مصر تدرس تقنين استخدام الأطفال للجوال بعد توجيه السيسي

«النواب» يُنسق مع الحكومة ويجري حواراً مجتمعياً موسعاً

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال متابعة محاور تطوير صناعة الاتصالات بمصر في يناير الحالي (الرئاسة)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال متابعة محاور تطوير صناعة الاتصالات بمصر في يناير الحالي (الرئاسة)
TT

مصر تدرس تقنين استخدام الأطفال للجوال بعد توجيه السيسي

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال متابعة محاور تطوير صناعة الاتصالات بمصر في يناير الحالي (الرئاسة)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال متابعة محاور تطوير صناعة الاتصالات بمصر في يناير الحالي (الرئاسة)

تدرس مصر تقنين استخدام الأطفال للجوال بعد توجيه رئاسي، وأفاد مجلس النواب بأنه سيعقد «حواراً مجتمعياً موسعاً» لتلقي الرؤى والأطروحات المختلفة من جميع مؤسسات الدولة، للوصول إلى صياغة تشريعية دقيقة تحمي النشء من أي مخاطر تهدد أفكارهم وسلوكهم.

وأكد «النواب» في بيان، الأحد، أنه يُقدر توجه الدولة نحو إعداد مشروع قانون ينظم وضع ضوابط لاستخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، أسوة بما أقدم عليه بعض الدول من منع استخدام الهواتف الجوالة بين الأطفال.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه بـ«سَن قانون يمنع استخدام الهواتف المحمولة للفئات العمرية الصغيرة»، متحدثاً عن تجارب تشريعية في أستراليا وبريطانيا. وأكد خلال كلمته في احتفال «عيد الشرطة» الرابع والسبعين، مساء السبت، أهمية الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في حماية الأطفال من أضرار الهواتف الذكية. وأشار إلى أن «التحرك التشريعي لا يحتاج إلى الانتظار حتى تتبنى مصر تجارب خارجية؛ بل يمكن تطبيقها بشكل فوري».

رئيس «لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات» بمجلس النواب، أحمد بدوي، قال في تصريحات لمواقع إخبارية، مساء السبت، إنه «سيتم عقد جلسات نقاشية موسعة بشأن مشروع قانون»؛ مؤكداً أن «آلية التنفيذ متاحة بالفعل، وأن عدداً من الدول سبق ونجح في تطبيق تشريعات مشابهة».

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب، طارق رضوان، الأحد، أن «اللجنة تعمل في إطار التنسيق الكامل مع الحكومة وكل الجهات المعنية لصياغة تشريع يراعي الضوابط الدستورية، ويتوافق مع الالتزامات الدولية لمصر، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل».

الإدمان الرقمي

وتتوقع الدكتورة إيمان علي، محاضِرة الذكاء الاصطناعي بالجامعة الأميركية في القاهرة، أن يشهد مجلس النواب حراكاً بين «لجنة الاتصالات»، و«اللجنة التشريعية والدستورية»، والحكومة ممثلة في وزارة الاتصالات و«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، لصياغة مسودة تقنية قانونية ترتكز على مبدأ «الحماية الاستباقية». وترى أن البرلمان بدوره سيتجه لتفعيل أدواته الرقابية لسن تشريع يوازن بين «الحريات الرقمية» و«الأمن المجتمعي».

مقر مجلس النواب المصري الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة (مجلس النواب)

ولن يكون النقاش مقتصراً على الحظر، حسبما قالت؛ بل سيتمحور حول «إلزامية التحقق العمري»، والمقصود بها الانتقال من آلية «الإقرار الصوري بالعمر عبر مربعات الاختيار التقليدية إلى مرحلة اليقين الرقمي المستند إلى بروتوكولات توثيق صارمة»، كالربط بقواعد البيانات الحكومية أو التحليل البيومتري للوجه، وذلك لقطع الطريق أمام أي محاولات للتحايل التقني أو انتحال صفة البالغين.

