مصر تدرس تقنين استخدام الأطفال للجوال بعد توجيه السيسي

«النواب» يُنسق مع الحكومة ويجري حواراً مجتمعياً موسعاً

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال متابعة محاور تطوير صناعة الاتصالات بمصر في يناير الحالي (الرئاسة)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال متابعة محاور تطوير صناعة الاتصالات بمصر في يناير الحالي (الرئاسة)
TT

مصر تدرس تقنين استخدام الأطفال للجوال بعد توجيه السيسي

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال متابعة محاور تطوير صناعة الاتصالات بمصر في يناير الحالي (الرئاسة)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال متابعة محاور تطوير صناعة الاتصالات بمصر في يناير الحالي (الرئاسة)

تدرس مصر تقنين استخدام الأطفال للجوال بعد توجيه رئاسي، وأفاد مجلس النواب بأنه سيعقد «حواراً مجتمعياً موسعاً» لتلقي الرؤى والأطروحات المختلفة من جميع مؤسسات الدولة، للوصول إلى صياغة تشريعية دقيقة تحمي النشء من أي مخاطر تهدد أفكارهم وسلوكهم.

وأكد «النواب» في بيان، الأحد، أنه يُقدر توجه الدولة نحو إعداد مشروع قانون ينظم وضع ضوابط لاستخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، أسوة بما أقدم عليه بعض الدول من منع استخدام الهواتف الجوالة بين الأطفال.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه بـ«سَن قانون يمنع استخدام الهواتف المحمولة للفئات العمرية الصغيرة»، متحدثاً عن تجارب تشريعية في أستراليا وبريطانيا. وأكد خلال كلمته في احتفال «عيد الشرطة» الرابع والسبعين، مساء السبت، أهمية الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في حماية الأطفال من أضرار الهواتف الذكية. وأشار إلى أن «التحرك التشريعي لا يحتاج إلى الانتظار حتى تتبنى مصر تجارب خارجية؛ بل يمكن تطبيقها بشكل فوري».

رئيس «لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات» بمجلس النواب، أحمد بدوي، قال في تصريحات لمواقع إخبارية، مساء السبت، إنه «سيتم عقد جلسات نقاشية موسعة بشأن مشروع قانون»؛ مؤكداً أن «آلية التنفيذ متاحة بالفعل، وأن عدداً من الدول سبق ونجح في تطبيق تشريعات مشابهة».

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب، طارق رضوان، الأحد، أن «اللجنة تعمل في إطار التنسيق الكامل مع الحكومة وكل الجهات المعنية لصياغة تشريع يراعي الضوابط الدستورية، ويتوافق مع الالتزامات الدولية لمصر، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل».

الإدمان الرقمي

وتتوقع الدكتورة إيمان علي، محاضِرة الذكاء الاصطناعي بالجامعة الأميركية في القاهرة، أن يشهد مجلس النواب حراكاً بين «لجنة الاتصالات»، و«اللجنة التشريعية والدستورية»، والحكومة ممثلة في وزارة الاتصالات و«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، لصياغة مسودة تقنية قانونية ترتكز على مبدأ «الحماية الاستباقية». وترى أن البرلمان بدوره سيتجه لتفعيل أدواته الرقابية لسن تشريع يوازن بين «الحريات الرقمية» و«الأمن المجتمعي».

مقر مجلس النواب المصري الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة (مجلس النواب)

ولن يكون النقاش مقتصراً على الحظر، حسبما قالت؛ بل سيتمحور حول «إلزامية التحقق العمري»، والمقصود بها الانتقال من آلية «الإقرار الصوري بالعمر عبر مربعات الاختيار التقليدية إلى مرحلة اليقين الرقمي المستند إلى بروتوكولات توثيق صارمة»، كالربط بقواعد البيانات الحكومية أو التحليل البيومتري للوجه، وذلك لقطع الطريق أمام أي محاولات للتحايل التقني أو انتحال صفة البالغين.

وأضافت الدكتورة إيمان قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «التوجيهات الرئاسية تبرهن على أن القيادة السياسية لا تتعاطى مع الأمن القومي بمنظوره التقليدي فحسب؛ بل تستشرف بوعي ثاقب أن تحصين الوعي الجمعي للنشء هو خط الدفاع الأول عن الهوية المصرية في عصر الحروب السيبرانية».

وتابعت: «هذه الخطوة ليست مجرد تنظيم إداري؛ بل إعادة صياغة للعقد الاجتماعي الرقمي... والتوجيه الرئاسي بضرورة ضبط استخدام الأطفال للهواتف الذكية بوصف ذلك خطوة استباقية تتجاوز مفهوم المنع التقليدي إلى مفهوم الترشيد للعقول، متماهياً مع الاتجاه العالمي المتنامي (أستراليا وبريطانيا) نحو ما يُعرف بالمواطنة الرقمية الآمنة».

وذكر مجلس النواب في بيانه، الأحد، أن التوجه لإعداد مشروع القانون «يعكس إدراك الدولة العميق لحجم التحديات التي تواجه أطفال مصر من مخاطر نفسية وسلوكية نتيجة الاستخدام المفرط لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي الذي قد يصل إلى حد الإدمان الرقمي».

