بين صفقة وضربة... هل اقترب العمل العسكري ضد إيران؟

واشنطن تحت الضغط لإثبات جدوى الحشد الكبير في الشرق الأوسط

معدات عسكرية بينها طائرات هليكوبتر فوق حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)
معدات عسكرية بينها طائرات هليكوبتر فوق حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)
TT

بين صفقة وضربة... هل اقترب العمل العسكري ضد إيران؟

معدات عسكرية بينها طائرات هليكوبتر فوق حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)
معدات عسكرية بينها طائرات هليكوبتر فوق حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)

رغم تقارير عن وساطات ورسائل متبادلة بين واشنطن وطهران، فإن «المفاوضات» تبدو، حتى اللحظة، أقرب إلى محاولة لتفادي الانفجار؛ لا إلى مسار حقيقي.

وتفيد المؤشرات المتوفرة، وفق مصادر ووسائل إعلام غربية، بأن الطرفين لم يدخلا في مفاوضات مباشرة وجدية، وبأن الخلاف على «شروط الدخول» هو نفسه بات رسالة سياسية: إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تريد اتفاقاً يشمل: الملف النووي، والصواريخ الباليستية، ودور إيران الإقليمي، فيما تُصر طهران على حصر أي نقاش في البرنامج النووي فقط.

ويدفع ذلك إلى الاعتقاد بأن طهران قد تكون متأكدة من أن عرض ترمب لعقد «صفقة» لا يعدو خديعة، فيما هو يستعد بشكل جدي لعمل عسكري ضدها، في تكرار لما جرى خلال يونيو (حزيران) 2025 عندما قصف منشآتها النووية. وبالتوازي مع تصعيد لهجة ترمب، فإن هذا الانسداد يُعيد سؤالاً ثقيلاً إلى الواجهة: هل تتحول الدبلوماسية غطاءً لعمل عسكري، أم إلى آخر فرصة لمنعه؟

جدارية جديدة في طهران تندد بالولايات المتحدة بعد تهديدات الرئيس دونالد ترمب الأخيرة (إ.ب.أ)

تصعيد مختلف

الفارق الأساسي هذه المرة هو حجم «التموضع» العسكري وطبيعته المركّبة: ليس مجرد استعراض، بل حزمة هجومية - دفاعية تُوحي بالجاهزية لسيناريوهات متعددة، بعد وصول حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية إلى منطقة عمليات «القيادة الوسطى الأميركية»، بما يسمح بدعم ضربات أو حماية الحلفاء من ردود انتقامية.

ويترافق ذلك مع تعزيزات دفاع جوي («باتريوت» و«ثاد»... وغيرهما)، وتدريبات جوية تُركز على «الانتشار والتشغيل وتوليد الطلعات» تحت ظروف صعبة، وفق «القيادة الوسطى الأميركية»، وهو نمط يرتبط عادةً برفع الجاهزية لاحتمالات الردود المتبادلة.

في المقابل، تُدرك واشنطن أن أي عملية ضد إيران ليست «عملية دقيقة» من نمط ما جرى في فنزويلا؛ حيث سبق للولايات المتحدة أن حشدت قوات كبيرة في الكاريبي ضمن حملة انتهت بعملية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو مطلع يناير (كانون الثاني) 2026. إيران جغرافياً أعقد، وقدراتها الصاروخية وطبقات دفاعها مما يجعل «الضربة الحاسمة» أصعب، حتى لو كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً ساحقاً.

طائرة «إي إيه 18 غرولر» المختصة في تعطيل شبكات الاتصالات والتشويش تنطلق من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)

خيارات ترمب

تسريبات سابقة حددت نهاية هذا الشهر موعداً لضربة أميركية، تبقى حتى الآن غير مؤكدة علناً. لكن خطورة تداولها أنها تخلق دينامية سياسية - عسكرية في حد ذاتها: عندما تُحشد قوة بهذا الحجم، فإن الضغط داخلياً وخارجياً على البيت الأبيض يزيد لتبرير التكلفة بتحقيق «نتيجة» ما، ولو كانت محدودة.

