الشرع: تطابق المصالح الاستراتيجية بين سوريا ومصر «إلى حد كبير»

تعاون اقتصادي مصري - سوري «يذيب» جمود السياسة

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
TT

الشرع: تطابق المصالح الاستراتيجية بين سوريا ومصر «إلى حد كبير»

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه وفد اتحاد الغرف التجارية المصرية في دمشق، جاهزية بلاده للدخول في مرحلة الاستثمار والبناء.

وفي بداية اللقاء، قال الشرع: «أحب أن أتوجه بالشكر الكبير للشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب. وهذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين»، مشيراً إلى أنها من أكثر الأماكن التي شعر فيها السوريون بالراحة كانت مصر، حيث كانوا بين أهلهم. وشدد الشرع على تطابق المصالح الاستراتيجية بين سوريا ومصر إلى حد كبير، ما يستدعي الاعتماد المتبادل في معالجة القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وأوضح أن سوريا تجاوزت مراحل كثيرة، خاصة بعد رفع العقوبات عنها، وهذا الأمر فتح أبواباً عديدة، ومنها الفرص الاستثمارية، مشيراً إلى أن من أولى الجهات التي ينبغي أن تكون حاضرة هي الشركات المصرية للمساهمة في إعادة الإعمار في سوريا. وأشار إلى أن مصر دخلت خلال السنوات العشر الأخيرة، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، في عملية نمو وتطوير للوضع الاقتصادي، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة وغيرها، وهو ما يمكن الاستفادة منه ومواكبته.

وأكد الشرع أن هناك ارتباطاً وثيقا مع السوق العراقية، وهناك حاجة إلى التعامل معها في الصناعات والإنتاج الزراعي، ولفت إلى أن سوريا ومصر والعراق بحاجة إلى السلة الغذائية المشتركة وتطويرها للوصول إلى التكامل، منوهاً بالفائض الزراعي في الخليج ومصر الذي يمكن أن يتحول إلى رأس مال داعم للإنتاج في سوريا.

وكانت العاصمة السورية دمشق استضافت، الأحد، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، في خطوة عدَّها مراقبون قد تساعد في «إذابة الجمود» الذي تشهده العلاقات السياسية بين البلدين.

ويستهدف الملتقى الاقتصادي «تعزيز التعاون التجاري والاستثماري، وإقامة مشاريع مشتركة بين البلدين»، بحسب اتحاد الغرف التجارية السورية الذي أوضح في إفادة، الأحد، أن الملتقى يتيح منصة رسمية لبحث الفرص الاستثمارية، وتطوير الشراكات التجارية بين القاهرة ودمشق.

ويعدّ الملتقى الفعالية الأبرز بين البلدين منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا، وتولي أحمد الشرع الرئاسة. ويأتي انعقاد الملتقى عقب توقيع الحكومتين المصرية والسورية على مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة الأسبوع الماضي؛ المذكرة الأولى «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا بهدف توليد الكهرباء من خلال استغلال البنية التحتية المصرية، سواء سفن التغييز أو شبكات نقل الغاز»، والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

جانب من الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق (اتحاد الغرف التجارية المصرية)

ويتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر، منذ تولي الشرع الحكم، حيث اقتصرت اللقاءات بين مسؤولي البلدين على مناسبات رسمية دولية، في حين تطالب مصر بضرورة تدشين عملية سياسية شاملة تضم كل مكونات المجتمع السوري.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في أكثر من مناسبة، إن موقف بلاده تجاه التطورات في سوريا ثابت، ويستند على ضرورة دعم الدولة السورية واحترام سيادتها ووحدة أراضيها.

نافذة تقارب

ومن شأن تعميق التعاون الاقتصادي أن يسهم في دفع مسار العلاقات المصرية - السورية في المجالات كافة، و«إذابة جمود السياسة»، وفق تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، الذي قال إن «الملتقى يشكل نافذة لدعم التقارب والتفاهم السياسي بين البلدين».

وأضاف الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك فرصاً عديدة لتوسيع التعاون، في مقدمتها مشاركة الخبرات المصرية في عملية إعادة الإعمار. واستطرد قائلاً: «هناك استثمارات مشتركة ينفذها مستثمرون سوريون مقيمون في مصر يمكن التعويل عليها في تعميق التعاون الاقتصادي».

