إرث الحمائية... رسوم ترمب ترسم ملامح الاقتصاد الأميركي في 2026

هل يشعل «يوم التحرير» شرارة عصر النمو المنتظر هذا العام؟

ترمب في اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب في اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

إرث الحمائية... رسوم ترمب ترسم ملامح الاقتصاد الأميركي في 2026

ترمب في اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب في اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

في عامٍ تداخلت فيه السياسة بالاقتصاد على نحو غير مسبوق، شكَّلت الرسوم الجمركية -أو ما يُعرف بـ«يوم التحرير»- محور الاضطراب الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم؛ إذ بدت البلاد وكأنها تسير على حافة عدم اليقين؛ حيث لم تعد المؤشرات الكلية وحدها كافية لفهم ما يجري، ولم يعد الخطاب السياسي قادراً على طمأنة الأميركيين والأسواق معاً. وبين قرارات حاسمة اتُّخذت بسرعة، وتداعيات لم تتضح آثارها بالكامل، تشكَّل مشهد اقتصادي معقَّد اتسم بتناقضات لافتة: تفاؤل رسمي صاخب يقابله حذر عميق لدى الشركات والمستهلكين، واستثمارات ضخمة في المستقبل التكنولوجي تتزامن مع ضغوط معيشية يومية متزايدة.

ومع بدء 2026، يبرز سؤال جوهري: هل ما تشهده أميركا هو مخاض تحوُّل اقتصادي جديد؟ أم مجرد مرحلة اضطراب ستترك آثاراً طويلة الأمد على النمو والاستقرار؟

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم 2 أبريل (أ.ب)

اضطرابات عام 2025

يمكن تلخيص الاضطرابات السياسية والاقتصادية المباشرة في أميركا العام الماضي، بالنقاط التالية:

1- الرسوم الجمركية والتضخم: شكَّلت الرسوم الجمركية محور الاضطراب الاقتصادي في عام 2025، ليس داخل الولايات المتحدة فحسب؛ بل عالمياً؛ إذ مثَّلت سياسات الإدارة الأميركية قطيعة مع عقود من تحرير التجارة. ومع فرض «الرسوم المتبادلة» ورسوم إضافية مرتبطة بقضية «الفنتانيل» على واردات من كندا والصين والمكسيك وغيرها؛ بلغت مستويات الحماية التجارية أعلى مستوياتها منذ عقود.

ووفقاً لبيانات البنك الدولي، قفز متوسط الرسوم الجمركية إلى 15.8 في المائة مقارنة بـ1.5 في المائة في 2022، بينما قدَّر مختبر موازنة جامعة ييل وصوله إلى نحو 17 في المائة بنهاية 2025، ما وفَّر إيرادات شهرية تقارب 30 مليار دولار.

غير أن التكلفة الاقتصادية كانت واضحة؛ إذ أدت الرسوم، منذ بدء تطبيقها في أبريل (نيسان)، إلى ارتفاع تكاليف سلاسل التوريد، وانتقال 40– 50 في المائة من أعبائها إلى المستهلكين، ما رفع التضخم الأساسي بنحو 0.4– 0.5 نقطة مئوية، وزاد تكلفة المعيشة على الأسر بنحو 1100 دولار سنوياً.

ورغم تحصيل 235 مليار دولار من الرسوم منذ بداية العام، بقيت الإيرادات دون التوقعات (300 مليار دولار). ومع ذلك، ترى الإدارة أن الأثر قد يكون أقل حدة مما خُشي سابقاً.

في المقابل، ظل التضخم أحد أبرز التحديات في 2025، رغم تسجيل مؤشر أسعار المستهلكين في نوفمبر (تشرين الثاني) ارتفاعاً أقل من المتوقع عند 2.7 في المائة سنوياً؛ إذ اعتُبر هذا التباطؤ مؤقتاً وعائداً لعوامل فنية، وسط استمرار الضغوط الأساسية الناتجة عن الرسوم الجمركية.

وحذَّر رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول من تأثير إغلاق الحكومة على دقة البيانات، بينما بقيت القدرة الشرائية للأسر الأميركية تحت الضغط، نتيجة ارتفاع تكلفة السلع المستوردة والخدمات، ما عزَّز شعوراً بأن التضخم لم يعد ظاهرة عابرة.

