الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

مشروع «ألفا جينوم» قفزة نوعية لدراسة التركيب الجيني للإنسان

«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
TT

الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي

عام 2024، تقاسم عالمان من «غوغل ديب مايند» جائزة نوبل في الكيمياء عن برنامج الذكاء الاصطناعي المسمى «ألفا فولد 2».

وفي حين كان العلماء يجاهدون لعقود، لفهم كيفية طي سلاسل الوحدات البنائية الجزيئية التي تكون البنى ثلاثية الأبعاد المعقدة للبروتينات، قام ديميس هاسابيس وجون غامبر وزملاؤهما في «ديب مايند» بتدريب برنامج للتنبؤ بأشكال هذه البروتينات. وعندما طُرح برنامج «ألفا فولد 2» في عام 2020، حقق أداءً متميزاً في هذه المهمة، مما دفع العلماء حول العالم إلى اعتماده.

ويقول أليكس بالازو، عالم الوراثة في جامعة تورنتو: «الجميع يستخدم (ألفا فولد 2). وقد استخدم العلماء البرنامج لدراسة كيفية عمل البروتينات بشكل طبيعي، وكيف يمكن أن يؤدي خلل وظيفتها إلى الإصابة بالأمراض. وقد ساعدهم البرنامج في بناء بروتينات جديدة كلياً، سيخضع بعضها قريباً لتجارب سريرية».

«ألفا فولد» لدراسة إنتاج البروتينات

مشروع «ألفا جينوم»

والآن، يحاول فريق آخر من الباحثين في «ديب مايند» تطبيق ما فعلته الشركة مع البروتينات، على الحمض النووي «دي إن إيه»، فقد كشف الباحثون النقاب يوم أمس الأربعاء، عن برنامج «ألفا جينوم» AlphaGenome في مجلة «نتشر» Nature بعد أن درّبوا ذكاءهم الاصطناعي على كم هائل من البيانات الجزيئية، ما مكّنه من التنبؤ بآلاف الجينات.

التنبؤ بنشاط الطفرات الجينية

على سبيل المثال، يستطيع «ألفا جينوم» التنبؤ بما إذا كانت طفرة ما ستؤدي إلى تعطيل جين أو تنشيطه في وقت غير مناسب، وهو سؤال بالغ الأهمية لفهم السرطان وأمراض أخرى.

وقال الدكتور بيتر كو، عالم الأحياء الحاسوبية في مختبر «كولد سبرينغ هاربور» بنيويورك الذي لم يشارك في المشروع، إن برنامج «ألفا جينوم» يُمثل خطوةً هامةً نحو الأمام في تطبيق الذكاء الاصطناعي على الجينوم. وأضاف: «إنه إنجاز هندسي رائع». لكن كو وخبراء آخرين من خارج الفريق حذروا من أن هذا البرنامج ليس سوى خطوة واحدة على طريق طويل. وقال مارك غيرستين، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة ييل: «هذا ليس برنامج ألفافولد... ولن يفوز بجائزة نوبل».

شكوك علمية في فائدته

وفي الواقع سيكون برنامج ألفا جينوم مفيداً. وقال الدكتور غيرستين إنه سيضيفه على الأرجح إلى أدواته لاستكشاف الحمض النووي، ويتوقع آخرون أن يحذوا حذوه. لكن لا يبدو أن كل العلماء يثقون ببرامج الذكاء الاصطناعي مثل «ألفا جينوم» لمساعدتهم في فهم الجينوم.

فقد صرح ستيفن سالزبيرغ، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة جونز هوبكنز: «لا أرى أي قيمة لها على الإطلاق في الوقت الحالي. أعتقد أن هناك الكثير من الأذكياء يُضيعون وقتهم عليه».

قبل عصر الحواسيب، أجرى علماء الأحياء تجارب دقيقة لكشف القواعد التي تحكم جيناتنا. وكان أن اكتشفوا أن الجينات تُكتب بأبجدية جينية رباعية الأحرف تُسمى القواعد. ولإنتاج بروتين، تقرأ الخلية التسلسل الموجود في الجين، الذي قد يمتد لآلاف القواعد.