وفي كلمته أمام الملتقى، اعتبر وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار أن التعاون الاقتصادي السوري - المصري «تكامل طبيعي بحكم التشابه بين البلدين في نمط الإنتاج والاستهلاك، وطبيعة الموارد البشرية، والدور المحوري الذي تؤديه الصناعة والزراعة والخدمات في البلدين».

ولا يقتصر التعاون الاقتصادي على تبادل السلع، وفق الشعار، الذي قال في كلمته بالملتقى إن «تعزيز التعاون يقوم على مشروعات مشتركة بما يرفع فرص النجاح والاستدامة».

في نفس الإطار، قال رئيس الوفد المصري ورئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، أحمد الوكيل، إن القاهرة ستقدم لدمشق كل خبراتها وإمكاناتها «لنقل تجربتها في الخطط العاجلة للنهوض بالبنية التحتية من كهرباء وطرق وموانئ وصرف صحي، وإنشاء الجيل الرابع من المدن الجديدة والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، وتحديث وإعادة تأهيل المصانع»، مستشهداً بمشاركات الخبرات المصرية في إعادة الإعمار بالعراق وليبيا.

وتسعى مصر وسوريا لـ«إعادة الوحدة الاقتصادية» بين البلدين، عبر دور فاعل من الغرف التجارية ومنتسبيها من القطاع الخاص، وفق الوكيل، الذي أشار إلى أن الهدف «تنمية التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، وخلق فرص عمل».

ويرى الوكيل أن «الإرادة السياسية متماشية مع الإرادة الشعبية»، وطالب بتسريع توفير حرية انتقال رجال الأعمال ورؤوس الأموال والسلع والخدمات، ومنح الأفضليات للشركات السورية والمصرية في كلا البلدين.

آفاق تعاون

ووفقاً لعضو شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية المصرية، حازم المنوفي، فإن الملتقى يشكل «فرصة حقيقية لدفع التعاون الاقتصادي بين البلدين»، مشيراً إلى أن الهدف من انعقاده هو تنمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في البلدين.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الملتقى يساهم في تعميق التعاون التجاري والاستثماري بين القاهرة ودمشق، إلى جانب الاستفادة من الخبرات المصرية في إعادة الإعمار بسوريا، خصوصاً في مجالات الصناعة والبنية التحتية والخدمات.

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش «القمة العربية» بالقاهرة في مارس الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى المنوفي أن هناك أبعاداً إيجابية للملتقى، من بينها «بناء شراكات تجارية واستراتيجية بين رجال الأعمال المصريين والسوريين، تشمل مجالات الكهرباء والبترول والغاز والزراعة والنقل واللوجستيات»، إلى جانب «فتح آفاق تعاون أوسع مع مؤسسات دولية وأوروبية، من خلال تكامل الجهود عبر اتحاد غرف البحر المتوسط واتحاد الغرف الأفريقية، ما يعزز دور البلدين في الأسواق الإقليمية».

وسيبحث الوفد المصري، الذي يضم 26 من قيادات الغرف المصرية والمال والأعمال، «التعاون في قطاعات الطاقة والنقل واللوجستيات والبنية التحتية والزراعة وإعادة تأهيل المصانع المتعطلة»، إلى جانب «دعم سوريا في إعادة الإعمار، ونقل تجربة مصر في الخطط العاجلة للبنية التحتية، وإنشاء 22 مدينة جديدة من الجيل الرابع، ومدن صناعية ومراكز لوجستية»، بالإضافة إلى «إقامة 8 آلاف من الطرق السريعة والكباري والأنفاق والموانئ»، حسب اتحاد الغرف التجارية المصرية.

وهناك إرادة للانفتاح التجاري والاقتصادي بين القاهرة ودمشق، رغم حالة الجمود السياسي، وفق تقدير عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ المصري، نورهان الشيخ، التي قالت إن «هناك توافقاً لفصل المسار الاقتصادي عن مستوى التعاون السياسي بين الجانبين»، مشيرة إلى أن «المصالح تفرض نفسها على مسار التعاون المصري - السوري».

وأضافت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «حذراً في الانفتاح السياسي المصري تجاه سوريا». واستطردت: «هناك قنوات تواصل بين الجانبين، لكن الانفتاح الكامل مرهون باستكمال الخريطة السياسية في سوريا واستقرار الأوضاع الداخلية».

