«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

أرشفة الانهيار القادم في كتاب لفاضل السلطاني

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية
TT

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ليس من السّهل الكتابة عن البربرية من داخل اللغة التي أنجبت الحضارة، ولا مساءلة الخراب من قلب ثقافة أنتجها التنوير، لكن الشاعر والكاتب فاضل السلطاني، في كتابه «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار»، يفعل ذلك تماماً، فيضعنا أمام مواجهة صريحة مع أسئلة العصر الحرجة، متخذاً المقالة الصحافية جسراً يعبر عليه الفكر من آنية الحدث العابر إلى ديمومة السؤال الفلسفي. نحن هنا بإزاء مدونة فكرية تمتد على مساحة ربع قرن، ترصد، بعين الشاعر وحس المفكر، تلك الارتجافات الخفية التي تسبق الزلازل الحضارية الكبرى. يتجاوز هذا السِفر كونه تجميعاً لنصوص نشرت في الصحافة السيارة؛ بل سيرة عقلية وروحية لكاتب رأى العالم يتغير أمام عينيه، من وعود التنوير والحداثة، إلى عتمة توحش لم يعد يعبأ حتى بارتداء قفازات حريرية.

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع، كامن تحت قشرة الحضارة الرقيقة، ويفكك في القسم الأول من كتابه، ملامح هذه البربرية الجديدة: بربرية تتغذى على التقنية، وتنتعل أحذية العولمة، وتمارس طقوس الإلغاء والمحو بدم بارد. رؤيته أن التقدم العلمي والتقني الهائل الذي أنجزته البشرية، سار في خط بياني متصاعد، قابله خط بياني آخر يهوي بالقيم الأخلاقية والإنسانية إلى القاع. وفي هذه المفارقة تكمن مأساة الإنسان المعاصر؛ الإنسان الذي يمتلك أدوات تدمير الكوكب، بينما يفقد، يوماً إثر يوم، بوصلته الأخلاقية التي تمنحه مبرر الوجود.

تتجلى ثيمة «التشظي» كخيط ناظم للمقالات، فتستدعي أصواتاً شعرية وروائية كبرى، من ييتس وإليوت إلى جويس وكافكا، ليقيم معها السلطاني حواراً حول مصير العالم. حين يستحضر قصيدة ييتس «المجيء الثاني»، أو «الأرض اليباب» لإليوت، فإنه يشير إلى تلك اللحظة التي يفقد فيها العالم مركزه، وتتداعى الأشياء، وتُفلت الفوضى من عقالها. هذا التشظي الذي رصده أدباء الحداثة في بدايات القرن العشرين، يراه متجسداً الآن بصورة أشد عنفاً ووضوحاً في القرن الحادي والعشرين. إنه عصر السيولة المطلقة، حيث تذوب الحقائق، وتتلاشى الحدود بين الجلاد والضحية، وبين الثقافة والتفاهة، وبين الحقيقة والوهم.

يذهب الكتاب بعيداً في تحليل ظاهرة «الشعبوية» التي تجتاح العالم، من «بريكست» البريطاني إلى صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. يقرأ المؤلف هذه الظواهر لا بوصفها أحداثاً سياسية منعزلة، وإنما كأعراض لمرض حضاري عضال. إنها عودة «القبلية» في ثياب عصريّة، وانتصار الغريزة على العقل، والخوف على الأمل. ويربط ببراعة بين سيكولوجية الطغيان، مستدعياً نماذج من هتلر إلى نتنياهو، وبين الرغبة المحمومة في التدمير كشرط لتحقيق التفوق الموهوم. في هذا السياق، حتى «العمارة» عند الطغاة ليست سوى محاولة يائسة للخلود عبر الحجر، تعويضاً عن الفناء الذي يزرعونه في البشر.

وفي التفاتة عميقة إلى الواقع العربي، يُخضع السلطاني ظاهرة «الربيع العربي» لمشرط التحليل الثقافي، فيرفض القراءات السطحية التي تكتفي بالنتائج السياسية المباشرة، ليغوص في البنية العميقة للمجتمعات العربية. وهو يرى أن ما حدث كان زلزالاً ضرورياً لخلخلة قيم الطاعة والخضوع التي تكلست عبر قرون. ورغم المآلات الدموية، والانتكاسات، وصعود قوى الظلام، فإنه يلمح في الأفق ولادة عسيرة لفرد عربي جديد، يجرؤ لأول مرة على التحديق في وجه جلاده، ويطرح سؤال الحرية كقيمةٍ وجودية عليا. إنها قراءة تنحاز للمستقبل، وتراهن على «مكر التاريخ» الذي يعمل في الخفاء، ويقود البشرية، عبر مسارات متعرجة ومؤلمة، نحو غاياتها النهائية.

