المقايضة الأميركية الكبرى: هل ينجح الذكاء الاصطناعي في ترميم تصدعات الرسوم؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

المقايضة الأميركية الكبرى: هل ينجح الذكاء الاصطناعي في ترميم تصدعات الرسوم؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

مع بداية عام 2026، يترسخ في المشهد الاقتصادي الأميركي نموذجٌ جديد وُلد من رحم تحولات عام 2025؛ العام الذي لم يكن مجرد محطة عابرة، بل نقطة تحول جوهرية في الفلسفة التي تحكم علاقة الدولة بالأسواق. فاليوم، باتت الرسوم الجمركية ركيزةً ثابتة في هيكلية الاقتصاد، بعد أن تجاوزت كونها إجراءً دفاعياً لتصبح أداة استراتيجية لإعادة تموضع الولايات المتحدة في نظام عالمي يتسم بتراجع العولمة، وتصاعد الصراع الجيوسياسي.

الرسوم الجمركية: تكلفة عالية ونمو محدود

من منظور اقتصادي تقليدي، لا يترك هذا التحول مجالاً كبيراً للتفاؤل. فالرسوم الجمركية تُعد، في جوهرها، ضريبة غير مباشرة على الاقتصاد المحلي، إذ تعمل على رفع الأسعار، وتشويه آليات التسعير، وتقليل الكفاءة الإنتاجية، وتقليص حجم التبادل التجاري. والأهم أنها لا تولّد نمواً حقيقياً، بل تعيد توزيع الدخل داخل الاقتصاد بطريقة غير متوازنة، حيث تستفيد قطاعات محدودة على حساب المستهلكين والشركات المرتبطة بسلاسل التوريد.

وتؤكد التجارب التاريخية هذا المنحى المتحفظ. ففي أبريل (نيسان) 2019، استخدم صندوق النقد الدولي نماذج متعددة لتقييم أثر فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على التجارة بين الولايات المتحدة والصين، وخلصت جميعها إلى تسجيل خسائر اقتصادية كبيرة لكلا البلدين. كما أظهرت دراسة قادها ألبرتو كافالو وهو باحث في جامعة «هارفارد» في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه أن الرسوم المفروضة على الواردات الصينية انتقلت بشكل شبه كامل إلى أسعار الاستيراد في الولايات المتحدة، واضطرت الشركات إلى امتصاص جزء من التكلفة عبر تقليص هوامش أرباحها. لاحقاً، قدّرت وزارة الزراعة الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2022 أن الصادرات الأميركية تراجعت بنحو 27 مليار دولار نتيجة الرسوم الانتقامية المتبادلة بين عامي 2018 و2019، ما يعكس التكلفة الحقيقية للحمائية التجارية على الأداء الاقتصادي.

دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً موقعاً بشأن الرسوم الجمركية في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (رويترز)

صمود الاقتصاد الأميركي: بين التضخم والطلب المحلي

رغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي في 2025 درجة لافتة من الصمود، ما دفع البعض إلى عدّ الرسوم أقل ضرراً مما يُفترض نظرياً. فقد نما الاقتصاد الأميركي بمعدل سنوي قوي ومفاجئ بلغ 4.3 في المائة في الربع الثالث، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي والصادرات والإنفاق الحكومي.

غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل طبيعة هذا الصمود وأسبابه. فالنمو الذي تحقق لم يكن نتاج تحسّن في الكفاءة أو توسّع في التجارة، بل جاء مدفوعاً بالطلب المحلي، والإنفاق الحكومي، والسياسة المالية التوسعية. أما التكلفة الحقيقية، فتمثّلت في تحوّل التضخم إلى ظاهرة أكثر لزوجة، نتيجة انتقاله من تضخم الطلب إلى تضخم التكلفة، وهو النوع الذي يصعب احتواؤه من دون إلحاق ضرر بسوق العمل أو الاستثمار.

الذكاء الاصطناعي: تعويض أم محفّز للنمو؟

برز الذكاء الاصطناعي بأنه عامل تعويض اقتصادي أكثر منه محرّك نمو تقليدي. فمع ارتفاع تكاليف العمالة والمدخلات المستوردة، وجدت الشركات الكبرى في الأتمتة والتقنيات الرقمية وسيلة لتقليص الاعتماد على العمل البشري وسلاسل التوريد الخارجية، والحفاظ على هوامش الربحية. وبهذا المعنى، لم يكن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي انعكاساً لبيئة اقتصادية مزدهرة، بل استجابة قسرية لبيئة تجارية أكثر تكلفة وأقل كفاءة.

حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قُدّر بنحو 54.09 مليار دولار في عام 2024. ومن المتوقع أن ينمو السوق من 66.42 مليار دولار في 2025 إلى 319.32 مليار دولار بحلول 2032، بتسجيل معدل نمو سنوي مركب يبلغ 25.10 في المائة خلال فترة التوقعات.

بحلول عام 2025، أصبحت الولايات المتحدة القائد العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بمستويات غير مسبوقة من الابتكار، واستمرار نشاط رأس المال المخاطر، والتقدم في تطوير البنية التحتية الرقمية. وتحوّل الذكاء الاصطناعي من مرحلة تجريبية بحتة إلى مرحلة التطبيق على نطاق واسع وبطريقة مفصّلة، ليشمل تقريباً جميع القطاعات الصناعية في البلاد، بما في ذلك الرعاية الصحية، والقطاع المالي، والدفاع، والطاقة.

كما واصلت السياسات الفيدرالية توفير بيئة داعمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، حيث لم تتدخل الحكومة الفيدرالية بشكل مباشر، بل دعمت التقدم في القطاع عبر سياسات التخفيف التنظيمي، والاستثمار في البنية التحتية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

الانقسامات الاقتصادية

غير أن هذا التحول التكنولوجي عمّق الانقسامات داخل الاقتصاد، فظهرت اقتصادات ثنائية المسار: شركات كبرى قادرة على تمويل التحول الرقمي والاستفادة من الإعفاءات والحوافز، مقابل شركات صغيرة ومتوسطة تواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع التكاليف ونقص العمالة.

وعلى مستوى سوق العمل، تزامنت الأتمتة مع تشديد سياسات الهجرة وتسارع التقاعد، ما أدى إلى تباطؤ خلق الوظائف وارتفاع البطالة نسبياً، رغم استمرار النمو. هذا الانفصال بين الإنتاجية والتوظيف يطرح تساؤلات جوهرية حول نوعية النمو وقدرته على دعم الاستقرار الاجتماعي.

شاشة في بورصة نيويورك تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول 10 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تحديات السياسة النقدية والمالية

أما الاحتياطي الفيدرالي، فوجد نفسه محاصراً بين خيارات محدودة: فالتضخم المدفوع بالتكلفة يقلّل من فاعلية التشديد النقدي، في حين أن التيسير المفرط قد يرسّخ الضغوط السعرية ويغذي فقاعات الأصول. لذلك، اتسمت السياسة النقدية بالتردد والحذر، في بيئة سياسية تزداد فيها الضغوط على استقلالية البنك المركزي، ما يضيف بُعداً مؤسسياً إلى التحديات الاقتصادية القائمة.

ومع اقتراب عام 2026، يتحوّل الرهان إلى السياسة المالية بوصفها أداة تعويض أساسية. فالحوافز الضريبية والإنفاق الاستثماري المرتقب يُفترض أن يخففا العبء عن الأسر ويدعما استمرار الاستثمار. غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، إذ إن توجيه الحوافز نحو الاستهلاك قصير الأجل قد يخفف الألم مؤقتاً، لكنه لن يعالج اختلالات الإنتاجية التي خلقتها الرسوم. أما إذا جرى توظيفها في تعزيز الابتكار والبنية التحتية والمهارات، فقد تسهم في تحويل الصدمة التجارية إلى فرصة هيكلية.

الإنفاق على الذكاء الاصطناعي

ظهرت عدة نظريات متباينة لتفسير استمرار قوة الاقتصاد الأميركي رغم حرب التعريفات الجمركية. ووفقاً لأحد كبار الاقتصاديين، يمكن نسب الفضل في ذلك إلى الإنفاق القوي على الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، فإن الانفجار الكبير في النفقات الرأسمالية التي أنفقتها الشركات هذا العام لبناء مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد يخفي حقيقة مزعجة بشأن النمو الاقتصادي الأميركي. يعتقد تورستن سلّوك، كبير الاقتصاديين في شركة «أبوللو غلوبال منجمنت»، أن حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي كان كبيراً بما يكفي لتخفيف أي تأثيرات سلبية متوقعة نتيجة رسوم ترمب الجمركية.

ووفقاً لرؤية جيسون فورمان من جامعة «هارفرد»، لولا المستويات الحالية من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لكان النمو الإجمالي أقل بكثير، ما يشكل مصدر قلق لأولئك الذين يرون أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي غير مستدامة.