وسبق أن التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس السوري الشرع على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025؛ كما التقى وزير الخارجية عبد العاطي بنظيره السوري أسعد الشيباني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وهناك نحو مليون ونصف مليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق الوكيل الذي دعا إلى «ضرورة تجاوز مرحلة العلاقات الثنائية بالبدء الفوري في العمل المشترك لغزو الأسواق الخارجية واستغلال المميزات النسبية والمواقع المميزة للبلدين للتصدير المشترك لمناطق التجارة الحرة المتاحة».

وعلى هامش الملتقى، استقبل رئيس اتحاد الغرف التجارية السورية، علاء عمر العلي، الوفد المصري المشارك. وأكد أهمية انعقاد الملتقى «لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وفتح آفاق جديدة للشراكات بين مجتمعي الأعمال في سوريا ومصر»، حسب إفادة من اتحاد الغرف التجارية السورية.


مقالات ذات صلة

السيسي يؤكد دعم مصر لتسوية شاملة في اليمن

العالم العربي لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد دعم مصر لتسوية شاملة في اليمن

أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي دعم مصر لجميع الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تلبي تطلعات الشعب اليمني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

ناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجهود المبذولة والمقترحات التي يجري طرحها من أجل التوصل لاتفاق يؤدي إلى احتواء التوتر وخفض التصعيد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

تحظى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» بمتابعة عالية بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يتم تصويرها.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

الحكومة المصرية تتوسع في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء

تتوسع الحكومة المصرية في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء، بعد إعلان طرح 18 سلعة جديدة بدءاً من الجمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي الرئيس السيسي يجري محادثات مع رئيس «تيار الحكمة» العراقي في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)

السيسي يشدد على دعم مصر لأمن العراق واستقراره

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على «حرص بلاده الدائم على أمن واستقرار العراق»، وذلك خلال استقباله رئيس «تيار الحكمة» العراقي.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

سلام في الأمم المتحدة: لبنان يتمسك بالانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)
TT

سلام في الأمم المتحدة: لبنان يتمسك بالانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام تمسك بلاده بسيادة «تقتضي انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية» المحتلة، كما «تقتضي بسط سلطة الدولة اللبنانية، بقواها الذاتية، على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها وحدها»، مشدداً على أنه «لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه»، و«لا يجوز أن يكون أمنه واستقراره ثمناً لتسويات تُعقد في غيابه».

3 تحديات

وقال سلام في كلمة ألقاها خلال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة: «لقد تولّينا المسؤولية وبلدنا يواجه ثلاثة تحديات مصيرية: أن يستعيد ثقة شعبه بعد الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت وما خلّفاه من مآسٍ وجراح، وأن يستعيد قراره الوطني، بحيث لا تكون سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح خارج قواتها المسلحة، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية».

وأكد ضرورة «أن يستعيد كامل أرضه من الاحتلال الإسرائيلي، ويبسط سيادته على كامل ترابه الوطني بقواه الذاتية تنفيذاً لاتفاق الطائف، واحتراماً صادقاً للقرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، ولعل أهمها القرار 1701، الذي يبقى إلى اليوم مرجعاً أساسياً ناظماً للعلاقة بين لبنان وإسرائيل». ولخص سلام معادلة النهوض بلبنان بقوله: «ثقةٌ تُبنى، وقرارٌ يُستعاد، وأرضٌ تُحرَّر».

لا أحد يفاوض عن لبنان

وشدد سلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على أنه «لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه، سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية»، مضيفاً: «صحيح أن لبنان يتأثر بما يجري في محيطه، لكن ذلك لا يعني أننا نقبل بأن يعود ساحة لصراعات الآخرين، أو ورقة تفاوض في أيديهم». وأكد أن «مستقبل لبنان لا يُقرَّر بالنيابة عنه، ولا يجوز أن يكون أمنه واستقراره ثمناً لتسويات تُعقد في غيابه».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته على منبر الأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)

وتطرق رئيس الحكومة اللبنانية إلى موقف بلاده من الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل، قائلاً: «كان موقفنا من الحرب واضحاً منذ البداية، نريد وقفها، ونريد تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية حتى حدودنا الدولية المعترف بها، وفقاً لاتفاقية الهدنة لعام 1949، كما عاد وأكده القرار 1701»، مضيفاً: «نريد الإفراج عن جميع أسرانا، وعودةً آمنة وكريمة لأهلنا إلى قراهم وبلداتهم، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب».