في الوقت نفسه، قد تكون التسريبات جزءاً من حرب نفسية لإجبار طهران على تقديم تنازل قبل أن «يغلَق» هامش التراجع. وعليه؛ فالقاعدة العملية هنا أنه ما لم يعلَن قرار سياسي واضح، فإن السيناريو يبقى مفتوحاً على 3 احتمالات متدرجة: ضربة محدودة لفرض قواعد اشتباك جديدة؛ أو حملة أوسع تستهدف بنى نووية - صاروخية ومفاصل أمنية؛ أو استمرار الضغط العسكري بوصفه رافعة تفاوضية دون إطلاق نار.

وفق «فاينانشال تايمز»، فإن خيارات ترمب إذا قرر تنفيذ عمل عسكري، تتراوح بين: ضربة «عقابية» محدودة تستهدف مواقع صاروخية ومسيّرات أو منشآت مرتبطة بـ«الحرس الثوري»؛ لرفع تكلفة الرفض الإيراني دون السعي إلى إسقاط النظام.

وثمة خيار يشمل توسيع بنك الأهداف إلى منشآت نووية يجري تحصينها وإعادة بنائها، خصوصاً بعد حديث غربي عن محاولات إيرانية لإعادة العمل في مواقع أعمق تحت الأرض. وكذلك مجموعة خيارات ضغط غير تقليدية، مثل تشديد الحصار البحري، أو ضرب «بنى الدولة»؛ بوصف ذلك رسالة سياسية... وهي خيارات أعلى مخاطرة؛ لأنها ترفع احتمالات الرد خارج قواعد الاشتباك.

لكن المفصل الحاسم هو «نهاية اللعبة»، فالإدارة الأميركية نفسها تعترف، ضمناً، بأن إسقاط رأس النظام لا يضمن انهياره، وأن سؤال «مَن التالي؟» لا جواب جاهزاً عنه حتى الآن.

هذا ما يفسر التحذير المتكرر؛ في تقديرات تُسرَّب إلى الإعلام، وتصريحات مسؤولين أميركيين، بأن النظام «أضعف من أي وقت»، لكن «الضربة القاصمة ليست مضمونة النتائج».

مؤشر الأسعار في بورصة باكستان يهوي يوم 29 يناير 2026 على خلفية التوترات بين واشنطن وطهران (إ.ب.أ)

كيف يمكن أن ترد إيران؟

تلوّح طهران مسبقاً بأن أي هجوم هو «بداية حرب»، وبأن الرد قد يطول إسرائيل، خصوصاً تل أبيب، إضافة إلى «كل من يدعم المعتدي». وفي المدى العملياتي، تملك إيران سُلّماً للرد؛ يبدأ من ضرب قواعد أميركية في المنطقة بصواريخ أو مسيّرات، مروراً بتفعيل وكلاء إقليميين، وصولاً إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو السيناريو الأشد تأثيراً عالمياً.

الاحتمال الأخير قد يكون من بين أبرز الأسباب التي دعت دول المنطقة إلى تجنب الحرب ومتابعة الجهود الدبلوماسية مع التشديد على الحياد، الأمر الذي قد يزيد من الجهود اللوجيستية الأميركية في أي عملية واسعة، ويزيد الاعتماد على منصات بحرية بعيدة.

بيد أن الأسواق أعطت إنذاراً مبكراً؛ فقد ارتفعت أسعار النفط على مدى 3 جلسات متتالية وسط مخاوف من انقطاع الإمدادات، مع اقتراب سعر خام «برنت» من عتبة 70 دولاراً وارتفاع «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، فضلاً عن تحليق سعر الذهب بصفته ملاذاً آمناً. وإذا وقعت ضربة فعلاً، فالتداعيات المحتملة ثلاثة: اقتصادياً؛ قفزة في النفط، وضغط على الشحن والتأمين، وتوتر في أسواق الخليج.

