاق وضمان نجاحه، وممارسة ضغط حقيقي على الاحتلال الإسرائيلي، للالتزام بالمرحلة الثانية التي يتمثّل عنوانها الأساسي في الانسحاب الإسرائيلي، وتشكيل قوات الاستقرار الدولية، وتثبيت الحكومة أو الإدارة الفلسطينية وتمكين لجنة التكنوقراط من أداء مهامها، بالإضافة إلى فتح المعابر والسماح لها بالعمل لخدمة الفلسطينيين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعلن قتل عنصرين من «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

المشرق العربي مشيعون يؤدون صلاة الجنازة على فلسطينيين قتلوا في ضربات إسرائيلية في خان يونس (رويترز)

إسرائيل تعلن قتل عنصرين من «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

قال الجيش الإسرائيلي اليوم (الأحد) إنه «قضى» على حسين القدرة ومحمد الفرا، العنصرين في الجناحين العسكريين لحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي أطفال يراقبون من فوق تلٍّ مشرف على مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة عمود دخان يرتفع في مكان قريب أول من أمس (أ.ف.ب)

مقتل 11 فلسطينياً بينهم صحافي بغارات إسرائيلية في غزة

أعلنت قناة «الجزيرة» القطرية، السبت، مقتل أحد صحافييها بقصف إسرائيلي في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
خاص رجل يجلس على تلة قرب مبانٍ مدمرة في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص بالوثائق... «الشرق الأوسط» ترصد أبرز نقاط وتعديلات ملادينوف على رد «حماس» والفصائل

تظهر وثائق حصلت عليها «الشرق الأوسط»، أبرز النقاط والتعديلات التي أحدثها الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، على تعديلات حركة «حماس» والفصائل

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)

نتنياهو يستعين بـ«صديق» لتهدئة الوزراء الغاضبين من ترمب

استعان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالوزير السابق رون ديرمر، لتهدئة الوزراء المطالبين بتحدي الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وعدم الرضوخ له.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون مركبة مدمرة عقب غارة جوية إسرائيلية على مدينة غزة الخميس الماضي (إ.ب.أ)

إسرائيل تواصل اغتيال نشطاء «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في غزة

تواصل إسرائيل هجماتها داخل قطاع غزة، مخلفةً مزيداً من الضحايا على الرغم من الجهود الدبلوماسية المستمرة في القاهرة للتوصل إلى اتفاق ينهي الخروقات المستمرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ترامب لفوكس نيوز: محبط من إسرائيل وقريب من السماح لسوريا بتولي أمر "حزب الله"

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)
TT

ترامب لفوكس نيوز: محبط من إسرائيل وقريب من السماح لسوريا بتولي أمر "حزب الله"

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)

صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقناة فوكس نيوز، قبل قليل، بأنه يشعر بخيبة أمل لعدم قدرة إسرائيل على "إزاحة" حزب الله. وأضاف ترامب تصريحات حول الحرب في لبنان، لافتا ​​أن الجيش الإسرائيلي عاجز عن فعل أي شيء دون هدم المباني، وقال إنه على وشك تفويض الرئيس السوري أحمد الشرع لدخول جنوب لبنان ومحاربة حزب الله.

وأعاد ترمب في تصريحاته لقناة فوكس نيوز ترديد ما قاله قبل أيام من استيائه من سياسة بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية في لبنان : "لا يمكنهم (الإسرائيليون) فعل أي شيء دون هدم المباني"، مضيفاً أنه "على وشك تسليم هذا الأمر إلى سوريا" لأن قيادتها (أحمد الشرع) "ستقوم بعمل أكثر دقة".

وشدد ترمب على ان إسرائيل "لا تستطيع فعل أي شيء دون هدم المباني".