التمسك بالسيادة

وقال سلام: «السيادة التي نتمسّك بها لا تتجزأ، فهي تقتضي انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، كما تقتضي بسط سلطة الدولة اللبنانية، بقواها الذاتية، على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها وحدها، وعلى هذين المبدأين، وعلى قاعدتي التبادلية والمرحلية، يقوم الإطار الثلاثي الذي تمّ التوصّل إليه في المفاوضات»، في إشارة إلى «اتفاق الإطار» الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.

وقال سلام: «نجاح أي اتفاق لا يُقاس بالنوايا المعلنة، بل بتنفيذ الالتزامات. ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو استكمال ترجمة هذا الإطار إلى خطوات عملية، ضمن جدول زمني واضح، وآلية تحقق تضمن تنفيذ جميع بنوده».

وشدد سلام على «ضرورة العمل على تجنب الفراغ الذي قد يحدثه انسحاب قوات (اليونيفيل) لو تم دون الاتفاق على قوةٍ دولية جديدة تحل مكانها، وتضمن استمرار مهام المراقبة والإبلاغ والتواصل، وتتكامل في دورها مع متطلبات تنفيذ الإطار الثلاثي».

وقال: «استعادة الأرض لا تعني انسحاب قوات الاحتلال منها فحسب، بل تعني أيضاً عودة أهلها إليها، وعودة الحياة إلى قراهم وبلداتهم».

الإصلاح وإعادة الإعمار

وإذ شكر أجهزة الأمم المتحدة والشركاء الدوليين على مساهماتهم الإنسانية، دعا إلى «الاستمرار في توفير التمويل اللازم لتلبية الاحتياجات الأساسية للمتضررين، ولا سيما النازحين، بالتوازي مع متطلبات التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية».

وشدد على أن «إعمار الجنوب ليس مجرد عمليّة إعادة بناء الحجر؛ إنه إعادة بناء حياة الناس، واستعادة أرزاقهم، وتثبيت حقهم في العيش بأمان وكرامة على أرضهم».

وقال سلام إن «لبنان الذي يقف أمامكم اليوم لا يتنصّل من مسؤولياته، ولا يطلب من الآخرين أن يقوموا بما يتوجّب عليه القيام به». وأوضح: «نحن نتحمّل مسؤوليتنا في الإصلاح وبسط سلطة الدولة على كامل أراضينا. لكن من حقنا أن نطلب من المجتمع الدولي أن يتحمّل بدوره مسؤولياته في ضمان احترام سيادة لبنان، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية».


الزيدي: العراق لاحتكار «قرار الحرب» وحصرية السلاح

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال إن حكومته تطمح إلى احتكار قرار الحرب والسلام (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال إن حكومته تطمح إلى احتكار قرار الحرب والسلام (أ.ب)
TT

الزيدي: العراق لاحتكار «قرار الحرب» وحصرية السلاح

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال إن حكومته تطمح إلى احتكار قرار الحرب والسلام (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال إن حكومته تطمح إلى احتكار قرار الحرب والسلام (أ.ب)

عرض رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي رؤية بلاده باعتبارها «قوة اقتصادية فاعلة» و«جسراً للحوار والتعاون بين شعوب المنطقة والعالم».

وكان الزيدي يلقي كلمة في الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فجدد التزام العراق ميثاق الأمم المتحدة ومبادئها. وقال: «نعرض أمامكم رؤية العراق لمستقبله، ومنطقته، والعالم في هذه المرحلة الدقيقة»، مضيفاً أن هذه الرؤية «تنطلق من إرادتنا الوطنية في استعادة هيبة القانون وتقوية مؤسسات الدولة ورسوخ ثقة المواطنين بها».

وحدد الزيدي أولويات حكومته، ومنها أن تحتكر «الدولة قرار السلم والحرب»، وأن «يبقى السلاح وأدوات القوة بيد مؤسساتها الدستورية». وأكد أن «إجراءاتنا التنفيذية تستند إلى القانون والمصلحة الوطنية في بناء دولة المؤسسات وحماية السيادة وتثبيت الاستقرار».