أمنياً؛ توسيع ساحات الاشتباك لتشمل العراق وسوريا والخليج وإسرائيل، مع ارتفاع مخاطر الأخطاء الحسابية. سياسياً؛ تقليص فرص أي تفاوض قريب... أو العكس ضربة محدودة تُستخدم لفرض «طاولة بشروط أقسى».


مقالات ذات صلة

هجوم إيراني على مقر لحزب «كومله» الانفصالي في كردستان العراق

شؤون إقليمية الدخان يتصاعد بعد انفجار بالقرب من منطقة المطار في أربيل بكردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)

هجوم إيراني على مقر لحزب «كومله» الانفصالي في كردستان العراق

استهدفت القوات المسلحة الإيرانية، بطائرات مسيّرة، قواعد تابعة لحزب «كومله» الكردي الانفصالي في منطقة كردستان العراق، بحسب ما أفادت وسائل إعلام إيرانية الأحد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية 
طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الإيرانية عائدين إلى بلدهم خلال حرب يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران (أ.ف.ب)

تضييق الحصار البري على إيران يزيد عزلتها

تواجه إيران ضغوطاً متزايدة على جبهتي الاقتصاد والأمن، مع تعطل حركة التجارة البرية عبر عدد من حدودها، وتكدس آلاف الشاحنات.

«الشرق الأوسط» (إسلا آباد - طهران)
شؤون إقليمية قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران أمس (أ.ب) p-circle

تحذيرات أميركية تُنذر بتجدد الضربات على إيران

تتصاعد المؤشرات على احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، مع تشديد الولايات المتحدة إجراءاتها الأمنية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
رياضة عالمية عقوبات أميركية على شركات طيران إيرانية بينها «آتا» (شركة آتا)

العقوبات الأميركية تهدد مشاركة تراكتور الإيراني أمام العين آسيوياً

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 8 سبتمبر فرض عقوبات على شركات طيران إيرانية بينها «آتا» التي يسعى نادي تراكتور لاستخدامها في رحلته لمواجهة العين.

بدر بالعبيد (الرياض)
شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

بينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً، تحذر مؤشرات صادرة عن مسؤولين أميركيين من احتمال الانزلاق إلى صراع طويل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)

إذا فاز الديمقراطيون... 4 تغييرات محتملة في السياسة الخارجية الأميركية

يدلي سكان منطقة مانهاتن السفلى بأصواتهم في مركز الاقتراع المقام في كلية مجتمع مانهاتن بحي تريبيكا (د.ب.أ)
يدلي سكان منطقة مانهاتن السفلى بأصواتهم في مركز الاقتراع المقام في كلية مجتمع مانهاتن بحي تريبيكا (د.ب.أ)
TT

إذا فاز الديمقراطيون... 4 تغييرات محتملة في السياسة الخارجية الأميركية

يدلي سكان منطقة مانهاتن السفلى بأصواتهم في مركز الاقتراع المقام في كلية مجتمع مانهاتن بحي تريبيكا (د.ب.أ)
يدلي سكان منطقة مانهاتن السفلى بأصواتهم في مركز الاقتراع المقام في كلية مجتمع مانهاتن بحي تريبيكا (د.ب.أ)

يقول محللون مستقلون إن الديمقراطيين لديهم فرصة سانحة للفوز في مجلس النواب الأميركي، وربما مجلس الشيوخ، خلال انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يمنحهم نصيباً من السلطة في واشنطن بعد سيطرة الجمهوريين لعامين.

ويرى الديمقراطيون أن الجمهوريين سمحوا لإدارة الرئيس دونالد ترمب بإعلان الحرب والتحكم في الإنفاق، على الرغم من أن الدستور الأميركي يمنح هذه الصلاحيات للمشرعين.