في الكتاب حيز واسع لمناقشة قضايا التنوير، والعلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، ومفاهيم الهوية والمنفى. وينتقد بجرأة «أسئلة التنوير المقلوبة» التي تنشغل بالنتائج دون المقدمات، وتغفل عن دور الحامل السياسي والاجتماعي في إحداث أيّ تغيير ثقافي حقيقي. كما يفكك خرافات المركزية الغربية، ونظرتها الاستشراقية المتعالية، وفي الوقت ذاته، لا يوفر نقداً للذات العربية المستلبة، التي تعيش حالة من الانفصام الفكري والأخلاقي، وتمارس سطواً مسلحاً على الدين والتاريخ، لتبرير عنفها وتخلّفها.

القسم الثاني المخصص لـ«الأدب» يحتفي بالكلمة بعدّها قدرة أخيرة على ترميم ما هشمته السياسة. الأدب هنا لا يقرأ كترفٍ فكري أو ملاذٍ جمالي من واقع مأزوم، بل كمختبر أخلاقي تُطرح فيه الأسئلة التي عجزت الآيديولوجيات والأنظمة عن الإجابة عنها.

يطوف بنا المؤلف في عوالم دوستويفسكي، وتولستوي، وكافكا، ونايبول، وجورج أورويل، ومارغريت آتوود، وشعراء الحداثة العرب والغربيين، ليبحث عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الأدب شهادة على الإنسان حين تفشل الدولة، وتتعطل السياسة، ويصمت الخطاب العام.

في هذه النصوص، الأدب ضرورة وجودية، ووسيلة مقاومة صامتة، وشاهد أمين على العصر، يحفظ للإنسان ذاكرته الأخلاقية في زمن تتآكل فيه المعايير، ويُعاد فيه تعريف العنف والشر بوصفهما أمرين معتادين.

يتناول السلطاني قضية الشعر بحساسية عاليّة كما يليق بكاتبٍ يُقيم عند التخوم بين الفلسفة والقصيدة راصداً انحساره في عصر النثر والرواية، ومتسائلاً عن مصير الشعر العظيم الذي تنبأ هيغل بموته. لكنه، في الوقت عينه، يحتفي بالشعراء الذين يولدون بعد الموت، وبالنصوص التي تكسر حاجز الزمن، ويُعيد الاعتبار لأسماء غيبها النسيان أو القمع، ويضيء على تجارب من ثقافات مختلفة، مؤكداً عالمية التجربة الشعرية، وقدرتها على توحيد البشر في مواجهة الألم والموت.

يكتب المؤلف من منطقة نادرة تلتقي فيها صرامة الفكر بأريحية السرد، فتخرج اللغة من أسر الأكاديمية الجافة من دون أن تفقد عمقها المعرفي. إنها لغة «مفكّرة» لا تستعرض أفكارها، بل تعيشها، وتحمل قلقها وأسئلتها داخل نسيجها الجمالي. نصوصه مشبعة بحرارة التجربة، كُتبت بمداد القلق والأمل، وبشغفٍ معرفي يحوّل العابر واليومي إلى بوابة للتأمل في الكلي والمطلق. وفي هذا المسار، لا يُترك القارئ في موقع المتلقي، وإنما يُستدرج ليكون شريكاً في عملية التفكير، وطرفاً في مساءلة العالم ومعناه.

يُعد «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار» وثيقة إدانة لعصرنا، وصرخة احتجاج ضد نظام التفاهة الذي يحاول تسطيح الوعي البشري. إنه دعوةٌ ملحةٌ لاستعادة الحس الأخلاقي، والعودة إلى الينابيع الأولى للمعرفة والثقافة، تلك التي تضع الإنسان في مركز الكون، وتؤمن بقدرته على تجاوز شرطه المأساوي. بذلك يمثل في مجمل مقالاته، دفاعاً مستميتاً عن المعنى في عالم يغرق في العبث، وعن الجمال في مواجهة القبح، وعن الذاكرة ضد طوفان النسيان


مقالات ذات صلة

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

ثقافة وفنون مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات

عمر شهريار
ثقافة وفنون فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

صدر عن دار «المحروسة للنشر» في القاهرة كتاب «جماليات القبح» للباحثة المصرية هدى حسن، الذي يبحث في تاريخ التمرد الفني؛ لـ«يحرِّر الجمال من قيوده التقليدية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ماثيو أرنولد

عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

سبق لي أن نشرتُ في ثقافيّة «الشرق الأوسط» موضوعاً عنوانُهُ: «هل مات الناقدُ الأدبيُّ؟». كان الموضوع محطّة انتباه لكثيرين من المشتغلين بالأدب أو النقد الأدبي.

