دول آسيا الوسطى تسعى لاحتواء أفغانستان

عنصر أمن «طالبان» يحرس طريقاً قرب معبر غلام خان الحدودي بين أفغانستان وباكستان في منطقة جوربوز جنوب شرقي ولاية خوست 20 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
عنصر أمن «طالبان» يحرس طريقاً قرب معبر غلام خان الحدودي بين أفغانستان وباكستان في منطقة جوربوز جنوب شرقي ولاية خوست 20 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

دول آسيا الوسطى تسعى لاحتواء أفغانستان

عنصر أمن «طالبان» يحرس طريقاً قرب معبر غلام خان الحدودي بين أفغانستان وباكستان في منطقة جوربوز جنوب شرقي ولاية خوست 20 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
عنصر أمن «طالبان» يحرس طريقاً قرب معبر غلام خان الحدودي بين أفغانستان وباكستان في منطقة جوربوز جنوب شرقي ولاية خوست 20 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

ترى المحللة السياسية، فاطمة آمان، أنه على مدار معظم العقدين الماضيين، قامت الدبلوماسية الإقليمية بشأن أفغانستان على أساس الاعتقاد بأن المشاركة الخارجية يمكن أن تفضي تدريجياً إلى استقرار البلاد. وشكل ذلك الافتراض الكيفية التي بررت بها الدول المجاورة انخراطها السياسي، والاقتصادي، والأمني، حتى عندما ظل التقدم محدوداً.

وقالت آمان، التي دأبت على كتابة مقالات تتعلق بالشؤون الإيرانية، والأفغانية وشؤون الشرق الأوسط عموماً طوال أكثر من 25 عاماً، وقدمت المشورة لمسؤولين حكوميين، ومنظمات غير حكومية أميركية، إن ذلك الإطار أصبح ضعيفاً اليوم، حيث لم تعد الدول المجاورة لأفغانستان تصوغ سياساتها على أساس توقعات بالإصلاح، أو إعادة الاندماج. وحل محل ذلك هدف أضيق، وأكثر حذراً يتمثل في الحد من التعرض لانعدام الاستقرار بدلاً من محاولة تغيير الأوضاع داخل أفغانستان.

وأضافت آمان، التي عملت سابقاً باحثة غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط، وزميلة أولى في المجلس الأطلسي، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، ونقلته «وكالة الأنباء الألمانية» أن هذا التحول يعكس ما هو أكثر من مجرد ضعف مؤقت، وأن ما تغير هو تلاشي أي اعتقاد بأن الانخراط يمكن أن يغير المسار الداخلي لنظام «طالبان» على المدى القريب.

مقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية توزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية في كابل بأفغانستان 30 أبريل 2022 (أ.ب)

ولا تزال دول المنطقة منخرطة، ولكن لديها أوهام أقل. ولم يعد الهدف هو استقرار أفغانستان ذاتها، ولكن إدارة تداعيات استمرار هشاشتها. ويعد الاحتواء، في هذا السياق، سياسة تهدف إلى تقليص تكاليف انعدام استقرار أفغانستان من دون تحمل المسؤولية عن الاستقرار السياسي الداخلي في البلاد.

ويتم التعامل مع أفغانستان بشكل متزايد على أنها أقل من شريك تتعين تنميته، وعلى نحو أكثر مصدر خطر تتعين إدارته. هذا التطور أكثر وضوحاً بين جيران أفغانستان المباشرين.

تجربة باكستان

وتواجه باكستان وإيران ودول آسيا الوسطى جميعاً تداعيات مباشرة من انعدام الاستقرار داخل أفغانستان. ومع ذلك، لا يبدو أن أي واحدة من هذه الدول تبدى استعداداً لانتهاج استراتيجيات طموحة لبناء النفوذ.

وتتسم سياسات هذه الدول بالطابع الدفاعي، وتهيمن عليها إدارة الحدود، والتنسيق الأمني، والحد من الضرر، فيما يتواصل الانخراط، لكن يتم تقييده بدقة.

