تحديات أمام ترمب لـ«إدارة فنزويلا مؤقتاً»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية في طريق عودته إلى واشنطن الأحد (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية في طريق عودته إلى واشنطن الأحد (أ.ف.ب)
TT

تحديات أمام ترمب لـ«إدارة فنزويلا مؤقتاً»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية في طريق عودته إلى واشنطن الأحد (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية في طريق عودته إلى واشنطن الأحد (أ.ف.ب)

أثار إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن الولايات المتحدة ستتولى «إدارة» فنزويلا مؤقتاً، بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في عملية عسكرية أميركية، تساؤلات عدة بشأن خطة الرئيس الأميركي التي تتمحور في الأساس حول الاستيلاء على قطاع النفط الفنزويلي وإعادة تنشيطه، وسط غموض بشأن الجدوى السياسية والقانونية والاستراتيجية لهذه النهج، وحالة من عدم اليقين بشأن هيكل هذه الإدارة الأميركية لفنزويلا، وشكل عملية الانتقال السياسي، ومستقبل مؤسسات فنزويلا، وهو ما بدا واضحاً في التباين بين تصريحات ترمب وتصريحات وزير خارجيته ماركو روبيو.

ففي المؤتمر الصحافي، يوم السبت، قال ترمب إن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا حتى انتقال آمن وسلس للسلطة، ووصفها بأنها ستكون إدارة مؤقتة وليست سيطرة دائمة. ثم قال ترمب للصحافيين مساء الأحد على متن طائرة الرئاسة: «ما نريده هو إصلاح قطاع النفط، وإصلاح البلاد، وإعادة بناء البلاد، ثم إجراء انتخابات».

بدوره، قال وزير الخارجية روبيو لشبكة «إيه بي سي»، الأحد، إن التدخل الأميركي في فنزويلا ليس غزواً موسعاً، بل ضربة دقيقة استغرقت بضع ساعات، وأصر على أن الحظر النفطي سيبقى مفروضاً على فنزويلا بما يحقق مصلحة الولايات المتحدة ومصلحة الشعب الفنزويلي.

ويحذر خبراء من أن خطة ترمب ستواجه كثيراً من المخاطر والتحديات، وبأن عواقب التدخل الأميركي في فنزويلا ستكون وخيمة. وتتراوح هذه التحديات والمخاطر بين استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في فنزويلا، والرفض الشعبي لأي إدارة أجنبية للبلاد، والانقسام الدولي والإقليمي بشأن شرعية التدخل الأميركي ومستقبل الحكم الانتقالي، وتحديات بشأن طموحات ترمب إلى إعادة تشكيل قطاع النفط وما يتطلبه ذلك من استثمارات ضخمة، ومخاطر فتح جبهة صراع مع الديمقراطيين والمشرعين في الكونغرس، والمخاوف من اشتعال حالة عدم استقرار إقليمي أو توتر جيوسياسي عالمي، خصوصاً مع الصين وروسيا.

اضطرابات داخلية

متظاهرون خرجوا في مانيلا الاثنين تنديداً باعتقال القوات الأميركية الرئيس مادورو (أ.ب)

وأظهرت المظاهرات التي شهدتها شوارع كاراكاس وعدد من المدن الفنزويلية، إضافة إلى مظاهرات قادها فنزويليون بمدينة نيويورك الأميركية، رفض التدخل الأميركي في بلادهم، وهو ما حذرت منه مجلة «بوليتيكو» التي أشارت إلى أن محاولات الولايات المتحدة رسم مستقبل فنزويلا السياسي تنطوي على مخاطر عدم استقرار وردود فعل عنيفة، خصوصاً أن خطاب ترمب - الذي أحيا «مبدأ مونرو» ووعد بإعادة تأكيد الهيمنة الأميركية - قد أشعل هذه المخاوف بصورة واسعة.