وفيما يخص التحول في العلاقات الدولية، أنه «مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ننتقل بالعلاقة مع شركائنا الاستراتيجيين من التعاون العسكري إلى التعاون الاقتصادي والتنموي، بما يخدم مصالحنا المشتركة»، معتبراً أن هذه الخطوات «تضيف لانتصار العراقيين على الإرهاب عزماً وزخماً مضاعفاً لاستكمال بناء قدراتنا الأمنية والعسكرية في حماية أرضنا وشعبنا وسيادتنا». ودعا الأصدقاء الدوليين إلى «ضبط الحدود ومعالجة الثغرات واليقظة المستمرة لمنع تشكل البيئة المغذية للتطرف».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي متحدثاً خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ب)

«معركة ضد الفساد»

على الصعيد الداخلي، قال رئيس الوزراء العراقي: «تخوض حكومتنا معركة مكافحة الفساد وحماية المال العام، ونمضي في مسار الإصلاحات بمعالجات جوهرية مستدامة لرفع كفاءة الأداء»، مذكراً بأن «هدفنا بناء دولة قوية واقتصاد متنوع وعصري، يتماشى مع التحولات التكنولوجية والرقمية العالمية». وأضاف أن «رؤيتنا بتوفير بيئة آمنة للاستثمار الوطني والأجنبي، تستند إلى المقومات الكبرى التي يمتلكها العراق من الموارد والفرص الاستثمارية، فضلاً عن موقعه الجغرافي الاستثنائي الذي يربط الاقتصاد العراقي بالعالم».

طريقة التنمية

ووصف الزيدي مشروع «طريق التنمية» بأنه «رؤية العراق الشاملة للتكامل والاندماج والاستقرار الإقليمي، وبوابة مهمة وممر استراتيجي للتجارة والاستثمار والصناعة والطاقة يربط الشرق بالغرب». وأضاف: «نريد لمشروع طريق التنمية أن يكون متاحاً للشراكة مع جميع جيراننا وأصدقائنا، لأننا نؤمن أن المصالح الاقتصادية تصنع الازدهار».

وخاطب الزيدي زعماء العالم بأن «استثمروا مع العراق، فهو يملك الموارد والسوق والموقع والإرادة لبناء اقتصاد جديد». وأضاف أن «أمن الدول واستدامة السلام مسؤولية مشتركة، والاستقرار الحقيقي لا يبنى بالحروب، بل بالمصالح المشتركة التي تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع».

وجدد رئيس الوزراء العراقي موقف بلاده «الداعم للحوار والدبلوماسية من أجل نزع فتيل الأزمات»، فقال: «اليوم نجد الضعفاء يظلمون لأن قانون الأقوياء هو من يحكم، وليس قوة القانون، ولهذا تبقى القضية الفلسطينية حاضرة ضمن أي حديث عن الاستقرار في المنطقة». وجزم بأنه «لن يكون هناك متسع للأمان في الشرق الأوسط من دون حل عادل للقضية الفلسطينية، وإثبات حق الشعب الفلسطيني في أرضه وتقرير مصيره وإقامة دولته ذات السيادة». وأكد أن الأمن الذي نسعى إليه «لا يقتصر على وقف النزاعات، بل يتعداه إلى مواجهة التغيرات المناخية وآثار التصحر وشح المياه»، داعياً إلى «إدارة مشتركة لموارد المياه وفق مبادئ التعاون والقانون الدولي».


الجولان... «تلاسن» يكشف أحد أسباب توقف المفاوضات بين دمشق وتل أبيب

بحيرة قرب قرية مجدل شمس الدرزية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل من هضبة الجولان... ويبدو في الخلفية جبل الشيخ (أ.ف.ب)
بحيرة قرب قرية مجدل شمس الدرزية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل من هضبة الجولان... ويبدو في الخلفية جبل الشيخ (أ.ف.ب)
TT

الجولان... «تلاسن» يكشف أحد أسباب توقف المفاوضات بين دمشق وتل أبيب

بحيرة قرب قرية مجدل شمس الدرزية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل من هضبة الجولان... ويبدو في الخلفية جبل الشيخ (أ.ف.ب)
بحيرة قرب قرية مجدل شمس الدرزية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل من هضبة الجولان... ويبدو في الخلفية جبل الشيخ (أ.ف.ب)

تكشف الردود المتبادلة بخصوص هضبة الجولان بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس السوري، أحمد الشرع، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، جزءاً من الأسباب الحقيقية لجمود المفاوضات بين تل أبيب ودمشق، وهي مفاوضات بدأت قبل سنتين؛ لكنها توقفت في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور بريف إدلب، قبل أسابيع.