وتوضح تجربة باكستان حدود الانخراط في ظل هذه الظروف. ورغم الحفاظ على قنوات الاتصال مع كابل، لا تزال إسلام آباد تواجه نشاطاً مسلحاً مستمراً عبر الحدود، وحوادث أمنية متزايدة على طول الحدود الأفغانية. وقد أشار المسؤولون الباكستانيون على نحو متكرر إلى وجود جماعات مسلحة تعمل انطلاقاً من الأراضي الأفغانية.

وبالنسبة لإسلام آباد، تحولت الأولوية بشكل متزايد من تشكيل النتائج في أفغانستان إلى منع انتشار انعدام الاستقرار إلى أراضيها.

نهج إيران

ويتبع نهج إيران منطقاً مماثلاً. ورغم المبادرات الدبلوماسية من حين لآخر، والبيانات الرسمية التي تؤكد على التعاون الإقليمي، فإن سياسة طهران تجاه أفغانستان تشكلها في المقام الأول الضغوط على طول حدودها الشرقية.

لاجئون أفغان ينتظرون التسجيل في مخيم بالقرب من الحدود الباكستانية - الأفغانية في تورخام بأفغانستان 4 نوفمبر 2023 (أرشيفية - أ.ب)

وتفرض تدفقات اللاجئين، وتهريب المخدرات، والنزاعات حول الموارد المائية المشتركة، وانعدام الأمن عبر الحدود، تكاليف دائمة. ووفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن النزوح الأفغاني، لا يزال هناك ملايين الأفغان في الدول المجاورة، حيث تستضيف إيران واحدة من أكبر المجموعات السكانية.

حذر الصين وروسيا

وبالمثل اتخذت الصين وروسيا، اللتان يتم غالباً وصفهما بأنهما المستفيدتان من انسحاب الغرب، مواقف حذرة، حددت بتجنب الالتزامات الاقتصادية أو الأمنية الضخمة.

وتؤكد الدولتان على الحوار الإقليمي، وتعارضان السياسات التي تعمق عزلة أفغانستان. وينصب اهتمامهما على ألا تصبح أفغانستان مصدراً للتهديدات عبر الحدود الوطنية، بما في ذلك الإرهاب، والتهريب.

وتحتل هذه المخاطر مكاناً بارزاً في التقييمات الإقليمية، وتقارير الرقابة الرسمية، كما انعكس ذلك في التقارير الأمنية. وتحتل إعادة الإعمار أو التغيير السياسي مرتبة أدنى بكثير. ويتم إعطاء الأفضلية للاستقرار، حتى إن لم يكن كاملاً، على عدم اليقين الصادر من أفغانستان.

تعديل التوقعات

وقامت جمهوريات آسيا الوسطى بتعديل توقعاتها. وأدى التفاؤل المبكر بشأن ممرات التجارة وربط شبكات الطاقة إلى إتاحة المجال أمام إجراء تقييم أكثر تقييداً بشأن المخاطر. ويعطي الانخراط اليوم الأولوية لأمن الحدود، والتجارة المحدودة، والتنسيق مع الدول الفاعلة الإقليمية الأكبر. وأدت المخاوف بشأن تداعيات انتشار تهريب المخدرات، التي تم توثيقها في تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بشأن إنتاج الأفيون الأفغاني، إلى تعزيز هذا الحذر.

خريجو شرطة «طالبان» يحضرون حفل تخرج جماعي في جلال آباد بولاية ننكرهار بأفغانستان يوم 11 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

ولم تختفِ الدبلوماسية نفسها، ولكن طرأ تغيير على دورها، حيث ازداد التنسيق بشأن إدارة الأعراض، حتى في الوقت الذي تقلصت فيه الجهود الجماعية لمعالجة الأسباب الجوهرية.

وتتواصل الاجتماعات والمشاورات الإقليمية، لكنها الآن تعمل بشكل أساسي بوصفها أدوات لإدارة الأخطار المشتركة، وليست منصات لحل المشكلات الجماعية.