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي في 14 يناير الحالي (مجلس الوزراء)

وحول إمكانية الوصول إلى تشريع قريباً ومحتواه، يرى خبير الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني هيثم طارق، أن هناك إمكانية لسن التشريع «في وقت قريب جداً، نظراً للتوافق السياسي والمجتمعي حول خطورة المشهد»، مرجحاً أن يتضمن «بروتوكولات التحقق من الهوية» عبر إلزام منصات التواصل الاجتماعي بربط الحسابات الجديدة ببيانات الرقم القومي أو شهادات الميلاد المميكنة لمن هم دون السن القانونية (المقترح 16 عاماً)؛ فضلاً عن «المسؤولية التضامنية» التي تتم عبر توسيع دائرة المحاسبة لتشمل «ولي الأمر»، مع غرامات مالية على المنصات غير الملتزمة بمعايير الفلترة المصرية.

هذا بالإضافة إلى «التصنيف العمري الرقمي» من خلال فرض «كود» يُلزم متاجر التطبيقات بحجب تطبيقات معينة جغرافياً عن الأجهزة المسجلة للأطفال.

الاستخدام الرشيد والتحديات

وخلال إفادة، الأحد، أوضح رضوان، رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب، أن مشروع القانون ينسجم مع ما ورد بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2021 - 2026، التي قال إنها «خصصت محوراً متكاملاً لحقوق الطفل، يتضمن توفير بيئة آمنة للطفل تحميه من المخاطر المختلفة، وعلى رأسها المخاطر الرقمية الناتجة عن سوء، أو الإفراط في، استخدام وسائل التواصل».

وأشار إلى أن مشروع القانون لا يستهدف المنع أو التقييد، إنما تنظيم الاستخدام الآمن والرشيد للتكنولوجيا، بما يضمن تحقيق مصلحة الطفل.

ويعتزم مجلس النواب، وفق ما ورد في جلسته الأحد، اتخاذ «جميع الخطوات الجادة، من دراسة إقرار تشريع ينظم هذا الأمر، ويضع حداً للفوضى الرقمية التي تواجه أبناءنا وتؤثر بشكل سلبي على مستقبلهم».

وعن إمكانية تطبيق القانون حال إقراره، يرى طارق، خبير الأمن السيبراني، أن التطبيق ممكن «نظرياً وقانونياً؛ أما تقنياً فالتحدي معقد». وفسر رأيه بأن تطبيق القانون سيعتمد على مسارين: «المسار السيادي» بالتدخل عبر مزودي خدمة الإنترنت لفلترة المحتوى الضار من المنبع، وهو أمر قال إنه مطبق جزئياً، لكن يتطلب تقنيات أكثر تطوراً للتعامل مع التطبيقات المشفرة؛ فضلاً عن التواصل السياسي والاقتصادي مع شركات مثل «ميتا» و«غوغل» للامتثال للقوانين المحلية، وهو ما نجحت فيه دول من الاتحاد الأوروبي.

الرئيس السيسي مع أبناء أحد شهداء الشرطة المصرية خلال احتفال «عيد الشرطة» يوم السبت (الرئاسة)

لكنه يوضح أن التحدي الأكبر «يكمن في تقنيات التحايل والحسابات الوهمية، والحل الذي قد تلجأ إليه الدولة هو دمج بوابة مصر الرقمية بوصفها طرفاً وسيطاً للتوثيق للدخول إلى المنصات، مما يجعل التلاعب بالعمر شبه مستحيل دون تعريض ولي الأمر للمساءلة القانونية».

«حائط صد نفسي»

بُعد آخر تحدثت عنه الباحثة في العلوم النفسية، ريهام متولي، حين قالت إن توجيه القيادة السياسية «يلامس عصب الأزمة النفسية للجيل الجديد، التي يمكن تفكيكها إلى عدة ظواهر مرضية تستوجب التدخل».

وشرحت هذه الظواهر قائلة: «الأطفال حالياً لا يستخدمون الهواتف؛ بل تستخدمهم الهواتف، والخوارزميات مصممة لخلق حلقات ردود الفعل الدوبامينية، حيث يعتاد المخ على المكافآت الفورية والسريعة، والتقنين هنا ليس حرماناً؛ بل هو عملية ضرورية لحمايتهم من تشتت الانتباه المَرضي المكتسب رقمياً».

وأضافت: «فضلاً عن التوحد الرقمي، نحن أمام جيل يعاني من الاغتراب الاجتماعي، لأن الشاشات تخلق حاجزاً زجاجياً يمنع تطور مهارات الذكاء العاطفي وقراءة لغة الجسد، والتقنين سيجبر الطفل قسراً على العودة إلى التفاعل الحي».

وواصلت حديثها قائلة: «إلى جانب ظاهرة التنمر السيبراني، فإن غياب الرقابة جعل الأطفال فريسة سهلة لظواهر الابتزاز الإلكتروني والتنمر الجماعي؛ والتشريع الجديد سيمثل حائط صد نفسياً يعيد دور الأسرة التربوي الذي سلبته التكنولوجيا، ويعيد للصغار طفولتهم المسروقة في دهاليز الترند».


مقالات ذات صلة

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

الاقتصاد هواتف محمولة  (رويترز - أرشيفية)

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

قال مجلس الوزراء المصري، في بيان، السبت، إن القاهرة وقعت صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار لتخصيص 410 ميجاهرتز إضافية من الطيف الترددي الجديد لشركات المحمول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) أميرة صابر، يهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

حالة طوارئ شهدها مطار القاهرة الدولي، بعد تسريب في أحد خطوط تغذية مباني الركاب بالوقود، ما أدى إلى «تأثير جزئي على بعض رحلات الطيران».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

انتقادات في القاهرة عقب حديث إسرائيلي عن «تعاظم قدرة الجيش المصري»

نقلت تقارير عبرية تحذيرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قوة الجيش المصري تطرق فيها إلى «ضرورة مراقبته من كثب لضمان عدم تجاوز الحد المعهود».

هشام المياني (القاهرة)

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».