وأضافت الدكتورة إيمان قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «التوجيهات الرئاسية تبرهن على أن القيادة السياسية لا تتعاطى مع الأمن القومي بمنظوره التقليدي فحسب؛ بل تستشرف بوعي ثاقب أن تحصين الوعي الجمعي للنشء هو خط الدفاع الأول عن الهوية المصرية في عصر الحروب السيبرانية».

وتابعت: «هذه الخطوة ليست مجرد تنظيم إداري؛ بل إعادة صياغة للعقد الاجتماعي الرقمي... والتوجيه الرئاسي بضرورة ضبط استخدام الأطفال للهواتف الذكية بوصف ذلك خطوة استباقية تتجاوز مفهوم المنع التقليدي إلى مفهوم الترشيد للعقول، متماهياً مع الاتجاه العالمي المتنامي (أستراليا وبريطانيا) نحو ما يُعرف بالمواطنة الرقمية الآمنة».

وذكر مجلس النواب في بيانه، الأحد، أن التوجه لإعداد مشروع القانون «يعكس إدراك الدولة العميق لحجم التحديات التي تواجه أطفال مصر من مخاطر نفسية وسلوكية نتيجة الاستخدام المفرط لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي الذي قد يصل إلى حد الإدمان الرقمي».

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي في 14 يناير الحالي (مجلس الوزراء)

وحول إمكانية الوصول إلى تشريع قريباً ومحتواه، يرى خبير الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني هيثم طارق، أن هناك إمكانية لسن التشريع «في وقت قريب جداً، نظراً للتوافق السياسي والمجتمعي حول خطورة المشهد»، مرجحاً أن يتضمن «بروتوكولات التحقق من الهوية» عبر إلزام منصات التواصل الاجتماعي بربط الحسابات الجديدة ببيانات الرقم القومي أو شهادات الميلاد المميكنة لمن هم دون السن القانونية (المقترح 16 عاماً)؛ فضلاً عن «المسؤولية التضامنية» التي تتم عبر توسيع دائرة المحاسبة لتشمل «ولي الأمر»، مع غرامات مالية على المنصات غير الملتزمة بمعايير الفلترة المصرية.

هذا بالإضافة إلى «التصنيف العمري الرقمي» من خلال فرض «كود» يُلزم متاجر التطبيقات بحجب تطبيقات معينة جغرافياً عن الأجهزة المسجلة للأطفال.

الاستخدام الرشيد والتحديات

وخلال إفادة، الأحد، أوضح رضوان، رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب، أن مشروع القانون ينسجم مع ما ورد بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2021 - 2026، التي قال إنها «خصصت محوراً متكاملاً لحقوق الطفل، يتضمن توفير بيئة آمنة للطفل تحميه من المخاطر المختلفة، وعلى رأسها المخاطر الرقمية الناتجة عن سوء، أو الإفراط في، استخدام وسائل التواصل».

وأشار إلى أن مشروع القانون لا يستهدف المنع أو التقييد، إنما تنظيم الاستخدام الآمن والرشيد للتكنولوجيا، بما يضمن تحقيق مصلحة الطفل.

ويعتزم مجلس النواب، وفق ما ورد في جلسته الأحد، اتخاذ «جميع الخطوات الجادة، من دراسة إقرار تشريع ينظم هذا الأمر، ويضع حداً للفوضى الرقمية التي تواجه أبناءنا وتؤثر بشكل سلبي على مستقبلهم».

وعن إمكانية تطبيق القانون حال إقراره، يرى طارق، خبير الأمن السيبراني، أن التطبيق ممكن «نظرياً وقانونياً؛ أما تقنياً فالتحدي معقد». وفسر رأيه بأن تطبيق القانون سيعتمد على مسارين: «المسار السيادي» بالتدخل عبر مزودي خدمة الإنترنت لفلترة المحتوى الضار من المنبع، وهو أمر قال إنه مطبق جزئياً، لكن يتطلب تقنيات أكثر تطوراً للتعامل مع التطبيقات المشفرة؛ فضلاً عن التواصل السياسي والاقتصادي مع شركات مثل «ميتا» و«غوغل» للامتثال للقوانين المحلية، وهو ما نجحت فيه دول من الاتحاد الأوروبي.