وأشار محللون آخرون إلى أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد تخفي مشكلات أخرى. فقد قدّر محللو «بانثيون للاقتصاد الكلي» في مذكرة حديثة أن النمو الاقتصادي الأميركي دون هذا الإنفاق سيكون أقل من 1 في المائة. بينما تشير أحدث تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا إلى نمو بنسبة 3.9 في المائة.

شعار شركة «إنفيديا» ويد روبوتية يظهران في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

نموذج نمو هش أم فرصة هيكلية؟

في المحصلة، لا يواجه الاقتصاد الأميركي أزمة دورية عابرة، بل يخضع لاختبار عميق لإعادة تعريف معنى النمو في عصر ما بعد العولمة. فالرسوم الجمركية، رغم تكلفتها الاقتصادية المثبتة نظرياً وتجريبياً، أصبحت أداة سياسية يصعب التراجع عنها، فيما يُحمَّل الذكاء الاصطناعي دور المنقذ القادر على تعويض خسائر الكفاءة.

والسؤال الجوهري ليس ما إذا كان الاقتصاد قادراً على الاستمرار، بل ما إذا كان هذا المسار سينتج نموذج نمو بشكل مستدام وشامل، أم مجرد توازن هش قائم على الابتكار التعويضي والحمائية الدائمة.


مقالات ذات صلة

«ستاندرد تشارترد»: العجز المالي أداة لتحفيز التحول في السعودية

الاقتصاد جانب من العاصمة السعودية الرياض (واس)

«ستاندرد تشارترد»: العجز المالي أداة لتحفيز التحول في السعودية

يرى بنك «ستاندرد تشارترد» أن العجز المالي الأخير في السعودية لم يمثل عبئاً على الاقتصاد، بل جاء كمحفز لعملية تحول هيكلي أوسع في بنية الاقتصاد الكلي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يواصل التراجع مع انحسار مخاوف فنزويلا

واصل الدولار الأميركي تراجعه لليوم الثاني على التوالي خلال التعاملات الآسيوية، يوم الثلاثاء، مع انحسار قلق الأسواق حيال العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد عمال على خط تجميع عربات الجليد «بولاريس» بمركز التصنيع والتجميع في روزاو بولاية مينيسوتا الأميركية (رويترز)

قطاع التصنيع الأميركي يسجل أدنى مستوى في ديسمبر 2025

أشار مسح، نُشر يوم الاثنين، إلى انكماش النشاط الصناعي الأميركي لعاشر شهر على التوالي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

«ضوء أخضر» أميركي لنفط فنزويلا يشعل مكاسب «وول ستريت»

ارتفعت أسواق الأسهم في نيويورك يوم الاثنين، مستفيدة من إعلان البيت الأبيض السماح لشركات النفط الأميركية باستغلال الاحتياطيات الضخمة من النفط الخام في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

كاشكاري من «الفيدرالي»: الذكاء الاصطناعي يفرمل وتيرة التوظيف

قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، يوم الاثنين، إن اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي يدفع الشركات الكبرى إلى إبطاء وتيرة التوظيف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

فنزويلا في عهد مادورو شحنت ذهبا بقيمة 5.2 مليار دولار إلى سويسرا


سبائك من الذهب بعد إخراجها من القوالب في مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
سبائك من الذهب بعد إخراجها من القوالب في مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
TT

فنزويلا في عهد مادورو شحنت ذهبا بقيمة 5.2 مليار دولار إلى سويسرا


سبائك من الذهب بعد إخراجها من القوالب في مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
سبائك من الذهب بعد إخراجها من القوالب في مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات جمركية أن فنزويلا نقلت ذهبا بقيمة 4.14 مليار ​فرنك سويسري تقريبا (5.20 مليار دولار) إلى سويسرا خلال السنوات الأولى من قيادة الرئيس المحتجز نيكولاس مادورو.

وأشارت البيانات التي اطلعت عليها رويترز إلى أن الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية ‌أرسلت 113 ‌طنا من المعدن ‌النفيس ⁠إلى سويسرا ​منذ ‌عام 2013 عندما تولى مادورو السلطة إلى عام 2016. وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية إن الذهب كان مصدره البنك المركزي الفنزويلي، في وقت كانت الحكومة تبيع فيه ⁠الذهب لدعم اقتصادها.