وقد عزز غياب جهة فاعلة خارجية هذا التوجه. وخلال سنوات التواجد العسكري والسياسي الغربي المستمر، قامت دول المنطقة بتكييف وضبط سياساتها على أساس وجود الولايات المتحدة، وحلفائها، حتى عندما اختلفت مع الاستراتيجيات الغربية. وتلاشت تلك النقطة المرجعية بشكل كبير، وما تبقى هو بيئة إقليمية متشرذمة. وتعمل الدول في الأساس لحماية المصالح المباشرة، من دون تحمل مسؤولية عن اتجاه المسار الداخلي في أفغانستان.

ولا يعني هذا أن جميع جهود التكامل قد تلاشت. فلا تزال بعض المبادرات تصور أفغانستان على أنها ممر تجاري محتمل، أو همزة وصل اقتصادية، بصفة خاصة في آسيا الوسطى، وفي مناقشات تشارك فيها الهند، وإيران، وروسيا.

حافلة تقل مهاجرين أفغاناً يتم ترحيلهم لعدم قيامهم بتسوية أوضاعهم القانونية بإيران تغادر مخيماً عند معبر ميلاك الحدودي بالقرب من مدينة زابل في17 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن هذه الجهود مقيدة بشدة، وتفترض أن نظام الحكم الداخلي لـ«طالبان» لن يطرأ عليه أي تغيير. وتعزز التوقعات الاقتصادية المحدودة بشأن أفغانستان، التي تضمنها استعراض عام للبنك الدولي بشأن البلاد، هذه القيود.

وتتمثل الخطورة على المدى الطويل في أن يعزز الاحتواء نفسه. وفي الوقت الذي تضخ فيه الدول المجاورة لأفغانستان مزيداً من الاستثمارات لضبط الحدود، والردع، والعزل، تتقلص أكثر الحوافز التي تدفع إلى مزيد من الانخراط.

مع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى دورة تتزايد فيها عزلة أفغانستان، ويظل التنسيق الإقليمي ضحلاً، ويصبح انعدام الاستقرار وضعاً طبيعياً. وتحل إدارة المخاطر محل أي جهد لمعالجة أسبابها. وتعد تداعيات هذا التحول كبيرة. وربما يقلص النهج الذي يركز على الاحتواء هذه التداعيات على المدى القصير، لكنه ليس كافياً صوب تحقيق الاستقرار على المدى الطويل. ويقلص التعامل مع أفغانستان كونها في الأساس مصدراً للمخاطر فرص التغيير، ويعمق عزلتها.

لم تختفِ أفغانستان من الحسابات الإقليمية، حيث لا تزال مصدر قلق مستمراً وحاضراً دائماً، ولكن لم يتم علاجه، ويكمن الخطر في تطبيع هذا الوضع. وفي الوقت الذي يصبح فيه الاحتواء هو الوضع المعتاد، هناك خطر يتمثل في قبول انعدام الاستقرار باعتباره حالة دائمة، وليس مشكلة يجب معالجتها.

واختتمت آمان تقريرها بالقول إن حقبة الاستقرار أفسحت المجال أمام نهج الإدارة، والتخفيف من حدة الوضع. وما زال من غير المؤكد ما إذا كان هذا النهج يمكن أن يمنع المزيد من التدهور أم يؤخره فقط. وأن الأمر الواضح هو أن الدبلوماسية الإقليمية بشأن أفغانستان دخلت مرحلة أكثر تقييداً وواقعية، يشكلها على نحو أقل الطموح، و على نحو أكثر الضرورة.


مقالات ذات صلة

باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

آسيا موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب) p-circle 00:44

باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

قال متحدث باسم حكومة حركة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 400 شخص لقوا حتفهم، وأصيب 250 آخرون في ضربة جوية شنتها باكستان على مستشفى.