ويظل معدل التضخم أعلى من المستهدف لدى البنك المركزي؛ حيث ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المفضل لدى «الفيدرالي» إلى 2.8 في المائة في الربع الثالث، مقابل 2.1 في المائة في الربع الثاني.

2- الإغلاق الحكومي وتقلبات النمو: زاد الإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في 2025، من تعقيد المشهد الاقتصادي. فعلى المدى القصير، أدى تعليق عمل نحو 700 ألف موظف إلى تراجع إنفاق المستهلكين، وانخفاض معنوياتهم إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياتها خلال الجائحة، إضافة إلى انخفاض النشاط السياحي والفنادق بسبب إغلاق الحدائق وتقليص الرحلات الجوية. أما على المدى الطويل، فقدَّرت الجهات غير الحزبية -مثل مكتب الموازنة في الكونغرس- خسارة الناتج المحلي الإجمالي بين 7 و14 مليار دولار بسبب الإنتاجية المفقودة، إضافة إلى تآكل الثقة الدولية في الولايات المتحدة، وتأثير ذلك على مكانتها الاقتصادية العالمية، مع تفاقم الأثر على أصحاب الدخل المنخفض والفئات والولايات التي تضم نسباً عالية من الموظفين الفيدراليين، مثل كاليفورنيا وهاواي وواشنطن.

على صعيد النمو، تميز عام 2025 بتقلبات بارزة. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6 في المائة في الربع الأول، نتيجة زيادة الواردات، مع قيام الشركات بتخزين السلع قبيل فرض الرسوم. ومع ذلك، عاد الاقتصاد بقوة في الربع الثاني، مسجّلاً نمواً سنوياً معدَّلاً بلغ 3.8 في المائة، وهو أقوى أداء منذ الربع الثالث من 2023، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الذي فاق التوقعات. وفي الربع الثالث، واصل الاقتصاد الأميركي زخمه، محققاً نمواً سنوياً قوياً ومفاجئاً بلغ 4.3 في المائة، بدعم من زيادة الإنفاق الاستهلاكي والصادرات والإنفاق الحكومي.

مبنى «الكابيتول» قبل غروب الشمس (أ.ب)

3- سوق عمل هش: رغم أن سوق العمل بدا متماسكاً ظاهرياً، كشف عام 2025 عن هشاشة متزايدة في بنيته. فقد أضاف الاقتصاد 64 ألف وظيفة جديدة في نوفمبر، متجاوزاً التوقعات، ولكنه سجل صافي خسارة 105 ألف وظيفة في أكتوبر (تشرين الأول)، وهي المرة الثالثة خلال 6 أشهر التي يواجه فيها الاقتصاد تراجعاً في الوظائف. وبلغ متوسط نمو الوظائف الشهري خلال العام نحو 50 ألف وظيفة، مع انخفاضه إلى 29 ألف وظيفة بين يونيو (حزيران) وأغسطس (آب)، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.6 في المائة في نوفمبر، وهو الأعلى منذ منتصف 2021، وسط قلق المستهلكين من استمرار ارتفاع البطالة خلال 2026 وفق بيانات جامعة ميشيغان.

وعلى المستوى الهيكلي، أدت سياسات الهجرة المشددة وتسارع التقاعد إلى خروج نحو 3 ملايين عامل من قوة العمل منذ 2024، ما خلق نقصاً مصطنعاً في العمالة. وتركَّزت فرص النمو في قطاعات محدودة مثل الرعاية الصحية والقطاع الحكومي، بينما تكبَّدت القطاعات المعتمدة على التجارة، كالقطاع الصناعي والنقل، خسائر واضحة في الوظائف.