توغل قوة إسرائيلية في حوض اليرموك بريف درعا

جيش الاحتلال يواصل انتهاكاته وينصب شبكة أسلاك في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي (أرشيفية - سانا)
جيش الاحتلال يواصل انتهاكاته وينصب شبكة أسلاك في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي (أرشيفية - سانا)
TT

توغل قوة إسرائيلية في حوض اليرموك بريف درعا

جيش الاحتلال يواصل انتهاكاته وينصب شبكة أسلاك في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي (أرشيفية - سانا)
جيش الاحتلال يواصل انتهاكاته وينصب شبكة أسلاك في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي (أرشيفية - سانا)

توغلت قوة إسرائيلية، في الساعات الأولى من يوم الأحد، في منطقة حوض اليرموك بريف درعا ‏الغربي، وصولاً إلى قرية عابدين.

وأفادت وكالة «سانا» بأن قوة للاحتلال مؤلفة من أكثر من 10 آليات عسكرية ‏توغلت في المنطقة الواقعة بين قريتَي معرية وعابدين، ووصلت إلى أطراف الأخيرة، حيث ‏عمدت إلى تفتيش عدد من منازل القرية، ما أثار حالة من الخوف والهلع بين الأهالي.

وأوضحت الوكالة أن توغل القوة تزامن مع تحركات لآليات عسكرية في محيط مواقع ‏داخل القطاع الغربي في المنطقة.

وكانت قوة للاحتلال الإسرائيلي قد توغلت يوم 14 يونيو (حزيران) الحالي في بلدة كودنا بريف القنيطرة الجنوبي، حيث قامت بمداهمة وتفتيش عدة منازل للمدنيين داخل البلدة، دون تسجيل أي حالة اعتقال.

وذكر مراسل «سانا» أن قوة مؤلفة من عدة آليات عسكرية، بينها دبابتان، توغلت على أطراف وادي الرقاد، وأطلقت النار باتجاه الأراضي الزراعية المحيطة بالوادي، قبل أن تنسحب من المنطقة، دون وقوع أي إصابات.

وفي 15 من الشهر الحالي توغلت قوة إسرائيلية مؤلفة من نحو 13 آلية ‏عسكرية باتجاه ‏منطقة حوض اليرموك بريف درعا ‏الغربي، وصولاً إلى قرية ‏معرية‌،‏ ثم انسحبت لاحقاً إلى ثكنة ‏الجزيرة التي تتمركز فيها على أطراف ‏القرية.‏

وكان اتحاد الصحافيين السوريين قد أصدر الأربعاء بياناً أدان فيه انتهاك قوات الاحتلال الإسرائيلي للمواثيق والأعراف الدولية، إثر مداهمة إحدى دورياته منزلَ عضو الاتحاد في بلدة صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي.

وذكر اتحاد الصحافيين السوريين، في بيان نشره عبر حساباته الرسمية، أن دورية عسكرية إسرائيلية أخضعت الصحافي سند عايد الحمد للتحقيق بصورة تعسفية.

وأفاد مراسل «الإخبارية» بأن الدورية المؤلفة من خمس سيارات عسكرية أقدمت على استجواب عدد من الأهالي، ومن بينهم عضو اتحاد الصحافيين السوريين سند عايد الحمد، إضافة إلى تصويرهم.

قوة تابعة للاحتلال الإسرائيلي تتوغل في درعا (سانا)

وتواصل إسرائيل انتهاك اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 من خلال توغلاتها في الجنوب السوري، واعتداءاتها المتكررة على المدنيين، بما يشمل المداهمات والاعتقالات وتجريف الأراضي وإطلاق القذائف.


بري لـ«الشرق الأوسط»: التواصل دائم بعون وسلام ونتمسك بالأولويات رغم خلافنا في الأفكار

رئيس البرلمان نبيه بري (د.ب.أ)
رئيس البرلمان نبيه بري (د.ب.أ)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: التواصل دائم بعون وسلام ونتمسك بالأولويات رغم خلافنا في الأفكار

رئيس البرلمان نبيه بري (د.ب.أ)
رئيس البرلمان نبيه بري (د.ب.أ)

أكد رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري، أنه على تواصل دائم مع رئيسَي: الجمهورية جوزيف عون، والحكومة نواف سلام، رغم أن «لديهما أفكاراً غير أفكاري».