لطفية الدليمي
ثقافة وفنون الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

ضمن سلسلة «آفاق عالمية» الصادرة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدر كتاب «نافذة على الشعر الصيني».

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

صدرت في برلين أنطولوجيا ثنائية اللغة بعنوان «بين عذب وأجاج – أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا / Grenzlandschaften» عن دار EBverlag الألمانية للنشر العلمي.

إبراهيم اليوسف (برلين)

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»
TT

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات التي توصلت إليها بعد معاناة وطول تأمل فيما آلت إليه أحوالها، إنه نوع من التسليم بالوحدة والتعايش معها، بما تحمله مفردة «سيميل» من دلالات التعاضد والتآزر، فلا أحد سيطلّ على هذه الذات ولا يطمئنّ عليها أو يسأل عن أحوالها، ليس في لحظتها الآنية فحسب، بل في مستقبلها أيضاً، فهي النبوءة التي تخاطب بها الذات نفسها، وتقدمها لها بوصفها حكماً نهائياً لا يقبل المساومة، وعليها التعايش مع هذا الوضع القاسي من الوحدة والانقطاع عن العالم.

الديوان، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فاز منذ أيام بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينشغل في تكوينه الكلّي بمعاينة تحولات الواقع المحيط بالذات الشاعرة، وبما طرأ على العالم من متغيرات، جعلت عالمه القديم محض أطلال وذكريات، ومن ثم يزداد الشعور بوطأة الاغتراب عن هذا الواقع الضاغط. إن مفردة «هنا»، التي تتوسط عنوان الديوان، تبدو مركزية في فهم الحمولات الدلالية لمجمل القصائد، وفي حل شيفرات الطاقة الشعورية المسيطرة على الذات الشعرية، فـ«هنا»، هذه، لا تتصل فقط بالمكان، لكنها في هذا السياق الشعري تشير إلى الزمان والمكان كليهما، أيضاً إلى لحظة حضارية وثقافية مغايرة عمَّا اعتادته الذات.

الديوان تطل من خلاله الذات في مرايا وجودها الراهن، تحدق في ذاتها وفيما آلت إليه، معترفةً بأنها أصبحت ذاتاً قديمة؛ هذه الذات التي تراوح النظر إلى عالمين: عالم ذكرياتها وماضيها، ومن ناحية أخرى تحدّق في عالم اللحظة الراهنة، متأملةً موقفها الوجودي بين الماضي والحاضر، متنبئةً بما يمكن أن تذهب إليه الأوضاع مستقبلاً، إذا سار العالم بهذه الوتيرة، فالذات الشعرية هنا تظهر مبصرةً تشظّيها وضياعها، ومعترفةً بهذا الضياع والتيه الوجودي، فكثيراً ما يجمع الأزمنة الثلاثة في مقطع شعري واحد، كما نراه يقول في قصيدة «كي أذكّر الطيور بي»:

«أقر...

مثل النيل لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديماً

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً

وفارغ اليدين»

فالذات الشعرية، هنا، في لحظات اعتراف أسيان، كمحارب مهزوم يرفع راية الاستسلام، مقرّاً في لحظة كشف وجودية بأنه بات «قديماً»، غير قادر على مسايرة العالم من حوله، مما أورثه الوحدة، واكتشاف أن ما كان يمسك به قديماً ليس سوى سراب، إذ ينتهي به المطاف فارغ اليدين، لكن الشاعر حتى في لحظة الاستسلام هذه، يصر على التشبه بالنيل، بكل ما يحمله من حمولات تتعلق بالعذوبة والخصب والنماء، والاستمرارية، كأن هذا التشبيه هو كلمته للتاريخ، لتذكير الطيور به، بفيوضاته وعذوبته، بأنه كان هنا، معطاءً وعذباً كالنيل، يفيض كلمات وقصائد، لينشر الخضار في الأرواح والقلوب.

في قصيدة «بالشاشات التصقوا» يتحول البشر إلى مجموعة من الآليين، الملتصقين بشاشات الهواتف والتلفزيون، وغيرها من أدوات عصر المعلومات، فقد استبدلوا الفرجة على الحياة بالعيش فيها، مما أدى إلى استلاب الإنسان وتشيُّئه. إن الذات تعاين هذه التحولات من منظور تأثيرها في إنتاج وحدتها واغترابها، فالشاشات تمنع الآخرين من التواصل مع الذات الشعرية، وتحيل عالمها إلى سجن معنوي كبير، بلا باب ولا نافذة على البراح، سجن من الشاشات لا يسمح بتجدد الهواء، مفعم بالعطن، واستخدام مفردة «انزرعت» يومئ إلى أنها أصبحت بديلاً عن الأشجار والنخيل، تلك التي كانت تجدد أكسجين العالم، في حين هذه الشاشات التي انزرعت عنوةً تمتصّ هذا الهواء، إنها وباء جديد، مصنوع من معدن، يسرق الأرواح كما سرق «كورونا» الوجوه والملامح، عندما أجبر البشر على الاختباء وراء أقنعة وكمامات تمسخ هوياتهم وحضورهم الحي، يقول:

