يواصل المخرج الكويتي أحمد التركيت متابعة ردود الفعل على فيلمه الجديد «الشرنقة» الذي استقبلته دور العرض الكويتية الأسبوع الماضي، بعد أكثر من عامين على الانتهاء من تنفيذه، وعقب عرضه في مهرجاني «العين» و«بغداد» السينمائيين، وحصد جائزتي «أفضل عمل عربي» و«أفضل مخرج كويتي» في مهرجان «الكويت الدولي للأفلام» بنسخته الماضية.
وينطلق فيلم «الشرنقة» من جريمة قتل غامضة تطول طبيباً نفسياً في ظروف صادمة، لتتحول زوجته «آمنة» سريعاً إلى المشتبه بها الأولى، قبل أن تُودَع داخل مصحة نفسية وسط شبكة من الشكوك والأسئلة المعلّقة.
ومع تصاعد التوتر، يتولّى التحقيق الدكتور «جاسم»، زميل الطبيب القتيل، في محاولة لفكّ لغز الجريمة، عبر استجواب «آمنة» والاقتراب من تفاصيل حياتها النفسية المضطربة، غير أن مسار التحقيق لا يسير في اتجاه منطقي تقليدي، إذ تتكشف تدريجياً طبقات معقّدة من الغموض، تتداخل فيها الهلاوس بالوقائع، والذاكرة بالكوابيس، لتتحول المصحة إلى فضاء مغلق تتصارع داخله القوى الخفية والاضطرابات النفسية.

الفيلم من تأليف وإخراج أحمد التركيت، وبطولة زهرة الخرجي، وعبد الله التركماني، وحنان المهدي، ولولة الملا، وعدد من الفنانين الشباب.
يقول مخرج الفيلم الكويتي أحمد التركيت لـ«الشرق الأوسط» إن «فكرة الفيلم بدأت بوصفها مشروعاً لفيلم قصير، لكونه اعتاد طوال سنوات عمله أن يكتب لنفسه أفكاراً بسيطة تتحول إلى أفلام قصيرة، قبل أن تقنعه المنتجة بأن هذه الفكرة تحديداً تستحق أن تتحول إلى فيلم روائي طويل».
وأضاف أنه «أعاد كتابة السيناريو بالكامل عام 2017، ووسع خطوط الشخصيات، وعمّق البناء الدرامي، وأدخل مسارات جديدة للحكاية، حتى خرج النص في صورته النهائية بعد نحو عام كامل من العمل المتواصل بين التوقف والعودة لإعادة الصياغة»، عادّاً أن «التحدي الأكبر كان الانتقال من اقتصاد السرد في الفيلم القصير إلى اتساع البناء الدرامي في الفيلم الطويل، وهو ما تطلب إضافة شخصيات جديدة، وخطوط متوازية، مع الحفاظ على وحدة الفكرة وتماسكها».
وأكد أن «خبرته في الأفلام القصيرة على مدار 15 عاماً جعلته حريصاً على تقديم تجربته الروائية الطويلة الأولى بشكل شبه متكامل، وفي ظل غياب لافت للإنتاج السينمائي الكويتي للأفلام الروائية الطويلة التي لا تزال محدودة مقارنة بالدراما التلفزيونية.

ولفت إلى أنه «حرص على أن يكون (الشرنقة) تجربة سينمائية تُسهم في تحريك الوسط السينمائي المحلي، وكسر الصورة النمطية التي تختزل الفيلم الكويتي في كونه مسلسلاً من حلقة واحدة، لأن الفيلم صُنع ليكون تجربة سينمائية مكتملة العناصر».
وحول الصعوبات التي واجهته في تنفيذ فيلمه، قال إن «التحديات الإنتاجية والمادية كانت الأبرز، في ظل غياب الاستوديوهات السينمائية الكبيرة والبنية التحتية المتخصصة، وهو ما جعل نحو 80 في المائة من مشاهد الفيلم تصور داخل مواقع تم بناؤها بشكل خاص للعمل، من بينها مصحة وشقة كاملة بتفاصيلها الداخلية، وهو ما شكّل عبئاً مالياً وتنظيمياً كبيراً، لكنه ضروري لتحقيق الرؤية البصرية المطلوبة».
وأضاف أن «اختياره بناء الديكورات بديلاً عن التصوير في أماكن جاهزة يعود إلى طبيعة الفيلم الذي يتحرك بين حقبتين زمنيتين، وما يتطلبه من ثبات بصري في الألوان والتصميم والإضاءة، حتى لا يشعر المشاهد بانقطاع أو ارتباك بصري، ولكون المكان جزءاً من الإطار السردي للأحداث الذي يجب أن يخدم صناعة الصورة».
وتحدّث التركيت عن صعوبة الانتقال الزمني داخل الفيلم، مشيراً إلى أن «التنقل بين الماضي والحاضر يتطلب تركيزاً عالياً من المشاهد، كما يفرض على المخرج والكاتب مجهوداً مضاعفاً لضمان وضوح السرد، وعدم تشتيت المتلقي، وهو ما جعله يعمل طويلاً على ضبط الإيقاع والتتابع الزمني حتى تبقى القصة مفهومة ومترابطة».

وعن تعامله مع الممثلين، أوضح أنه كان «حريصاً على شرح الرؤية الكاملة لكل ممثل، وليس فقط تفاصيل دوره؛ نظراً لتعدد الشخصيات وتشعب الحبكات واختلاف الأزمنة، وفي ظل أن بعض الممثلين لم يلتقوا أثناء التصوير بسبب اختلاف الفترات الزمنية التي يمثلونها، ما فرض عليه جهداً إضافياً لضمان انسجام الأداء العام».
وعدّ أن أصعب مشاهد الفيلم هي التي ارتبطت بـ«المؤثرات البصرية»، كون العمل يضم أكثر من 150 لقطة تعتمد على الغرافيكس، مشيراً إلى أنه «شارك بنفسه في تنفيذ جزء كبير من هذه المؤثرات بحكم تخصصه الأكاديمي في تصميم الغرافيك، إلى جانب التعاون مع استوديوهات محلية، ما تطلب تخطيطاً دقيقاً أثناء التصوير لضمان جودة التنفيذ لاحقاً».
وأوضح أن «مرحلة الغرافيكس استغرقت وقتاً طويلاً بسبب تداعيات جائحة (كورونا)، التي أدت إلى توقف بعض الاستوديوهات وتأجيل مراحل أساسية بصناعته، ما اضطر فريق العمل إلى تغيير بعض الجهات المنفذة، قبل أن تستقر الأمور أخيراً، ويكتمل الفيلم بصورته النهائية».
وحول تأخر عرض الفيلم تجارياً رغم الانتهاء منه منذ سنوات، قال إن «الخطة كانت تتجه في البداية إلى عرضه مباشرة عبر المنصات الرقمية بعد انتهاء مشاركاته في المهرجانات، إلا أن ردود فعل الجمهور خلال عرضه في مهرجان (الكويت الدولي للأفلام) كانت حاسمة في تغيير القرار بسبب تفاعل الجمهور مع العمل».




