ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

واشنطن تراهن على خبرتها التفاوضية والعملية

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



مقالات ذات صلة

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية

جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

فيما يشبه «اختبار ضغط» متواصلاً لمدينة خبرت منذ 2020 كيف يمكن لحدث واحد أن يعيد تعريف صورة الولايات المتحدة عن نفسها، صعد اسم جاكوب فراي، عمدة مدينة مينيابوليس،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم»

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)

براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

في ظل ظروف إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها أزمات دول القرن الأفريقي مع صراع على موانئ البحر الأحمر ومياه نهر النيل، تبرز أوغندا، الدولة الحبيسة الواقعة في شرق

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع عيدي أمين (غيتي)

محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

في شرق القارة الأفريقية بعيداً عن منافذ البحر، تقع دولة أوغندا، التي استطاعت تحقيق قدر من الاستقرار في منطقة تشوبها الاضطرابات، وإن لم تسلم من تأثيرها

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

ترمب (آ ف ب/غيتي)
ترمب (آ ف ب/غيتي)
TT

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

ترمب (آ ف ب/غيتي)
ترمب (آ ف ب/غيتي)

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية، لا سيما الطبقة الحاكمة... وبالذات قوى «الإطار التنسيقي الشيعي»، المتهمة من قبل واشنطن بالولاء لإيران. الرئيس الأميركي أرسل ويرسل المزيد من حاملات الطائرات والبوارج الحربية إلى مناطق الشرق الأوسط القريبة من إيران، ملوّحاً بالعصا الغليظة مرة والدبلوماسية الناعمة بشروط صعبة - بل مستحيلة - مرة أخرى. وهكذا، أوصل أخيراً رسائل عدة إلى الطبقة السياسية العراقية، محذراً إياها من عواقب الوقوف إلى جانب طهران، رافضاً في الوقت نفسه حكومة تشكلها القيادة الإيرانية في بغداد.

المقاربة الأميركية الجديدة حيال العراق، بعد نحو عقدين على تغيير النظام العراقي السابق بإرادة أميركية، تريد الانفراد بالعراق. وهذا بعدما اضطرت الولايات المتحدة طوال العقدين الماضيين، إبان رئاسات كل من جورج بوش (الابن) وباراك أوباما ودونالد ترمب نفسه - في ولايته الأولى - وجو بايدن إلى التعامل مع إيران في العراق كواقع حال، بما في ذلك تقاسم عملية تشكيل الحكومة واختيار، بل وتنصيب رئيس الوزراء.

لكن عهد ترمب «الثاني» يبدو مختلفاً كلياً عن عهده «الأول». فترمب الذي «لم يقصّر» مع إيران عندما اغتال بالقرب من مطار بغداد الدولي عام 2020 «رجل إيران القوي» وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني مع نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي العراقي» أبو مهدي المهندس، لديه الآن رؤية مختلفة.

رؤية ترمب للمنطقة والعالم في ولايته الثانية مختلفة جذرياً؛ الأمر الذي نقل الصراع مع إيران من «قواعد اشتباك» معروفة إلى صدام مسلح (يونيو/ حزيران) 2025 إلى احتمال صدام جديد سيكون أقوى كما يلوّح دائماً.

عراقياً، وبما أن العراق أجرى بنهاية العام الماضي انتخابات برلمانية، يكثر الكلام الآن عن كيفية تشكيل الحكومة العراقية العتيدة ومن سيكون رئيسها. وفي حين فاز رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني بأعلى عدد من المقاعد، فإن قوى «الاطار التنسيقي» الشيعية لم تسمح له بتشكيل الحكومة نتيجة خلافات عميقة، قسم منها مرتبط بالعلاقة مع واشنطن.

إذ يرى العديد من قوى «الإطار التنسيقي»، لا سيما الفصائل المسلحة التي شاركت في الانتخابات الأخيرة وتمكّنت من الفوز بنحو 80 مقعداً في البرلمان، تعمل على تشكيل حكومة مَرضي عنها من إيران وبعيدة عن واشنطن.

ولكي يتحقق هذا الهدف، فإن العقدة تبقى في مسألة مَن سيتولى رئاسة الحكومة المقبلة. لكن المفاجأة التي لم تكن متوقعة البتة جاءت بتنازل السوداني لرئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، زعيم كتلة «دولة القانون» (أكبر كتل «الإطار»)، بوصفه الفائز الثاني لتشكيل الحكومة... بغية حل الانسداد السياسي في البلاد.