أشخاص يعملون بأحد المطاعم في مانهاتن (أ.ف.ب)

4- السياسات النقدية والمالية: بعد عام من تثبيت أسعار الفائدة، شرع «الاحتياطي الفيدرالي» في خفضها خلال سبتمبر (أيلول)، وأكتوبر، وديسمبر (كانون الأول)، في خطوة تهدف إلى التكيف مع حالة عدم اليقين المتزايدة في الأسواق. وخلال هذه الفترة، اتسمت علاقة الرئيس دونالد ترمب برئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول بالتوتر والصراعات العلنية التي ركزت على استقلالية البنك المركزي والسياسات النقدية. فقد ضغط ترمب باستمرار لخفض أسعار الفائدة بشكل كبير لتحفيز النمو، واصفاً باول بـ«الأحمق العنيد» لتردده في التحرك السريع، بينما تمسك باول بقرارات قائمة على البيانات الاقتصادية لمواجهة التضخم المرتفع.

في الوقت نفسه، انخفض مؤشر الدولار بنحو 10 في المائة منذ بداية العام مقابل سلة من العملات، مسجلاً أقوى تراجع سنوي منذ 2017، نتيجة توقعات خفض الفائدة، وتقلص الفارق مع أسعار الفائدة في العملات الكبرى، والمخاوف المرتبطة بالعجز المالي، وحالة عدم اليقين السياسي.

ويتوقع المستثمرون استمرار ضعف الدولار؛ خصوصاً مع تثبيت السياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى أو تشديدها، ومع تولي رئيس جديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي» قد يوجه السياسة النقدية نحو نهج أكثر مرونة واستجابة للتحديات الاقتصادية الراهنة.

باول يُطلع ترمب على أرقام تكاليف إعادة تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» يوم 24 يوليو (أ.ب)

5- الذكاء الاصطناعي: في خضم الاضطراب الاقتصادي، برز قطاع الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز محركات النمو وأكثرها تحصناً من حالة عدم اليقين. فقد شهدت الاستثمارات في بنيته التحتية طفرة كبيرة، مدفوعة جزئياً بقانون «CHIPS Act»؛ حيث تضاعفت استثمارات مراكز البيانات منذ 2021 لتشكل نحو 25 في المائة من إجمالي الاستثمارات في الهياكل عام 2024. وخلال النصف الأول من 2025، كانت النفقات الرأسمالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المساهم الأكبر في النمو، مضيفة 1.1 في المائة إلى الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة إنفاق المستهلكين. ومع ذلك، يبقى التحدي قائماً في جانب الإنتاجية؛ إذ تشير الأدلة إلى أن 95 في المائة من الشركات الأميركية لم تحقق بعد عوائد ملموسة من هذه الاستثمارات، ما يثير تساؤلات حول توقيت تحوُّلها إلى مكاسب إنتاجية واسعة النطاق.

سيناريو «الركود التضخمي الخفيف»

مع اقتراب 2026، يتوقع الخبراء أن يواجه الاقتصاد الأميركي «ركوداً تضخمياً خفيفاً»، مع تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 2 في المائة، بسبب ضعف التوظيف وتراجع الهجرة وتصاعد ضغوط الرسوم الجمركية. وتتراوح توقعات النمو بين 2.2 -حسب «رويال بنك أوف كندا»- و2.6 في المائة -وفق «غولدمان ساكس»- مدعومة بخفض الضرائب وتيسير الظروف المالية.

أما التضخم، فمن المتوقع أن يتحول إلى ظاهرة هيكلية، مع بقاء التضخم الأساسي أعلى من 3 في المائة طوال معظم العام. ومن المتوقع أن يبلغ معدل البطالة ذروته عند نحو 4.5 في المائة مع استمرار نمو الأجور، وسط تحسن محتمل في سوق العمل خلال النصف الثاني من العام، بفضل خفض الضرائب وأسعار الفائدة الفيدرالية.

أوراق من الدولار الأميركي على طاولة بمكتب الطباعة والنقش في واشنطن (رويترز)

هل أميركا فعلاً على أعتاب «عصر ذهبي»؟

مع إسدال الستار على عام 2025، يبدو أن الرهان الأكبر للإدارة الأميركية يتجاوز لغة الأرقام التقليدية إلى ما يشبه «الإيمان المطلق» بقدرة الاقتصاد على تغيير ترس السرعة، وتحقيق قفزة نوعية مع مطلع العام الجديد. وحسب تقارير «أكسيوس»، يسود ردهات البيت الأبيض تفاؤل مفرط يستند إلى مفعول «قانون الواحد الكبير والجميل» ذلك التشريع الضخم الذي يُنظَر إليه بوصفه «المحفز الأكبر» القادر على ترميم الميزانيات العائلية، وضخ دماء جديدة في عروق الاستثمارات الرأسمالية للشركات.

