إردوغان يدعو إلى تحالف «تركي - كردي - عربي» ويشدد على دعم وحدة سوريا

تحقيقات واعتقالات على خلفية محاولات أكراد من تركيا الانضمام إلى «قسد»

قوات الأمن التركية تصدت الثلاثاء لمحاولات أكراد عبور الجدار العازل من نصيبين إلى القامشلي لدعم «قسد» في مواجهة عمليات الجيش السوري (إ.ب.أ)
قوات الأمن التركية تصدت الثلاثاء لمحاولات أكراد عبور الجدار العازل من نصيبين إلى القامشلي لدعم «قسد» في مواجهة عمليات الجيش السوري (إ.ب.أ)
TT

إردوغان يدعو إلى تحالف «تركي - كردي - عربي» ويشدد على دعم وحدة سوريا

قوات الأمن التركية تصدت الثلاثاء لمحاولات أكراد عبور الجدار العازل من نصيبين إلى القامشلي لدعم «قسد» في مواجهة عمليات الجيش السوري (إ.ب.أ)
قوات الأمن التركية تصدت الثلاثاء لمحاولات أكراد عبور الجدار العازل من نصيبين إلى القامشلي لدعم «قسد» في مواجهة عمليات الجيش السوري (إ.ب.أ)

دعا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى تحالف «تركي - كردي - عربي» وحل مشكلات المنطقة على أساس الأخوّة التاريخية، لافتاً إلى أن بلاده دافعت بقوة منذ البداية عن وجود دولة سورية تحفظ أراضيها ووحدتها السياسية وستواصل ذلك.

وقال إردوغان، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، الأربعاء: «لقد أكدنا، مراراً وتكراراً، أننا لن نقبل بإنشاء كيان انفصالي يهدد أمننا عند حدودنا الجنوبية، وأننا ندعم دولة سورية موحدة ومستقلة، والجيش السوري يعمل على تحقيق ذلك».

وأضاف إردوغان أن ما تسمى «قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لم تلتزم باتفاق 10 مارس (آذار) 2025 بشأن الاندماج في الدولة السورية وتسليم الأراضي التي تحتلها إلى الحكومة، وواصلت قمع المدنيين، ولم تُسفر المحادثات التي أجريت معها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عن أي نتائج».

ولفت إردوغان إلى أنه خلال هذه العملية قدمت تركيا ​​الوساطة اللازمة لجميع الأطراف عبر مؤسساتها المعنية، وسعت جاهدةً لتقليص حدة الأزمة، لكن لم يطرأ أي تغيير على موقف «قسد» ونفّذت حكومة دمشق عملياتها بشكل مبرر، مضيفاً: «نبارك لحكومة سوريا وشعبها العمليات العسكرية الناجحة التي نفذتها مؤخراً».

إردوغان دعا في كلمة أمام مجموعة حزب «العدالة والتنمية» في البرلمان التركي الأربعاء إلى تحالف «تركي - كردي - عربي» (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان: «إن الأكراد في سوريا هم إخوتنا الحقيقيون، وندرك تماماً أنواع القمع التي عانوها تحت وطأة النظام الاستبدادي السابق، الذي لم يعترف بوجودهم، ولم يقبلهم مواطنين».

وأضاف: «نحن اليوم، حين نتحدث عن تحالف تركي - كردي - عربي، فإننا نتحرك وفق هذا الفهم الذي ورثناه عن أجدادنا وتاريخنا المجيد، فتركيا ليست ضد أي مذهب، ولا ضد أي هوية عرقي».

وتطرق الرئيس التركي إلى الاتصال الهاتفي الذي أجراه، الثلاثاء، مع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قائلاً إنه تشاور معه حول عديد من القضايا الحاسمة التي ستسهم في أمن سوريا، بما في ذلك الحرب المشتركة ضد تنظيم «داعش» الإرهابي.

