ليبيا الجديدة تبحث عن عاصمة

اتفاق الصخيرات.. دعم دولي وشكوك محلية

ليبيا الجديدة تبحث عن عاصمة
TT

ليبيا الجديدة تبحث عن عاصمة

ليبيا الجديدة تبحث عن عاصمة

يقول وهو يضع ساقًا فوق ساق، إن أبسط القواعد في أي دولة في العالم أن يكون لدى السُلطة قوة مسلحة تحميها وتنفذ قراراتها. ولا يبدو أن الحكومة الليبية الجديدة التي جرى الإعلان عنها في «اتفاق الصخيرات»، مساء يوم أول من أمس (الخميس)، تملك أي قوات تذكر تمكنها من الوصول إلى مبنى البرلمان في طبرق، في شرق البلاد، لكسب الثقة من المجلس التشريعي وحلف اليمين، أو إلى العاصمة طرابلس لمباشرة أعمالها.
ويقول عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمر أكثر تعقيدًا من صيحات الابتهاج التي أبداها بعضٌ ممن وقعوا على الاتفاق تحت رعاية الأمم المتحدة وفي حضور ممثلي عدة دول عربية وأجنبية.. «حكومة الصخيرات ولدت ميتة».
لكن الإعلان عن الحكومة الجديدة برئاسة فايز السراج، حظي بمباركة الكثير من الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، ومن دول الجوار مصر، بالإضافة إلى تركيا وقطر والإمارات. فهل يمكن للتوجه الأممي المؤيد لفريق السراج أن يؤدي إلى إقناع باقي الأطراف الليبية الفاعلة بالالتفاف حول الحكومة التي جاءت بعد مفاوضات ماراثونية استمرت طوال عام ونصف العام.
ويكشف أحد القيادات الليبية القريبة من اتفاق الصخيرات عن أن اسم السراج لم يكن مطروحًا من البرلمان، وإنما كان الاسم المقترح، في مرحلة سابقة، هو السياسي الليبي المعروف، عبد الرحمن شلقم، رغم عدم حماس الأخير لشغل هذا الموقع في ظل الظروف المعقد التي تمر بها البلاد. كما كانت هناك أسماء أخرى طفت على السطح دون علم البرلمان أو «المؤتمر الوطني».
ومن جانبه، يضيف إبراهيم عميش رئيس لجنة المصالحة الوطنية ورئيس لجنة خريطة الطريق في البرلمان الليبي، لـ«الشرق الأوسط»، عن أن الألماني مارتن كوبلر، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، سار على نفس الطريق الذي كان يسير فيه سلفه، الإسباني برناردينيو ليون. ويقول إن ليون كانت له أخطاء، وأن كوبلر لم يتجنبها، وإنما أسس عليها مفاوضاته التي انتهت إلى الإعلان عن حكومة السراج.
ووفقًا لمشاركين في مفاوضات اللحظات الأخيرة، فإن كوبلر أضاف بعض اللمسات لتجميل المشهد، من بينها زيارته لعدة دول معنية بالشأن الليبي، وعقده لقاءً مع قائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر، لـ«الإيحاء بأنه موافق، رغم أن هذا أمر غير حقيقي». لقد وقعت خلافات، من خلف الستار، أدت إلى إعلان كل من البرلمان و«المؤتمر الوطني» المنتهية ولايته إلى رفض الاتفاق في نهاية المطاف. ويقول عميش الذي حاول أثناء كوبلر، حين قابله في تونس، عن التسرع في توقيع الاتفاق: كان الرجل متعجلاً.
ويستند البرلمان المعترف به دوليًا على قوة عسكرية تتمثل في الجيش الوطني الذي يقوده حفتر، بينما يعتمد «المؤتمر الوطني» الذي يعمل من العاصمة طرابلس على قوات من الميليشيات والكتائب المسلحة. ويقول مسؤول عسكري في الجيش، إن غالبية «القوى المسلحة» في بنغازي وطرابلس ترفض استقبال حكومة السراج حتى الآن، في إشارة إلى القوات المسلحة المدعومة من البرلمان، والتي يتركز وجودها في شرق البلاد، وبعض المناطق في الغرب والجنوب، وكذلك قسم كبير من ميليشيات العاصمة.