وأظهرت بيانات الجمارك أن فنزويلا لم ‌تصدر ذهبا إلى ‍سويسرا منذ عام 2017 ‍عندما فُرضت عقوبات الاتحاد ‍الأوروبي إلى عام 2025.

وألقت قوات خاصة أميركية القبض على مادورو خلال هجوم على كراكاس في الثالث من يناير (​كانون الثاني)، ويواجه اتهامات في محكمة في نيويورك بما في ⁠ذلك الاتجار بالمخدرات والإرهاب المرتبط بالمخدرات. وأمرت سويسرا أمس الاثنين بتجميد الأصول التي يمتلكها مادورو و36 من شركائه في البلاد لكنها لم تقدم أي معلومات عن القيمة المحتملة لهذه الأصول أو مصدر هذه الأموال.

ولم يتضح بعد ما إذا كانت هناك أي صلة بين هذه ‌الأصول والذهب المنقول من البنك المركزي.


قمة «أولوية ميامي» تعود في مارس لرسم خريطة طريق التدفقات العالمية

خلال مشاركة ترمب في نسخة قمة «أولوية ميامي» العام الماضي (مبادرة مستقبل الاستثمار)
خلال مشاركة ترمب في نسخة قمة «أولوية ميامي» العام الماضي (مبادرة مستقبل الاستثمار)
TT

قمة «أولوية ميامي» تعود في مارس لرسم خريطة طريق التدفقات العالمية

خلال مشاركة ترمب في نسخة قمة «أولوية ميامي» العام الماضي (مبادرة مستقبل الاستثمار)
خلال مشاركة ترمب في نسخة قمة «أولوية ميامي» العام الماضي (مبادرة مستقبل الاستثمار)

أعلنت مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار، يوم الثلاثاء، عودة قمة «أولوية ميامي» في نسختها الرابعة، والتي ستُعقَد خلال الفترة من 25 إلى 27 مارس (آذار) 2026، تحت شعار «رأس المال في حركة (Capital in Motion)».

وتهدف القمة إلى الإجابة عن سؤال محوري يواجه قادة العالم: كيف يمكن لرأس المال أن يتحرك ويتكيف ويقود في ظل عالم سريع التجزؤ.

وستجمع القمة نخبة من صُناع السياسات والمستثمرين والمبتكرين لبحث كيفية تسخير التكنولوجيا والسياسات لفتح آفاق نمو مستدام وشامل، مع وضع منطقة الأميركيتين في قلب التحول العالمي. وتؤكد هذه النسخة دور ميامي الفريد كجسر استراتيجي بين شمال وجنوب أميركا وبوابة للأسواق العالمية.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد شارك في نسخة العام الماضي بكلمة افتتاحية قال فيها إن «المملكة العربية السعودية بلد عظيم ويتمتع بقيادة عظيمة».

وقال رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي المكلف للمؤسسة، ريتشارد أتياس: «ميامي ليست مجرد موقع، بل هي إشارة؛ ففي اللحظة التي تجري فيها إعادة تخصيص وتسعير وتصور رأس المال، ستتجاوز قمة ميامي لغة الحوار إلى لغة العمل، لصياغة شراكات واستراتيجيات وقرارات مؤثرة».

أبرز ملامح القمة

تجمّع القادة والرؤساء التنفيذيون لمناقشة نشر رأس المال والتقنيات الناشئة. كما تُعقَد جلسات مغلقة للتأثير في أولويات الاستثمار الفعلي ونتائجه.

وتوازياً، سيجري إطلاق أبحاث حصرية جرى تطويرها بالتعاون مع شركاء عالميين.

وتمثل قمة «أولوية ميامي 2026» الفصل الأول في عام محوري للمؤسسة، يقود نحو الحدث الأضخم، وهو النسخة العاشرة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المقرَّرة في الرياض، نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2026، مما يعزز مكانة المؤسسة كمنصة عالمية أولى يلتقي فيها الاستثمار والابتكار لصنع المستقبل.


سوق الديون الفنزويلية... انتعاش السندات يصطدم بشبكة معقدة من الدائنين

تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)
تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)
TT

سوق الديون الفنزويلية... انتعاش السندات يصطدم بشبكة معقدة من الدائنين

تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)
تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)

بعد ما يقرب من عقد من الزمان في حالة «الجمود» والتخلف عن السداد، أعادت الإطاحة بنظام نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة الأمل للدائنين، وحوّلت إعادة هيكلة الديون من حلم بعيد إلى إمكانية حقيقية. هذا التغير الدراماتيكي في المشهد السياسي الفنزويلي أشعل شرارة انتعاش قوي في أسعار السندات، لكنه في الوقت نفسه كشف عن تحديات هائلة وغير مسبوقة تنتظر من يحاول فك شفرة ديون تتجاوز 150 مليار دولار.