وأشار إلى أنه مع تنفيذ الاتفاق الموقَّع بين دمشق و«قسد»، الثلاثاء، ستستعيد الحكومة المناطق الأخرى الخاضعة لسيطرة «التنظيم»، (قسد)، وسيستعيد المدنيون المقيمون فيها حريتهم في أقرب وقت ممكن، وهكذا ستُبنى سوريا موحدة يشعر الجميع فيها بالأمان.

قوات الشرطة استخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق أكراد حاولوا العبور من بوابة نصيبين في ماردين جنوب تركيا إلى القامشلي دعماً لـ«قسد» (أ.ب)

وطالب إردوغان أكراد تركيا بعدم الوقوع في فخ الاستفزازات التي تقوم على استغلال التطورات في سوريا، وأن يتصرفوا بهدوء وعقلانية وحكمة وفطنة، مشدداً على أن تركيا لن تدع أي فرصة لتحقيق أي شيء، وأن «الأيادي القذرة» التي تورطت في الأحداث التي شهدتها حدود بلدة نصيبين بولاية ماردين المقابلة للقامشلي، والاعتداء على علم تركيا، ستحاسَب حتماً.

وأضاف أن وزارتي الدفاع والعدل التركيتين تقومان بالتحقيقات اللازمة وسيتم محاسبة المتورطين والمقصرين في هذه الأحداث أياً كانوا.

تحقيقات واعتقالات

وشهدت المنطقة الحدودية بين نصيبين والقامشلي توتراً شديداً، الثلاثاء، مع محاولة مجموعة من الأكراد عبور الحدود إلى داخل سوريا للانضمام إلى «قسد»، عقب مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، في المنطقة بحضور رئيسيه المشاركين، تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغولاري.

وتدخلت الشرطة وقوات الدرك التركية، واستخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع ضد من حاولوا عبور الحدود، بينما رشق المتظاهرون قوات الأمن بالحجارة.

قامت عناصر من «وحدات حماية الشعب الكردية» بإنزال علم تركيا ورفع أعلام «قسد» وصورة قائدها مظلوم عبدي على بوابة نصيبين - القامشلي وسط توتر شديد على الحدود التركية - السورية (أ.ب)

وخلال الأحداث، قام أعضاء في «وحدات حماية الشعب الكردية» التي تشكل العماد الأساسي لـ«قسد»، بإنزال علم تركيا من أعلى المعبر ورفعت أعلام الوحدات الكردية و«قسد» وصوراً لقائدها مظلوم عبدي، مما تسبب بغضب واسع في تركيا.

وقال وزير العدل التركي يلماظ تونتش، الأربعاء: «إن مكتب المدعي العام في ماردين يحقق في حادثة إنزال العلم، والأعمال التي نُفذت في بلادنا بذريعة الاشتباكات بين القوات السورية و(قسد) في سوريا».

وأضاف أنه «تم إجراء تحقيقات مع 356 مشتبهاً به، وتم توقيف 35، وتطبيق إجراءات الرقابة القضائية على 45 مشتبهاً به، ولا تزال إجراءات احتجاز 77 شخصاً جارية، ولن يمر أي هجوم أو استفزاز موجَّه ضد سيادة دولتنا وسلمنا الاجتماعي دون عقاب».

كما أطلقت وزارة الدفاع التركية تحقيقاً إدارياً في الأحداث التي وقعت عند المعبر الحدودي.

اتهامات لحزب كردي

وحمَّل رئيس حزب «الحركة القومية»، شريك حزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المسؤولية عن إنزال العلم التركي والأحداث التي وقعت في نصيبين، قائلاً: «إن الاعتداء العدواني على العلم التركي من أنصار التنظيم الانفصالي (حزب العمال الكردستاني) الذين حاولوا اقتحام المعبر الحدودي المغلق أمام حركة المرور في قضاء نصيبين، يعد أخطر استفزاز شهدناه حتى الآن».

دولت بهشلي (حزب الحركة القومية - إكس)

وقال: «على الحزب أن يكفّ، فوراً، عن تحريض إخواننا الأكراد، وتأجيج الأجندة الصهيونية، وإشعال نار الفتنة في البلاد».