جرى توقيع الاتفاق في قاعة مؤتمرات بلدة الصخيرات المغربية بين وفدي أطراف الحوار الليبي، بمشاركة كوبلر. ومن أبرز من وقعوا عليه نائب رئيس البرلمان، محمد شعيب، ونائب رئيس «المؤتمر الوطني» (المنتهية ولايته)، صالح المخزوم. لكنّ كلاً من البرلمان و«المؤتمر» قالا إنهما لم يفوضا شعيب ولا المخزوم بالتوقيع، وإن الرجلين كانا موفدين من البرلمان و«المؤتمر»، بالفعل، أثناء تولي ليون مهمة إجراء الحوار بين الليبيين في السابق، وإن مهمتهما انتهت. ولم يكلف أي منهما أي مفاوضين جدد. ويؤكد عميش: «البرلمان لم يكلف أحدًا بحضور اتفاق الصخيرات».
وعلى العكس من ذلك، كان مكتب رئيس البرلمان، المستشار عقيلة صالح، ومكتب رئيس «المؤتمر الوطني»، السيد نوري أبو سهمين، وهما خصمان سياسيان لدودان منذ الاقتتال الذي وقع حول العاصمة العام الماضي، قد كلفا رجلين آخرين بقيادة مقابلة هي الأولى من نوعها بين ممثلين للبرلمان و«المؤتمر»، وتمت بالفعل في تونس قبل اجتماع الصخيرات بعدة أيام.
ويقول عميش الذي كان ممثلاً عن البرلمان في هذه المهمة، إنه حين التقى كوبلر في تونس أخبره بأن الطرفين اللذين لم يتمكن ليون من جمعهما طوال شهور المفاوضات السابقة، قد التقيا بالفعل ها هنا في تونس، وإن عليه أن ينتظر حتى ينفذا بنود وثيقة التفاهم التي توصلا إليها، ومن بينها الاحتكام إلى دستور ليبيا الصادر عام 1951 وتعديلاته في عام 1963، بعد تنقيحه، وإنه توجد جهود لإجراء لقاء بين المستشار صالح والسيد أبو سهمين، لتسهيل مهمة الأمم المتحدة في عقد مصالحة بين الليبيين.
يبدو أن الوضع أمام كوبلر لم يكن يتحمل المزيد من الانتظار. فليبيا كما قال كوبلر نفسه في كلمته عقب توقيع اتفاق الصخيرات، تعاني من مشكلات كبيرة وتحتاج إلى حكومة توافق وطني لكي تنتهي من حسم الكثير من الملفات ومن بينها الأمن والاقتصاد. ويقول أحد المشاركين في اللقاء: «كوبلر لا يعمل منفردًا. توجد دول كانت تضغط بقوة من أجل إنجاز الاتفاق والإعلان عن حكومة توافق ليبية. كان هذا واضحًا من الاجتماع الذي عقد في روما قبل اجتماع الصخيرات بثلاثة أيام». ويقول عيسى عبد المجيد مستنكرًا الاتفاق: «من أين ستعمل الحكومة الجديدة؟ هل من المنفى؟ لا مكان لها بين الليبيين».
ومن جانبه، أكد كوبلر في كلمته، أن اتفاق الصخيرات بداية رحلة صعبة لبناء دولة ديمقراطية، وتعهد بأن يدعم المجتمع الدولي الحكومة الجديدة، وأقر بأن الاتفاق لا يرضي الجميع، لكنه قال إن «البديل أسوأ بكثير»، في إشارة إلى حالة الفوضى العارمة التي تضرب البلاد، بسبب انتشار التنظيمات المتطرفة ومن بينها تنظيم داعش.
لقد أصبحت ليبيا مصدر تهديد لدول الجوار والدول الواقعة على البحر المتوسط. وأضاف المبعوث الأممي أنه على رأس الأولويات معالجة الوضع الأمني وإنهاء الأزمة في بنغازي التي تشهد حربًا بين الجيش الوطني والتنظيمات المتطرفة. لكن عبد المجيد يقول إن المجتمع الدولي لو كان قد رفع الحظر عن تسليح الجيش لجرى حسم الحرب ضد المتطرفين بمن فيهم «داعش».
