هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

قراءة علمية هادئة في مخاوف قديمة وحقائق جديدة

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
TT

هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم

في مطلع عام 2026، أعادت وسائل الإعلام البريطانية فتح ملف بالغ الحساسية، محذّرة من احتمال أن تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في خفض «العتبة المعرفية اللازمة» لتطوير أسلحة بيولوجية، بل وذهبت بعض التحليلات إلى سيناريوهات قصوى تتحدث عن «عوامل مُمرِضة» قد تُصمَّم نظرياً لاستهداف خصائص بشرية، مثل العِرق، أو الجنس.

حين تعود الأسئلة القديمة بلغة جديدة

هذا الطرح أعاد إلى الذاكرة مخاوف أُثيرت قبل سنوات في الأوساط الطبية الغربية، من بينها تحذيرات عبّرت عنها الجمعية الطبية البريطانية (British Medical Association) في تقارير، ونقاشات أخلاقية تعود إلى مطلع الألفية، حين حذّرت من أن التقدّم السريع في علم الجينوم قد يفتح، في حال غياب الضوابط الأخلاقية، والتشريعية، الباب أمام سوء استخدام المعرفة الوراثية لأغراض تمييزية، أو عدائية. وقد أكدت الجمعية في حينه أن الخطر لا يكمن في العلم ذاته، بل في إمكانية توظيفه خارج الإطار الطبي، والإنساني، مشددة على ضرورة الرقابة الصارمة، ومنع أي انحراف قد يحوّل أدوات التشخيص والعلاج إلى وسائل إقصاء، أو أذى جماعي، لكن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل يمكن تخيّل ذلك؟ بل: هل تسمح العلوم الحديثة فعلاً بحدوثه؟

الخوف من البيولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي

جذور الخوف: فكرة «السلاح الجيني»

انبثقت فكرة «السلاح الجيني» من تصوّرٍ مبسّط يرى أن البشر يمكن تقسيمهم وراثياً إلى أعراق متمايزة بحدود واضحة. غير أن هذا التصور اصطدم، مع تقدّم علم الوراثة، بحقائق علمية صارمة. إذ أثبتت الدراسات الجينومية واسعة النطاق أن البشر يتشاركون أكثر من 99.9 في المائة من مادّتهم الوراثية، وأن الفروق الجينية داخل المجموعة الواحدة غالباً ما تفوق الفروق بين المجموعات المختلفة.

وبعبارة علمية دقيقة: العرق مفهوم اجتماعي–ثقافي أكثر من كونه تصنيفاً وراثياً صالحاً للاستهداف البيولوجي.

الذكاء الاصطناعي: لتسريع للعلم لا كسر قوانينه

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحوّلاً عميقاً في الطب الحيوي، من خلال تسريع تحليل الجينوم، وتحسين اكتشاف الأدوية، ودعم ما يُعرف بالطب الدقيق، والعلاج الموجّه.

غير أن هذا التقدّم، كما تؤكد أحدث المراجعات العلمية، لا يمنح سيطرة مطلقة على البيولوجيا. ففي مراجعات منهجية نُشرت بين عامي 2024 و2025 في مجلات مرجعية، مثل «مراجعات نيتشر في علم الوراثة» (Nature Reviews Genetics) و«لانسيت للصحة الرقمية» (The Lancet Digital Health)، خلص الباحثون إلى نتيجة حاسمة:

لا توجد حالياً، ولا في المستقبل القريب المنظور، قدرة علمية واقعية على تصميم عامل بيولوجي يستهدف عِرقاً بشرياً محدداً بدقة يمكن ضبطها.

لماذا يفشل «السلاح الجيني» علمياً؟

تُجمع الأبحاث الحديثة على ثلاث حقائق رئيسة تقف عائقاً أمام هذا السيناريو:

* أولاً: التداخل الجيني الشديد بين البشر، وغياب أي «بصمة وراثية نقية» لأي مجموعة.

* ثانياً: تعقيد الشبكات البيولوجية، حيث تعمل الجينات ضمن منظومات تتأثر بالمناعة، والبيئة، ونمط الحياة.

* ثالثاً: الطبيعة المتحوّلة للعوامل المُمرِضة التي تجعل التحكم بسلوكها وانتشارها أمراً غير قابل للضبط.

لهذا وصفت مراجعة علمية حديثة فكرة الأسلحة الجينية الموجّهة بأنها (امتداد لخيال علمي قديم بلباس تقني جديد).