هذا التفاؤل الحكومي يصطدم بجدار من التشكيك في أوساط الدوائر الاقتصادية المستقلة، التي ترى في التداخل بين الرسوم الجمركية المرتفعة وهشاشة سوق العمل عوائق قد لا تذللها المحفزات الضريبية وحدها. وبينما ينقسم الخبراء بين متوجس ومتفائل، يظل الرئيس ترمب متمسكاً برؤيته الواعدة، مؤكداً للأمة بلهجته الواثقة: «نحن على أعتاب طفرة اقتصادية لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل».


مقالات ذات صلة

«حيتان» نيويورك تتأهب لاقتناص كعكة «سبيس إكس» التريليونية

الاقتصاد صاروخ «سبيس إكس سوبر هيفي» خلال انطلاقه حاملاً مركبة «ستار شيب» في رحلته التجريبية من قاعدة «ستار بيس» في تكساس (رويترز)

«حيتان» نيويورك تتأهب لاقتناص كعكة «سبيس إكس» التريليونية

بدأت حيتان المال في نيويورك تحركات استباقية لتجميع السيولة وتجهيز محافظها الاستثمارية، معلنةً بدء العد العكسي لأكبر وأضخم طرح عام أولي تشهده الأسواق في التاريخ.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تحليل إخباري رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مراسم تنصيبه (رويترز)

تحليل إخباري لماذا قد يدفع «سلام محتمل» مع إيران نحو رفع أسعار الفائدة الأميركية؟

يبقي التضخم الأميركي الأعلى في 3 سنوات احتمالات التشديد قائمة، وسط تحليلات تؤكد أن الاتفاق مع إيران لن يمنع «الفيدرالي» من رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يعتزم الحدّ من الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأميركية

يستعد الاتحاد الأوروبي للإعلان عن تدابير غير مسبوقة تحدّ من اعتماده على الشركات التكنولوجية الأميركية الكبرى وموردي أشباه الموصلات الصينيين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مقر بنك الشعب الصيني (المركزي) في بكين (رويترز)

الصين تتوسع في تداول اليوان الرقمي

يبذل البنك المركزي الصيني جهوداً كبيرة لزيادة استخدام اليوان الرقمي داخل البلاد وخارجها، مما يضع بكين على مسار مختلف - وربما منافس - عن مسار أميركا.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد أشخاص يسيرون بالقرب من بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تقرير الوظائف الأميركي يضع زخم «وول ستريت» على مقصلة التشديد النقدي

يترقب المستثمرون في «وول ستريت» صدور تقرير الوظائف الأميركي، في اختبار رئيسي لمدى استمرار زخم الأسهم وسط تنامي المخاوف من التضخم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«حيتان» نيويورك تتأهب لاقتناص كعكة «سبيس إكس» التريليونية

صاروخ «سبيس إكس سوبر هيفي» خلال انطلاقه حاملاً مركبة «ستار شيب» في رحلته التجريبية من قاعدة «ستار بيس» في تكساس (رويترز)
صاروخ «سبيس إكس سوبر هيفي» خلال انطلاقه حاملاً مركبة «ستار شيب» في رحلته التجريبية من قاعدة «ستار بيس» في تكساس (رويترز)
TT

«حيتان» نيويورك تتأهب لاقتناص كعكة «سبيس إكس» التريليونية

صاروخ «سبيس إكس سوبر هيفي» خلال انطلاقه حاملاً مركبة «ستار شيب» في رحلته التجريبية من قاعدة «ستار بيس» في تكساس (رويترز)
صاروخ «سبيس إكس سوبر هيفي» خلال انطلاقه حاملاً مركبة «ستار شيب» في رحلته التجريبية من قاعدة «ستار بيس» في تكساس (رويترز)

بدأت حيتان المال في نيويورك تحرُّكات استباقية لتجميع السيولة وتجهيز مَحافظها الاستثمارية، معلنةً بدء العد العكسي الفعلي لأكبر وأضخم طرح عام أولي (IPO) تشهده أسواق المال العالمية في تاريخها.