«لا أحد هنا سيميل عليك

لا أحد سيفتح باباً

أو نافذة

لهواء يوقظ نخلك وعصافيرك

الشاشات انتشرت مثل وباءٍ

وانزرعت في الساحات

وفي الحارات

وفي أيدي الأطفال»

ثمة مجموعة من التقابلات المهيمنة على الديوان كله، ففي جهة واحدة هناك (الذات/ الشعر/ النيل/ الهواء القديم/ السحب/ الحقول/ البساتين/ العصافير/ الشوارع المتسعة/ الحارات الصاخبة/ لهو الأطفال...) وغيرها من مرادفات العالم القديم، البكر، ذي الطبيعة النقية والهادئة والحميمة. وفي الجهة المقابلة هناك مفردات العالم الآخذ في فرض هيمنته (الحروب/ الصحراء/ الهمجيون/ الشاشات/ الفيروسات والأوبئة/ الغربان). إن مفردات كل جهة متشابكة ومتعاضدة، حتى تبدو شبكةً دالةً على تصورٍ ما للوجود الإنساني، لكنّ مفردات الجهة الأولى آخذةٌ في الأفول والانزياح، إنه عالم كامل ينسحب خاسراً، في مقابل عالم جديد يفرض حضوره وتسيّده، بكل قسوته وغلظته، فالصحراء تنتصر على الحقول والبساتين، والحروب تهزم الشعر وتلوث السحب، حتى إن الهواء نفسه تغيَّر، وتحولت خواصه، كما يقول في مقطع مدهش من قصيدة «هواء آخر»:

«الهواء الذي كان لا لون له

والذي كان يلعب حولي

(...)

فجأة

صار مثل الحجر

هامداً وثقيلاً

وأسود مثل الوباء

ومثل الحروب التي حولنا تتوالد»

فالهواء، هنا، نموذج للنزوع البيئي الذي يفرض حضوره بقوة في الديوان، فالبيئة والذات الشاعرة كلتاهما في لحظة ذبول، أمام ازدهار الحروب والأوبئة والشاشات، فهناك نظام إنتاج وعلاقات تنطفئ، وأنظمة أخرى تنمو وتهيمن فارضةً قواعدها، حتى إنها تفرض هيمنتها على الهواء الذي يفقد خواصه الطبيعية التقليدية، إنه يتكلس ويتحجر، يكتسب لوناً أسود، يصبح هواءً جديداً، ثقيلاً مثل الحقبة الجديدة التي ينتمي إليها.

في مواجهة كل هذا الاغتراب، تنزع الذات الشاعرة إلى الفرار نحو استعادة ماضيها في كثير من القصائد، مسترجعةً ما كانت عليه من فتوة وعنفوان، حينما كان الشعر يتدفق غزيراً وعذباً مثل تدفق النيل، وأحياناً تأتي هذه الاستعادة في صيغة «فضفضة»، كما عنون إحدى مقاطع القصيدة الأخيرة، أو يقدم في قصيدة «قالت المرايا» قراءة شعرية في مآلات الربيع العربي، التي لا تبتعد كثيراً عن الرؤية العامة للديوان، حيث انهزام الربيع أمام سطوة صقيع وهجير الصيف، فكلاهما يحاصر الربيع ويسحقه، فتتآزر المعاني السياسية مع البيئية مع الوجودية.

الذات الشعرية في هذا الديوان منهزمة ومنسحقة أمام وطأة متغيرات لا تقدر على مجابهتها، أمام عالم يتحول، وحياة فقدت بكارتها، إنها ذات خسرت صراعها مع الزمان والمكان، بما يجعل الديوان مرثية لزمن جميل مضى، وهجاء لزمن يفرض حضوره ومواضعاته. رثاء لأمكنة كانت مفعمة بالسحب وهديل الحمام وجمال الطبيعة والبيئة بكل مفرداتها، وهجاء لأمكنة حديثة متصحرة، حيث انتصر التصحر على خضار الحقول، والجدب على عذوبة النيل. مرثية لصخب الأطفال في الشوارع والحارات، والتواصل الحي بين البشر، ولزمن الثرثرة على المقاهي، وهجاء لزمن الشاشات والسوشيال ميديا، وعصر الأوبئة والحروب، والكمامات والقنابل... وينهي الشاعر ديوانه بمقطع لافت، يقول فيه:

«آن لي

أن ألمَّ طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها.