وفيما يلي بعض الطرق التي يمكن من خلالها لـ«كونغرس» يسيطر عليه الديمقراطيون تقييد السياسة الخارجية لترمب:

كبح حرب إيران

لم يحصل ترمب على موافقة «الكونغرس» قبل شن الحرب على إيران في 28 فبراير (شباط)، وصوّت الديمقراطيون مراراً لإنهاء القتال ما لم يحصل على هذه الموافقة. وأُقر أحد هذه القرارات، بدعم من عدد قليل من الجمهوريين، لكن إدارة ترمب تجاهلته.

وفي حال سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، فبإمكانهم خفض الإنفاق الدفاعي للضغط على ترمب للحصول على موافقة «الكونغرس» من أجل مواصلة الحرب، كما يمكنهم إلزام مسؤولي الإدارة بالإدلاء بشهادتهم علناً بشأن خططهم.

حشود تهتف ترحيباً بانضمام الرئيس السابق باراك أوباما إلى مرشحي الحزب الديمقراطي وزيرة خارجية الولاية جوسلين بنسون وذلك خلال تجمع انتخابي يهدف إلى حث الناخبين على التصويت أقيم أمس في ولاية ميشيغان (أ.ف.ب)

دعم جديد لأوكرانيا

وأوقف ترمب إلى حد كبير المساعدات المالية والعسكرية الأميركية المباشرة لأوكرانيا، على الرغم من الدعم الواسع من المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين لكييف في الوقت الذي تحارب فيه الغزو الروسي.

وفي الآونة الأخيرة، أثار ترمب غضب عدد من أعضاء «الكونغرس»، بينهم كثير من الجمهوريين، بعدما رفع العقوبات المفروضة على الديزل الروسي، وتراجع عن عقوبات تستهدف قطاع الطاقة الروسي، وذلك بعد أسابيع قليلة فقط من توقيعه قانوناً يقضي بفرض هذه العقوبات.

وفي حال فوز الديمقراطيين بالأغلبية في المجلسين في نوفمبر، سيتمكنون من تحديد ما سيتم التصويت عليه، ومتى.

وقد يُتيح ذلك لهم الموافقة على مساعدات جديدة لأوكرانيا، والتي من المرجح أن تمر بأغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز حق النقض الذي ربما يستخدمه ترمب.

ويمكنهم أيضاً استهداف إجراءات أخرى لترمب. فعلى سبيل المثال، قدّم النائب جريجوري ميكس من نيويورك، الذي قد يرأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب إذا فاز الديمقراطيون بالأغلبية، تشريعاً مدعوماً من الحزبين لعرقلة خطة ترمب لإعادة الديزل الروسي إلى السوق العالمية.

أعلام مؤيدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب خارج موقع تجمعه الانتخابي قبيل انتخابات التجديد النصفي في بيري بولاية جورجيا الأميركية (رويترز)

وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل

وتراجع مستوى التأييد لإسرائيل بين الديمقراطيين، على خلفية نهجها في الحرب على غزة، التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين. كما أسهم في هذا التراجع استمرار العنف في الضفة الغربية المحتلة، فضلاً عن التحالف الوثيق بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والجمهوريين.

ويمكن للديمقراطيين العمل على تقليص المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل أو وقفها، والتي بلغت 3.8 مليار دولار في السنة المالية الماضية، وهو ما يتجاوز قيمة المساعدات التي قدمتها واشنطن لأي دولة أخرى.

وصوَّت ما يقرب من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب هذا الصيف على قطع المساعدات عن إسرائيل. وأيّد بعض الذين صوتوا ضد هذا المسعى، مثل ميكس، فرض قيود على تزويد إسرائيل بأسلحة مثل القنابل الثقيلة.

حضور في تجمع انتخابي أقامه الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي (رويترز)

الحد من الإنفاق العسكري واستئناف المساعدات الخارجية

ومن المرجح أن يتجه الديمقراطيون، أكثر بكثير من الجمهوريين الذين ينتمي إليهم ترمب، إلى الحد من الإنفاق العسكري. فقد طلب ترمب زيادة غير مسبوقة بنسبة 67 في المائة في الميزانية العسكرية لهذا العام، لترتفع إلى 1.5 تريليون دولار، إلا أن الديمقراطيين عرقلوا مسعاه في مجلس الشيوخ، مبررين موقفهم برفضه التشاور مع «الكونغرس» بشأن الحرب على إيران، فضلاً عن تخفيضاته الحادة في البرامج الاجتماعية.