وتشير صحيفة «واشنطن بوست» إلى وجود نحو 12 سفينة حربية، وعشرات الطائرات المقاتلة والطائرات من دون طيار، و15 ألف جندي، في منطقة الكاريبي على أهبة الاستعداد إذا قرر الرئيس ترمب توجيه ضربة ثانية (سواء لفنزويلا ولدول أخرى في المنطقة). وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة أبقت على معظم أعضاء الحكومة الفنزويلية في مناصبهم بما يوجب الحاجة إلى وجود عسكري مستمر في فنزويلا، وما يترتب عليه من تداعيات قانونية. وحذر ترمب ديلسي رودريغيز، التي تولت منصب الرئيس مؤقتاً بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي، من مواجهة مصير أسوأ من مادورو «إذا لم تقم بالعمل الصائب»؛ مما أثار تساؤلات أخرى بشأن ما إذا كانت رودريغيز قادرة على القيام بعبء انتقال سياسي سلس، أم إنها تتولى السلطة تحت «وصاية أميركية»، ومدى قبول الشعب الفنزويلي ذلك.

الشرعية القانونية

وبينما يمثل مادورو أمام المحكمة الفيدرالية في مانهاتن بنيويورك، فإن الجدل لا يزال مشتعلاً بشأن مدى شرعية اعتقال رئيس دولة أجنبية، والإشكالية بشأن شرعية تنفيذ مثل هذه العملية العسكرية في فنزويلا، والإطار القانوني لخطة ترمب لإدارة فنزويلا. ويقول جون بيلينغر، خبير القانون في معهد «كاتو» إن «عملية الاعتقال تنتهك مبادئ السيادة، وتعدّ تخطياً للخطوط الحمر، بما قد يمهد لتوجيه اتهامات بجرائم دولية وفقاً للقانون الدولي»، وأوضح أن «إدارة فنزويلا من دون تفويض أممي سينظر إليها على أنها احتلال لدولة أجنبية».

من جانبه، حذر ريتشارد هاس، الباحث المخضرم في «معهد العلاقات الخارجية»، بأن تدخل إدارة ترمب لتولي زمام الأمور في فنزويلا «سيقود إلى مستنقع مشابه للعراق وأفغانستان، حيث فشلت محاولات الولايات المتحدة إعادة بناء تلك الدول».

قطاع نفطي منهار

ووعد الرئيس ترمب بإعادة إنتاج النفط في فنزويلا عبر الاعتماد على شركات النفط الأميركية، واستثمار مليارات الدولارات، واستخدام العائدات الناتجة لتحقيق الاستقرار و«جعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى»، لكن الوضع الحالي لحقول النفط وخطوط الأنابيب ومصافي التكرير في فنزويلا سيئ للغاية، بعد عقود من سوء الإدارة والفساد والعقوبات المفروضة على النفط الفنزويلي، ويتطلب إعادة تأهيل القطاع النفطي على مدى سنوات من الاستثمار والاستقرار السياسي.

ويقول محللون إن أي زيادة كبيرة في الإنتاج ستستغرق سنوات، وإنها تتطلب استثمارات ضخمة بمئات مليارات الدولارات على مدى سنوات طويلة، وذلك في ظل افتراض هدوء الأوضاع والاستقرار السياسي.

وقارن كيفين بوك، المدير الإداري بشركة «كلير فيو إينرجي بارتنرز» الوضع بتجربة الولايات المتحدة في العراق، مشيراً إلى «ضرورة تحقيق الاستقرار وتقييم المخاطر قبل بدء ضخ استثمارات في إنتاج النفط»، وحذر بأنه «دون تحقيق استقرار، فلن تكون شركات النفط الكبيرة متحمسة لدخول البيئة الفنزويلية المتقلبة وغير المستقرة». وتزداد تأثيرات المخاوف الأمنية والشكوك القانونية واحتمال وقوع أعمال عنف من قبل الفنزويليين - ممن يعترضون على التدخل الأميركي في بلادهم - في تعقيد المشهد، فرغم ما تملكه فنزويلا من احتياطي نفطي يعدّ الأكبر في العالم، فإن إنتاج النفط بصورة مربحة تؤدي إلى تنمية سريعة وازدهار اقتصادي، ليس مضموناً، خصوصاً أن دروس التاريخ تشير إلى أن جهود إعادة الإعمار التي تقودها جهة أجنبية غالباً ما تواجه صعوبات في اكتساب الشرعية على أرض الواقع.