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يَسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري».


فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»
TT

فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

صدر عن دار «المحروسة للنشر» في القاهرة كتاب «جماليات القبح» للباحثة المصرية هدى حسن، الذي يبحث في تاريخ التمرد الفني؛ لـ«يحرِّر الجمال من قيوده التقليدية، ويثبت أن القبح ليس عدواً للجمال، بل هو وجهه الآخر الذي يمنحه معنى أعمق».

تتناول الدراسة، في ثلاثة أبواب، مفهوم القبح وعلاقته بالجمال لدى خمسة فلاسفة من العصر الحديث والمعاصر. وتعرض المؤلفة تجربتها مع كل منهم لوضع ما يمكن تسميته بالمفتاح المعرفي لفهم هذا الفيلسوف أو ذاك.

الباب الأول: كيف نشأت مشكلة القبح في الفكر الفلسفي؟ ويركز على الفيلسوف الألماني ذي النزعة المثالية كارل روزنكرانتس، الذي يعد أحد عناصر الجناح الأيمن للهيغلية، إذ إن أثر هيغل حاضر لديه بوضوح خصوصاً في منهجيته التي يجمع فيها بين المنهج التجريبي التأريخي والمنهج التجريدي التأملي، الذي قدم من خلاله تشريحاً دقيقاً لمفهوم القبيح؛ حيث تتميز شخصية روزنكرانتس بالدقة البالغة، وسيتجلى ذلك في ثنايا هذه الدراسة.

ثم، تنتقل المؤلفة إلى فيلسوفين إنجليزيين مثاليين أيضاً، وقد أسهما في تطور مفهوم القبح ضمن الدراسات الاستاطيقية، وهما: برنارد بوزانكيت وولتر ستيس. يعالج الأول القضايا الاستاطيقية عن طريق بحثه في الحياة، فيتناول مفهوم الجمال والقبح من منظور مغاير. أما ولتر ستيس فيعرِّف الجمال والقبح من خلال مفهومه عن الخبرة الاستاطيقية ورفضه الثالوث القيمي.

الباب الثاني عن «القبح الصناعي» عند بودريار، والصراع المثير بين الأصل والنسخة في عالم الواقع الفائق. وفي هذا الباب تنتقل المؤلفة إلى الفلاسفة المعاصرين، وتتوقف عند الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بودريار، الذي تقول عنه: «هو فيلسوف مراوغ، تجربتي معه كانت مرهقة بعض الشيء، حتى يمكن القول إنها كانت بمنزلة محاولة للبحث عن الوحدة في الكثرة، أو محاولة لإيجاد الثابت في المتحول، والتعرف على التشابه في الاختلاف؛ حيث لا نجد لبودريار تعريفات محددة أو مفاهيم واضحة للقبح والجمال».

الباب الثالث يركز على تاريخ الوحوش وتجسيد الشيطان عند أومبرتو إيكو، وصولاً إلى ما سمّاه عصر انتصار القبح. وفيه، تختتم المؤلفة كتابها بمعاينة رؤية الفيلسوف الإيطالي الشهير، الذي تناول الجمال والقبح من منظور مغاير. وقد صرّح بأن تأملاته حول هذا الموضوع بدأت منذ زمن بعيد، إذ كان دائم الولع بالوحوش، ويوجد في مكتبته عديد من الكتب عن الحيوانات وعجائب المخلوقات. ويلجأ إيكو إلى التشريح الطولي لتاريخ القبح، من خلال تناوله الأعمال الفنية ومناقشة الجمال والقبح في الحضارة الغربية.

والمؤلفة هدى حسن تعمل مدرسة مساعدة في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة حلوان، وهذا الكتاب هو مؤلَّفها الأول.


عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

ماثيو أرنولد
ماثيو أرنولد
TT

عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

ماثيو أرنولد
ماثيو أرنولد

سبق لي أن نشرتُ في ثقافيّة «الشرق الأوسط» موضوعاً عنوانُهُ: «هل مات الناقدُ الأدبيُّ؟». كان الموضوع محطّة انتباه لكثيرين من المشتغلين بالأدب أو النقد الأدبي أو من ذوي الذائقة الأدبيّة والثقافيّة حتى لو كانوا من غير عنوان اختصاصي في نطاق الأدب أو الثقافة. يبدو لي أنّ معظم القراءات انساقت وراء الدفق الدرامي للعنوان بما تحملهُ مفردة «الموت» من شحنة دراميّة ثقيلة الوطأة على النفس، خاصّة عندما تطولُ الناقد الأدبيّ في ثقافتنا العربية؛ إذ كثيراً ما تحصّن الناقد الأدبي في مثابة عالية شديدة التحصين في هذه الثقافة. كانت تجربة مثيرة لي عندما قرأتُ العديد من المداخلات المتباينة بشأن الموضوع في مواقع عديدة، ولستُ أرى في هذه الرؤى المتباينة سوى علامة حراك ثقافي صحّي.