وعبَّرت المتحدثة باسم الحزب، عائشة غل دوغان، عن أسفها لواقعة إنزال العلم، قائلةً: «لا مشكلة لحزبنا مع العَلم، نحن لا نقبل أي ازدراء للعَلم، فهو قيمة مشتركة في المجتمع».

الرئيسان المشاركان لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغولاري تقدما مسيرة حاشدة للأكراد في نصيبين الثلاثاء (رويترز)

في الوقت ذاته، أعلن الحزب أن رئيسته المشاركة، تولاي حاتم أوغولاري، توجهت مع وفد يضم الرئيس المشارك لحزب «المناطق الديمقراطية»، كسكين بايندير، ونواب وممثلين عن نقابة المحامين ومنظمات غير حكومية إلى شمال شرقي سوريا، عبر إقليم كردستان العراق، لعقد اجتماعات مع ممثلي «قسد» والفعاليات السياسية والأحزاب لبحث التطورات الأخيرة في سوريا.


مقالات ذات صلة

«قسد» تفرج عن دفعة جديدة من المعتقلين لديها

المشرق العربي أشخاص يتجمعون في الحسكة بسوريا في 11 أبريل 2026 لدى وصول سجناء من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق بين «قسد» الحكومة السورية (رويترز)

«قسد» تفرج عن دفعة جديدة من المعتقلين لديها

أفرجت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الاثنين، عن دفعة جديدة من المعتقلين في سجونها، وذلك تنفيذاً لاتفاق 29 يناير الماضي مع الحكومة السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)

إعلام عبري: لماذا على إسرائيل إعادة النظر في نهجها تجاه سوريا بعد حرب إيران؟

مع وقف إطلاق النار الحالي في الحرب الإيرانية، بات لدى إسرائيل متسع من الوقت لتقييم التغيرات في المنطقة، وفق صحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين سوريا والأردن بالعاصمة عمّان الأحد (الخارجية السورية)

سوريا والأردن توقعان 20 اتفاقية ثنائية ومذكرة تعاون

يهتم الأردن بالحدود مع سوريا كبوابة لبضائعه نحو تركيا وأوروبا، في حين تهتم دمشق بالأردن كممر آمن لبضائعها نحو دول الخليج العربي.

محمد خير الرواشدة (عمّان)

«قسد» تفرج عن دفعة جديدة من المعتقلين لديها

أشخاص يتجمعون في الحسكة بسوريا في 11 أبريل 2026 لدى وصول سجناء من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق بين «قسد» الحكومة السورية (رويترز)
أشخاص يتجمعون في الحسكة بسوريا في 11 أبريل 2026 لدى وصول سجناء من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق بين «قسد» الحكومة السورية (رويترز)
TT

«قسد» تفرج عن دفعة جديدة من المعتقلين لديها

أشخاص يتجمعون في الحسكة بسوريا في 11 أبريل 2026 لدى وصول سجناء من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق بين «قسد» الحكومة السورية (رويترز)
أشخاص يتجمعون في الحسكة بسوريا في 11 أبريل 2026 لدى وصول سجناء من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق بين «قسد» الحكومة السورية (رويترز)

أفرجت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الاثنين، عن دفعة جديدة من المعتقلين في سجونها، وذلك تنفيذاً لاتفاق 29 يناير الماضي مع الحكومة السورية.

وقالت مديرية إعلام الحسكة عبر معرفاتها الرسمية، إن دفعة المعتقلين المفرج عنهم هي الرابعة، وجاءت بإشراف الفريق الرئاسي، بحسب «تلفزيون سوريا». وتأتي الخطوة بالتزامن مع الإعلان عن توجه حكومي إلى تسلم ملف إدارة سجون «قسد»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكشف المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ بنود اتفاق 29 يناير مع «قسد» أحمد الهلالي، أن الحكومة السورية تتجه إلى تسلم ملف السجون من «قسد»، في خطوة تهدف إلى إنهاء الإخلاءات العشوائية وغير المنضبطة التي جرت خلال الفترة الماضية بين الطرفين.