تفاؤل حذر وتحديات زمنية

رغم القفزة التي سجلتها السندات الفنزويلية - والتي تضاعفت قيمتها العام الماضي بفضل رهانات المستثمرين على تغيير النظام - فإن الخبراء يجمعون على أن الطريق لا يزال طويلاً. ويقول غراهام ستوك، من شركة «آر بي سي بلو باي» لإدارة الأصول: «لا أرى أي إجراء ملموس قبل عامين على الأقل؛ فتعقيد الموقف، والغموض السياسي، وغياب الأرقام الاقتصادية الموثوق بها، يجعل من الصعب تخيل حل سهل أو سريع».

خريطة الديون

تتوزع ديون فنزويلا بين مجموعة متشابكة من الدائنين، تشمل:

  • حملة السندات التجارية: تقدر «جيه بي مورغان» حصتهم بنحو 102 مليار دولار.
  • المطالبات التحكيمية: شركات دولية تطالب بتعويضات عن تأميم أصولها.
  • الديون الثنائية: وعلى رأسها الصين التي تدين لها فنزويلا بنحو 13 إلى 15 مليار دولار، غالبيتها مدعومة باتفاقيات نفطية معقدة أبرمتها شركة النفط الوطنية (PDVSA).

وتكمن المعضلة الكبرى في غياب البيانات الرسمية، حيث لم تصدر فنزويلا أرقاماً دقيقة لديونها منذ عقد تقريباً، وسط تقديرات تشير إلى أن إجمالي الالتزامات يتراوح بين 150 و170 مليار دولار.

النفط ونماذج مصغرة لبراميل النفط وأوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

عقبة العقوبات والاعتراف السياسي

لا تزال العقوبات الأميركية تمثل العائق الأبرز أمام أي تقدم؛ فحتى مع الإطاحة بمادورو، تظل العقوبات مفروضة على شخصيات رئيسية في الحكومة الانتقالية مثل ديلسي رودريغيز. ويرى روبرت كونيغسبرغر، كبير مسؤولي الاستثمار في «غراميرسي»، أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الدائنين قد ينتهك قيود وزارة الخزانة الأميركية، مؤكداً ضرورة حدوث «تغيير كامل وتدريجي في نظام العقوبات» قبل البدء في أي جدولة للديون.

تجاوز صندوق النقد الدولي

في العادة، تستند عمليات إعادة هيكلة الديون السيادية إلى برامج إقراض من صندوق النقد الدولي، لكن الصندوق لم يجرِ تقييماً اقتصادياً شاملاً لفنزويلا منذ عام 2004. وبناءً على ذلك، يراهن بعض المستثمرين على أن واشنطن قد تلعب دور «الضامن» المباشر بدلاً من الصندوق.

ويوضح إد الحسين من «كولومبيا ثريدنيدل» أن الإدارة الأميركية لديها مصلحة استراتيجية في تحريك ملف الديون لفتح الباب أمام شركات النفط الأميركية للاستثمار، كما أشار «جي بي مورغان» إلى احتمال اعتماد «مسار سريع وغير أرثوذكسي» لإعادة الهيكلة يعتمد على النفط بدلاً من الشروط التقليدية لصندوق النقد، خصوصاً إذا ما قدمت واشنطن خطوط ائتمان أو ضمانات مالية.

مخاطر «ترمب» والغموض السياسي

تثور تساؤلات حول ما إذا كانت إدارة ترمب ستحاول تفضيل شركات الخدمات المالية المقيمة في الولايات المتحدة على حساب صناديق التحوط في لندن أو غيرها. كما يظل الغموض يكتنف قدرة فنزويلا الإنتاجية؛ فبعد أن كانت تنتج 3.7 مليون برميل يومياً في السبعينات، تهاوى الإنتاج إلى أقل من مليون برميل بسبب سنوات من سوء الإدارة.

ويختتم سيلستينو أموري، المشارك في تأسيس صندوق «كانايما» المتخصص في الديون الفنزويلية، المشهد بقوله: «المخاطرة الكبرى هي مخاطرة سياسية بحتة... هذا النوع من الاستثمار ليس لأصحاب القلوب الضعيفة».