شيّاع السوداني (آ ب)

رسائل واشنطن

هذه المفاجأة لم تستوعبها واشنطن، التي سرعان ما «دخلت على الخط» بقوة بهدف إجهاض هذا التحرك.

فبعد الإعلان الرسمي عن ترشيح المالكي لترؤس الحكومة، كان مقرّراً أن يعقد البرلمان العراقي في اليوم التالي جلسة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية يتولى عملياً تكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً من النواب لتشكيل الحكومة. ولكن، جاءت الرسالة الأولى الغامضة التي أوقفت عقد الجلسة.

إذ قبل نحو ساعة من عقد الجلسة وبدء توافد النواب إلى القاعة إيذاناً ببدء التصويت لاختيار رئيس الجمهورية من بين 16 متنافساً يتقدّمهم وزير الخارجية الحالي فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ووزير البيئة السابق نزار امدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، تقرّر تأجيل الجلسة بطلب كردي لغرض «إجراء المزيد من المشاورات».

طبقاً للمعلومات التي بدأت تنتشر في الأوساط السياسية والبرلمانية، فإن الاتصالات الهاتفية التي أجراها توم برّاك، مبعوث ترمب إلى سوريا، مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، والاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني... من أجل رفض ترشيح المالكي لترؤس الحكومة، هي التي أدت إلى تأجيل الجلسة إلى يوم الأحد.

وفي حين قرّر «الإطار التنسيقي» المضي قُدُماً باعتماد ترشيح المالكي، دخل ترمب على الخط بنفسه عبر تغريدة رافضة هذا التوجه. وهذا التطور أدى إلى إرباك المشهد السياسي العراقي المرتبك أصلاً لأسباب عديدة، من بينها: أزمات داخلية تتقدمها أزمة رواتب الموظفين نتيجة انخفاض أسعار النفط.

ودفع هذا الواقع، بالذات العديد من القوى السياسية الشيعية، فضلاً عن كلّ القوى السنية والكردية إلى إعادة حساباتها من جديد. إذ تأكد حينئذٍ أن المسألة بوجهها الأميركي لم تعُد مجرد ضغط، بل باتت بمثابة تهديد مباشر، لا سيما مع تفاقم الأزمة بين طهران وواشنطن.

المالكي (رويترز)

المالكي يتحدّى

المالكي، في أول رد فعل له أعلن رفضه لتغريدة ترمب. فقد قال زعيم كتلة «دولة القانون» في تغريدة له حُذفت من حسابه لاحقاً: «نرفض رفضاً قاطعاً التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكاً لسيادته ومخالفاً للنظام الديمقراطي في العراق بعد عام 2003، وتعدّياً على قرار (الإطار التنسيقي) لاختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء». وأضاف، أن «لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء إلى لغة الإملاءات والتهديد». وأردف: «انطلاقاً من احترامي للإرادة الوطنية، وقرار (الإطار التنسيقي) الذي كفله الدستور العراقي، فسوف أستمر بالعمل حتى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي».

في السياق نفسه، فإن حزب الدعوة، الذي يتزعمه المالكي أيضاً، حذّر مما أسماه «فتح ثغرة » من قِبل «الإطار التنسيقي». وقال الحزب في بيان له إن «الكتلة البرلمانية الأكبر، وبوصف ذلك استحقاقاً دستورياً وديمقراطياً لها، استخدمت حقها القانوني والسياسي في ترشيح مَن تراه مناسباً لرئاسة مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة». وتابع الحزب: «إننا نعتقد أن فتح ثغرة في القرار الإطاري قد جرّ العملية السياسية إلى هذا التعقيد، وسينجم عن ذلك تداعيات على أكثر من صعيد، وهو ما يوجب دعوة القوى السياسية الخيرة من جميع المكوّنات إلى الدفاع عن القرار الوطني العراقي المستقل».

ملفات سافايا

سياسي عراقي مطّلع أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الملفات التي يحملها المبعوث الأميركي للعراق مارك سافايا أخطر من تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ كون أن ملفات سافايا تستهدف زعامات سياسية بارزة من الخطوط الأول والثاني والثالث بينما تغريدة ترمب، وإن كانت تستهدف هي الأخرى بنية النظام السياسي الذي أُسّس بإرادة أميركية بعد عام 2003، فهي على الأقل تستهدف وبالاسم رجلاً واحداً هو نوري المالكي المرشح لتولي منصب رئيس الوزراء».