سجناء من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) يلوحون بأيديهم لدى وصولهم بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق بين «قسد» والحكومة السورية في الحسكة بسوريا 11 أبريل 2026 (رويترز)

وأوضح الهلالي في تصريح لصحيفة «الثورة السورية»، الاثنين، أن تدخّل الرئاسة بشكل مباشر أسهم في نقل ملف معتقلي «قسد» من إطار التفاوض المفتوح إلى مسار تنفيذي منظم، مشيراً إلى أن الإشراف الرئاسي ساعد في تجاوز العديد من نقاط التعطيل وتسريع وتيرة الإفراج.

وأشار إلى أن عدد المفرج عنهم حتى الآن تجاوز 1500 معتقل، لافتاً إلى أن الأعداد المتبقية «أقل بكثير»، مع توجّه واضح لدى الدولة لإغلاق هذا الملف وفق مقاربة توازن بين البعد الإنساني ومتطلبات الأمن الوطني.

وأكد الهلالي أن إدارة هذا الملف تتم وفق أولويات الدولة السورية، بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية، مضيفاً أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار عمليات الإفراج عن عناصر «قسد» ضمن جدول عملي ميداني محدد.

أشخاص يتجمعون في الحسكة بسوريا في 11 أبريل 2026 لدى وصول سجناء من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق بين «قسد» الحكومة السورية (رويترز)

وأشار إلى أن ملف المعتقلين يشكّل اختباراً جدياً لمسار الاندماج، ويُعد أحد البنود الأساسية في اتفاق 29 يناير، موضحاً أن العمل يجري بإشراف المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش، وبمتابعة مباشرة من الرئاسة، ضمن مسار تنفيذي واضح بعيداً عن التفاوض السياسي المفتوح.

وأفرجت «قسد» في ريف الحسكة، السبت الماضي، عن دفعة جديدة من المعتقلين والبالغ عددها نحو 91 شخصاً، مقابل الإفراج عن 397 موقوفاً من عناصر ومقاتلي «قسد»، بحسب مراسل «تلفزيون سوريا».


إسرائيل تسابق المفاوضات لتثبيت 15 نقطة حدودية في جنوب لبنان

قوات إسرائيلية في مدينة بنت جبيل جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
قوات إسرائيلية في مدينة بنت جبيل جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تسابق المفاوضات لتثبيت 15 نقطة حدودية في جنوب لبنان

قوات إسرائيلية في مدينة بنت جبيل جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
قوات إسرائيلية في مدينة بنت جبيل جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

حوَّل الجيش الإسرائيلي ثقل عملياته العسكرية إلى مدينة بنت جبيل التي حاصرها من جميع الاتجاهات، في محاولة للسيطرة على المدينة، فيما لوَّحت إسرائيل بتثبيت 15 نقطة عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، تشكل «حزاماً أمنياً متيناً لإزالة خطر الغزو من جانب (حزب الله) وإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع»، حسبما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقالت مصادر أمنية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية تتوغل في أحياء مدينة بنت جبيل، ثم تنسحب إلى الخلف وتستدعي الطائرات التي تنفذ ضربات جوية في مناطق القتال، فيما أطبقت الحصار على المدينة، مما يمنع وصول تعزيزات الحزب إلى المدينة.

نتنياهو: التركيز على بنت جبيل

وتتسارع وتيرة العمليات العسكرية في جنوب لبنان عشية انطلاق المسار التفاوضي المرتقب بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، في وقتٍ تدفع فيه تل أبيب نحو تثبيت وقائع ميدانية جديدة على الأرض. وقال نتنياهو إنّ «القتال سيستمرّ في لبنان»، و«التركيز اليوم على القتال في بنت جبيل». وأضاف: «لم نعد نتحدث عن 5 مواقع، إنّما عن حزام أمني متين وعميق في جنوب لبنان لإزالة خطر الغزو من جانب (حزب الله) وإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع».