وأضاف بري، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»: «لا أظن أن هناك مشكلة بيننا، ما دام يجمعنا انسحاب إسرائيل أولاً من الجنوب، ونشر الجيش اللبناني، وعودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم، وإطلاق الأسرى، ووضع خطة لإعمار ما دُمِّر منها بدعم عربي ودولي، لتمكينهم من البقاء في أرضهم التي يتمسكون بها. ونحن نقدِّر استضافة اللبنانيين بكل شرائحهم وأحزابهم لإخوتهم النازحين الذين اضطروا لترك منازلهم، بعد التدمير الإسرائيلي الممنهج لقراهم».

كلام بري لـ«الشرق الأوسط» جاء عشية انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية على المستويين السياسي والعسكري، برعاية وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، مبدياً ارتياحه لـ«الجهود التي أدت لوقف النار على أمل أن يصمد، وهذا يتوقف على استعداد إسرائيل للتقيد به، في مقابل التزام (حزب الله)؛ لأنه من غير الجائز التفاوض تحت الضغط بالنار».

مواطن لبناني يتفقد الأضرار في موقع غارة إسرائيلية استهدفت منطقة بمدينة النبطية جنوب لبنان بعد ساعات على إعلان وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وكشف بري أن إسرائيل طلبت وقف النار، وهذا ما أبلغته للجنة الـ«ميكانيزم» المشرفة على تطبيق وقف الأعمال العدائية.

ضغط أميركي

وقال إن «موافقتها على وقفه جاء بناء على الضغط الأميركي الذي مورس عليها، بعد أن أغرقت الجنوب بيومين دمويين ذهب ضحيتهما عشرات من المدنيين، وبينهم عناصر من المسعفين في كشافة (الرسالة الإسلامية) والدفاع المدني، إضافة إلى الشيوخ والنساء والأطفال».

وأكد أن «(حزب الله) باقٍ على التزامه بوقف النار، وأن إسرائيل هي من تخرقه، ونحن نأمل صموده بضغط أميركي، ونرحب بأي جهد من أي جهة أتى للضغط على إسرائيل لوقف حربها العدوانية على لبنان».

جدول زمني

وتوقف بري أمام معارضته للمناطق التجريبية، شارحاً موقفه بقوله إن الاتفاق على حدودها الجغرافية يمكن أن يستغرق سنتين، إن لم يكن أكثر، بخلاف اعتماد التقسيم الإداري للجنوب على أساس الأقضية، شرط أن يبدأ الانسحاب التدريجي منها بالتزامن مع نشر الجيش اللبناني.

ولفت بري إلى أن «لا مصلحة لنا في هدر الوقت الذي يسمح لإسرائيل بمواصلة عدوانها، وأن الحل يكمن باعتماد جدول زمني لانسحابها من كل قضاء في الجنوب، في مقابل نشر الجيش؛ لأنه يبقى الطريق الأقصر لتحريره من الاحتلال، بدلاً من أن نغرق في تحديد الحدود الجغرافية لكل منطقة تجريبية، ما يبقي الجنوب تحت ضغط إسرائيل بالنار، بذريعة عدم التوافق على تقسيمه لمناطق تجريبية».

وأكد بري أن «انسحاب إسرائيل من أي قضاء، وعلى سبيل المثال صور، يجب أن يتلازم مع نشر الجيش، إفساحاً في المجال أمام عودة النازحين إلى قراهم، شرط أن تقتصر العودة على أهل القضاء، وهكذا دواليك».

وقال إن «انسحاب إسرائيل منه سيتزامن مع خلوِّه من السلاح، وهذا ما تعهدتُ به بالإنابة عن (حزب الله)، بإخلاء جنوب الليطاني، بشرط أن تلتزم إسرائيل بذلك».