«الشرق الأوسط» (كابول )
آسيا رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب) p-circle

أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

قالت الحكومة الأفغانية، الثلاثاء، ‌إن ‌ما ​لا ‌يقل ⁠عن ​400 شخص لقوا ⁠حتفهم وأصيب 250 آخرون في غارة شنتها ‌باكستان ‌على ​مستشفى لإعادة ‌تأهيل ‌مدمني المخدرات.

«الشرق الأوسط» (كابول)
آسيا أشخاص يتفقدون الأضرار الناجمة عن قصف منطقة متضررة في قندهار بجنوب أفغانستان الأحد (إ.ب.أ) p-circle

الصين أرسلت مبعوثاً للتوسّط في إنهاء النزاع بين أفغانستان وباكستان

زار مبعوث صيني أفغانستان وباكستان للتوسّط والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار بعد الاشتباكات الدامية على الحدود بين البلدين، وفق ما أعلنت بكين الاثنين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
آسيا أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين... كابل 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

طالبان تتهم باكستان بقتل ثلاثة مدنيين أفغان

أعلن نائب المتحدث باسم حكومة طالبان حمد الله فطرت، الأربعاء، عن مقتل ثلاثة مدنيين الثلاثاء في قرية بجنوب شرق أفغانستان جراء قصف نفذته القوات الباكستانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ صورة مُرسلة بتاريخ 28 فبراير 2026 تُظهر قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان (د.ب.أ)

اتهام أميركي لـ«طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن»

أدرجت الولايات المتحدة الاثنين أفغانستان ضمن قائمة الدول الراعية للاحتجاز غير القانوني، واتهمت «طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن».

علي بردى (واشنطن)

باكستان وأفغانستان تعلنان هدنة خلال عيد الفطر

مسؤول أمني من حركة «طالبان» يحرس عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي مع باكستان الأحد (إ.ب.أ)
مسؤول أمني من حركة «طالبان» يحرس عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي مع باكستان الأحد (إ.ب.أ)
TT

باكستان وأفغانستان تعلنان هدنة خلال عيد الفطر

مسؤول أمني من حركة «طالبان» يحرس عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي مع باكستان الأحد (إ.ب.أ)
مسؤول أمني من حركة «طالبان» يحرس عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي مع باكستان الأحد (إ.ب.أ)

أعلنت باكستان وأفغانستان، الأربعاء، أنهما ستوقفان العمليات العسكرية خلال عيد الفطر.

وقال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله ‌عطاء ‌الله ​تارار ‌في ⁠منشور ​على منصة «⁠إكس» إن ⁠باكستان ‌ستوقف عملياتها ‌العسكرية ​ضد ‌أفغانستان ‌مؤقتاً.

وأضاف تارار، في بيان، إن وقف الهجمات المؤقت على «الإرهابيين وبنيتهم التحتية الداعمة في أفغانستان»، سيبدأ اعتبارا من منتصف ليل اليوم الأربعاء وسيستمر حتى منتصف ليل الاثنين القادم.

من جانبها، أعلنت أفغانستان هدنة في نزاعها مع باكستان خلال عيد الفطر. وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد على منصة إكس «هدنة... بناء على طلب الدول الإسلامية الصديقة، المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا»، لكنه حذّر من أن كابل «سترد بشجاعة على أي عدوان» خلال الهدنة.

يأتي ذلك في ظل النزاع بين باكستان وأفغانستان؛ إذ شنّت إسلام آباد ضربات عدة على كابول خلال الأسابيع الأخيرة. وتُعدّ موجة العنف هذه الأسوأ بين الدولتين المجاورتين.

وتخوض الدولتان نزاعاً منذ أشهر، سببه اتهام إسلام آباد جارتها بإيواء مقاتلين من حركة «طالبان باكستان» التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات دامية على الأراضي الباكستانية، وهو ما تنفيه السلطات الأفغانية.