السياسي العراقي، أضاف - طالباً إغفال الإشارة إلى اسمه - أن «عملية تأجيل جلسة البرلمان جاءت عقب الاتصال الهاتفي بين توم برّاك وبارزاني؛ الأمر الذي دفع القيادة الكردية إلى طلب التأجيل... الذي تناغم مع رغبة القيادات الشيعية التي رفضت ترشيح المالكي، وهي قيادات معروفة (في كتلتي الحكيم والخزعلي) باختلاف دوافع التأجيل؛ كون الجلسة لو عقدت وانتُخب رئيس جديد للجمهورية فإنه سيكون مضطراً إلى تكليف المالكي تشكيل الحكومة».

وأوضح السياسي أن «المرشحين الكرديين لمنصب رئيس الجمهورية كانا قد أعدا كتاب تكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً في حال جرى انتخابه لمنصب رئيس الجمهورية، غير أن تأجيل الجلسة جاء بأمر خارجي بانتظار موقف مُعلن من قِبل الرئيس الأميركي جرى التنويه عنه من قبل روبيو للسوداني وبرّاك لبارزاني».

تضخيم صورة تغريدة ترمب

في هذا السياق، يقول الدكتور ياسين البكري، أستاذ العلوم السياسية في كلية النهرين، لـ«الشرق الأوسط» إن «تضخيم صورة تغريدة ترمب عن رفض المالكي غير واقعي، وكأن تشكيل الحكومات في العراق يجري بمعزل عن التأثير الخارجي وتحديداً الأميركي والإيراني». ثم يضيف: «الأمر اختلف الآن؛ كون أن الرفض جاء هذه المرة علنياً، وبالتالي لا أعتقد أن هناك مأزقاً بقدر ما هو حرج سوف يصار إلى تبريره».

ويتابع البكري إنه «سيجري التعامل مع الأمر لإدراك الساسة امتلاك واشنطن الملفات الضاغطة على الوضع العراقي، وأهمها حالياً الملف الاقتصادي الذي يعاني أزمة، والذي مفاتيحه في واشنطن... وهذا فضلاً عن تحديات المنطقة الأمنية، وتلك أيضاً ملفات ضاغطة». ويوضح أن الأهم الآن إطارياً الاتفاق على شخصية تتمتع بالقدرة على ترتيب أوراق العراق الدولية والإقليمية، وهي المهمة المستعجلة على ضوء متغيرات الداخل والإقليم...«وليس بين الشخصيات القادرة لا يزيد على شخصيتين لا أكثر، ليس بينهما السوداني»، على حد قوله.

3 مسارات للحل

من جهته، يقول الباحث والأكاديمي الدكتور طالب محمد كريم، لـ«الشرق الأوسط» إن «المأزق الحالي المتعلق بترشيح نوري المالكي وما يُوصف بـ(فيتو ترمب) لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للشرق الأوسط، حيث تعيش المنطقة مرحلة إعادة ترتيب نفوذ، ومحاولة تثبيت توازنات جديدة بعد سنوات من الحروب والاستنزاف».

ويشرح كريم: «من وجهة نظر إقليمية ودولية، هناك قوى لا تزال تفضّل بقاء العراق في مساحة الإدارة الهادئة لا القرار المستقل... ولذلك تتحفّظ عن أي شخصية تمتلك وزناً سياسياً وقدرة على فرض معادلات داخلية أكثر استقلالية. ومن هنا يأتي التضخيم الإعلامي لأي موقف أميركي، حتى لو لم يكن رسمياً أو حاسماً».

وفي المقابل، كما يقول كريم، فإنه «داخل العراق، يتعامل (الإطار التنسيقي) مع ترشيح المالكي بوصفه ورقة قوة تفاوضية، لا مجرد اسم، بينما تحاول أطراف أخرى توظيف العامل الخارجي للضغط وإعادة خلط الأوراق».

ورداً على سؤال بشأن كيفية الخروج من المأزق، يقول كريم إن «عملية الخروج من هذا المأزق، تمرّ عبر ثلاثة مسارات: الأول، تثبيت القرار الداخلي، أي حسم واضح داخل البيت الشيعي، مع تفاهم جدّي مع الأكراد والسنّة، يقلّل تلقائياً من تأثير أي ضغط خارجي. والثاني، إدارة العلاقة مع واشنطن ببراغماتية لا بالصدام ولا بالتنازل، بل بتأكيد أن اختيار رئيس الوزراء شأن عراقي دستوري، مع طمأنة المصالح المشتركة دون الارتهان لها. والثالث، تقديم برنامج حكومي واضح، فحيث يوجد برنامج اقتصادي وأمني وخدمي واقعي، يصبح التركيز على الشخص أقل أهمية، داخلياً وخارجياً...».