وقال: «نرى التغيير الهائل على الحدود الشمالية ولن نسمح بتهديد السكان»، مُشيراً إلى أنّ الجيش «سيسيطر على القرى التي كان (حزب الله) مهيمناً عليها وسيعمل على تدميرها». وأكّد نتنياهو أنّ «القتال مستمرّ طوال الوقت»، لافتاً إلى وجود «معارك متواصلة في بنت جبيل» جنوب لبنان، في إطار العمليات العسكرية الجارية.

في هذا السياق، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأنّ القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، عقب زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قرّرت إنشاء 15 معسكراً دائماً على الخط الأول من القرى اللبنانية، في مؤشر إلى توجه لترسيخ وجود عسكري طويل الأمد على الحدود.

دخان يتصاعد عقب غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

وتشير المعطيات إلى أنّ الجيش الإسرائيلي تلقّى أوامر بتحقيق أكبر عدد ممكن من الأهداف داخل لبنان، في حال اضطراره إلى وقف العمليات قبل انطلاق المفاوضات، وسط توقعات بعقد أول جلسة تفاوض مباشر لبحث وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق مستدام، مما يعكس سعي تل أبيب إلى تحسين شروطها التفاوضية عبر تثبيت مكاسب ميدانية مسبقة.

محاولة إعادة فرض معادلة ما قبل 2000

تُظهر هذه المعطيات أنّ إسرائيل لا تتحرك فقط في إطار عمليات عسكرية موضعية، بل ضمن هدف واضح بإعادة تثبيت معادلة شبيهة بتلك التي كانت قائمة قبل انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، حين اعتمدت ما يُعرف بـ«الشريط الأمني» عبر انتشار عسكري مباشر وقواعد ثابتة داخل الأراضي اللبنانية.

ويُقرأ قرار إنشاء معسكرات دائمة والسعي إلى فرض حزام أمني بعمق نحو خمسة كيلومترات، في سياق محاولة استعادة هذا النموذج، ولكن بصيغة محدثة تتلاءم مع الواقع الحالي، بحيث يُستخدم أداة ردع ميدانية وورقة ضغط تفاوضية في آنٍ واحد.

احتلال بنت جبيل

وأعلنت القناة 12 الإسرائيليّة أن الجيش الإسرائيلي يركز عملياته حالياً على احتلال بنت جبيل جنوبي لبنان، وقد تستمر العملية لأسبوع. وكتب المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر حسابه على منصّة «إكس»: «قوات الفرقة 98 أنجزت تطويق بلدة بنت جبيل وبدأت هجوماً عليها، وتواصل قوات لواء المظليين والكوماندوز وجفعاتي، تحت قيادة الفرقة 98، توسيع النشاط البري المركّز لتعزيز خط الدفاع الأمامي في جنوب لبنان».

فرق إنقاذ لبنانية تبحث عن ناجين في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة معروب جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأضاف: «استكملت القوات خلال الأسبوع الأخير عملية تطويق بلدة بنت جبيل وبدأت هجوماً عليها، حيث قامت بتصفية أكثر من 100 عنصر إرهابي من (حزب الله) خلال اشتباكات وجهاً لوجه ومن الجو. كما دمرت عشرات البنى التحتية الإرهابية وعثرت على مئات الوسائل القتالية في المنطقة. سيواصل جيش الدفاع العمل بقوة ضد (حزب الله) ولن يسمح بالمساس بمواطني دولة إسرائيل».

كما أكد الجيش الإسرائيلي أن هدفه يتمثّل في حسم السيطرة على بلدة بنت جبيل قبل موعد المفاوضات المرتقبة، يوم الثلاثاء.

ونقلت «رويترز» عن مسؤول عسكري إسرائيلي أنه «سيتم فرض السيطرة العملياتية الكاملة على بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان في غضون أيام». وأضاف: «قدرات ‌(حزب ‌الله) باتت محدودة ⁠في ​بنت جبيل ولم ​يعد ⁠بإمكانه ⁠شن ⁠هجمات على ​التجمعات ⁠السكنية ‌في شمال ‌إسرائيل ⁠انطلاقاً ‌من ​هذه المنطقة».