التقسيم الإداري

وشدد على «ضرورة اعتماد التقسيم الإداري للجنوب، آخذين في الاعتبار تلك المناطق التي لا تزال تقع تحت الاحتلال. وعندها يُترك لقيادة الجيش وضع جدول زمني لنشر الوحدات العسكرية فيها على مراحل، في مقابل التزام إسرائيل بجدول مماثل لانسحابها منها، على نحو يتيح للنازحين من هذا القضاء أو ذاك العودة إلى قراهم»، في إشارة غير مباشرة لحصر العودة بأهله.

مفاوضات واشنطن

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري، أن جولة المفاوضات الخامسة التي تُعقد على المستويين السياسي والعسكري، ستشهد فور افتتاحها إصراراً من رئيس الوفد اللبناني، السفير السابق سيمون كرم، على ضرورة تثبيت وقف النار، في ظل السخونة المسيطرة على العلاقات الأميركية- الإسرائيلية، في ضوء هجوم ترمب غير المسبوق على نتنياهو.

جرافة تزيل الأنقاض من منازل ومتاجر دمَّرها الجيش الإسرائيلي في مدينة النبطية جنوب لبنان بعد ساعات على اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وقال المصدر الوزاري إن تثبيته يعبِّد الطريق أمام البحث في جدول زمني لانسحاب إسرائيل من الجنوب، في مقابل تعهد لبنان بتحويل جنوب نهر الليطاني لمنطقة آمنة خالية من السلاح، وهذا ما أخذه الرئيس بري على عاتقه بالإنابة عن «حزب الله»، شرط أن يتم التفاهم على جدول مماثل لسحب سلاح الحزب أو احتوائه بدءاً من شمال النهر، باعتبار أنه شأن داخلي، متمنياً على الجانب الأميركي أن يتفهَّم وجهة نظر لبنان بتوفير الضمانات لمنع الحزب من استخدامه والضغط على إسرائيل للتجاوب، على أن يبقى على التزامه بسحبه تدريجياً حتى الحدود الدولية للبنان مع سوريا.

اتصال روبيو- عون

وكشف عن أن اتصال وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو برئيس الجمهورية بقي تحت سقف تثبيت وقف إطلاق النار، كأساس للبحث في جدول زمني لانسحاب إسرائيل، في مقابل نشر الجيش في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل. وقال إن روبيو طرح سحب سلاح «حزب الله»، وهذا ما تعهدت به الحكومة بتطبيق حصريته بيد الدولة.

وأكد أن معارضة بري لتقسيم الجنوب إلى مناطق تجريبية كان قد طرحها على الموفد الرئاسي العميد أندريه رحال، وناقشها مستشاره السياسي علي حمدان مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، قبل أن يغادر إلى واشنطن للِّحاق بوفد الخارجية الأميركية، مُبدياً له الأسباب التي تقف وراء معارضته، والاستعاضة عنها بتقسيم الجنوب إلى أقضية تأخذ بعين الاعتبار تلك المشتعلة منها؛ خصوصاً أنها ستطرح كبند في سياق البحث في الانسحاب الإسرائيلي الذي يلي تثبيت وقف النار.

ورداً على سؤال، قال المصدر إن مذكرة التفاهم الموقَّعة بين واشنطن وطهران برعاية باكستانية هي موضع ترحيب من قبل عون وحكومة الرئيس نواف سلام. وأكد أن البحث في جدول الانسحاب الإسرائيلي يتلازم مع تعهد لبنان ببرنامج لجمع سلاح «حزب الله»؛ لكن على مراحل، بشرط أن يلتزم بعدم استخدامه، على أن يبدأ في مرحلته الأولى من جنوب نهر الليطاني.

تثبيت وقف النار

واعتبر أن واشنطن ستصر على تثبيت وقف النار استجابة لطلب لبنان، تأكيداً منها على ضرورة فصل المسار اللبناني عن الإيراني، وهي بذلك تود أن تبيع موقفها للحكومة لتثبيت عدم الربط بينهما، رغم أن إيران سعت بتجيير رفضها لبدء المفاوضات ما لم تلتزم إسرائيل بوقف النار، لتمرير رسالة بأنها لا تزال حاضرة في الملف اللبناني.