كما حجب ترمب أو ألغى مساعدات خارجية بمليارات الدولارات أقرها «الكونغرس». وأثارت هذه التخفيضات غضب كثير من الديمقراطيين، الذين يقولون إنهم سيحاولون استئناف التمويل.


كيف تحولت أزمة السرطان إلى ورقة انتخابية في ولاية آيوا؟

يستمع الرئيس دونالد ترمب إلى زاك لان المرشح لمنصب حاكم ولاية آيوا خلال حديثه في تجمع انتخابي بمطار «سيوكس غيتواي» (أ.ب)
يستمع الرئيس دونالد ترمب إلى زاك لان المرشح لمنصب حاكم ولاية آيوا خلال حديثه في تجمع انتخابي بمطار «سيوكس غيتواي» (أ.ب)
TT

كيف تحولت أزمة السرطان إلى ورقة انتخابية في ولاية آيوا؟

يستمع الرئيس دونالد ترمب إلى زاك لان المرشح لمنصب حاكم ولاية آيوا خلال حديثه في تجمع انتخابي بمطار «سيوكس غيتواي» (أ.ب)
يستمع الرئيس دونالد ترمب إلى زاك لان المرشح لمنصب حاكم ولاية آيوا خلال حديثه في تجمع انتخابي بمطار «سيوكس غيتواي» (أ.ب)

مع انطلاق موسم المناظرات في ولاية آيوا الأميركية، بدا أن هناك سؤالاً واحداً يثير حماس المرشحين، بل ويوحِّدهم إلى حدٍّ ما، ويتعلق بأزمة السرطان.

وسأل مدير إحدى المناظرات المرشحَين، الديمقراطي روب ساند والجمهوري زاك لان: «ما الخطوات المحدَّدة والفورية التي ستتخذانها لمواجهة أزمة السرطان في آيوا؟». وأكد كلا المرشحين أن هذه القضية تُشكِّل ركيزةً أساسيةً في حملتيهما، قبل أن يتبادلا الاتهامات بالتقصير في اتخاذ إجراءات كافية.

وبعد أسبوعين، طُرحت مجدداً قضية ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في آيوا، وما قد يرتبط بها من تلوث ناتج عن الأنشطة الزراعية، خلال مناظرة في إطار سباق محتدم على أحد مقاعد مجلس الشيوخ.

كيف تحول السرطان إلى قضية سياسية؟

ولعل طرح هذا الموضوع كان أمراً يصعب تصوره قبل بضع سنوات فقط في ولاية آيوا، التي تُعدُّ أكبر منتِج للذرة ولحوم الخنازير في البلاد. لكن دور «الشركات الزراعية الكبرى» (Big Ag) تحوَّل إلى قضية سياسية مثيرة للجدل، في ظلِّ ما تُوصف بأنها أزمة صحة عامة. وتسجِّل آيوا ثاني أعلى معدل للإصابة بالسرطان في الولايات المتحدة، وهي واحدة من 3 ولايات فقط تشهد ارتفاعاً في هذا المعدل.

وللمرة الأولى، أُدرجت معالجة الأسباب البيئية للسرطان ضمن البرامج الانتخابية لكلا الحزبين في آيوا، إذ تعهَّد مرشحون جمهوريون وديمقراطيون، على مختلف المستويات الانتخابية، بالتصدي لهذه القضية.

وفي السباق على منصب الحاكم، تعهَّد كل من زاك لان، وهو مزارع تحوَّل إلى مرشح سياسي بدعم من تيار «لنجعل أميركا صحية مجدداً (Make America Healthy Again)» داخل الحزب الجمهوري، وروب ساند، وهو محامٍ ديمقراطي معتدل، بالعمل على تنقية المياه وتنظيم استخدام المواد الكيميائية.