وبحسب منتقدين لرئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن مواقفه المتصلبة في الأمم المتحدة تكشف مدى خشية القيادة الحالية في تل أبيب من السلام مع دمشق.

ومعروف أن الشرع قال في خطابه، أمام الجمعية العامة بنيويورك، إن سوريا معنية بهذا السلام ولكنها تريد أن يكون الثمن إعادة الجولان، الذي تحتله إسرائيل منذ عام 1967. ولأنه يعرف أن إسرائيل ليست جاهزة لدفع هذا الثمن اليوم، شدد الرئيس السوري على التوصل إلى اتفاقات أمنية بين الطرفين، تُفضي إلى سحب القوات الإسرائيلية من المناطق الجديدة التي احتلتها بعد ديسمبر (كانون الأول) 2024، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، والعودة إلى منظومة اتفاق فصل القوات الذي تم توقيعه في سنة 1974.

وتعرف إسرائيل هذا الموقف السوري جيداً من خلال المفاوضات التي أُجريت حتى الآن، وفيها أبدت حكومة الشرع استعدادها للاستمرار في مفاوضات بناءة تعيد الثقة بين الطرفين وتفضي لاحقاً إلى اتفاق سلام تام وكامل، مع تبادل سفارات وإقامة علاقات جيرة حسنة وتبادل تجاري وتعاون في شتى المجالات، بحسب ما يتردد في تل أبيب.

يجنيان محصول التفاح قرب قرية مجدل شمس في الجولان يوم 25 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

لكن القيادة الإسرائيلية التي تخشى دفع أي ثمن لهذا السلام، ردت على الشرع بعنف. في البداية، جاء الرد على لسان وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، الذي قال إن «الجولان تحت السيادة الإسرائيلية هو جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل إلى الأبد»، مشدداً على أن إسرائيل «لن تنسحب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية». وحذّر كاتس أيضاً من أن «أي أرض نأخذها هذه المرة ستبقى لنا إلى الأبد، وفقاً لقوانين الحرب». ثم رد نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة قائلاً إن اليهود موجودون في هضبة الجولان منذ أيام النبي موسى. وقدّم نتنياهو للشرع ما بدا بمثابة «درس في التاريخ» بحسب تفسيره لهذا التاريخ، قائلاً: «السيد الشرع، عليك أن تعلم أن اليهود موجودون في هضبة الجولان منذ أيام (النبي) موسى. يمكنك قراءة ذلك في الكتب السماوية».

غير أن مراجعة التاريخ تشير إلى أن كلام نتنياهو جاء ليعطي بعداً دينياً وتاريخياً للخطاب الاحتلالي الذي تفوّه به كاتس، بيد أنه لا يعني أنه صحيح تاريخياً؛ فالجولان منطقة كانت، بحسب المواقع الأثرية، مأهولة بالبشر في عصور موغلة في القدم، مع شواهد على الاستيطان خلال العصر النحاسي والعصر البرونزي، إلى جانب منشآت حجرية ومدافن وآثار تركتها مجتمعات استقرت في المنطقة قبل آلاف السنين؛ أي أقدم بكثير من عصر النبي موسى وبني إسرائيل.