رايموند ويليامز

أرى من المفيد الاعترافَ بأنّ موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة، وإن كنتُ عزّزتُهُ بتفاصيل مشخّصة عن موت الناقد الأدبي. يبدو أنّ الآراء المخالفة لم تسعَ للتفلّت من أفلاك المدارات الانطباعية الخالصة؛ فكأنّ عبارة «موت الناقد الأدبي» تسبّبت لها في جرحٍ نازف سَعَتْ طويلاً لمُداراته والهروب من مواجهة مترتّباته القاسية. هذه المقاربة لن تنجح إلا في إبعادنا عن الفضاء الثقافيّ العالمي المحتدم بمتغيّراته السريعة. من المفيد الإشارةُ أيضاً إلى أنّ بعض الآراء اعتمدت مقاربات مؤسّسة على كتل إنشائيّة غارقة في الفخاخ الانطباعيّة التي تساءلَتْ - في بعض ما تساءلت عنه - بنبرة استنكاريّة صارخة: كيف نُمِيتُ الناقد الأدبي؟ ولو مات هذا الناقد، أفلن يكون هذا إيذاناً بشيوع الرثاثة الأدبيّة وتجويزاً لشرعنتها؟ هؤلاء يفكّرون بمنطق الناقد - الرقيب، ثمّ إنّهم يحيلون الموضوع إلى رغبات كيفيّة لو شاءت لأماتت الناقد الأدبي، ولو شاءت لأبقته يتنفّسُ الحياة. أظنّ أنّ الموضوع أبعدُ شأناً من هذه التفاصيل المبسّطة.

سأعمدُ في هذا الموضوع إلى الابتعاد عن الشخصنات الانطباعيّة في مقابل التركيز الصارم على بعضٍ من المسببّات الحقيقية التي قادت إلى موت الناقد الأدبي.

***

ليس موتُ الناقد الأدبي حادثةً عَرَضيّة، ولا نتيجةً مباشرة لانحطاط الذائقة، أو لتراجع القراءة، أو لكسل الأجيال الجديدة، أو لتنامي أنماط ما يُحسَبُ رثاثةً ثقافيّة شائعة كما يذهب الخطابُ الثقافي السائد والذي لا يكفُّ عن الشكوى والحنين لعصور أدبيّة سابقة، كذلك ليس هذا الموت واحداً من الأمنيات الرغبويّة في قتل الناقد الأدبي والوقوف بسكينة في مراسم دفنه إلى جانب من سبقوه ممّن قتلتهم سياساتُ ما بعد الحداثة. نحن لا نقف أمام أزمة أفراد أو غياب مواهب، بل أمام انهيار وظيفة معرفية كاملة كانت مشروطةً بسياق تاريخي وثقافي محدّد لم يَعُدْ قائماً. هذه هي كلّ الحكاية باختصار قاسٍ. الناقدُ الأدبي - بالمعنى الذي استقرّ عميقاً في الوعي الثقافي خلال القرن العشرين - لم يكُ ضحيّة اغتيالٍ غادر، ولم يُقْصَ قسرياً عن المشهد الثقافي العالمي. ما حصل معه هو تنامي وتعاضد مؤثّرات محدّدة جعلته يفقدُ البيئة التي كانت تمنحُهُ المعنى والشرعية والسلطة.

السؤال الجوهري اليوم ليس: أين اختفى النقّاد الأدبيّون؟ بل: أيُّ عالمٍ كان يحتاج إلى ناقد أدبي؟ ولماذا لم يَعُدْ عالمُنا كذلك؟