... و3 سيناريوهات

وبشأن السيناريوهات المتوقعة، يقول إن «السيناريوهات المتوقعة، أيضاً ثلاثة: الأول، التمرير المشروط - وهو الأرجح - حيث يُمرَّر المالكي ضمن تفاهمات داخلية وضمانات سياسية، مع إدارة هادئة للعلاقة مع الخارج. والثاني، التسوية البديلة في حال تصاعد الضغوط أو تعقّد التفاهمات، وقد يُتَّفق على شخصية وسطية كحل مؤقت. والثالث، الانسداد السياسي... وهو الأخطر، وسيحدث إذا فشلت القوى في التوافق؛ ما سيؤدي إلى تعطيل طويل وتأزيم الشارع».

الخلاصة، كما يرى الدكتور كريم، أن «الشرق الأوسط اليوم يتجه نحو تقليل الصدامات المباشرة وزيادة منطق التسويات. وإذا ما أحسن العراق إدارة هذا الظرف، سيتمكن من تحويل الأزمة فرصةً لتكريس قراره الوطني. أما إذا أُدير الملف بمنطق الانفعال أو الارتهان، فسيبقى رهينة التجاذبات... فالمعيار في النهاية ليس مَن ترضى عنه واشنطن، بل مَن يستطيع إدارة العراق في هذه المرحلة المعقّدة بأقل كلفة وأعلى توازن».

مرحلة القرارات الصلبة

في السياق نفسه، يقول الدكتور إحسان الشمّري، رئيس مركز التفكير السياسي في العراق وأستاذ السياسات الدولية في جامعة بغداد، لـ«الشرق الأوسط» إن «نقطة تحول كبيرة جداً في سياسة الولايات المتحدة حيال العراق كنظام سياسي أو حتى كعملية سياسية أنتجتها الانتخابات الأخيرة. إذ يبدو أن ترمب انتقل من الرسائل الدبلوماسية المرنة، التي وصلت إلى الطبقة السياسية عن طريق وزير خارجيته أو مبعوثه مارك سافايا، إلى القرارات الصلبة».

وأردف: «ذلك يعطي إشارة واضحة على أن الرئيس الأميركي سيعمل على إعادة صياغة العملية السياسية العراقية، لا سيما وأن الموقف الأميركي الأخير موجّه إلى أقوى الفاعلين السياسيين في العراق».

وأوضح الشمري أن «رفض ترمب ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء إنما هو رفض لكل (الإطار التنسيقي) وسياساته. حيث يبدو أن ثمة خطة أميركية لإعادة التموضع في العراق بما لا يسمح لأي وجود إيراني فيه. وهذا، فضلاً عن أنه موقف يحمل في ثناياه توجهاً أميركياً سيعمل على تصحيح الأخطاء التي ارتُكبت في العلاقة مع واشنطن لجهة النظام السياسي الذي كانت قد رعته».

واختتم الشمري مؤكداً أن «النظام السياسي قد لا يكون هدفاً بالنسبة لترمب، لكن بما لا يقبل الشك سيضع في حساباته ترميم هذا النظام، ومن ثم التكيّف معه، بما في ذلك عزل الطبقة السياسية التي لا تريد إصلاح النظام السياسي، بل تواصل السير بمعادلة مغلوطة حتى على صعيد المنظومة الإقليمية والدولية». عهد ترمب «الثاني» يبدو مختلفاً كلياً عن عهده «الأول»


جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
TT

جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية

فيما يشبه «اختبار ضغط» متواصلاً لمدينة خبرت منذ 2020 كيف يمكن لحدث واحد أن يعيد تعريف صورة الولايات المتحدة عن نفسها، صعد اسم جاكوب فراي، عمدة مدينة مينيابوليس، ليتقدم واجهة المشهد الوطني. ليس فقط لأن المدينة أصبحت منذ أواخر 2025 وبدايات 2026 ساحة مواجهة سياسية وقانونية بين السلطات الفيدرالية وسلطات ولاية مينيسوتا، والمدينة، على خلفية حملات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس»، وما تلاها من احتجاجات، واتهامات متبادلة، بل لأن فراي اختار أن يواجه ذلك بخطابٍ يزاوج بين «مبدئية الحقوق» و«برغماتية الإدارة»، في خليط داخل «حزب ديمقراطي» مأزوم في رسالته، وهويته.

