صادف الثاني عشر من هذا الشهر حدثاً أدبياً مهماً، حيث يحتفل العالم بالذكرى الخمسين لوفاة أغاثا كريستي، التي تركت إرثاً أدبياً استثنائياً يضم ما يقرب من 70 رواية بوليسية، وأكثر من 150 قصة قصيرة، وأكثر من 25 مسرحية. وبمبيعات كتبها التي لا يتفوق عليها سوى ويليام شكسبير، تظل كريستي -دون شك- واحدة من أعظم كُتّاب الجريمة استمرارية، وأعمقهم تأثيراً على مر العصور.
تزامناً مع هذه الذكرى، يعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الوجهات التي أحبتها كريستي، والتي كانت مصدر إلهام لواحدة من أكثر رواياتها شهرة، وهي «جريمة على ضفاف النيل».
سافرت كريستي إلى مصر للمرة الأولى في عام 1907، ثم عادت إليها مرات عدة قبل رحلتها الحاسمة في عام 1933، عندما انطلقت في رحلة نيلية على متن السفينة البخارية «سودان» التابعة لشركة «توماس كوك». كانت تلك الرحلة مصدر إلهام لواحدة من أشهر قضايا المُحقق الفذ «هيركيول بوارو».

دُشنت السفينة البخارية «سودان» في عشرينات القرن الماضي، وهي آخر سفينة باقية من أسطول البواخر النيلية الأصلي لشركة «توماس كوك» التي كانت تبحر بين الأقصر وأسوان خلال ما يُعرف بالعصر الذهبي للسفر.
في السنوات التي سافرت فيها كريستي عبر مصر، رفقة زوجها عالم الآثار ماكس مالوان، كانت هذه السفن الفاخرة تمثل ذروة الأناقة، والرقي، والاستكشاف.
ولقد ولّت تلك الحقبة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وبعدها تدهورت حالة الأسطول تدريجياً، وراح في غياهب النسيان.
إلا أنه مع مطلع القرن الحادي والعشرين، أعاد مالك سفن مصري اكتشاف السفينة البخارية «سودان»، وعمل على ترميمها بعناية لتكون صالحة للعمل.
واليوم، تستحضر السفينة البخارية «سودان» رونق عصر مضى، فهي لا تزال تحتفظ بأرضياتها الأصلية المصنوعة من خشب الساج، مع تصميماتها الداخلية التي تعود إلى حقبة «بيل إيبوك»، مع المرايا الزئبقية العتيقة، وأسرّة مزخرفة مصنوعة من الحديد، وصالون مزود برفوف الكتب، وكراسي جلدية أنيقة، وبار كلاسيكي قديم يعمل عليه طاقم يرتدي الطرابيش.
يرتفع الطلب للحجز على السفينة البخارية «سودان» أعلى من أي وقت مضى، وغالباً ما يحجز المسافرون رحلاتهم قبلها بسنوات. أما بالنسبة لعشاق أغاثا كريستي، فإن الإبحار على متن السفينة هو تجربة لا تُفوّت، حتى إن بعض الضيوف يجلبون معهم خزائن ملابس من حقبة العشرينات ليغمروا أنفسهم تماماً في رومانسية العصر الذهبي للرحلات على نهر النيل.
وقد ترسخت المكانة المميزة للسفينة بوصف أنها رمز ثقافي بظهورها في فيلم «جريمة على ضفاف النيل» إنتاج عام 2004، من بطولة ديفيد سوشيه، حيث ظهرت تحت اسمها الخيالي: السفينة البخارية «الكرنك». ولا تزال هذه السفينة الرائعة من عصر آخر تجذب المعجبين من كافة أنحاء العالم.
وبالنسبة لأولئك الذين يرغبون في الاحتفال بذكرى كريستي داخل بريطانيا، ستُنظم احتفالات تكريمية في المكتبة البريطانية، التي ستستضيف أكبر معرض لأغاثا كريستي منذ أكثر من 20 عاماً. ومن المقرر افتتاح المعرض في أكتوبر (تشرين الأول) 2026،
ويجري تنظيمه بالشراكة مع شركة «أغاثا كريستي» المحدودة، وصندوق أرشيف كريستي، وسيضم مجموعة غنية وكاشفة من المقتنيات الشخصية، والرسائل، والصور الفوتوغرافية من حياة الكاتبة.