أولاً تتوجّبُ مساءلةُ المعياريّة الثقافيّة. الأنساق الثقافيّة المعياريّة طالتها تحوّلاتٌ جوهريّة؛ فقد نشأ النقد الأدبي داخل نظام ثقافي يؤمِنُ بإمكانية إنتاج معايير عامة نسبيّاً: معايير للجمال، وأخرى للقيمة، وثالثة للتفوّق والاستمرارية. لم تكن هذه المعايير خاليةً من التحيّز أو الآيديولوجيا؛ لكنّها كانت صالحة للاستخدام. كان من الممكن الاحتكامُ إليها، ومناقشتُها، وتطويرُها. الناقد، في سياق هذا الإطار، لم يكن قارئاً بارعاً فحسب بل سلطة تقويمية تضطلع بمهمّة الفرز: ما الذي يُضافُ إلى المتن الثقافي، وما الذي يبقى في الهامش، وما الذي يتوجّبُ أن يُنسى. كان النقد يفترضُ وجود مركز ثقافي، وذائقة عامّة، وتاريخ أدبيٍّ يمكنُ قراءتهُ بوصفه مساراً ذا معنى. أمّا اليوم فقد تفكّكت هذه الافتراضات. التعدّدية المتطرّفة، وتكاثرُ الهويات، وتفتّتُ الذائقة، وانهيارُ المركزيات، جعلت فكرة (المسطرة النقديّة الواحدة) غير قابلة للتطبيق. حين تنتفي المسطرة النقديّة، لأيّ أسباب، يفقدُ الناقد أداته الجوهرية مهما بلغت قدراتُهُ المعرفية.

وظيفة الأدب هي الأخرى شهدت تغيّراً جوهريّاً. في الأزمنة التي ازدهر فيها النقد الأدبيُّ كان الأدب يُنظرُ إليه بوصفه قيمة متعالية: فعلاً يرتقي بالذائقة، ويهذّبُ الحسّ الأخلاقي، ويمنح معنى لتجربة الوجود. النقد، تبعاً لذلك، لم يكن نشاطاً تفسيرياً مُحايداً بل وظيفة ثقافية تكميليّة ذات بعد أخلاقي وجمالي وفلسفي. اليوم، تغيّر تعريفُ الأدب ذاته. لم يَعُدْ يحتلّ مركز النظام الرمزي بل صار ممارسة سردية بين ممارسات عديدة: السينما، والمسلسلات، والألعاب الرقمية، والمنصّات الاجتماعية، وأشكال السرد القصير والخاطف. الأدب لم يَعُدْ (الصانع الأعلى للمعنى) بل أصبح خياراً واحداً من خيارات متعددة. هنا تحضرُ المقايسة المنطقيّة المؤكّدة: حين يفقد الأدب - كخالق للمعنى - مركزيته يفقد النقد سلطته تلقائياً. لا يمكن للناقد أن يكون حارساً لقيمة لم يعُدْ يُعتَرَفُ بها بوصفها قيمة عليا أو جامعة.

بعد ذلك تحضرُ أمامنا حقيقةٌ شاخصة عنوانُها (تحطيم السرديات الكبرى Grand Narratives وانهيار القياس النقدي). كان النقد الأدبي الكلاسيكي يعملُ داخل سرديةٍ تاريخية واضحة: عصور، مدارس، تيارات، ذرى وانكسارات. هذا الإطار وفّر للناقد إمكانية المُقارنة والحُكْم والتقويم. مع صعود ما بعد الحداثة، لم يحصل تفكيكٌ لنسيج النص وحده بل فُكّك الإطار الذي يسمح بالحكم عليه. السرديات الكبرى تراجعت، وحلّت محلّها سردياتٌ صغرى، فردية، محلّية، غير قابلة للتوحيد أو القياس المتبادل. ما يُعدّ تجربةً مركزيةً لشخص قد يكون هامشياً أو عديم الأهمية لآخر. في هذا السياق، يتحوّل النقد إلى رأي شخصاني، والرأيُ الشخصانيُّ في عصر المنصّات لا يمتلك أي امتياز معرفي. الجميع يقرأ، يعلّق، يحكم، ومن ثم تذوب وتتلاشى سلطة الامتياز النقدي.

سببٌ آخر يختصُّ بأفول السطوة النقدية الأدبيّة التي شاعت في القرن العشرين. في ذلك القرن لم يكن الناقد الأدبي مجرّد باحث أكاديمي، بل كان في كثير من الحالات اسماً ذا سطوة ثقافية عامة. كانت هناك أسماءُ نقّادٍ أدبيين تُقرأ بوصفها مراجع موثوقاً بها، وتُستدعى أحكامُها في النقاشات الكبرى حول الأدب والحداثة. أسماء مثل ماثيو أرنولد، ونورثروب فراي، وكلينيث بروكس، وويليام إمبسون، ورينيه ويليك، وإف. آر. ليفز، وهارولد بلوم، ورايموند ويليامز... مثّلت نموذج الناقد الذي يتجاوز التخصّص الضيّق. لم تكن هذه السطوةُ نابعة من الإعلام فحسب، بل من شروط ثقافية محدّدة: فضاء ثقافي أقل ازدحاماً، ومؤسسات نشرٍ ذات نفوذ، وإيمان عام بشرعية السلطة النقدية. في القرن الحادي والعشرين تفكّكت هذه الشروط. الثقافة اليوم أفقية، مُشَكّكة، وعدائية تجاه المرجعيات، ولم يَعُدْ ممكناً أن يتشكّل اسمٌ نقدي مركزي بالمعنى القديم وسط هذه الدوّامة الثقافية سريعة التغيّر.