الرئيس السيسي مع أبناء أحد شهداء الشرطة المصرية خلال احتفال «عيد الشرطة» يوم السبت (الرئاسة)

لكنه يوضح أن التحدي الأكبر «يكمن في تقنيات التحايل والحسابات الوهمية، والحل الذي قد تلجأ إليه الدولة هو دمج بوابة مصر الرقمية بوصفها طرفاً وسيطاً للتوثيق للدخول إلى المنصات، مما يجعل التلاعب بالعمر شبه مستحيل دون تعريض ولي الأمر للمساءلة القانونية».

«حائط صد نفسي»

بُعد آخر تحدثت عنه الباحثة في العلوم النفسية، ريهام متولي، حين قالت إن توجيه القيادة السياسية «يلامس عصب الأزمة النفسية للجيل الجديد، التي يمكن تفكيكها إلى عدة ظواهر مرضية تستوجب التدخل».

وشرحت هذه الظواهر قائلة: «الأطفال حالياً لا يستخدمون الهواتف؛ بل تستخدمهم الهواتف، والخوارزميات مصممة لخلق حلقات ردود الفعل الدوبامينية، حيث يعتاد المخ على المكافآت الفورية والسريعة، والتقنين هنا ليس حرماناً؛ بل هو عملية ضرورية لحمايتهم من تشتت الانتباه المَرضي المكتسب رقمياً».

وأضافت: «فضلاً عن التوحد الرقمي، نحن أمام جيل يعاني من الاغتراب الاجتماعي، لأن الشاشات تخلق حاجزاً زجاجياً يمنع تطور مهارات الذكاء العاطفي وقراءة لغة الجسد، والتقنين سيجبر الطفل قسراً على العودة إلى التفاعل الحي».

وواصلت حديثها قائلة: «إلى جانب ظاهرة التنمر السيبراني، فإن غياب الرقابة جعل الأطفال فريسة سهلة لظواهر الابتزاز الإلكتروني والتنمر الجماعي؛ والتشريع الجديد سيمثل حائط صد نفسياً يعيد دور الأسرة التربوي الذي سلبته التكنولوجيا، ويعيد للصغار طفولتهم المسروقة في دهاليز الترند».


مقالات ذات صلة

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد محمود (القاهرة )
خاص مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)

خاص مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

رفض مصدر مصري مطلع، السبت، محاولة زج قيادة الجيش الإثيوبي لمصر في الأزمة الجديدة التي تثار حالياً في تيغراي شمالي البلاد.

محمد الريس (القاهرة )
العالم العربي المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

جاءت وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري الأسبق، السبت، لتستعيد فصولاً من المواجهة التي خاضها الراحل مع جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة.

منى أبو النصر (القاهرة)
العالم العربي متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)

ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

تعتمد ملايين الأمهات في مصر على البيض كوجبة رئيسة خلال الدراسة، ما انعكس في زيادة معدلات الطلب في السوق، عكس التراجع الذي شهدته الأسواق في الأشهر الماضية

رحاب عليوة (القاهرة)
رياضة عربية محمد الشناوي مع حسام حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

حسام حسن في مرمى الانتقادات بعد التعادل أمام أنغولا

تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة إلى حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، على أثر الأداء الذي وُصف بـ«المحبط» و«الصادم».

رشا أحمد (القاهرة)

ليبيا: إعادة فتح خط أنابيب للنفط بعد إغلاقه من قبل جماعة مسلحة

حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)
حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا: إعادة فتح خط أنابيب للنفط بعد إغلاقه من قبل جماعة مسلحة

حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)
حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، السبت، عن إعادة فتح خط أنابيب للنفط كانت مجموعة مسلحة قد أغلقته منذ عدة أيام، ما تسبب وفقا للمؤسسة بخسائر بلغت 95 مليون دولار.