وُلد جاكوب فراي يوم 23 يوليو (تموز) 1981، ونشأ في شمال ولاية فيرجينيا، في ضواحي العاصمة واشنطن (أوكتون بمقاطعة أرلينغتون). وفي مرحلة الدراسة الجامعية حصل على منحة رياضية في كلية وليام أند ماري، ثاني أقدم وأعرق الجامعات الأميركية بعد هارفارد، ودرس الإدارة الحكومية. وبعد التخرج عام 2004 اتجه إلى احتراف جري سباقات المسافات الطويلة، ومثّل المنتخب الأميركي في منافسات دولية. وهذه الخلفية ليست تفصيلاً تزيينياً، فالشاب بنى جزءاً من صورته العامة على «انضباط العدّاء»، و«القدرة على التحمّل»، وهي استعارات يستخدمها سياسيون كثيرون، لكنها عنده تتحول إلى مادة تعريف شخصية متماسكة.

بعد ذلك، التحق فراي بكلية الحقوق في جامعة فيلانوفا، الكاثوليكية العريقة، وتخرج منها مجازاً بالقانون، ثم جاء إلى مينيابوليس عام 2009، حيث عمل في مجال الحقوق المدنية، وقضايا التمييز والعمل قبل دخول حلبة السياسة المحلية. ولقد تزوج من زوجته الأولى، ميشيل ليليينثال عام 2009، وانفصلا في عام 2014. ثم تزوّج عام 2016 من زوجته الثانية، سارة كلارك، الناشطة في مجال الضغط السياسي لدى شركة «هايلدن» للمحاماة والاستشارات، حيث تمثّل الشركات، والمنظمات غير الربحية، ومنظمات المجتمع المدني أمام الهيئة التشريعية، والوكالات التنفيذية في ولاية مينيسوتا.

في العام 2020، رزق الزوجان بطفلهما الأول، ووُلد طفلهما الثاني في 2025. وفي سيرته الرسمية، يقدّم فراي نفسه ابناً لبيئة أميركية نموذجية من الطبقة الوسطى، تشرّب مبكراً فكرة «الخدمة العامة» عبر بوابة الرياضة، ثم القانون. بيد أن عنصر الهوية الدينية يظل حاضراً في مساره السياسي. فهو يهودي ينتمي إلى التيار الإصلاحي، ويرتاد مع زوجته الثانية التي اعتنقت اليهودية «كنيس إسرائيل»، وهو كنيس إصلاحي في مينيابوليس.

ويُستدعى هذا البعد أحياناً بوصفه عدسة أخلاقية أكثر من كونه شعاراً انتخابياً، خصوصاً حين تتقاطع ملفات المدينة مع أسئلة «الاندماج»، و«الحماية»، و«الخطاب العام» في زمن الاستقطاب.

«الانحياز للضعفاء»

يُحسب لفراي أنه لم يدخل السياسة من بوابة الشركات الكبرى، أو «مكاتب واشنطن»، بل من السياسة البلدية: مجلس مدينة مينيابوليس، ثم رئاسة البلدية. وفي السردية التي يكرّرها مقرّبوه، كان دافعه الأساسي الاقتراب من ملفات الإسكان، والحقوق، والخدمات، حيث تُختبر الدولة يومياً في حياة الناس العاديين.

وفي مدينةٍ ذات تاريخ ثقيل مع قضايا العِرق، والشرطة، واللامساواة، يغدو هذا المسار البلدي طريقاً إلى السياسة الوطنية من دون إعلان ذلك صراحة. ففراي «ليس نجماً تلفزيونياً» بقدر ما هو إداري يراهن على تحويل النزاعات الكبرى إلى سياسات محلية قابلة للقياس.

انتخب فراي عمدة في 2017، وتسلّم منصبه مطلع 2018، ثم أُعيد انتخابه في 2021، وفاز بولاية ثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بنظام التصويت التفضيلي. واعتُبر فوزه الأخير حدثاً مهماً، لأنه عكس داخل «الحزب الديمقراطي» المحلي صراعاً بين جناح «مؤسساتي/ وسطي» يمثله فراي، وجناح «يساري/ ديمقراطي-اشتراكي» صاعد يمثله غريمه -الصومالي الأصل- عمر فاتح، في منافسة جذبت اهتماماً وطنياً واسعاً.