القلق الحقيقي: المعرفة لا السلاح

التحذيرات المعاصرة –ومنها ما ورد في تقرير لصحيفة «آي»– لا تتعلق باختراع «سلاح خارق»، بل بإمكانية سوء استخدام المعرفة، أو تسهيل بعض المراحل الثانوية، مثل البحث، أو التخطيط. وحتى منظمة الصحة العالمية أكدت في تحديثها للأمن البيولوجي لعام 2025 أن الخطر الأكبر على البشرية لا يزال يتمثل في الأوبئة الطبيعية، وأن تقوية أنظمة الرصد الصحي، والاستجابة السريعة هي خط الدفاع الأول، سواء في مواجهة تهديدات طبيعية، أو متعمّدة.

بين الخوف والحكمة

في هذا السياق، تبدو مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل (Winston Churchill) بالغة الدلالة: «الخوفُ ردّ فعل، أمّا الشجاعة فقرار». فالخوف من التكنولوجيا مفهوم، لكن تحويل هذا الخوف إلى ذعر قد يكون أخطر من التكنولوجيا نفسها. أما القرار الحكيم، فيكمن في الحوكمة، لا في الهلع.

الجين والذكاء... طبّ ينقذ الحياة

من الذعر إلى الحوكمة

ان العلم الحديث لا يدعو إلى الطمأنينة الساذجة، ولا إلى تضخيم المخاطر، بل إلى مقاربة متوازنة تقوم على:

-حوكمة أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي.

-تشريعات علمية دقيقة.

-تعاون دولي عابر للحدود.

-أنظمة صحية قادرة على الاحتواء والاستجابة.

وكما جاء في أحد تقارير الأكاديميات الوطنية الأميركية للعلوم (National Academies of Sciences)، فإن «أفضل حماية من أي تهديد بيولوجي ليست في عسكرة العلم، بل في تقوية الصحة العامة».

الخلاصة: العلم لا يُرعب... سوء استخدامه يفعل

يعيد الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة بلغة جديدة، لكنه لا يغيّر قوانين البيولوجيا.

أما «السلاح الجيني» الذي يستهدف الأعراق، فيبقى –وفق المعطيات العلمية الحديثة– فرضية إعلامية مثيرة، ولا يمثل خطراً علمياً وشيكاً. والتحدي الحقيقي ليس في الخوارزميات، بل في كيفية إدارتها أخلاقياً.

وحين يُدار العلم بالمسؤولية، يظل –كما كان دائماً– أداةً لحماية الإنسان... لا لإفنائه.


مقالات ذات صلة

إنفاق الذكاء الاصطناعي يضغط على التدفقات النقدية لعمالقة التكنولوجيا

الاقتصاد شعار شركة ميتا في صورة توضيحية مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

إنفاق الذكاء الاصطناعي يضغط على التدفقات النقدية لعمالقة التكنولوجيا

بدأت شركات الحوسبة السحابية العملاقة في الولايات المتحدة تحقيق عوائد أولية من استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟

حين يسأل العرب الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

السعودية تقدم نموذجاً مختلفاً يجمع بين التقنية والثقة ومنظومة طبية تتقدم إقليمياً وعالمياً

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
تكنولوجيا سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية-رويترز)

الذكاء الاصطناعي لـ«أوبن إيه آي» «تصرّف من تلقاء نفسه» واخترق شركة أخرى

أعلنت شركة «أوبن إيه آي»، مطوِّرة برنامج «شات جي بي تي»، أمس الثلاثاء، أن نظام الذكاء الاصطناعي التابع لها اخترق نظام شركة أخرى بشكل مستقل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)

الأسهم الآسيوية تواصل مكاسبها بدعم انتعاش «وول ستريت» وصعود أسهم الرقائق

ارتفعت الأسهم الآسيوية في مستهل تعاملات الأربعاء، مستفيدة من انتعاش الأسواق الأميركية، بينما تجاهل المستثمرون ارتفاع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد متداولون يراقبون مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في بنك هانا بسيول (أ.ب)

الأسهم الكورية الجنوبية تقفز مع عودة الإقبال على أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق

قفزت الأسهم الكورية الجنوبية، الأربعاء، مدعومة بعودة المستثمرين إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، قبيل إعلان نتائج شركات التكنولوجيا والرقائق بأميركا.

«الشرق الأوسط» (سيول)