ويربط خط الأنابيب حقل الشرارة النفطي في جنوب غرب ليبيا بمحطة الزاوية للتصدير الواقعة على ساحل المتوسط.

وذكرت المؤسسة الوطنية للنفط في بيان إنها أعادت فتح الصمام رقم 7 على خط الأنابيب الشرارة-الزاوية واستأنفت عمليات الضخ.

وتتولى تشغيل خط الأنابيب شركة «أكاكوس» للعمليات النفطسة، وهي مشروع مشترك يضم المؤسسة الوطنية للنفط وشركات «ريبسول» الإسبانية و«توتال إنيرجي» الفرنسية و«أو إم في» النمساوية و«إكينور» النروجية.

وكانت مجموعة مسلحة قد أغلقت الصمام الاثنين، ما أدى إلى انخفاض حاد في معدلات الإنتاج، بحسب المؤسسة التي لم تورد تفاصيل عن الجهة المسؤولة عن ذلك أو مطالبها.

وباتت عمليات إغلاق منشآت النفط والغاز أمرا شائعا في ليبيا خلال السنوات الأخيرة على خلفية مطالب اجتماعية أو تهديدات أمنية أو نزاعات سياسية.


«سودري» تغيّر خريطة القتال في شمال كردفان

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

«سودري» تغيّر خريطة القتال في شمال كردفان

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

شهدت جبهات شمال كردفان تحولاً ميدانياً لافتاً، بإعلان الجيش السوداني استعادة مدينة «سودري» الاستراتيجية في ولاية شمال كردفان، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، ما عزز وجوده وسيطرته في الولاية، وقلّص نطاق انتشار «الدعم السريع»، لتتغير بذلك خريطة القتال في الولاية لصالح الجيش.

وتزامن التقدم البري مع تصاعد حرب المسيّرات، إذ أعلنت سلطات الولاية مقتل شخصين وإصابة نحو 20 في هجمات اتهمت «الدعم السريع» بتنفيذها على الأبيض، في حين اتهم تحالف «تأسيس» الجيش بضربة على المزروب أوقعت 9 قتلى و24 مصاباً، من دون تحقق مستقل من الروايتين.

وفي موازاة التصعيد، قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 400 سوداني يعبرون يومياً إلى شرق تشاد، بزيادة تقارب 20 ضعفاً على المعدلات المسجلة خلال الأشهر الأخيرة، هرباً من القتال والقصف وهجمات المسيّرات.


الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

شهدت الحرب في السودان تطورات متسارعة على المسارين العسكري والإنساني، مع إعلان الجيش استعادة مدينة سودري الاستراتيجية في شمال كردفان، وتصاعد الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة وسقوط ضحايا مدنيين في الأبيض والمزروب، في وقت كشفت فيه الأمم المتحدة عن ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين إلى تشاد، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة لوزير الخارجية محيي الدين سالم في نيويورك، حيث حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من التداعيات المدمرة للحرب وخطر امتدادها إلى دول المنطقة.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان مساء الجمعة، إن قوات الجيش والقوات المتحالفة معها «حررت» مدينة سودري بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، قال إنها أوقعت في صفوفها خسائر في الأرواح والعتاد. ولم تعلق «قوات الدعم السريع» فوراً على إعلان الجيش، فيما أظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي عناصر من الجيش و«القوة المشتركة» يحتفلون داخل المدينة. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مجمل التطورات الميدانية أو حجم الخسائر التي أعلنها الجيش.

لاجئة سودانية من دارفور بجوار خيمة تابعة لمفوضية اللاجئين داخل مخيم في تشاد (رويترز)

وتكتسب سودري أهمية عسكرية بسبب موقعها على طرق تربط مناطق شمال كردفان بغرب الولاية ودارفور، كما أن السيطرة عليها تتيح للجيش توسيع نطاق انتشاره شمالاً وشمال غربي الأبيض، بعد سلسلة من العمليات التي حقق خلالها تقدماً في عدد من البلدات خلال الأسابيع الأخيرة.