نموذج «العمدة القوي»

أحد التحولات البنيوية في عهد فري كان الانتقال إلى نموذج «العمدة القوي» الذي يمنح رئيس البلدية سلطة تنفيذية أكبر على إدارات المدينة. ووفق وثائق المدينة، أُقرت ترتيبات بنيوية جديدة -منها إنشاء مكتب للسلامة المجتمعية- ضمن هيكل يوسّع صلاحيات العمدة التنفيذية. وهذا التحوّل يفسّر جانباً من صدامه المستمر مع مجلس المدينة: فالنزاع لم يعد فقط على «السياسة»، بل على «مَن يملك مفاتيح التنفيذ».

الشرطة بعد قضية جورج فلويد

مقتل المواطن الأسود جورج فلويد عام 2020، وما تلاه من احتجاجات محلية وعالمية، مثّل لحظة مهمة لفراي، حين أعلن في اليوم التالي للحادثة فصل أربعة ضباط تورّطوا في القضية، وهي خطوة عاجلة لإظهار أن المدينة لن تدافع عن الواقعة.

لكن التحدّي الحقيقي جاء لاحقاً: كيف تُصلح مؤسسة شرطة مُنهكة بالفضائح، والعجز، والثقة المكسورة، من دون الانزلاق إلى فراغ أمني، أو معركة مؤسساتية مفتوحة مع النقابات، والمجلس؟

منذ ذلك الحين، مال فراي إلى مقاربة يمكن تلخيصها بعبارة «الإصلاح لا الإلغاء». وهذا الموقف ظهر أيضاً في النقاشات التي رافقت دعوات إعادة هيكلة الشرطة جذرياً في 2021، وفي الجدل الوطني حول «خفض التمويل».

وفي يناير (كانون الثاني) 2025، وافق العمدة ومجلس المدينة على «مرسوم رضائي» مع وزارة العدل الأميركية لدفع «إصلاحات مؤسسية» أعمق داخل شرطة مينيابوليس، خطوة تُقرأ عادة باعتبارها انتقالاً من «وعود سياسية» إلى «التزام قانوني قابل للرقابة».

وثائق المدينة، الليبرالية سياسياً، تضع «السلامة» في قلب أجندة فراي عبر مزيج من توظيفات، وبرامج استجابة لأزمات الصحة النفسية، ومحاولة بناء منظومة أوسع من الشرطة وحدها. غير أن منتقديه، خصوصاً داخل مجلس المدينة، يرون أن النتائج على الأرض أبطأ من حجم الوعود، وأن الفجوة بين «الخطاب الإصلاحي» و«إدارة مؤسسة شرطة مقاومة للتغيير» لا تزال قائمة.

الإسكان والتشرد وحقوق التصويت

من جهة ثانية، بينما يُحسب لمينيابوليس أنها أصبحت «مختبراً» وطنياً في سياسات تواجه الكثافة السكنية، وتقليص حصرية مناطق السكن الفردي عبر خطة «مينيابوليس 2040» التي سمحت على نطاق واسع بزيادة عدد الطوابق في أحياء كانت مخصّصة لبيت من طابق واحد. لكن الملف الذي يطارد فراي سياسياً هو التشرّد، والمخيّمات. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، استخدم حق النقض ضد تشريع كان سيمنح المخيمات حماية زمنية أطول، مبرّراً ذلك بأنه يشجّع على «تضخّم المخيّمات»، ويقيّد التدخّل المبكّر. وشدّد يومذاك على أن المدينة تريد «سكناً وخدمات» لا «ترسيخ العيش غير الآمن في العراء».

في الوقت نفسه، شهدت المدينة -وهي إحدى الأبرد في البلاد- مساومات ميزانية لإبقاء برامج قسائم سكن طارئة لعدد من المعرّضين للتشرّد، في صفقة عكست كيف يتحوّل السكن إلى «عصب سياسي» يومي بين العمدة والمجلس.

أيضاً، في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية، يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية. وصفحات الانتخابات الرسمية في مينيابوليس تتيح «التصويت من السيّارة» لمن لا يستطيعون دخول مركز الاقتراع بسهولة، وإتاحة التسجيل، وتحديثه ضمن الإجراء نفسه. وتُظهر أدلة المدينة الانتخابية وجود أجهزة «وضع علامات اقتراع ميسّرة»، وخيارات مساعدة متعدّدة داخل مركز الاقتراع. تفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها في زمن الاستقطاب تُقرأ على أنها مؤشّر على فلسفة «خفض العوائق» أمام المشاركة، في مواجهة سياسات جمهورية مناقضة.

«مدينة ملاذ»... والهوية الجندرية

على صعيد الهجرة، لا يكتفي فراي بوصف مينيابوليس «مدينة ملاذ» ليبرالية، بل يستند إلى نصوص تشريعية محلية تقيّد تعاون موظفي المدينة مع إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية، وتمنع الاستفسار عن الوضع القانوني للهجرة إلا عندما يفرض القانون ذلك.

