قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

وليد علاء الدين
وليد علاء الدين
TT

قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

وليد علاء الدين
وليد علاء الدين

تنوعت قراءات الأدباء والمثقفين المصريين على مدار عام 2025 ما بين الرواية وسرديات الأدب الأخضر بخاصة في علاقته بالبيئة والطبيعة، مروراً بالشعر والكتب الفكرية ذات الطابع الفلسفي والنقدي.

أسامة علام... دفء الروايات في صقيع الغربة

عاش الكاتب الروائي والقاص أسامة علام تجربة خاصة مع قراءات عام 2025، حيث يقيم في الولايات المتحدة ويعمل طبيباً هناك، فكانت الكتب بالنسبة إليه مصدر دفء وسط صقيع الثلوج الذي بدأ العام به وانتهى معه. ويشير إلى أنه ربما كانت القراءة في عام 2025 هي الوسيلة الأكثر فاعلية لتمضية أوقات مبهجة لشخص وحيد مثله يعيش في مدينة مربكة ومزدحمة كنيويورك، إذ قرأ عشرات الروايات باحثاً عن المؤانسة والتعلم واكتشاف النفوس البشرية.

أسامة علام

ومن تلك الأعمال الروائية؛ «من الظل» لخوان خوسيه مياس، «جسور مقاطعة ماديسون» لروبيرت جيمس والر، «ثلاثية نيويورك» لبول أستر، «ثلاث مرات في الفجر» و«حرير» لألكسندرو باركو، «قبل أن تبرد القهوة» بأجزائها الخمسة لتوشيكازو كاواجوتشي، «العجوز الذي يقرأ الروايات الغرامية» للويس سبولفيدا.

ويلفت إلى رواية «أيام في مكتبة مورساكى لساتوشي ياجيساوا» بعدّها من أكثر الروايات التي تلامس الروح، فهي رواية دافئة عن العلاقات الإنسانية، عن الكتب، وهذا المخلوق العجيب والفاتن المسمى الإنسان. ربما المحرك الأهم في هذه الرواية القصيرة نسبياً ليس أحد أبطالها، وإنما حالة عامة من البراءة المفرطة، بخاصة في العلاقات العاطفية المفاجئة.

هدى حسين

هدى حسين... إعادة اكتشاف سحر القصيدة

وتشير الشاعرة والمترجمة هدى حسين إلى أن هناك أعمالاً لا يتوقف المرء عن قراءتها، فكلما نضج أكثر رأى هذه الأعمال بمنظور مختلف يضيء لوعيه المتجدد فضاءات جديدة متنوعة. ومن بين هذه الأعمال الكتابات الشعرية لجول فيرن، في لغته الأصلية، وهو شاعر فرنسي قديم، وكذلك ترجمة الأستاذ القدير بشير السباعي لكونستانتين كافافي، فهي تجمع بين الآفاق الواسعة لوعي الشاعر والحساسية الدقيقة في الترجمة لوعي المترجم الشاعر المرهف في الأساس.

هناك أيضاً أعمال إيدمون جابيس، وهو شاعر مصري يهودي راحل، أقام في فرنسا وكتب بالفرنسية، وظهر في أشعاره هذا الحنين للوطن بكل تفاصيله على الرغم من تقبله بمرارة اضطراره للهجرة في الخمسينات من القرن الماضي، مع رفضه التام للتجنس بالجنسية الفرنسية، حيث احتفظ بجنسيته المصرية واعتد بها حتى آخر لحظة في عمره.

وترى هدى أنه رغم اتجاه الكثيرين للقراءات العلمية أو الاقتصادية أو التنمية البشرية، «لكنني أجد في الأدب ما يحفظ الإنسان من التبدد وسط أنشطته الدنيوية المختلفة، وإذا كانت الرواية تمنح النفس البشرية التوازن في مواجهة تقلبات الحياة، فإن الشعر هو الحافظ الأمين للروح الإنسانية وجوهرها المتقد».على هذه الخلفية، فإن من أهم الكتب التي أعادت الشاعرة قراءتها في 2025، الكتاب الوحيد الذي جمع أعمال موريس دو جيران، وهو شاعر فرنسي من القرن الثامن عشر، كان مزارعاً بسيطاً، لكن معتقداته الشخصية سرعان ما تبدلت وعاش صراعاً نفسياً حاداً أنتج لنا كتابه الشعري. وينقسم الكتاب إلى قصائد عمودية وقصائد نثر، تتناول الصراع النفسي للكائنات الأسطورية التي من طبيعتها أن تكون نصف إنسان ونصف حيوان، كحورية البحر.