وجاء التقدم في سودري بالتزامن مع تصاعد حرب المسيّرات. فقد تعرضت الأبيض، عاصمة شمال كردفان، الجمعة، لهجمات بطائرات مسيّرة، وقالت حكومة الولاية ولجنتها الأمنية إن مسيّرات تابعة لـ«الدعم السريع» استهدفت مركزاً لإيواء النازحين ومواقع مدنية وخدمية، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة نحو 20 آخرين.

ووفقاً لشهود، طالت الهجمات شمال ووسط الأبيض، بما في ذلك مركز لإيواء النازحين قرب مستشفى الشرطة ومحطة وقود وحافلة ركاب ومنزلاً في حي عرفات. ولم يصدر تعليق فوري من «الدعم السريع» على الاتهامات، فيما تداولت منصات مؤيدة لها أنباء قصف المدينة.

وفي الجهة المقابلة من خطوط القتال، اتهم تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المتحالف مع «الدعم السريع»، الجيش بتنفيذ ضربة بمسيّرة على المزروب، وقال إنها أسفرت عن مقتل تسعة مدنيين وإصابة 24 آخرين. ولم يؤكد الجيش تنفيذ الضربة، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مصدر المسيّرة أو حصيلة الضحايا.

موجة نزوح جديدة

وتزامنت التطورات العسكرية مع ارتفاع حاد في أعداد السودانيين الفارين عبر الحدود إلى تشاد. وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 400 سوداني يعبرون يومياً إلى شرق تشاد، بزيادة تصل إلى نحو 20 ضعفاً مقارنة بالمعدل المسجل خلال الأشهر القليلة الماضية.

ونقلت «رويترز» عن المنسق الإقليمي لشؤون اللاجئين مامادو ديان بالدي أن الوافدين الجدد تحدثوا عن فرارهم من القتال والقصف الجوي وهجمات الطائرات المسيّرة، وأن الموجة الجديدة تأتي خصوصاً من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ومنذ بداية العام، عبر أكثر من 55 ألف سوداني إلى تشاد، فيما يقترب عدد السودانيين الذين لجأوا إليها منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 من مليون شخص.

وتواجه الاستجابة الإنسانية بدورها أزمة تمويل حادة؛ إذ قالت المفوضية إنها حصلت على 18 في المائة فقط من مبلغ 1.6 مليار دولار تحتاج إليه للاستجابة الإقليمية، ما يهدد قدرتها على توفير الغذاء والمأوى ونقل اللاجئين إلى مناطق أكثر أمناً.

تحركات في نيويورك

وفي نيويورك، كثف وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم لقاءاته على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبحث مع مسؤولين دوليين وأمميين الحرب والوضع الإنساني ومسارات التسوية السياسية.

والتقى سالم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، وبحث الجانبان جهود وقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، فيما أكد رئيس المفوضية دعم الاتحاد الأفريقي لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وعملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

كما أجرى وزير الخارجية مباحثات مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، ومسؤولين أمميين معنيين بالملف الإنساني.

وفي أبرز لقاءاته، اجتمع سالم بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب، وفق البيان الرسمي للأمم المتحدة، عن «قلق عميق» إزاء استمرار النزاع وتأثيره المدمر على المدنيين، وحذر من خطر امتداد الحرب بصورة أكبر إلى المنطقة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال لقائه وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في نيويورك الخميس (الأمم المتحدة)

وشدد غوتيريش على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، والحاجة الملحة إلى وقف الأعمال العدائية والدفع نحو عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

وقالت وكالة السودان للأنباء إن سالم أطلع الأمين العام على تطورات الأوضاع، وأكد استمرار تعاون الحكومة مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية وتقديم التسهيلات اللازمة لانسياب المساعدات.

ونقلت «سونا» كذلك عن غوتيريش إعرابه عن الأسف لعدم حصول رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة. لكن البيان الرسمي للأمم المتحدة عن اللقاء لم يتطرق إلى قضية التأشيرة، وركز على الحرب والوضع الإنساني ووقف الأعمال العدائية والمسار السياسي.