وبرأي منتقدين لرواية نتنياهو، فإنه حتى على افتراض أن يهوداً عاشوا في الجولان، فهم لم يعيشوا لوحدهم هناك؛ فقد كان في المنطقة آخرون، ربما أكثر منهم عدداً. ويضيف هؤلاء المنتقدون أن كلام نتنياهو يعني أنه يحق لإسرائيل أن تحتل مناطق عاش فيها يهود قديماً، علماً بأن الروايات الدينية اليهودية تشير إلى وجودهم في مناطق واقعة بين نهري النيل والفرات.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمته في الأمم المتحدة يوم 24 سبتمبر (أ.ف.ب)

ويلفت منتقدو موقف نتنياهو بخصوص الجولان إلى أن حكومات إسرائيل حاولت إخفاء حقيقة أساسية تتمثّل في أنها رحّلت ما يصل إلى 90 في المائة من سكان الهضبة السورية لدى احتلالها في عام 1967؛ فقد كان يعيش في الجولان 140 ألف نسمة، لم يبقَ منهم سوى 8 آلاف اليوم. وما زالت إسرائيل تمنع الكشف عن سبب هذا التهجير، في حين يروي أهل الجولان قصص جرائم ومذابح تسببت في رحيلهم.

ويشير الكاتب موشيه كسيف إلى أن المفاوضات بين إسرائيل وسوريا لا تتطرق إلى التاريخ القديم، بل تتناول التاريخ الحديث والمستقبل؛ فالسوريون يريدون العودة إلى مشاريع السلام التي كانت قد طُرحت في الماضي بين حكومات إسرائيل، في زمن إسحق رابين وإيهود باراك وإيهود أولمرت وحتى نتنياهو نفسه، ودمشق خلال حكم حافظ الأسد وبعده نجله بشار، وفيها توافق إسرائيل على الانسحاب الكامل من الجولان على مراحل (في زمن بشار الأسد وافق نظامه على تأجير الجولان لإسرائيل لمدة 15 سنة، قابلة للتمديد)، مع ضمانات أمنية وعلاقات دبلوماسية. لكن نتنياهو يرفض حتى المشاريع التي وافق عليها في حينه، لأنه يريد أن يستثمر ما يعدّه «توازن القوى الجديد» ويسميه كاتس «قوانين نتائج الحرب»، مع أن سوريا الشرع لم تبادر إلى حرب مع إسرائيل، بل إن الجيش الإسرائيلي هو الذي استغل سقوط الأسد ليشن آلاف الغارات على سوريا ويحطم 85 في المائة من قدرات الجيش السوري الدفاعية واحتل مناطق جديدة في الجنوب السوري.

الرئيس الشرع خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر (د.ب.أ)

ويؤكد الإسرائيليون صحة أقوال الشرع بأن 90 في المائة من القضايا تم الاتفاق عليها بشأن اتفاق التفاهمات الأمنية، لكنهم يبررون التراجع الإسرائيلي بالادعاء أن سوريا تتحول إلى منطقة نفوذ تركية، وأن هناك بوادر لاستغلال الأرض السورية لهجوم على المستوطنات الإسرائيلية في الجولان، على غرار هجوم حركة «حماس» على غلاف غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وفي هذا الإطار، أبدى السوريون، في المفاوضات، استعدادهم لضمانات أمنية بعيدة المدى، مثل نزع السلاح في الجنوب السوري، وإقامة ممر آمن للتبادل التجاري، يُتاح فيه نقل مساعدات من الدروز في إسرائيل والجولان إلى محافظة السويداء. كما وافق السوريون على إقامة منظومة تنسيق أمني مشتركة بإشراف أميركي، تتضمن تبادل المعلومات الاستخباراتية وإشراك الأردن في المراقبة حتى تكون شاملة لكل المنطقة الحدودية. بيد أن الإسرائيليين لم يكتفوا بذلك بل أرادوا الاحتفاظ بقمم جبل الشيخ، وببعض مناطق الحزام الأمني، وبحرية دخول الأراضي السورية لملاحقة خلايا مسلحة.

ويسود الشعور بأن إسرائيل ليست معنية بمفاوضات ناجحة، وأنها جاءت إلى هذه المفاوضات رضوخاً لإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو فقط من يمنع نتنياهو من استغلال الوضع في سوريا لشن مزيد من الاعتداءات العسكرية. ويبدو أن الرئيس الأميركي ينتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية قبل أن يحسم موقفه من سياسات حكومتها.

ومعلوم أن ترمب أصدر في مارس (آذار) 2019، مرسوماً رئاسياً يعترف فيه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. لكن قرارات الأمم المتحدة تؤكد أن الجولان أرض محتلة، وترفض إعلان إسرائيل فرض قوانينها وإدارتها على هذه الهضبة السورية.