الخلايا وأخطاء إنتاج البروتينات من الجينات

لكن كلما تعمق العلماء في دراسة الجينوم البشري، ازداد تعقيده وتشابكه. ورأوا أنه عندما تقرأ الخلايا جيناً ما، على سبيل المثال، غالباً ما تتجاوز أجزاءً من تسلسله. ومن خلال هذه العملية تستطيع الخلايا إنتاج مئات البروتينات المختلفة من جين واحد. ولكن يحدث عدد من الأمراض عندما تتعامل الخلايا مع جيناتها بشكل خاطئ. ولا توجد بصمة بسيطة للمواقع في الجينات التي يجب أن يتم على الخلايا التعامل معها، لذا أمضى العلماء عقوداً في بناء فهرس لها.

ومن الأسئلة المهمة الأخرى المتعلقة بالجينوم، كيفية اختيار الخلايا الجينات التي تستخدمها لإنتاج البروتينات، إذ اكتشف العلماء جزيئات خاصة ترتبط بالحمض النووي «دي إن إيه» وتمدده في حلقات معقدة. في بعض الحالات، تُعرّض الحلقات الجين لآلية تصنيع البروتين في الخلية. وفي حالات أخرى، ينتهي المطاف بالجين مُخبأً داخل لولب.

جمع مليارات البيانات

في عام 2019، شرَّع باحثون في «غوغل ديب مايند» في مشروع تطور لاحقاً إلى «ألفا جينوم». بحلول ذلك الوقت، كان علماء الأحياء قد جمعوا كميات هائلة من البيانات، فإضافة إلى ثلاثة مليارات زوج من القواعد في الجينوم البشري، جمعوا أيضاً نتائج آلاف التجارب التي تقيس نشاط الجينات في أنواع عديدة من الخلايا.

وكان الباحثون في «ديب مايند» يأملون، من خلال تدريب الذكاء الاصطناعي على هذه النتائج الموجودة، في تطوير برنامج قادر على التنبؤ بدقة بأجزاء من الحمض النووي لم يسبق لهم رؤيتها. وقال زيغا أفسيك، الباحث العلمي في «ديب مايند»: «كان هذا هو الهدف الأمثل لنا».

توظيف الذكاء الاصطناعي

في عام 2021، كشف الدكتور أفسيك وزملاؤه عن نموذج أولي للذكاء الاصطناعي يُدعى «إنفورمر» Enformer، الذي قاموا بتطويره لاحقاً إلى «ألفا جينوم». وقد درّبوا البرنامج على نطاق أوسع من البيانات البيولوجية. وقال الدكتور غيرستين: «إنه حقاً يعمل على نطاق صناعي».

التنبؤ بـ11 عملية داخل الجينوم

يتناول العديد من برامج الذكاء الاصطناعي المصممة لدراسة الجينوم جانباً واحداً فقط منه، مثل عملية تعامل الخلايا مع الجينات. لكن «ألفا جينوم» دُرِّب على التنبؤ بـ11 عملية مختلفة. وفي التقرير الصادر أمس الأربعاء، أشار الدكتور أفسيك وزملاؤه إلى أن أداء «ألفا جينوم» كان مماثلاً أو أفضل من أداء البرامج الأخرى في جميع الجوانب.

التعامل مع الطفرات وآثارها

وقالت الدكتورة كاثرين بولارد، عالمة البيانات في معاهد غلادستون، وهي منظمة بحثية في سان فرانسيسكو، التي لم تشارك في الدراسة: «إنها تقنية متطورة للغاية». وأوضحت بولارد وباحثون آخرون أن برنامج «ألفا جينوم» يتمتع بقدرة فائقة على التعامل مع الطفرات، وقادر على التنبؤ بآثارها، مثل تعطيل جين مجاور.

رصد دور أحد الجينات في حدوث اللوكيميا

في إحدى اختبارات الأداء، أضاف الباحثون طفرات إلى جزء من الحمض النووي «دي إن إيه» الذي يتضمن جيناً يُسمى TAL1.