ورغم ما أعلنه البرلمان من أنه لم يشارك في اتفاق الصخيرات، فإن النائب شعيب، الذي كان معروفًا بتوجهاته اليسارية المتشددة أيام حكم معمر القذافي وسجن سنوات لهذا السبب، جرى التعامل معه في مراسم التوقيع باعتباره ممثلاً عن البرلمان. وقال على هامش اتفاق الصخيرات: «إنه اتفاق لكل الليبيين. والحكومة سيدعمها المجتمع الدولي. كما تعامل اجتماع الصخيرات مع المخزوم، وهو من أعضاء حزب البناء والتنمية التابع لجماعة الإخوان في ليبيا، كمندوب عن (المؤتمر الوطني)». وقال المخزوم إن «الظروف التي يمر بها الوطن دفعت الجميع للمجيء والموافقة».
ينص الاتفاق على تشكيل حكومة توافق تقود مرحلة انتقالية لمدة عام تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية. كما تضمن توسيع المجلس الرئاسي (من الحكومة نفسها) من ستة إلى تسعة أشخاص، رئيس وخمسة نواب وثلاثة بدرجة وزير دولة. وأفرز الاتفاق بشكل عام ثلاث مؤسسات لإدارة الدولة هي «مجلس النواب (البرلمان الحالي)»، و«مجلس الدولة (مجلس استشاري مستحدث ويضم غالبية أعضاء «المؤتمر الوطني» المنتهية ولايته)»، إلى جانب «المجلس الرئاسي (الحكومة)». ويقول عميش: «من سيعطي الشرعية لهذا الاتفاق؟ نحن نرفضه».
وتتعلق أهم مخاوف المجموعات المساندة لقائد الجيش، حفتر، ويوجد معظمها في شرق البلاد، من البنود الواردة في اتفاق الصخيرات والتي تقضي بنقل جميع الصلاحيات العسكرية والأمنية، إلى المجلس الرئاسي. بينما تنصب مخاوف المجموعات التي تساندها كثير من الميليشيات في طرابلس، من إقصاء قادتها من المشهد في المرحلة المقبلة، خاصة بالنسبة للمتشددين الذين بادروا بوصم الحكومة الجديدة بأنها حكومة نصبها الأجانب على ليبيا. ومع ذلك تبدو الخلافات بشأن حكومة السراج أكبر مما يظهر في الواقع.
يقول محمد الورفلي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الحكومة، رغم ما قيل عن أنها تمثل كل الليبيين، فإنها في الحقيقة «حكومة غير توافقية بالمرة». ويضيف: «حتى ما بين الأطراف المستهدفة بالتوافق، لا يظهر أنه يوجد ثمة توافق، وهي أطراف (17 فبراير)، أي البرلمان و(المؤتمر الوطني)»، في إشارة إلى المجموعتين اللتين شاركتا في قتال نظام القذافي بمساعدة حلف الناتو طوال ثمانية شهور من عام 2011.
ويتابع الورفلي قائلا إن كلاً من البرلمان و«المؤتمر» يدعي أن هذه الحكومة لا تمثله.. «مجلس النواب في طبرق من خلال رئيسه صالح، أعلن أن الذين وقعوا على هذه الاتفاقية لا يمثلون مجلس النواب، وليس لديهم تفويض من المجلس، وهو يقصد بذلك محمد شعيب الذي كان رئيسًا لفريق الحوار إبان فترة ليون. وبهذا يكون صالح قد سحب البساط من تحت أقدام الذين كانوا يوقعون باسم مجلس النواب، لعدم اعترافه بأي شرعية يمثلها هؤلاء، وأنهم يمثلون أنفسهم فقط».
ويوضح أن «المؤتمر» برئاسة أبو سهمين، أعلن في بيان رسمي أن الذين يوقعون في الصخيرات لا يمثلون «المؤتمر».. «بل إن (المؤتمر) سوف يحيلهم إلى محاكم تأديبية لتجاوزهم الاختصاصات وتوقيعهم باسم (المؤتمر الوطني) في اتفاق الصخيرات. هذا المشهد الأول يدل على أنه حتى المستهدفون بالتوافق من البرلمانيين غير متفقين على هذه الحكومة».