أولوية عسكرية

على الأرض، واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية المكثفة، حيث توغّلت داخل مزرعة «بيوت السياد» جنوب بنت جبيل، بعمق يُقدَّر بنحو 11 كيلومتراً من الحدود، وسط مواجهات عنيفة. وتُظهر المعطيات أن المدينة تتعرض لمحاولة تطويق، من دون أن تتمكن القوات الإسرائيلية من إحكام السيطرة عليها بالكامل.

وأظهرت صور جوية حجم الدمار الواسع في السوق التجارية لبنت جبيل، التي تحوّلت إلى ساحة اشتباكات من مسافة صفر.

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة السماعية كما يُرى من مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتحاول إسرائيل، بالتزامن، استهداف خطوط الإسناد في القرى القريبة من بنت جبيل، على بُعد نحو 8 كيلومترات، من بينها استهداف شقرا وصفد البطيخ وصديقين ومدخل بنت جبيل عند منطقة صف الهوى، وتزامن ذلك مع ضرب خطوط الإمداد إلى جبهات أخرى في الطيبة والخيام (قطاع شرقي) باستهداف بلدات ميفدون وجبشيت وزوطر الشرقية، إضافةً إلى استهداف الإسناد في القطاع الغربي في مجدل زون والبازورية وأسفرت عن سقوط ضحايا، بينهم عمال سوريون في بستان قرب حرج العباسية في صور، فضلاً عن استهداف بلدات الحنية والقليلة والمنصوري، إضافةً إلى قصف مدفعي وفوسفوري طال بلدة زبقين. كما نفذت مروحيات «أباتشي» عمليات تمشيط على ساحل البياضة والمنصوري، بالتوازي مع قصف مدفعي طال طير حرفا ومجدل زون والمنصوري وصولاً إلى السماعية.

في المقابل، أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي، بينها هجمات بمسيّرات على محيط مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل، وقصف مرابض مدفعية شمال مستوطنة «غورن» وشرق «سعسع»، إضافةً إلى استهداف مستوطنات «نهاريا» و«كريات شمونة» و«مسكاف عام» و«دوفيف».

كما أعلن استهداف مواقع عسكرية متعددة، بينها ثكنتا «يعرا» و«شوميرا» ومربضا «يفتاح» و«ديشون»، ورادار في ثكنة «العلّيقة»، ودبابة «ميركافا» قرب ميس الجبل، إلى جانب تجمعات للجيش الإسرائيلي في شمع والبياضة والطيبة، وتموضع قيادي بين عيناتا وبنت جبيل، وقاعدة «عميعاد» شمال بحيرة طبريا، وثكنتي «أفيفيم» و«زرعيت».


إعلام عبري: لماذا على إسرائيل إعادة النظر في نهجها تجاه سوريا بعد حرب إيران؟

نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات هضبة الجولان السورية المحتلة يوم 8 ديسمبر 2024 يوم هروب الأسد إلى موسكو (د.ب.أ)
نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات هضبة الجولان السورية المحتلة يوم 8 ديسمبر 2024 يوم هروب الأسد إلى موسكو (د.ب.أ)
TT

إعلام عبري: لماذا على إسرائيل إعادة النظر في نهجها تجاه سوريا بعد حرب إيران؟

نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات هضبة الجولان السورية المحتلة يوم 8 ديسمبر 2024 يوم هروب الأسد إلى موسكو (د.ب.أ)
نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات هضبة الجولان السورية المحتلة يوم 8 ديسمبر 2024 يوم هروب الأسد إلى موسكو (د.ب.أ)

مع وقف إطلاق النار الحالي في الحرب الإيرانية، بات لدى إسرائيل متسع من الوقت لتقييم التغيرات في المنطقة، وفق صحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية.