وبعد تصعيد في أكتوبر (تشرين الأول) أسفر عن مقتل العشرات، هدأت حدة الاشتباكات، لكنها لم تتوقف تماماً. إلا أنها تجددت بقوة في 26 فبراير (شباط) عقب غارات جوية باكستانية، وأعلنت إسلام آباد «حرباً مفتوحة» في 27 فبراير.


الصين تعرض على تايوان «إعادة التوحيد» مقابل تزويدها بالطاقة

يلوح بعلم بلده تايوان خلال احتفال للمعارضة التايوانية في العاصمة تايبيه (رويترز)
يلوح بعلم بلده تايوان خلال احتفال للمعارضة التايوانية في العاصمة تايبيه (رويترز)
TT

الصين تعرض على تايوان «إعادة التوحيد» مقابل تزويدها بالطاقة

يلوح بعلم بلده تايوان خلال احتفال للمعارضة التايوانية في العاصمة تايبيه (رويترز)
يلوح بعلم بلده تايوان خلال احتفال للمعارضة التايوانية في العاصمة تايبيه (رويترز)

عرضت الصين على جارتها تايوان، التي ترغب في ضمها لها، بتأمين إمداداتها بما تحتاجه من الطاقة في ظل النقص الذي قد ينتج عن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وذلك في إطار حملة لإقناع الجزيرة بالمزايا التي لطالما رفضتها، إذا وافقت على «إعادة التوحيد» معها وحكم بكين لها.

ولم يصدر رد فوري على هذه التصريحات من الحكومة التايوانية، التي ترفض مطالبات بكين بالسيادة وتقول إن شعب الجزيرة وحده هو من يمكنه تقرير مستقبله.

وقالت تايوان، التي كانت تستورد ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر ولا تستورد أي طاقة من الصين، إنها أمنت إمدادات بديلة للأشهر المقبلة، بما في ذلك من الولايات المتحدة، الداعم الدولي الرئيسي للجزيرة.

وقال تشن بين هوا المتحدث باسم مكتب شؤون تايوان بمجلس الدولة الصيني، للصحافيين في بكين إن «إعادة التوحيد السلمي» ستوفر حماية أفضل لأمن الطاقة والموارد في تايوان بدعم من «الوطن الأم القوي». وأضاف، كما نقلت عنه «رويترز»: «نحن على استعداد لتوفير طاقة وموارد مستقرة وموثوقة لمواطني تايوان، كي يتمكنوا من العيش حياة أفضل»، وذلك رداً على سؤال حول إمدادات الطاقة لتايوان خلال الحرب في الشرق الأوسط.

مقاتلة صينية تستعد للإقلاع من على متن حاملة الطائرات «شاندونغ» خلال تدريبات عسكرية حول تايوان (أرشيفية - أ.ب)

وتسعى الحكومات في أنحاء العالم جاهدة لتأمين إمدادات طاقة بديلة في ظل الحرب في الشرق الأوسط وتعطل طرق الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي.

ورغم عرض بكين لتايوان، فإن الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، أصبحت تقترب من استخدام احتياطيها النفطي التجاري الهائل في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط دون أي مؤشرات على نهايتها، طبقاً لما ذكرته شركة «إف جي إي» نيكسانت، الرائدة في الخدمات الاستشارية الصناعية.

علم تايوان في العاصمة تايبيه (رويترز)

وربما يحدث انخفاض في المخزونات التجارية والتشغيلية يصل إلى مليون برميل يومياً خلال الأسابيع الأربعة المقبلة، وفقاً للسيناريو الأساسي الذي وضعته الشركة، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء الأربعاء.

وأضافت أن محطات المعالجة - وخاصة في جنوب الصين - ربما يسمح لها بالاعتماد على المخزونات التجارية للحد من مدى تخفيضات الإنتاج أو منع عمليات الإغلاق. وتابعت أنها ورقة ضغط تستطيع الصين استخدامها. وبعد أكثر من عام من التخزين المكثف، جمعت بكين ما يقدر بنحو 4.‏1 مليار برميل من الاحتياطي الذي يمكن استغلاله إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً بشكل فعلي.

الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)

وفي سياق متصل، جددت الصين، الأربعاء، التأكيد على أنها على تواصل مع الولايات المتحدة بشأن زيارة دونالد ترمب إلى بكين، لكنها امتنعت عن الخوض في جدول زمني لها، غداة تلميح الرئيس الأميركي إلى أنه سيقوم بها خلال خمسة أو ستة أسابيع.

وذكر البيت الأبيض الأربعاء أن ‌الصين ‌وافقت على ‌تأجيل ⁠زيارة الرئيس ترمب إلى بكين. وقالت المتحدثة ⁠كارولاين ‌ليفيت ‌إن العمل جار ‌على ‌تحديد موعد جديد في ‌أقرب وقت ممكن. ولم ⁠ترد ⁠السفارة الصينية في واشنطن بعد على طلب للتعليق.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

وكان ترمب لمّح الأحد إلى أن موعد رحلته قد يعتمد على ما إذا كانت الصين ستساعد في إعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران عملياً منذ بدء الضربات عليها في 28 فبراير (شباط). ولم تلق دعوة ترمب دول العالم للمساعدة في هذه المسألة تجاوباً حتى من البلدان الحليفة.

وكانت الولايات المتحدة أعلنت أن الزيارة المرتقبة ستبدأ في 31 مارس. إلا أن ترمب طلب إرجاءها في ظل الحرب التي أطلقها الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وأشار الاثنين إلى أنه يتوقع أن يقوم بها خلال الأسابيع المقبلة.

ناقلات نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)

ومنذ بدء الحديث عن الزيارة، لم تعلن الصين أي موعد لها، تماشياً مع سياستها المعتادة في مسائل مماثلة. واكتفى المتحدث باسم وزارة الخارجية في بكين لين جيان الأربعاء بالقول خلال مؤتمر صحافي: «ستواصل كل من الصين والولايات المتحدة التواصل بشأن زيارة الرئيس ترمب إلى الصين».


ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

برزت في الفترة الأخيرة رؤيتان متنافستان حول كيفية تعامل حلفاء الولايات المتحدة وشركائها مع النظام العالمي المتغير. ففي الدورة الأخيرة للمنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدث رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن شرخ في السياسة العالمية، ودعا القوى المتوسطة إلى العمل معاً لإيجاد بدائل للاعتماد على الولايات المتحدة. ووصف كارني الصين بأنها ثقل موازن فعال للنفوذ الأميركي.

في المقابل، تصر رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، على أن الصين، وليست الولايات المتحدة، هي التهديد الأكثر خطورة الذي تواجهه الدول. وقد منحها الفوز الساحق في الانتخابات المبكرة التي جرت في فبراير (شباط) الماضي تفويضاً لرسم استراتيجية لليابان، وربما لحلفاء آخرين للولايات المتحدة، تقوم على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة رغم عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات واشنطن.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في كلمة أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو... 9 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وحظي خطاب كارني بتصفيق حار وإشادة من المعلقين والقادة في جميع أنحاء أوروبا، وحتى في أستراليا، وحقق مكاسب كبيرة داخل كندا. قد تكون رؤية رئيس الوزراء جذابة لحلفاء الولايات المتحدة الذين سئموا غطرسة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها لا تشكل استراتيجية شاملة قابلة للتطبيق أو مستدامة بالنسبة للقوى المتوسطة الأخرى في العالم، بحسب تحليل مايكل جيه. غرين، الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات الأميركية في جامعة سيدني، المنشور في مجلة «فورين أفيرز».

فدول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، المهددة بنفوذ بكين، تدرك جيداً أنه لا بديل حقيقياً عن القوة الأميركية. ومن المرجح وصول الدول الأوروبية إلى استنتاج مماثل رغم الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن.