وفي السباق المحتدم على مقعد في مجلس الشيوخ، تطرَّق إلى القضية أيضاً كل من النائبة الجمهورية في الكونغرس أشلي هينسون، والممثل الديمقراطي في مجلس نواب الولاية جوش توريك، إذ طالبا هذا الشهر بتوفير مزيد من التمويل لضمان الحصول على مياه شرب آمنة.

النائبة الجمهورية في الكونغرس أشلي هينسون (إ.ب.أ)

30 مليون دولار على 100 إعلان عن السرطان

ووفقاً لبيانات مؤسسة «أد إمباكت (AdImpact)»، أُنفق هذا العام نحو 30 مليون دولار على بثِّ أكثر من 100 إعلان انتخابي في آيوا تناولت قضية السرطان. وفي المقابل، لم يشهد موسم انتخابات التجديد النصفي السابق، عام 2022، سوى إعلان واحد من هذا النوع، بلغت تكلفته أقل بقليل من 200 ألف دولار.

وقال كريس جونز، المدافع المخضرم عن جودة المياه والمرشح الديمقراطي لمنصب وزير الزراعة في الولاية: «قبل 9 أشهر، لم يكن هناك أي مرشح يتحدَّث عن هذا الأمر سواي، أما الآن، فأصبح كل مرشح تقريباً يطرح هذه القضية ضمن حملته الانتخابية».

مواجهة مع الشركات الزراعية الكبرى

ومع ذلك، يواجه الحزبان تحدياً دقيقاً يتمثَّل في الموازنة بين انتقاد ممارسات «الشركات الزراعية الكبرى» (Big Ag) وبين اعتماد اقتصاد آيوا على هذا القطاع.

ويرى جونز أن حزبه الديمقراطي لم يتحلَّ بالجرأة الكافية لمواجهة هذه الشركات، مما أتاح الفرصة للجمهوريين، الذين اكتسبوا زخماً بفضل حركة «لنجعل أميركا صحية مجدداً» (MAHA)، لتعزيز نفوذهم. وقد ذهب جونز أبعد من أي مرشح آخر في السباق الانتخابي، مطالباً بفرض مزيد من اللوائح التنظيمية وتقليل الاعتماد على زراعة الذرة وفول الصويا.

المرشح الديمقراطي روب ساند في ولاية آيوا (أ.ب)

وفي تصريح لشبكة «سي إن إن»، قال جونز: «نحن أمام قضية كان ينبغي أن تكون طبيعيةً بالنسبة للديمقراطيين، وهي: بيئة نظيفة». وأضاف أن الحزب كان «أجبن من أن يتبنى هذه القضية».

لكن الانقسامات داخل الحزب الجمهوري تضعف مصداقيته، بحسب سارة شرايبر، من رابطة ناخبي الحفاظ على البيئة. وأوضحت أن بعض ناخبي حركة «ماها» يشعرون بخيبة أمل بسبب عدم وفاء الرئيس دونالد ترمب بوعوده تجاه الحركة، مضيفة: «إنهم يريدون من المسؤولين المنتخبين الاستجابة لقضاياهم، وعلى رأسها الصحة والبيئة، ولن يكونوا منحازين حزبياً».

أزمة صحية ذات تداعيات سياسية

وتعزو وزارة الصحة في ولاية آيوا ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان إلى عوامل عدة مرتبطة بنمط الحياة، أبرزها السمنة وتعاطي الكحول والتدخين. لكنها أقرَّت بأنَّ التَّعرُّض للملوثات البيئية قد يؤدي دوراً في ذلك، مما أثار غضب سكان الولاية الذين يشهدون انتشار السرطان في مجتمعاتهم.

ويشير المدافعون عن البيئة وبعض المزارعين إلى أن تراكم النترات، الناتجة عن آلاف الأطنان من روث الماشية التي تتسرب إلى مياه الولاية، يُعدُّ سبباً رئيسياً لهذه المشكلة.

