يحوي متحف الفن الإسلامي ببرلين مجموعة من القطع الأثرية الأموية المتنوّعة، منها لوحة جدارية من الحجم الكبير، تمثّل امرأة تقف في وضعية نصف جانبية. حسب البطاقة التعريفية، اقتنى المتحف هذه القطعة خلال عام 1908 من الرسّام النمساوي ألفونس ليوبولد ميليخ، وهو أحد كبار الفنانين التشكيليين المستشرقين، ومصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، تشكّل جدارياته متحفاً حياً للفن التصويري الأموي المدني.
يقع قصير عمرة في وادي البُطم، شرق عمان، وهو منتجع ملكي يجمع بين حمّام كبير مؤلف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. يتميّز هذا المنتجع برسومه الجدارية التي تلفّ جدران حجراته وسقوفها بمجموعة هائلة من الصور المتعدّدة المواضيع. يعود الفضل في اكتشاف هذا الموقع الاستثنائي إلى العالِم التشيكي ألوييس موزيل الذي قدم عام 1898 إلى المشرق العربي على رأس بعثة للآثار، بدعم فاعل من أكاديمية فيينا. وصل هذا العالِم إلى بادية الأردن خلال هذه الحملة، وقاده أهل المنطقة من البدو إلى مبنى مهجور يُعرف محلياً باسم قصير عمرة، وفوجئ بثراء حلله التشكيلية، فعاد إليه مرتين في فترة وجيزة، ثمّ زاره ثالثة في عام 1901 لدراسته بشكل موسّع، واصطحب معه الرسّام ألفونس ليوبولد ميليخ، فأنجز مجموعة من الرسوم التوثيقية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم أكملها في محترفه في فيينا.

حمل الرسام النمساوي معه عيّنة صغيرة من هذه الحلل، نزعها عن جدار من جدران الموقع، ودخلت هذه العينة متحف الفن الإسلامي ببرلين في عام 1908 كجدارية مستقلّة، وكانت في الأصل تزيّن زاوية تعلو جنوب شمالي الإيوان الأوسط، وتمثل امرأة تقف منتصبة بين عمودين يعلو كلاً منهما تاج. يشكّل هذان العمودان الأبيضان قاعدة لقبّة زرقاء زُيّنت بشبكة من المكعّبات الزرقاء، وتُشكّل هذه القبّة قوساً يُعرف في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي باسم «قوس المجد». ومن أسفل هذه القبة، تنسدل ستارة طويلة، حدّدت ثناياها بخطوط حمراء. وتنفتح في الوسط، وتشكّل إطاراً في وسطه المرأة في وضعية نصف جانبية.
تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان لوزيتان، يعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. الذقن عريض، وكذلك العنق. الصدر ممتلئ، ويعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تماثل هذا العقد من حيث الشكل عقود الياقوت الأحمر، ويشكّل جزءاً من الحلي التي تتزّين بها هذه المرأة. يعلو الرأس شعر أسود كثيف، يكلّله بكتلة بيضاوية سوداء. وتعلو هذه الكتلة شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء. ترفع المرأة بيدها اليمنى طرف الستارة، وتشير بيدها اليسرى إلى الأسفل. يُزيّن كلّاً من هاتين اليدين سوار خطّ باللون الأسود، كما يزّين كلاً من الذراعين سوار مزدوج خطّ بأسلوب مماثل، وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة مشابهة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط.

تشكّل هذه الجدارية عيّنة بسيطة من برنامج واسع، يصعُب تحديد مجمل عناصره بدقّة. تجمع جداريات قصير عمرة بين المشاهد الآدمية، الحيوانية والنباتية، وتشكل امتداداً لما نراه في سوريا الرومانية في العقود التي سبقت دخول الإسلام إلى بلاد الشام. تحتلّ هذه الرسوم مساحة كبيرة تمتدّ على مدى ما يقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج إيقونوغرافي مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية، وهو ما يجعل منها مادة استثنائية لدراسة تطور فن الرسم التصويري في القرن الثامن للميلاد، ونشوء الفن التصويري الأموي.
قدّم ألوييس موزيل قراءة أولى لهذا البرنامج في كتاب نُشر عام 1907 في مجلّدَين، ضمّ أحدهما نصّ البحث، وضمّ الآخر الصور التوثيقية التي أنجزها ألفونس ليوبولد ميليخ. بعد فترة وجيزة، قام الكاهنان العالِمان أنطونان جوسين ورافاييل سافينياك بزيارات متكررة لقصير عمرة بين 1909 و1919، والتقطا مجموعة من الصور الفوتوغرافية، صدرت في عام 1922 ضمن دراسة علمية تناولت ثلاثة مواقع أموية. في تلك السنة، أصدر العالم الكبير سالومون راينش موسوعة كبيرة خاصة بفن التصوير اليوناني والروماني ضمت 2720 رسماً تخطيطياً، وحوت هذه الموسوعة رسوماً لبعض من جداريات قصير عمرة، تعتمد على اللوحات التي أنجزها ألفونس ميليخ، وبدت هذه الجداريات يومها كأنها آخر تجلٍّ لفنون التصوير في العالم الإسلامي الناشئ. بعد بضع سنوات، أسقطت الاكتشافات الأثرية هذه المقولة، وتبيّن أن جداريات قصير عمرة تمثّل تقليداً تشكيلياً جامعاً، تحضر شواهده في قصور أموية مهجورة تقع في سوريا وفلسطين.
حظيت جداريات القصير بشهرة واسعة منذ العشرينات، وجذبت بمواضيعها الشائكة كبار المختصّين، وتوالت الأبحاث التي سعت إلى فكّ ألغازها، غير أن هذه الجداريات بقيت مهملة ومنسية في موطنها. في مطلع السبعينات، كلّفت دائرة الآثار الأردنية فريقاً إسبانياً مهمة تدعيم بناء القصير وتنظيف جداريته، فقامت هذه البعثة بثلاث حملات بين 1971 و1974، وأصدرت في عام 1975 كتاباً ضمّ 59 صورة لجدارياتها، التقطت بعد أعمال الترميم. أعاد هذا الكتاب الاعتبار إلى قصير عمرة، وفي عام 1985 تمّ إدراجه في قائمة مواقع التراث العالمي التي تعدّها اليونيسكو.
في عام 1989، عُهدت إلى «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مهمة توثيق رسوم القصير، فتولى هذا العمل على مدى سنوات، ونشر في 2007 كتاباً سعى فيه إلى تحديد مجمل البرنامج التصويري الخاص بهذا الموقع. بعد ثلاث سنوات، باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العمل في الموقع، وقام بترميم نحو 100 متر مربع من مساحة الجداريات، وكشف عن كتابة تحمل اسم صاحب المجمّع، وبات من المؤكد أن المبنى يعود إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك.
يتواصل استكشاف قصير عمرة اليوم، وتتواصل الدراسات الخاصة ببرنامجه التصويري الضخم. يبدو هذا البرنامج أشبه بكتاب ضخم مفتوح، وتحتاج كل لوحة من لوحاته الكبيرة إلى قراءة مستقلة تلقي الضوء على مكوّناتها، وتكشف عن معانيها ودلالاتها المتعدّدة.