ومع تصاعد «النشاط الفيدرالي» أواخر 2025 وبدايات 2026، تعزّز في الأسابيع الأخيرة حضور فراي وطنياً بسبب المواجهة المفتوحة مع السلطات الفيدرالية حول عمليات «آيس». إذ طالبت بيانات المدينة الرسمية الوكالة بالمغادرة، وشرحت أن مينيابوليس لا تطبق قوانين الهجرة المدنية.

وعلى المستوى الإعلامي، صعد فراي خطابه بعد حوادث عنف مرتبطة بالعمليات، والاحتجاجات، مقدماً نفسه مدافعاً عن «سلامة المجتمع»، و«الحقوق» في مواجهة ما يصفه منتقدو الإدارة بأنه «عسكرة» للفضاء المدني.

وتنسحب فكرة «الملاذ» على ملفات أخرى، حيث أصدر فراي في 2022 أمراً تنفيذياً يمنع تعاون أجهزة المدينة مع ملاحقات تتعلق بالرعاية الصحية الإنجابية، وأصدر أمراً آخر يجعل مينيابوليس «ملاذاً» للرعاية الصحية المُؤكِّدة للنوع الاجتماعي.

وهنا يظهر فراي بوصف أنه سياسي ديمقراطي يحاول تحويل القيم إلى «أدوات إدارية» لا مجرد مواقف.

في المقابل، علاقة فراي مع ملفات العمل والاقتصاد الحضري معقّدة، ففي عام 2024 اصطدم بمجلس المدينة الذي دعا إلى حد أدنى لأجور سائقي «أوبر»، و«ليفت». واستخدم حق النقض (الفيتو)، محذّراً من تبعات اقتصادية، وتشغيلية، وبينما مضى المجلس لتجاوز «الفيتو»، هدّدت الشركتان بتعليق الخدمة. وهذا الملف قدّمه خصومه دليلاً على انحيازه لـ«البرغماتية المائلة للأعمال»، بينما قدّمه أنصاره على أنه اختبار صعب بين إنصاف العمال والحفاظ على خدمات يعتمد عليها سكان كثيرون.

وفي أواخر 2024، عاد التوتر مع المجلس حول فكرة «مجلس معايير العمل»، حيث استخدم فراي «الفيتو»، محاججاً بأن الصيغة المقترحة لا تعطي تمثيلاً كافياً للقطاع التجاري، ما يعكس رغبته الدائمة في لعب دور «الموازن» بين قوة النقابات وخشية هروب الاستثمار.

إشكالية «حرب غزة»

الملف الأكثر حساسية لشخصية يهودية في رئاسة مدينة تقدّمية ليبرالية كان ملف غزة. ففي يناير 2024، كتب فراي في رسالة اعتراض أن قرار مجلس المدينة الداعي لوقف النار «يُبرز تاريخ الفلسطينيين، ويكاد يمحو تاريخ اليهود الإسرائيليين»، منتقداً اللغة التي رأى أنها «أحادية»، وتفاقِم الانقسام. لكن المجلس تجاوز اعتراضه، وأقر القرار بغالبية 9 مقابل 3 أصوات. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، اعترض على قرار يدعم محتجين مؤيدين لفلسطين في جامعة مينيسوتا، معتبراً أن الرسالة «تضع سابقة خطيرة»، إذ «مدحت أفعالاً غير قانونية لمجرّد توافقها مع تفضيلات سياسية».

هذان الملفان يُظهران حدود «المدينة التقدّمية»، حين تتحول السياسة الدولية إلى سياسة محلية، ويصبح العمدة مطالباً بأن يقرّر: هل يلعب دور «الناشط» أم «الحَكم»؟

صعود فراي اليوم لا يُقرأ فقط بوصفه صعود «عمدة مدينة»، بل إشارة إلى بحث الديمقراطيين عن لغة جديدة بعد سنوات من ارتباك الرسالة بين جناح يساري يطالب بإعادة تعريف الدولة، وجناح وسطي يريد إصلاحات معتدلة بلا صدامات.