وقال زاك سميث، وهو مزارع وأحد الأعضاء المؤسِّسين في مجموعة «لوب رينجرز (Lobe Rangers)»، التي تضغط من أجل اتخاذ الحكومة إجراءات أكثر صرامة بشأن السموم البيئية، إن تقريراً حكومياً عن السرطان كشف عن معدلات مقلقة في آيوا، التي تشهد أسرع ارتفاع في معدلات الإصابة بالمرض على مستوى البلاد، وكان بمثابة «نقطة تحول حقيقية» بالنسبة إلى سكان الولاية العاديين.

وأضاف سميث، وهو ناخب مستقل: «لقد نشأت موجة من الزخم والطاقة، لكننا بحاجة إلى تحويلها فعلياً إلى شيء ملموس من خلال تشريعات حقيقية. هذا هو هدفنا؛ تحفيز الرأي العام بما يكفي لدفع الناس إلى المشاركة في التصويت».

حركة «ماها»... وزيادة إنتاج المبيدات الحشرية

يعزو كثير من سكان آيوا، ممَّن تحدَّثوا إلى شبكة «سي إن إن»، هذا الزخم إلى حركة «ماها (MAHA)». فقد قدَّمت الحركة دعمها لزاك لان، مما ساعده على تحقيق فوز مفاجئ في الانتخابات التمهيدية على حساب النائب الجمهوري راندي فينسترا، الذي كان يحظى بدعم دونالد ترمب.

زاك لان المرشح لمنصب حاكم ولاية آيوا يرفع قبضته بحماس بينما يلقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب كلمة في تجمع انتخابي بمطار «سيوكس غيتواي» (أ.ف.ب)

وخصَّصت منظمة «ماها أكشن (MAHA Action)»، وهي مجموعة مناصرة سياسية يديرها توني ليونز، الناشر والحليف المقرب منذ فترة طويلة لروبرت إف كيندي الابن، مبلغ 1.5 مليون دولار لدعم حملة زاك لان. وتفتخر المنظمة بأنه كان أول مرشح تدعمه في انتخابات عام 2026.

وفي بيان، قال ليونز: «كانت (ماها) أول من آمن بزاك لان، وقد أثبت جمهوريّو آيوا أننا كنا على صواب. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، سنثبت أننا قادرون على تحقيق الفوز».

ومع ذلك، لا تزال هناك حالة من عدم الثقة بشأن مدى التزام الحزب الجمهوري بهذه القضية. فقد واجه لان تحديات مرتبطة بمواقف الحزب في واشنطن، حيث أصدرت إدارة ترمب توجيهات بزيادة الإنتاج المحلي للمبيدات الحشرية، كما ألغت مجموعة واسعة من اللوائح البيئية.

ويقول الدكتور سيلدن سبنسر، من مدينة هكسلي بولاية آيوا في إعلانٍ ممول من لجنة عمل سياسي (Super PAC) تابعة للحزب الديمقراطي: «في عموم الولايات المتحدة، تشهد معدلات الإصابة بالسرطان انخفاضاً، لكنها في ولاية آيوا في ازدياد. وبصفتي طبيباً، لا يمكنني تجاهل ما يحدث». وأنفق الحزب الديمقراطي نحو 3 ملايين دولار على البث الإعلاني منذ شهر سبتمبر (أيلول).

وفي تصريح لبرنامج «فيس ذا نيشن (Face the Nation)» على شبكة «سي بي إس» هذا الشهر، قال لان: «كنت من أوائل الأشخاص الذين أعلنوا أن التوقيع على ذلك الأمر التنفيذي» المتعلق بزيادة إنتاج المبيدات الحشرية داخل الولايات المتحدة «كان خطوة خاطئة. وأعتقد أننا لو استطعنا تقديم المشورة للرئيس بشأن هذا الأمر، لفهم المسألة بصورة أفضل».