يقول غرين إنه إذا أرادت الدول المتوسطة أن يكون لها مكان على مائدة صنع القرار الدولي، بدلاً من أن تكون «وليمة» للقوى الكبرى كما يريد كارني، ففرص نجاح نهج تاكايتشي أكبر، في عالم لا تزال فيه الاضطرابات التي تسببها بكين أكثر زعزعة للاستقرار الدولي من الاضطرابات التي يسببها ترمب.

في الوقت نفسه فإن نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة في اليابان ترجح بقاء تاكايتشي، عازفة الطبول في فرقة موسيقى الهيفي ميتال وراكبة الدراجات النارية، في منصب رئيسة الوزراء لفترة طويلة، على خلاف التصورات الشائعة قبل شهور. لذا فإن رؤيتها للسياسة الخارجية ترسي المسار الأكثر واقعية للدول المسؤولة في مواجهة نظام عالمي مهتز.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان... 29 يونيو 2019 (رويترز)

استراتيجية تاكايتشي

وتنطلق استراتيجية تاكايتشي من رؤية رئيس الوزراء الياباني الراحل، شينزو آبي، التي تبلورت خلال السنوات الفاصلة بين فترتيه كرئيس للحكومة، حين أدى التوغل الصيني في الجزر والمياه التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي إلى إذلال اليابان. لاحقاً، بعد عودته إلى منصبه، أجرت حكومة آبي سلسلة من المناورات الحربية استعداداً لإطلاق أول استراتيجية أمنية وطنية معلنة للبلاد. وكشفت هذه المناورات أن اليابان، بمفردها، ستعجز عن التصدي للجيش الصيني في أي مواجهة عسكرية كبرى ببحر الصين الشرقي. والأسوأ من ذلك، خلص فريق آبي إلى أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة متزايدة في التصدي لطموحات الصين الإقليمية من دون مزيد من الدعم من اليابان وحلفائها الآخرين.

حتى ذلك الحين، كانت استراتيجية اليابان تقوم على ترك الشؤون الجيوسياسية للولايات المتحدة، لكي تتمكن طوكيو من التركيز على النمو الاقتصادي وتحسين العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء حول العالم. واعتبرت جميع الحكومات اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية أن بند التعايش السلمي في الدستور الياباني، الذي يتنازل عن حق البلاد في شن الحرب لحل النزاعات الدولية، مبرر مثالي للبقاء بعيدة عن حروب الولايات المتحدة وصراعاتها المسلحة، منذ الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن العشرين وحتى حربها الحالية مع إيران.

لكن آبي اعتبر هذا البند عبئاً على بلاده في مواجهة صعود الصين العسكري والاقتصادي، حيث لم يعد بإمكان القادة اليابانيين التنصل من المسؤولية، بينما تقود الولايات المتحدة زمام الأمور؛ فالأرخبيل الياباني، في نهاية المطاف، سيصبح في مقدمة مسارح أي صراع مستقبلي. وبدلاً من تجنب التورط في الحروب الأميركية، باتت اليابان بحاجة إلى دعم جهود الردع التي تقودها واشنطن في آسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)

ولم يتوقع الكثيرون أن تكون تاكايتشي هي حاملة لواء هذه الرؤية الجيوسياسية، رغم أنها كانت حليفة مخلصة لآبي، لأنها لم تكن من بين السياسيين الذين رشحهم في البداية للقيادة المستقبلية.

عندما تولت منصب رئيسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بعد استقالة شيجيرو إيشيبا، الأكثر اعتدالاً، واجهت تاكايتشي صعوبات مبكرة، بعد تصريحها في مجلس النواب الياباني في نوفمبر (تشرين الثاني) عن أن أي هجوم صيني على تايوان أو فرض حصار عليها سيشكل تهديداً لبقاء اليابان. وأثار هذا التصريح غضب بكين، التي فرضت مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية شديدة على اليابان. وكما كان متوقعاً، انشق حزب «كوميتو»، الشريك السلمي لـ«الحزب الليبرالي الديمقراطي»، وانضم إلى المعارضة على أمل إزاحة تاكايتشي من السلطة وتشكيل ائتلاف حكومي جديد مع أحزاب أخرى من اليسار السياسي. صمدت تاكايتشي في موقفها، وأعجب الشعب بعزيمتها. وعندما دعت إلى انتخابات مبكرة في فبراير كافأ الناخبون اليابانيون حزب تاكايتشي، «الحزب الليبرالي الديمقراطي»، بأغلبية ساحقة في البرلمان.