وليد علاء الدين... كالفينو في إخراج مبهج

يقول الشاعر والروائي وليد علاء الدين إنه خصص معظم هذا العام لإعادة قراءة أعمال الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، وهو أحد أبرز كتَّاب الواقعية الجديدة، عوالمه مصنوعة بخيال مختلف، فقد سبق أن قرأ ترجمات عربية لأعماله، لكنه تحمس لقراءتها بالإنجليزية حين حصل خلال رحلته الأخيرة لإيطاليا على طبعات استعادية تذكارية لأعماله، في إخراج مبهج من تلك النوعية التي تجعل القراءة ممتعة، وبترجمة أقرب إلى الأصل الإيطالي؛ لأن الترجمات العربية عادة تتم عبر لغات وسيطة. ويشير إلى أنه قرأ له خلال هذا العام «الحواديت الإيطالية»، و«المدن غير المرئية»، والطبعة المختصرة من «القصص المصورة الكونية»، و«مسافر في ليلة شتوية».

أما في القراءات العربية فقد تعددت الكتب، كانت الأولوية كما اعتاد منذ سنوات على القراءة المنهجية، أن يقرأ الأعمال الكاملة لكاتب أو أديب أو مفكر اكتملت تجربته، وهو نوع من القراءة الجادة، فوائده تفوق القراءات المتفرقة؛ لذا فقد أنهى خلال 2025 قراءة الأعمال الكاملة لكل من يحيى حقي، ويوسف إدريس.

ومن الروايات المتفرقة التي قرأها وليد علاء الدين خلال العام؛ «أثر النبي» للروائي والشاعر محمد أبو زيد، ولذلك قصة؛ فقد كان من نصيبه أن تكون رفيقته على الطائرة في رحلة العودة من معرض الكويت للكتاب؛ بدأ القراءة بينما الطائرة تستعد للإقلاع، فلم ينتبه إلا على صوت عجلاتها تصافح أرض مطار الوصول. أما لماذا هذا الاستغراق الكامل؟ فلأنها تقترب – في رأيه - من حالة الكمال الفن، أو ما يسمونه في الفن التشكيلي النسبة الذهبية.

عبير عبد الحافظ

عبير عبد الحافظ... سحر كتابات أميركا اللاتينية

تنوعت قراءات المترجمة والأكاديمية، الدكتور عبير عبد الحافظ، ما بين أدب أميركا اللاتينية والأدب الإسباني والأدب العربي الحديث، ومن أبرز الكتب التي قرأتها «إسبانيا في تاريخها» للكاتب والباحث المستشرق الإسباني العلاّمة أميركو كاسترو، وهو من أهم المتخصصين في دراسات إسبانيا التاريخية واللغوية والأدبية.

كما قرأتْ الرواية الكلاسيكية «المكفنَّة» للكاتبة التشيلية ماريا لويسا بومبال، التي تتناول بدايات سرد المرأة والسيرة الذاتية مطلع القرن العشرين في واحد من بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك «البحث عن كلينجسور» للكاتب المكسيكي خورخي بولبي، وأيضاً روايته الأخرى «أجزاء من الحرب»، ويعدّ بولبي من أهم الروائيين في أدب أميركا اللاتينية في الوقت الحالي، وترتكز أعماله على تأسيس خط روائي مختلف في الرواية، وتتعرض بشكل رئيسي للجرائم والفساد السياسي في إطار مكسيكي وعالمي، حيث يمزج بولبي ما بين المحلية والحس الإنساني العام في رواياته بشكل عام.