وترى الصحيفة أنه من المرجح أن تُهمَّش جماعات موالية لإيران في المنطقة، مثل «حزب الله»؛ نتيجة هذه الحرب، مما سيعزز قوة إسرائيل، وأن سوريا إحدى المناطق التي ينبغي على إسرائيل أن تُعيد النظر في سياستها حيالها، لترسيخ النظام الإقليمي الجديد... ومع ذلك، يقول مقال نشرته الصحيفة، إنه لا يبدو أن القيادة الإسرائيلية مستعدة لتغيير موقفها من دمشق.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)

يوم السبت، أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ببيان أمام خريطة للشرق الأوسط، وهذا هو نوع الخطاب الذي يُعرف به نتنياهو؛ «فهو مولع باستخدام الدعائم والخرائط». كانت الخريطة مُرمّزة بالأبيض والأحمر والأزرق. بدت جميع الدول «الحمراء» مرتبطة بإيران ووكلائها، وتشمل لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة (المحور الإيراني). وكانت إسرائيل مُرمّزة باللون الأزرق، وضُمّت الضفة الغربية إلى إسرائيل. أما باقي الدول فكانت جميعها بيضاء.

لافتة تشير إلى دمشق في مركز مراقبة بهضبة الجولان المحتلة يُطل على الجانب السوري من معبر القنيطرة يوم 10 فبراير 2018 (رويترز)

ويرى التقرير أن سوريا لم تعد جزءاً من «المحور الإيراني»؛ ففي 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، سقط نظام بشار الأسد، وفي ذلك الوقت، بدا أن المسؤولين الإسرائيليين يتبنون الفضل في إسقاط النظام السوري! لكن إسرائيل شنت أيضاً غارات جوية مكثفة على سوريا في اليوم نفسه. وكان الهدف، على ما يبدو، منع أي جهة قد تستولي على السلطة من استخدام أسلحتها ضد إسرائيل.

لقد «سعت سوريا جاهدةً إلى تحقيق السلام منذ سقوط الأسد، وأظهر السوريون رغبتهم في إعادة بناء بلادهم وتحقيق السلام. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الأمور سارت على ما يرام لهم؛ فالحكومة الجديدة في دمشق تعارض إيران و(حزب الله). وكانت الجمهورية الإسلامية (إيران) قد دعمت نظام الأسد واستخدمت سوريا لنقل الأسلحة إلى (حزب الله)».

عمال إنقاذ يبحثون بين أنقاض مبنى ملحق بالسفارة الإيرانية بعد يوم من غارة جوية إسرائيلية في دمشق يوم 2 أبريل 2024 (أ.ف.ب)

شنت إسرائيل ما تُعرف بـ«حملة ما بين الحربين» في سوريا خلال سنوات الحرب السورية. وكان الهدف منع إيران من التغلغل في البلاد. واستهدف آلافُ الغارات الأسلحةَ الإيرانية التي كانت تُنقل إلى «حزب الله»... «كشف ذلك قائد سلاح الجو الإسرائيلي السابق، أمير إيشيل، عام 2017، وناقشه أيضاً رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، آفي كوخافي، عام 2021. وبناءً على ذلك، بات من المعروف أن إسرائيل كانت تخوض صراعاً خفياً ضد إيران في سوريا، مستخدمةً قوتها الجوية».

مع ذلك، لم تستغل إسرائيل الفرصة لبناء علاقات إيجابية مع دمشق؛ بل إن المسؤولين الإسرائيليين ينظرون إلى الحكومة السورية الجديدة على أنها «غير مستقرة»، ووصفوا الرئيس أحمد الشرع بأنه «جهادي»... بل إن بعض المسؤولين الإسرائيليين هددوا باغتياله العام الماضي.

مظاهرة يوم 11 أبريل 2026 في «ساحة الكرامة» وسط مدينة السويداء طالبت بالانفصال عن سوريا بدعم إسرائيلي (متداولة)

يرتبط جزء من هذه التصرفات المعادية للشرع برغبة إسرائيل المعلنة في دعم الدروز بجنوب سوريا. إلا إن دعم حقوق الدروز في سوريا هدف سياسي لا يتيح نقاشاً واضحاً بشأن بقية سوريا.