ومن المنتظر إعلان تاكايتشي استراتيجيتها الخاصة للأمن القومي في وقت لاحق من هذا العام. ومن المرجح وصول الإنفاق الدفاعي لليابان إلى هدف عام 2027 البالغ 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي 58 مليار دولار، قبل الموعد المحدد. ستستخدم اليابان ضوابط التصدير وزيادة الاستثمار في سلاسل إمداد المعادن الحيوية والبحث والتطوير لتعزيز تفوقها التكنولوجي على الصين. كما ستواصل تعزيز التعاون الدفاعي وتوقيع اتفاقيات إنتاج عسكري مع شركاء رئيسيين، إذ تعمل اليابان بالفعل على تطوير طائرات مقاتلة جديدة مع بريطانيا وإيطاليا، وتصدير سفن حربية يابانية إلى أستراليا.

وتهدف تاكايتشي إلى استعادة توازن القوى الإيجابي في المنطقة، من خلال علاقة أمنية أقوى مع الولايات المتحدة. وهي تعمل مع واشنطن على إنشاء مقر قيادة مشترك جديد في اليابان، وتسريع التخطيط الثنائي لمواجهة أي غزو صيني محتمل لتايوان، وزيادة الاستثمارات اليابانية في المعادن الحيوية وتطوير الطاقة في الولايات المتحدة. كما تعمل اليابان على توسيع إنتاج الصواريخ المشترك، وصيانة السفن والطائرات البحرية الأميركية في اليابان، والتعاون مع الولايات المتحدة في مجال تعزيز مرونة سلاسل التوريد.

ومن المرجح أن تحذو تاكايتشي حذو آبي في المحافل الدولية، مثل قمة مجموعة السبع، وتدفع نحو التضامن بين الديمقراطيات الرائدة، بدلاً من «تقليل المخاطر» بالسعي إلى مزيد من النأي عن الولايات المتحدة كما اقترح كارني في خطابه بدافوس.

لكن، بالرغم من الدعم الكبير لليابان من جانب الرأي العام وأعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة، فإن تجارب التاريخ تقول إن الرؤساء الأميركيين يمكن أن تكون لهم مواقف مخيبة للآمال بالنسبة لطوكيو.

في الوقت نفسه يمكن أن تسهم حالة عدم اليقين في وضع استراتيجية جادة.

وتمتلك تاكايتشي حالياً الاستراتيجية الأكثر جدية، وهي استراتيجية تقوم على تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة بدلاً من التكهن بعالم ما بعد الهيمنة الأميركية. فالشراكة مع واشنطن لا تعني الرضوخ لاحتياجاتها، بل استخدام النفوذ بفعالية لضمان أن يخدم التحالف مصالح اليابان.

عندما تولت تاكايتشي وزارة الأمن الاقتصادي من عام 2022 إلى عام 2024، كانت استراتيجية اليابان تتمحور حول اكتساب مكانة لا غنى عنها بفضل تقنياتها واستثماراتها وقدراتها العسكرية. وبصفتها رئيسة للوزراء اليوم، تدرك تاكايتشي أهمية اليابان في جهود الولايات المتحدة لردع التوغل العسكري الصيني والحصول على المعادن الحيوية، كما يدرك ذلك مستشارون كبار للرئيس ترمب.

معنى ذلك أن استراتيجية ترتكز على التعاون مع الولايات المتحدة ستتيح لليابان فرصاً أكبر للاستفادة من قوة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات التي تواجهها في غرب المحيط الهادئ، حتى في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الوضع في واشنطن.