فراي يقف في الوسط: إذ يرفع راية الملاذ والحقوق المدنية، لكنه يتراجع حين يرى أن السياسة تتحوّل إلى شعار يهدّد قدرة المدينة على الإدارة، أو يفتح الباب لفوضى مؤسساتية.وفي مدينة أصبحت مرادفاً لجرح أميركا المفتوح منذ حادثة جورج فلويد، ومرآةً لصراع الهجرة (وبالأخص الجالية الصومالية)، والسلطة في 2026، يحاول جاكوب فراي أن يقدّم نموذجاً مختلفاً، لكنه لا يزال بعيداً عن تقديم جواب شافٍ لأزمة الحزب «الديمقراطي».


مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
TT

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم» عاصمتها السياسية سانت بول.

في السنوات الأخيرة تحوّلت «رمزاً سياسياً» تختصر فيه الولاية تناقضات أميركا بين حالة ديمقراطية ليبرالية تقدّمية وسلطة فيدرالية جمهورية أكثر صدامية في عهد دونالد ترمب.

مينيابوليس تشتهر بكونها مدينة «الطبيعة داخل المدينة». إذ تحتضن شبكة بحيرات ومستنقعات وجداول داخل حدودها، إلى جانب نهر المسيسيبي، ومسارات مشي ودرّاجات تمتد لأميال ضمن منظومة حدائق تُقدَّم كميزة فريدة.

وبجانب هذا الوجه الطبيعي، لدى مينيابوليس حضور ثقافي لافت في الغرب الأوسط، من «ووكر آرت سنتر» وحديقة المنحوتات، إلى «غاثري ثياتر» الذي يُعدّ مؤسسة مسرحية مركزية في المدينة. وتضم عدداً كبيراً من مقار الشركات والمؤسسات، مثل شركة «تارغت» و«يو إس بان كورب» وغيرهما؛ ما يعزّز ثقلها كعقدة أعمال ومال وخدمات في مينيسوتا.

لكن شهرة مينيابوليس اليوم ليست سياحية فقط؛ فهي تُصنَّف مدينة تقدّمية؛ لأن سياساتها المحلية تراكمت لسنوات على قاعدة «خفض العوائق» أمام المشاركة والخدمات، والتوسّع في الحماية الاجتماعية. تعتمد المدينة «التصويت التفضيلي» في كل الانتخابات البلدية منذ 2009، وهو ما يُقدَّم كإصلاح ديمقراطي يعزز التمثيل ويحد من الاستقطاب داخل السباقات المحلية. وفي الاقتصاد الاجتماعي، كانت من أوائل مدن الغرب الأوسط التي أقرّت مسار رفع الحد الأدنى للأجور وصولاً إلى 15 دولاراً، مع مراحل تطبيق امتدت حتى 2024. وفي يناير (كانون الثاني) 2026 برزت المدينة مسرحاً مباشراً للصراع بين ترمب والديمقراطيين عبر ملف الهجرة.

عمليات «آيس» في مينيابوليس، وما ارتبط بها من حوادث مثيرة للجدل، من مقتل الأميركية رينيه نيكول غود (37 سنة)، ثم أليكس بريتي، الممرّض الأميركي (37 سنة) أيضاً، ومحاولة عناصر «آيس» دخول القنصلية الإكوادورية وما أثارته من احتجاج دبلوماسي، قدمت للبيت الأبيض فرصة لإظهار «قبضة إنفاذ» أمام الجمهور المحافظ. في المقابل، منحت الديمقراطيين مادة تعبئة حول «تغوّل السلطة الفيدرالية» وحدودها داخل المدن الملاذ. وحقاً، لم تعُد المدينة ساحة مواجهة بين ترمب والديمقراطيين فقط، بل غدت مرآة انقسام الديمقراطيين: بين تيارٍ مؤسساتي - براغماتي يركز على الأمن والخدمات وإدارة المدينة، وتيار يساري يرى أن زمن «الترقيع» انتهى. وإعادة انتخاب العمدة جاكوب فراي في 2025 عبر التصويت التفضيلي بوجه تحدٍ يساري بارز، بيّنت أن المدينة، ولو أنها أكثر تقدمية، لا تمنح تفويضاً تلقائياً للشعارات، بل تبحث عن توازن صعب بين العدالة والسلامة.

لهذا كله؛ تبدو مينيابوليس (مع سانت بول) بالنسبة لمينيسوتا «عاصمة سياسية» بقدر ما هي عاصمة اقتصادية. وإذا أراد ترمب أن يثبت أن الدولة الفيدرالية قادرة على فرض أجندتها داخل المدن، فهي المكان الأكثر رمزية. وإذا أراد الديمقراطيون أن يبرهنوا على أن الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن قدرة الحكم المحلي على إدارة الأزمات، فهي أيضاً مختبرهم الأكثر شهرة.