أوباما يوجه انتقادات لاذعة لترمب خلال حملة انتخابية للديمقراطيين

الرئيس الأسبق باراك أوباما (رويترز)
الرئيس الأسبق باراك أوباما (رويترز)
TT

أوباما يوجه انتقادات لاذعة لترمب خلال حملة انتخابية للديمقراطيين

الرئيس الأسبق باراك أوباما (رويترز)
الرئيس الأسبق باراك أوباما (رويترز)

ظل الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحث الناخبين على النظر إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس كما لو كان هو المرشح في تلك الانتخابات، وأمس السبت، فعل أحد أسلافه من الحزب الديمقراطي الأمر نفسه.

قبل عشرة أيام من الانتخابات التي ستحدد السيطرة على الكونغرس، المنقسم على نحو متقارب بين الحزبين، انطلق الرئيس الأسبق باراك أوباما في جولة انتخابية لاتهام ترمب بالفساد والسخرية من استراتيجيته تجاه إيران وانتقاد البذخ في تجديدات البيت الأبيض.

وقام أوباما بحشد التأييد للمرشحين الديمقراطيين في مؤتمرات انتخابية في كليفلاند وديترويت، حيث سخر من إدارة ترمب. وأثناء الحملة الانتخابية في ميشيغان لدعم مرشح مجلس الشيوخ الأميركي عبد الرحمن السيد، وصف أوباما الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) بأنها «قاطع كهربائي» من شأنه «كبح جماح بعض الحماقات» التي تتسم بها رئاسة ترمب.

وقال أوباما: «علينا تشغيل هذا القاطع، وفرض بعض المساءلة على هذه الحكومة»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

«رئيس يتفوق في النصب والاحتيال»

لا يزال أوباما، الذي شغل منصب الرئاسة من عام 2009 حتى تولي ترمب ولايته الأولى في عام 2017، أحد أكثر الشخصيات شعبية بين الديمقراطيين. ويأمل الديمقراطيون في أن يؤدي إشراكه في السباق الانتخابي إلى تحفيز مؤيديهم في سباق محتدم على مقاعد مجلس الشيوخ الأميركي، حيث يواجه عبد الرحمن السيد المرشح الجمهوري مايك روجرز، وهو عضو سابق في مجلس النواب الأميركي.

واستجاب الرئيس السابق لجمهور ميشيغان بالتطرق إلى الانتقادات التي يكررها الديمقراطيون باستمرار ضد ترمب واستعداد الجمهوريين للانصياع له.

وقال أوباما: «لم نرَ قط رئيساً يتفوق في النصب والاحتيال الصريح، على حسابكم، بهذه الطريقة... والآن يبدو أن الحزب يمثل حكومة فاسدة أو حكومة عاجزة أو لا حكومة على الإطلاق».

ولم يرد البيت الأبيض حتى الآن على طلب للتعليق.

سخرية من وزير الحرب

وأظهر استطلاع أجرته «رويترز/ إبسوس» في أغسطس (آب) أن 63 في المائة من الأميركيين يعتقدون أن الرئيس وعائلته استفادوا بشكل غير لائق من العملات المشفرة منذ عودته إلى البيت الأبيض، وأن 69 في المائة يعتقدون أن قراراته السياسية تتأثر بمعاملاته التجارية الخاصة.

كما سخر أوباما من ادعاءات الإدارة الحالية بتحقيق النصر على إيران. ودفع بأن الحرب منحت إيران نفوذاً اقتصادياً أكبر لأن تهديداتها بمهاجمة السفن في مضيق هرمز أثارت قلق مصدري النفط.

وقال أوباما: «تمتلك إيران الآن حق النقض على مضيق هرمز، الذي يمر عبره النفط في طريقه إلى العالم».

كما اتهم إدارة ترمب بالتركيز على أمور غير مهمة، واصفاً بسخرية وزير الحرب بيت هيغسيث بأنه شخص «يركز بشكل شديد على أمور مهمة مثل شكل الفك ومستويات هرمون التستوستيرون لدى جنودنا»، وسخر من أعمال تجديد البيت الأبيض ووصفها بأنها مبتذلة.