يعيش الدروز في السويداء، وهي منطقة صغيرة نسبياً في جنوب سوريا، ومن غير المرجح أن يُقيموا دولة مستقلة؛ إذ سيعارض الأردن ودول أخرى ذلك. لذا؛ فلن يسيطر الدروز على كامل سوريا.

كما أبرمت الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» اتفاقاً في يناير (كانون الثاني) الماضي، مكّن دمشق من تعزيز سيطرتها على شرق سوريا. وقد دعمت الولايات المتحدة، التي كانت تدعم «قسد»، هذا الاتفاق أيضاً. ولعب مسؤولون أميركيون، مثل السفيرِ الأميركي لدى تركيا المبعوثِ الأميركي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، دوراً محورياً في هذا الاتفاق.

صورة التقطتها الخدمة الصحافية للرئاسة الأوكرانية لجانب من اجتماع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق (أ.ف.ب)

لقد «رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن سوريا، واستضافت الحكومة السورية كثيراً من الوفود الدولية، من بينها الرئيس الأوكراني. وتتمتع سوريا بعلاقات جيدة مع دول في جميع أنحاء العالم والمنطقة. ولذلك؛ يبدو من المنطقي أن تسعى إسرائيل إلى توطيد علاقاتها مع دمشق»... وقد أشار مسؤولون سوريون إلى رغبتهم في تجنب التوترات مع إسرائيل، وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عُقد اجتماع ثلاثي بين الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل.

وعلقت الصحيفة بأن السؤال الذي يواجه إسرائيل هو: «كيف تُغيّر مسار سياستها الخارجية؟»، عادّةً «السياسة الخارجية أشبه بناقلة نفط؛ أحياناً لا تستطيع التحرك بسرعة. والخريطة التي يستخدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي تُشير إلى ذلك».

إنّ تصنيف سوريا بـ«اللون الأحمر» ليس مجرد خطأ؛ تقول الصحيفة، فـ«تصنيفُ سوريا جزءاً من محور إيران قرارٌ (إسرائيلي)، رغم أن سوريا ليست مرتبطة بإيران اليوم. ولا يمكن قراءة الخريطة بأي طريقة أخرى». على سبيل المثال، أفغانستان، رغم قيادة «طالبان» لها، ليست مصنفة بـ«اللون الأحمر»، وكذلك باكستان. فالتصنيف «الأحمر» مخصص فقط للدول المرتبطة بإيران، وليس للدول التي تعدّها إسرائيل معادية.

«لماذا تستمر إسرائيل في عدّ سوريا عدواً... ما الذي تجنيه ومن المستفيد من هذه التوترات؟».

يرى التقرير أن «إسرائيل تخوض حرباً بالفعل في لبنان، وأن (حماس) في غزة لم تُهزم بعد. كما خاضت إسرائيل، مؤخراً، حرباً مع إيران استمرت شهراً ونصف الشهر، ومن شأن التقارب مع سوريا أن يُفيد في المنطقة. سيُفيد ذلك الدروز في جنوب سوريا أيضاً؛ إذ سيُتيح حوارات أكبر عقلانية، بدلاً من التهديدات والتوقعات المبنية على أسس خاطئة بشأن ما سيحدث لاحقاً. لقد اتخذ الأكراد في شرق سوريا خياراً عملياً بالتوجه نحو التعاون مع دمشق، وانضم مسؤولون أكراد، مثل سيبان حمو، إلى وزارة الدفاع السورية، ليكون معاون الوزير للمنطقة الشرقية».

واختتمت الصحيفة العبرية مقالها بالقول إنه «حتى الآن، لم تُفضِ الحروب مع غزة ولبنان إلى نصر سياسي استراتيجي لإسرائيل. وتُتيح سوريا فرصةً سانحة، ويبقى أن نرى ما إذا كان بالإمكان استغلال هذه الفرصة».

ويُعدّ تغيير الخريطة الرمزية التي يستخدمها مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أحد السبل لإظهار حدوث التغييرات.