ويقول الورفلي، إن هذا الواقع الجديد «يعطي مؤشرًا آخر على أن هذه الحكومة هي عبارة عن حكومة إضافية.. أي أن ليبيا كانت تعاني من وجود حكومتين وفي الوقت الراهن أصبحت تعاني من وجود ثلاث حكومات»، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر على هذا، بل إن «قادة الميليشيات الإسلامية ومفتي البلاد (مقره طرابلس) المحسوب على التيار المتشدد، أعلنوا منذ اليوم الأول أن هذه الحكومة غير شرعية». وهذا الأمر ينطبق أيضًا على المنطقة الشرقية، كما يوضع الورفلي، قائلاً إن هناك ميليشيات ورؤساء بلديات، إضافة إلى الجيش الذي يقوده حفتر، ليسوا مع حكومة اتفاق الصخيرات.
ويقول مصدر في الجيش الليبي، إن موقف حفتر «حتى الآن يميل إلى موقف البرلمان الرافض للاعتراف بمخرجات حوار الصخيرات». وكان حفتر قد قدم في لقائه مع كوبلر في منطقة عسكرية قرب بنغازي، 12 شرطًا للموافقة على الحكومة الجديدة. ويقول المصدر نفسه، إن قائد الجيش الوطني لم يتلق من كوبلر ما يفيد تضمين مطالبه في اتفاق الصخيرات، لكنه أضاف أن المؤشرات تقول إنه لم يجرِ وضعها في الاعتبار، وإن الجانب الإيجابي الذي يمكن التعويل عليه لتطمين حفتر، هو تعيين ابن بنغازي المقرب له، علي القطراني، في حكومة التوافق كنائب لرئيس الوزراء. مع أن البعض يرى أن هذه الخطوة قد تكون محاولة لاستخدام اسم القطراني لشق الصف بين الموالين لحفتر نفسه، سواء داخل البرلمان أو خارجه. ويقول عميش: «كثير من الإجراءات ما زالت غامضة.. أعتقد أنه يوجد تعمد وراء هذا الوضع».
ويقول الورفلي، إن ما جرى في الصخيرات مربك، ويفتقر لإجابات كثيرة.. «هل جرى وضع النقاط الـ12 التي قدمها حفتر لكوبلر في الاتفاق أم لا.. وأين النظام السابق مما جرى (أي أنصار القذافي)، وهم الذين يشكلون نصف السكان أو أكثر من نصف السكان. كل هذه الأشياء، الآن، غير معلومة». وعن الشروط التي يرى أنه ينبغي أن تنفذها الحكومة الجديدة لكي تتجاوز كل هذه العقبات والمشكلات؟ يزيد الورفلي موضحًا أنه «لا بد أن يكون لديها برنامج عمل وخريطة طريق. الحكومة المزعومة حتى الآن ليس لديها أي برنامج».
ويضيف أن الغريب في الأمر أن السراج الذي تم تكليفه برئاسة الحكومة عندما تحدث في المؤتمر الصحافي لاتفاق الصخيرات اكتفى بالقول إنه ينادي الليبيين بالتوحد، ولم يقدم أي برنامج، بينما كوبلر تحدث عن صندوق لدعم بنغازي ومكافحة الإرهاب ومحاربة «داعش» وعن مشروعات التنمية وعن الأمن وعن المصالحة الوطنية.. «وكأن الذي يحمل برنامج الحكومة هو كوبلر. هذه وصمة عار وهذا مؤشر غير إيجابي من جانب الحكومة الجديدة».
ومن جانبه، يقول مستشار رئيس البرلمان الليبي، إن حكومة الصخيرات لا تمثل الشعب الليبي وهي بمثابة وصاية على الشعب.. الشعب لا يقبل الوصاية من أحد، حتى لو كانت الأمم المتحدة. وما حدث في الصخيرات لا يمثلنا. ويضيف عبد المجيد عن مستقبل حكومة السراج، وما إذا كان يتوقع لها أن تنجح أم أنها ستقابل بالرفض من جانب الليبيين، أجاب بشكل قاطع أن «هذه الحكومة ولدت ميتة». وتساءل: أين سيكون مقرها.. لا مكان لها في ليبيا، فهل ستكون حكومة منفى تعمل من إحدى الدول الأجنبية أو إحدى العواصم الأوروبية».