في الأشخاص الأصحاء، يساعد جين TAL1 خلايا المناعة على النضوج حتى تتمكن من مكافحة مسببات الأمراض. وبمجرد اكتمال نمو الخلايا، يتوقف عمل الجين. لكن العلماء اكتشفوا أن الطفرات في جين TAL1 يمكن أن تؤدي إلى تنشيط الجين بشكل دائم. وهذا التغيير قد يتسبب في نهاية المطاف في تكاثر خلايا المناعة بشكل خارج عن السيطرة، مما يؤدي إلى الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا).

ووجد الدكتور أفسيك وزملاؤه أن برنامج «ألفا جينوم» قد تنبأ بدقة بتأثير هذه الطفرات على جين TAL1، وقال: «لقد كان من المثير حقاً رؤية نجاح هذه النماذج. إنه أشبه بالسحر أحياناً».

أداة تنبؤية تحتاج إلى تجارب مختبرية

وشارك باحثو «ألفا جينوم» توقعاتهم بشأن جين TAL1 مع الدكتور مارك منصور، اختصاصي أمراض الدم في جامعة «يونيفرسيتي كوليدج لندن»، الذي أمضى سنوات في الكشف عن الطفرات المسببة لسرطان الدم من خلال التجارب المختبرية.

وقال الدكتور منصور: «لقد كان الأمر مذهلاً حقاً، فقد أظهر مدى قوة هذه التقنية»، لكنه أشار إلى أن قدرة «ألفا جينوم» على التنبؤ تتضاءل كلما ابتعدت دراسته عن جين معين. ويستخدم منصور الآن «ألفا جينوم» في أبحاثه حول السرطان، لكنه لا يقبل نتائجه دون تمحيص. وأضاف: «هذه الأدوات التنبؤية تبقى مجرد أدوات تنبؤية، وما زلنا بحاجة إلى إجراء التجارب المختبرية».

ثقة مبالغ فيها

أما الدكتور سالزبيرغ من جامعة جونز هوبكنز، فهو أقل تفاؤلاً بشأن «ألفا جينوم»، ويعود ذلك جزئياً إلى اعتقاده بأن مطوريها يبالغون في الثقة بالبيانات التي دُرّبت عليها. فالعلماء الذين يدرسون مواقع الربط الجيني لا يتفقون على تحديد المواقع الحقيقية، من المواقع التي تُعدّ مجرد أوهام جينية. ونتيجة لذلك، أنشأوا قواعد بيانات تحتوي على فهارس مختلفة لمواقع الربط الجيني.

وقال الدكتور سالزبيرغ: «يعمل المجتمع العلمي منذ 25 عاماً على محاولة تحديد جميع مواقع الربط في الجينوم البشري، وما زلنا بعيدين عن تحقيق ذلك. ليس لدينا معيار ذهبي متفق عليه».

كما حذَّر الدكتور بولارد أيضاً من أن برنامج «ألفا جينوم» لا يزال بعيداً كل البعد عن أن يكون أداةً يستخدمها الأطباء لفحص جينومات المرضى بحثاً عن أي مخاطر صحية. فهو يتنبأ فقط بتأثير طفرة واحدة على جينوم بشري قياسي واحد.

وفي الواقع، يمتلك أي شخصين ملايين الاختلافات الجينية في حمضهما النووي. ولا يزال تقييم تأثير كل هذه الاختلافات في جسم المريض يتجاوز بكثير قدرات برنامج «ألفا جينوم» الصناعية. وأضاف الدكتور بولارد: «إنها مشكلة أصعب بكثير».

خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

علوم الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

عوامل وراثية، وبيئية، وصحية تترك بصمات جزيئية دائمة في الجسم

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

دراستان علميتان حديثتان كشفتا عن أن فقدان جينات بعينها داخل الخلايا السرطانية قد يجعل الأورام أكثر هشاشة أمام هجوم الجهاز المناعي

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم اختلافات جينية لدى الأمهات قد تفسّر شيوع الإجهاض

اختلافات جينية لدى الأمهات قد تفسّر شيوع الإجهاض

تحدد مسارات بيولوجية واضحة تسهِم في تطوير أدوية لدرء حدوثه

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

علم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات.

علوم الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية كثيرة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».