هذه الرواية تبدو للوهلة الأولى من طراز «الرواية السوداء»، فهي تشريح للمجتمع المكسيكي من خلال جريمة يرتكبها مراهقان في مدرسة ثانوية، فيسلط الضوء على تفسخ المجتمع في أميركا اللاتينية من الجهة الاقتصادية والاجتماعية، وأيضاً الفكرة الرئيسية تكاد تكون البحث عن جذور الشر في المجتمع المكسيكي، تحديداً في المناطق الأكثر عوزاً، وأيضاً كمرآة لدول أميركا اللاتينية بشكل عام.

ناهد راحيل

ناهد راحيل... مفاجآت «النقد البيئي»

وجاءت قراءات الناقدة الأكاديمية، الدكتور ناهد راحيل، خلال هذا العام امتداداً مباشراً لانشغال بحثي ومعرفي بمجال النقد البيئي أو الإيكولوجي، بوصفه أحد المسارات النقدية التي تعيد النظر في العلاقة بين الإنسان والطبيعة داخل الخطاب الثقافي والأدبي، فقد أصبحت الأسئلة البيئية اليوم جزءاً لا يتجزأ من فهمنا للأدب المعاصر، لا سيما في ظل تصاعد الأزمات المناخية، وانتشار المرض والأوبئة والكوارث البيئية.

في هذا السياق، توقفت راحيل عند دراسات عربية اهتمت بقضايا النقد البيئي؛ منها كتاب «السرديات الخضراء» للدكتور محمد الشحات، الذي يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال النقد البيئي وتطبيقاته السردية، فلم ينشغل الكتاب باستيراد المفاهيم البيئية الغربية فحسب، بل سعى إلى توطينها نقدياً داخل السياق الثقافي العربي، عبر قراءة واعية لتمثلات البيئة والطبيعة والجسد والمكان في السرد العربي الحديث، وعبر مقاربات تطبيقية تقترح فهماً للسرد بوصفه فضاءً للتفاوض بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، وبين السلطة والمعرفة، وبين التقدم وحدوده الكارثية.

وتوقفت الناقدة الشابة كذلك عند كتاب «السرديات البيئية»، وهو كتاب جماعي أكاديمي من تنسيق وإشراف الدكتور مصطفى رجوان، والدكتور عادل المجداوي، يُعنى بإعادة صياغة المقاربات النقدية للسرد من منظور بيئي، وليس مجرد نقد بيئي تقليدي. وترجع أهمية الكتاب، بجانب الاهتمام بربط السرد الأدبي بالقضايا البيئية المعاصرة، إلى محاولة دمج السرديات البيئية بالسرديات البلاغية، أي قراءة النصوص السردية من خلال علاقاتها البيئية ومقوماتها البلاغية. ومن هنا يقترح الكتاب، عبر دراسات نظرية وتطبيقية وترجمات مختارة، تأسيس ما يمكن تسميته «السرديات البيئية» كمقاربة نقدية قادرة على تفكيك العلاقات المعقدة بين السرد والسلطة والمعرفة والفضاء الطبيعي.

علي قطب

علي قطب... بين محفوظ وطه حسين

ويصنف الروائي والباحث الشاب علي قطب القراءة بعدّها فعلاً متعدد التجليات، التي منها العودة إلى الجذور والبحث عن هؤلاء الذين ملأوا عقولنا وقلوبنا بالأفكار والمشاعر. وجاءت 2025 لتكون سنة إعادة قراءة بعض الأعمال الكبرى التي تمثل مشاريع ثقافية رائدة وعميقة، فقراءاته لنجيب محفوظ مستمرة، وأسفرت عن كتاب «الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ – قراءة نقدية ومعجم»، كما يستمر قطب في قراءة طه حسين صاحب المشروع المتكامل، فقد درس التراث وناقش معاصريه، كما قدم لنا رؤيته المستقبلية أيضاً عندما كتب عن «مستقبل الثقافة في مصر».

وتعمق علي قطب في قراءة «ثلاثية الأمالي» لخيري شلبي، المكونة من «أولنا الورق»، «ثانينا الكومي»، «ثالثنا الورق»، وهي ملحمة شعبية شديدة الإمتاع وتغوص في أعماق الروح المصرية، وتعد عملاً شديد الخصوصية يجمع بين الحداثة وتقاليد السرد التراثي.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.