أرى من المفيد الاعترافَ بأنّ موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة

لا يمكنُ أيضاً التغافلُ عن حقيقة ذوبان النقد في النظرية الثقافية ثم في الثقافة (الدراسات الثقافيّة). لم يَمُت النقدُ الأدبيُّ فجأة، بل ذاب تدريجياً في حقول أوسع. انتقل من تحليل النصوص إلى مساءلة الخطابات، ثم إلى تفكيك البنى الثقافية والاجتماعية. صار الأدب مادّة اختباريّة مفتوحة لموضوعات إشكاليّة منها: الهوية، والجندر، والسلطة، والذاكرة، والسوق، والتقنيّة... هذا التحوّل أفقد النقد حدوده الصارمة، ومع هذا التحوّل النوعيّ فقد النقد قدرته على إنتاج سلطة اعتباريّة متماسكة لأنّ أدواته القديمة لم تعُدْ تسعفه بوسائل الإنقاذ. ربّما المثال النموذجي في هذا الشأن هو تيري إيغلتون. هلّا تلاحظون شكل كتاباته - عناوين وموضوعات - في بداياته، ثمّ كيف تحوّلت إلى مساءلات مستفيضة لموضوعات ثقافيّة أبعد كثيراً من نطاق اهتماماته الأولى؟

لا يمكنُ بالطبع إغفالُ أنّ الأدب العالمي لا يعيشُ في جزيرة منعزلة. نحنُ نعيشُ في عصر النيوليبرالية التي تحكمها القوانينُ القاسية؛ حيث تُقاس القيمةُ بما تُحقّقه المصنّعاتُ، مادّية كانت أم رمزيّة، من تداول وربح وانتشار. الأدب بموجب هذه القوانين يُقيَّمُ بالأرقام لا بالأحكام الانطباعية الشخصانيّة المسبّقة. في هذه المعادلة يصبح الناقد عبئاً. رأيُهُ قد يُربِكُ السوق، أو يبطئ حراكها الاقتصادي؛ لذلك جرى تهميش الناقد الأدبي لا بالمنع، بل - ببساطة - بإعلان عدم الحاجة إليه.

ثمّ علينا أيضاً أن ننتبه للخوارزميات ومنطق المنصّات. إذا كانت السوقُ قد همّشت الناقد الأدبي فإنّ الخوارزميات أجهزت على ما تبقّى من وظيفته. في عالم المنصّات الرقمية، لم يَعُد القرار بيد قارئ أو ناقد أو مؤسسة ثقافية، بل قيد أنظمة حسابية غير مرئية تُقرّر ما يُعرض، وما يُخفى، وما يُروَّجُ له. لم يمت الناقد الأدبي فقط؛ لأنّ أحداً لم يَعُدْ يصغي إليه، بل لأنّ الخوارزميات احتلّت موقع الحَكَم دون أن تحتاج إلى لغة أو حُجّة أو تبرير.

*****

لستُ سعيدةً بموت الناقد الأدبيّ، ولن أتيه فرحاً لو تأجّل موته بضع سنوات أو حتّى لو شهدنا مراسم خلوده الأبديّ. أنا أسائلُ ظاهرةً سائدة علينا التحسّبُ لنتائجها بصرف النظر لو حسبناها سلبيّة أم إيجابيّة. موتُ الناقد الأدبي لا يعني نهاية التفكير في الأدب، بل يعني نهاية نموذج معرفي محدّد: نموذج السلطة، والمعيار الواحد، والمرجعية المركزية. ما يبقى هو أشكال هجينة من وارثيه المحتملين: قارئ - كاتب، أو باحث عابر للحقول، أو مثقف يعمل من داخل الهشاشة الثقافية، ولا يكتفي بالتعالي الساذج على فروضها وقوانينها. العزلةُ والانغلاق على القناعات الشخصية لن يغيّرا تضاريس المشهد النقدي الأدبي العالمي. موت الناقد الأدبي، في جوهره، ليس مأساة ثقافية بقدر ما هو علامة على انتقال السلطة من العقل التأويلي الكلاسيكي إلى أنساق جديدة. الأفضلُ لنا بشأن هذه التحوّلات ألا نجعلها موضع إدانة أخلاقيّة قاسية؛ بل أن نحاول فهمها حتى إن خلّفَتْ فينا شعوراً عميقاً بالفَقْد.