الجبهة الداخلية

وأثارت التحركات العسكرية الأميركية في فنزويلا واعتقال مادورو عاصفةً من الانتقادات من الديمقراطيين في الكونغرس، وفتحت جبهة تحديات داخلية متصاعدة مع إعلان الديمقراطيين أن العملية غير قانونية ومخالفة للدستور الأميركي الذي يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب. ودعا عدد كبير من المشرعين بمجلس الشيوخ إلى تصويت طارئ بموجب «قانون الصلاحيات الحربية» لوقف أي تصعيد، محذرين من تكرار تجربتَي العراق وأفغانستان.

بعض الجمهوريين، مثل توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين، انتقدوا أيضاً اعتقال الرئيس مادورو وعدّوه خطوة تستهدف تغيير نظام في دولة أجنبية بما يخدم مصالح الشركات النفطية لا الشعب الأميركي. وظهر الانقسام واضحاً داخل حركة «ماغا»، التي بُنيت على شعار «أميركا أولاً» المناهض للتدخلات الخارجية، حيث أعرب ستيف بانون، أحد أنصار الحركة والمقرب من الرئيس ترمب، عن قلقه من ارتباك الناخبين، وزيادة الانتقادات من مؤثرين شباب في الحركة ضد التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، الذي يرونه خيانة لوعود ترمب بإنهاء الحروب. وأظهر استطلاع أجرته شبكة «سي بي إس» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي (قبل العملية العسكرية) أن 70 في المائة من الأميركيين كانوا يعارضون التدخل العسكري في فنزويلا، وأظهر استطلاع آخر لمجلة «إيكونوميست»، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، رفض الأميركيين التدخل العسكري وتكرار تجربتَي العراق وأفغانستان. ويقول محللون إن التحرك العسكري في فنزويلا، والتلويح بتوسيع العلميات إلى كوبا وكولومبيا، قد يؤديان إلى تعزيز معارضة الديمقراطيين، مع مخاطر سياسية من حدوث انقسامات داخل حركة «ماغا»، خصوصاً إذا تحولت فنزويلا إلى عبء اقتصادي (بتكلفة محتملة تصل إلى تريليون دولار)؛ مما يهدد قاعدة ترمب الداعمة، ويؤثر سلباً على حظوظ حزبه في الانتخابات التشريعية النصفية المقبلة.

تداعيات اعتقال مادورو

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الكرملين يوم 7 مايو 2025 (د.ب.أ)

وتعدّ خطوة ترمب في فنزويلا وإطاحة رئيسها مادورو من أشد التدخلات الأميركية «عدوانية» في أميركا اللاتينية. ويقول خبراء السياسة الخارجية إن هذه العملية قد تعيد تشكيل التصورات العالمية لقوة الولايات المتحدة ومحاولة إدارة ترمب تأكيد النفوذ في نصف الكرة الغربي، بينما يراها البعض الآخر مغامرة مزعزعة للاستقرار، ومحاولة لفرض حسابات جيوسياسية، قد تؤديان إلى تعميق اعتقاد الدول الأخرى بتقلب السياسة الخارجية الأميركية، والعودة إلى نموذج القرن العشرين للهيمنة الأميركية الإقليمية، بما يحمله ذلك من خطر المواجهة مع قوى عالمية استثمرت بكثافة في فنزويلا، مثل روسيا والصين.

وأشارت مجلة «تايم» إلى أن الصين، التي لديها استثمارات وقروض مستحقة مرتبطة بالنفط الفنزويلي، قد ترى هيمنة الولايات المتحدة وسيطرتها على فنزويلا تحدياً مباشراً لمصالحها.