وعما إذا كان هناك شرط بأن هذه الحكومة لا بد أن تحوز الثقة من البرلمان قبل أن تبدأ أعمالها، رد عبد المجيد قائلاً إن هؤلاء الذين اتفقوا في الصخيرات «لا يمكن أن يكون لديهم جرأة حتى للوصول إلى طبرق. هذه حكومة منفى وحكومة ولدت ميتة». بينما أكد عميش على أن أي حكومة لا بد أن تأتي للبرلمان لكي تحوز الثقة قبل مباشرة عملها.. «لا بد من موافقة الثلثين زائد واحد. وهذا صعب المنال».
مع ذلك توجد محاولات من جانب الفريق الحكومي الجديد الذي جرت تسميته للعمل مع السراج بشكل أساسي، للتواصل مع الأطراف الفاعلة خاصة القوى التي تملك السلاح في المنطقتين الشرقية والغربية من البلاد. ويجري هذا بالاعتماد على علاقات قديمة للسراج نفسه مع بعض الأطراف والقيادات، ومن بينهم عسكريون ورجال أعمال ونواب. ويأتي هذا مع وجود توجهات دولية بدعم الحكومة الجديدة، والتفاهم حول الشق الأمني خاصة في العاصمة طرابلس.
ومن بين المقترحات التي تبحث الحكومة الجديدة القيام بها بمساعدة المجتمع الدولي، إعطاء قادة من الجيش الوطني في غرب البلاد الضوء الأخضر للتقدم حول العاصمة طرابلس، مع انسحاب تدريجي للميليشيات من العاصمة إلى مسافة لا تقل عن 35 كيلومترًا في بعض المناطق و50 كيلومترًا في مناطق أخرى. وكذا وضع برنامج يستمر لعدة شهور من أجل تسليم الميليشيات، الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، كمرحلة أولى، مع بحث ملف عناصر الميليشيات سواء بدمجها في الجيش أو الشرطة أو العودة إلى الحياة المدنية. ويستمر هذا طوال عمل الحكومة المقرر له سنة كاملة.
وتدعم عدة قيادات ليبية من داخل البلاد، وأخرى تقيم في الخارج، الحكومة الجديدة رغم التحديات والعراقيل التي تواجهها، سواء على الصعيد السياسي أو الأمني أو العسكري. ويعزز من تفاؤل حكومة السراج ترحيب الولايات المتحدة بالاتفاق، ما يعني إمكانية توافق الدول الكبرى على إصدار قرار من مجلس الأمن برفع الحظر عن تسليح الجيش، بعد التوصل إلى توافق يرضي الأطراف في ما يتعلق باستمرار حفتر من عدمه.
كما يعطي الموقف المصري الداعم للاتفاق، وفقًا لمصادر شاركت في لقاء الصخيرات، دفعة للحكومة الجديدة.. و«قدرة على دخول مصر كوسيط لنزع الألغام من أمام عمل السراج.. مصر لديها علاقات جيدة مع قادة الشرق الليبي بما فيها الجيش والبرلمان وحكومة الثني (الحكومة التابعة لبرلمان طبرق).
وتقول مصر إن الاتفاق «خطوة رئيسية على مسار استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا، وتحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق في إعادة بناء دولته وحماية وحدتها، كما أنه يمثل خطوة هامه لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب بشكل متكامل وفعال وبدعم من المجتمع الدولي، فضلاً عن توفير الاحتياجات الأساسية ورفع المعاناة الإنسانية عن الشعب الليبي الشقيق».
لكن هذا لا ينفي أن قيادات من المنطقة الشرقية وأخرى من غرب البلاد في ليبيا سارعت بإبلاغ مصر بأن كلاً من البرلمان و«المؤتمر الوطني» يرفض اتفاق الصخيرات. كما جرى إخطار الجامعة العربية، في رسالة لأمينها العام، نبيل العربي، بوجود مسار جديد بين الليبيين، والمقصود به اللقاء الذي جرى في تونس بين ممثلين عن البرلمان و«المؤتمر الوطني»، وإمكانية وصوله إلى حلول جوهرية تجنب ليبيا المزيد من المشكلات. واطلعت «الشرق الأوسط» على نص الرسالة التي طلبت من العربي «دعم هذا الخيار» بالتعاون مع الأمم المتحدة، لكن يبدو أن هذا التحرك جاء متأخرًا مقارنة بالخطوات السريعة التي اتخذها كوبلر في محاولة لفتح آفاق جديدة لإنقاذ الدولة الليبية من الفشل.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.