ولفت إلى أن البحث بين واشنطن وإيران في الملف الخاص بأذرعها في المنطقة، وأولها «حزب الله»، يعني حكماً أن سلاحه سيُدرج كبند على جدول أعمال المفاوضات في سويسرا، ما يضعه أمام خيار يقضي بانخراطه في مشروع الدولة على قاعدة استعداده للَبننة مواقفه.

وقال إن ما يهم إيران الحفاظ على حضورها في لبنان، ولو من البوابة السياسية، بعد أن أخذ دور «حزب الله» العسكري يتراجع تدريجياً، في ظل اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، ولم يعد أمامه سوى التأكيد على تدعيم وجوده في المعادلة السياسية التي لا يتنكر أحد لدوره فيها.

أثمان غالية

وطهران -حسب المصدر- لم يبقَ لها من حضور سياسي إلا من خلال الحزب، بعد أن أغفلت مذكرة تفاهمها مع واشنطن أي حديث عن فلسطين، رغم أن الحزب رتب على لبنان أثماناً غالية على المستويين البشري والمادي، بتفرده بإسناده لغزة ولاحقاً لإيران التي اضطرت لربط بدء مفاوضاتها بوقف الأعمال العسكرية في لبنان، رغبة منها في اتخاذ موقف للتعويض عن تورط الحزب بإسناده لها في مواجهة غير محسوبة لرد فعل إسرائيل، بغية تمرير رسالة لحاضنته الشعبية بأنها ليست متروكة، لعلها تتمكن من تبديد ما لديها من تساؤلات حول عدم إسنادها كما يجب للحزب، بعد الضربات التي تلقاها باغتيال أمينيه العامَّين السابقَين، حسن نصر الله، وهاشم صفي الدين، وأبرز قياداته العسكرية، واضطرارها لاحقاً للتدخل لخفض ما لديها من مآخذ على القيادة الإيرانية.

وبالتالي فهي اختارت الوقت المناسب للتصالح معها بالتوازي مع الحفاظ على دورها في لبنان، ولو كان سيخضع لتقنين -بالمفهوم السياسي للكلمة- بتراجع نفوذ «حزب الله» العسكري بحصرية سلاحه بيد الدولة.

جرافة تزيل الأنقاض من السوق الرئيسية التي دمرها الجيش الإسرائيلي في مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وعليه، يبقى السؤال: هل تشكل الجولة الخامسة من المفاوضات محطة أولى للبحث بجدية في تلازم الخطوات، بين انسحاب إسرائيل ونشر الجيش، على قاعدة تمسك لبنان بحصرية السلاح بيد الدولة، في ضوء التزام الحكومة في بيانها الوزاري بسحبه، بخلاف إصرار أمينه العام نعيم قاسم على الإبقاء عليه، لإدراجه -كما يطلب- كبند يتصدر البحث في استراتيجية الأمن الوطني للبنان، كما ورد في خطاب القسم؟

مع أن خصوم الحزب يصنفون تهديده على خانة شد عصب بيئته، باتباعه المزايدات الشعبوية في خطابه، فإنه يعلم بأن سلاحه لم يعد له من دور، بعد أن أخذ يتراجع رغم تباهيه بتحقيق الانتصارات، بينما تحوَّل الجزء الأكبر من الجنوب إلى منطقة مدمرة منزوعة من السلاح والبشر، لا تصلح للعيش، وينتظر نازحوها الوعود التي يطلقها على الدوام بإعادة إعمار منازلهم، وهو يدرك أن الممر الإلزامي لإعمارها يكمن في استجابته لإجماع دولي وعربي، أخذ يتوسع محلياً، لنزع سلاحه في مقابل الانخراط في مشروع إعمارها.