وقد أدانت كل من الصين وروسيا التدخل الأميركي، وقد تتجهان إلى إجراءات دبلوماسية واقتصادية مضادة. أما بقية دول العلماء، فهي منقسمة بين فريق من الحلفاء المتوجسين، وفريق من المنافسين الذين يراقبون تطورات الأوضاع من كثب.

ورحبت الحكومات الأوروبية، إلى حد كبير، بإزاحة مادورو، لكنها تشعر بالقلق إزاء خطة ترمب إدارة فنزويلا بشكل مباشر. أما دول أميركا اللاتينية، فهي منقسمة بين دول يمينية دعمت إجراءات ترمب، وأخرى بدأت تتحسب لخطوات مشابهة ضدها، وترفع حالة الاستعداد العسكري، مع مخاوف من السابقة التي تشكلها خطة ترمب إدارة فنزويلا على السيادة في المنطقة. ويرى مايكل أوهانلون، الباحث في معهد «بروكينغز»، أن «ترمب يتبع نهجاً براغماتياً، لكنه يخاطر بتصعيد إقليمي واسع مع تصريحاته تجاه كوبا وكولومبيا والمكسيك».


مقالات ذات صلة

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أطلقت الخدمة السرية الأميركية النار على شخص بالقرب من البيت الأبيض، السبت، كما أصيب أحد المارة بالرصاص، وفق مسؤول في إنفاذ القانون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: مسودة الاتفاق مع إيران تتضمن فتح مضيق هرمز

 قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب  اليوم السبت إنه جرى التفاوض على جزء كبير من مذكرة ‌تفاهم حول اتفاق ‌للسلام ​مع ‌إيران

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يرافق المشير عاصم منير في جولة بميدان مشق وسط طهران قبيل مغادرته إيران (الخارجية الإيرانية)

واشنطن تتحدث عن «فرصة اتفاق»... وطهران «قريبة وبعيدة»

بينما تحدّثت واشنطن عن «فرصة» للتوصُّل إلى اتفاق «قريباً»، شدّدت طهران على أن الخلافات لا تزال عميقة، وأن أي تسوية تحتاج إلى وقت طويل.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مظلة تحت المطر خلال وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» يوم 22 مايو 2026 في ماريلاند (أ.ب)

ترمب وإيران بين «ضربة حاسمة»... و«جولة استنزاف»

أعاد تغيير الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، برنامجه لعطلة نهاية الأسبوع، واجتماعه بفريقه للأمن القومي، وضع الملف الإيراني على حافة جديدة بين الدبلوماسية والحرب.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري إيرانية تمر أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتين (رويترز)

تحليل إخباري واشنطن وطهران... ما تبقّى من معادلة الربح والخسارة

رغم تعرضها لضربات عسكرية واقتصادية، قد تنتهي إيران بامتلاك قدرة على احتجاز خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

توفي مسلح أطلق النار على عناصر من الخدمة السرية قرب البيت الأبيض، مساء السبت، بعد إصابته بالرصاص، وفق ما أفاد الجهاز في بيان نشرته وسائل إعلام أميركية.

وأشار جهاز الخدمة السرية في البيان إلى أن أحد المارة أصيب أيضاً بالرصاص خلال تبادل إطلاق النار، دون أن يقدم معلومات عن حالته.

الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)

وأوضح جهاز الخدمة السرية، أنه بعدما فتح المسلح النار على عناصر أمنية عند نقطة تفتيش قرب البيت الأبيض، «رد عملاء الخدمة السرية بإطلاق النار، ما أسفر عن إصابة المشتبه به الذي نقل إلى مستشفى في المنطقة حيث توفي لاحقا».

وانتشرت الشرطة وقوات الأمن بكثافة في المنطقة المحيطة بالبيت الأبيض، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، موجوداً في البيت الأبيض في ذلك الوقت حيث كان يعمل على التفاوض بشأن اتفاق مع إيران.

ضباط من جهاز الخدمة السرية في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (إ.ب.أ)

وطوّقت الشرطة مداخل البيت الأبيض، وقال جهاز الخدمة ​السرية الأميركي إنه على علم بالتقارير التي ‌تفيد ‌بوقوع ​إطلاق ‌نار ⁠في واشنطن ​العاصمة، عند ⁠تقاطع شارع 17 وشارع بنسلفانيا شمال غرب بالقرب ⁠من البيت ‌الأبيض.


حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم في كاليفورنيا، الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة ويثير خطر وقوع انفجار. وكان الخزان يحتوي على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل قابل للاشتعال يُستخدم في صناعة البلاستيك، وحذّر عناصر الإطفاء من أن الوضع قد يتدهور.

وقال قائد العمليات في موقع الحادث كريغ كوفي: «أمامنا فرضيتان إما أن يتلف الخزان ويتسرب ما بين 6 إلى 7 آلاف غالون من المواد الكيميائية السامة جداً إلى موقف سيارات في المنطقة، أو أن ينفجر الخزان ما سيؤثر على خزانات محيطة به تحتوي أيضاً على وقود أو مواد كيميائية». وأضاف: «ننظّم عمليات الإجلاء استعداداً للفرضيتين: إما أن يتلف أو ينفجر».

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

يقع التسرّب في منطقة غاردن غروف في مقاطعة أورنج في جنوب شرق لوس أنجليس. وقال أمير الفرا، قائد شرطة المنطقة إن أمر الإخلاء يطال حوالى 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

وأظهرت لقطات جوية نشرتها محطات تلفزة محلية رش الخزان بخراطيم من المياه، وأفاد كوفي في وقت لاحق الجمعة بأن جهود تبريد الخزان تحقق نجاحاً. وقال في مقطع فيديو: «انخفضت حرارته إلى نحو 61 درجة، في حين أن 50 هي درجة الحرارة المثالية له، وبالتالي تُحقق الجهود نجاحاً»، مضيفاً: «سيفعل فريقنا ما بوسعه لإيجاد سيناريو ثالث ورابع وخامس».

وقالت مسؤولة الصحة في مقاطعة أورانج، ريجينا تشينسيو كوونغ، إن إخلاء منطقة واسعة في محيط الخزان إجراء احترازي ضروري. وأضافت أنه «إذا انفجر ونتجت عنه أبخرة سيكون الجميع في أمان ما داموا خارج المنطقة التي أُمر بإخلائها»، وحضت أي شخص يلاحظ «رائحة فاكهية وثقيلة» على إبلاغ السلطات. وقالت: «مجرد شمّ الرائحة لا يعني أنكم وصلتم إلى مستوى يسبب أعراضاً، لكننا لا نريدكم أن تشمّوا تلك الرائحة لذا نحتاج أن نعرف إن كنتم تشمونها».

شرطة لوس أنجليس يقدمون التوجيهات خلال عملية الإجلاء (أ.ف.ب)

ولم تُسجَّل أي إصابات حتى مساء الجمعة ولم تظهر بعد أي مؤشرات عن سبب التسرب الذي أُبلغ عنه الخميس. وقال كوفي إن الفرق تستعد لاحتمال حدوث تسرّب كيميائي واصفاً ذلك بأنه «أفضل سيناريو ممكن» وأفضل بكثير من وقوع انفجار يؤدي إلى انتشار سحابة سامة. وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث مجاري مياه الأمطار والأنهار التي تصب في المحيط.

وقالت وكالة حماية البيئة الأميركية إن ميثيل ميثاكريلات مادة مهيِجة للجلد والعينين والأغشية المخاطية لدى البشر. وحذر منشور على موقع الوكالة من «آثار على التنفس لدى البشر بعد التعرض لاستنشاق حاد (على مدى قصير) أو مزمن (على مدى طويل)». كما أفادت الوكالة بأنه «تم الإبلاغ عن أعراض عصبية لدى البشر بعد تعرض لاستنشاق حاد».