وتترقَّب الأوساط المصرفية تفاصيل الإدراج التاريخي لشركة تكنولوجيا الفضاء والاتصالات العملاقة «سبيس إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، في حدث لا يمثل مجرد عملية تقليدية لجمع رأس المال، بل يُشكِّل اختباراً حقيقياً لشهية السيولة الدولية وقدرة الأسواق على استيعاب تقييمات تريليونية في ظلِّ ظروف اقتصادية ونقدية بالغة التعقيد.

وتؤكد الترتيبات الداخلية المُسرَّبة من كواليس المصارف الاستثمارية أنَّ الجولات الترويجية للمؤسسات والصناديق السيادية الكبرى ستنطلق رسمياً في الرابع من يونيو (حزيران)، في جدول زمني مضغوط ومكثف يعكس رغبة كونسورتيوم البنوك القائمة على الطرح في حسم العملية سريعاً، تمهيداً لبدء الإدراج والتداول الرسمي في بورصة «ناسداك» في الـ12 من الشهر ذاته.

صراع الجبابرة

خلف الستار، شهدت «وول ستريت» معركةً شرسةً بين أقطاب الخدمات المالية لاقتناص المقعد القيادي في هذا الطرح؛ حيث نجح بنك «غولدمان ساكس» في حسم المواجهة لصالحه ليدير العملية بصفته «الطرف الأيسر الرائد». وهذا الموقع التنفيذي يمنحه السيطرة الكاملة على إدارة سجل الأوامر، وتحديد السعر النهائي، وهندسة عملية التخصيص، يليه بنك «مورغان ستانلي» في المرتبة الثانية ضمن نقابة تغطية ضخمة تضم أكثر من 20 مؤسسة مالية عالمية، جُمعت بعناية لتأمين قنوات توزيع تمتد من الولايات المتحدة إلى أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

وتتأهب هذه الشبكة المصرفية لتنفيذ جدول زمني مكثف ينطلق بالجولات الترويجية، تمهيداً للإدراج الرسمي في بورصة «ناسداك» في 12 من يونيو، على أن يُصار بين الأول والخامس من الشهر ذاته إعلان النطاق السعري الأولي للسهم. ويقود التحالف مواجهة شرسة لتجسير الفجوة بين تقييم الشركة في المعاملات المغلقة بالسوق الخاصة البالغ 300 مليار دولار، والتقييم المستهدف في الطرح والذي يدفع به «غولدمان ساكس» نحو حافته القصوى البالغة 1.75 تريليون دولار.

ويستند هذا التقييم الفلكي إلى ميزانية عام 2025 التي حقَّقت فيها الشركة إيرادات بلغت 18.7 مليار دولار (شكَّلت شبكة إنترنت الفضاء «ستارلينك» 61 في المائة منها)، فرضت معها تحوُّل «سبيس إكس» إلى بنية تحتية عالمية مهيمنة تدعمها الآفاق التجارية لمركبة «ستار شيب» وعقودها الاحتكارية مع «البنتاغون» و«ناسا».

ولتعظيم هذه الربحية قبل الإدراج، عمدت الشركة إلى رفع تكلفة إطلاق صاروخ «فالكون 9» إلى 74 مليون دولار (بزيادة 21 في المائة) وزيادة اشتراكات الأفراد في «ستارلينك» بنسبة تراوحت بين 6 و10 في المائة، بالتوازي مع إرساء سابقة قانونية عبر نقل التأسيس إلى ولاية تكساس لفرض «التحكيم الفردي»، وحظر الدعاوى الجماعية للمساهمين.

إلا أنَّ هذه الطموحات التريليونية تظلُّ تحت رحمة السياسة النقدية؛ في ظلِّ استقرار عوائد السندات الأميركية لأجل عامين عند 4 في المائة، ومخاوف الأوساط المالية من اضطرار «الفيدرالي» لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لكبح التضخم العنيد.

نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لإيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

هندسة الأرباح

في النصف الثاني من عام 2025، بدا واضحاً أنَّ الإدارة المالية لـ«سبيس إكس» بدأت في تحسين الميزانية العمومية ورفع معدلات العائد على السهم لجعل الطرح أكثر إغراءً للمستثمرين المؤسسيين. هذا التوجه تُرجِم عملياً عبر قرارات تسعيرية ذكية واستراتيجية؛ حيث رفعت الشركة سعر إطلاق صاروخها الشهير «فالكون 9» للمرة الرابعة خلال عامين ليصل إلى 74 مليون دولار لكل عملية إطلاق، بارتفاع بلغت نسبته 21 في المائة. وتأتي هذه الزيادة مستغلة غياب المنافسة الحقيقية في سوق الإطلاق التجاري العالمي.

على صعيد قطاع الاتصالات، الذي بات المُحرِّك الرئيسي للشركة، أظهرت البيانات المالية الختامية لعام 2025 أنَّ شبكة إنترنت الفضاء «ستارلينك» أسهمت بنحو 61 في المائة من إجمالي إيرادات الشركة البالغة 18.7 مليار دولار. ولمواجهة تكاليف التشغيل المرتفعة وتحسين الهوامش قبل الطرح، أقرَّت الشركة زيادة في أسعار باقات «ستارلينك» الموجَّهة للأفراد (القطاع السكني) بنسب تراوحت بين 6 و10 في المائة. وفي مناورة موازية لجذب قطاع الأعمال، خفَّضت الشركة أسعار باقات الشركات بمقدار 10 دولارات شهرياً، في خطوة تهدف إلى توسيع قاعدة المشتركين من الشركات الكبرى القادرة على دمج هذه التكاليف ضمن نفقاتها الضريبية المعفاة، مما يضمن تدفقات نقدية مستقرة ومستدامة تروق لمحللي «وول ستريت».

سابقة قانونية

إلا أن النقطة الأكثر إثارة للجدل و«التحول الجذري» في هذا الطرح لا تكمن في حجمه المالي، بل في «صك الحماية» القانوني الهيكلي الذي تَضمَّنه ميثاق الشركة؛ إذ أدرجت «سبيس إكس» بنداً صريحاً يمنع المساهمين من رفع «دعاوى قضائية جماعية» ضدها في حال حدوث تقلبات حادة في السهم، مستعيضة عن ذلك بنظام «التحكيم الفردي الإلزامي».

وتعدُّ هذه الخطوة ضربةً قاصمةً لمحامي التعويضات في الولايات المتحدة، والذين رفعوا في عام 2025 وحده 207 دعاوى جماعية ضد شركات مدرجة تسببت في تسويات بقيمة 3 مليارات دولار.

وجاءت هذه المناورة القانونية مستفيدة من قرار رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية الجديد، بول أتكينز، الذي ألغى الحظر التاريخي الذي فرضته الهيئة خلال عهد أوباما على بنود التحكيم الإلزامي في وثائق الإدراج. ولم تكن هذه الخطوة ممكنةً لولا قرار ماسك الجريء في عام 2024 بنقل التأسيس القانوني لشركة «سبيس إكس» من ولاية ديلاوير (التي تحظر قوانينها المحلية التحكيم الفردي للمساهمين وتجبرهم على محاكمها) إلى ولاية تكساس التي تتيح حرية التعاقد والتحكيم الكاملة، مما قد يطلق موجة هجرة جماعية للشركات الأميركية نحو تكساس للهروب من مقصلة الدعاوى الجماعية.

شبح الفائدة يطارد «ناسداك»

وعلى مستوى الأفراد، يبدو الموقف غامضاً؛ فبينما يميل التخصيص التقليدي لصالح الصناديق والمؤسسات الكبرى القادرة على الالتزام بكتل نقدية ضخمة، فإنَّ الحجم الفلكي للطرح قد يدفع «غولدمان ساكس» لتوجيه جزء من الأسهم نحو منصات التداول الإلكترونية المتاحة لجمهور المستثمرين الأفراد، على غرار ما حدث في طرح «فيسبوك» عام 2012.

ورغم التفاؤل والجدول الزمني الطموح والمكثف (إيداع سري في أبريل (نيسان)، وجولات في يونيو، وتسعير فوري)، فإنَّ المخاطر تظل قائمة؛ إذ يراقب فريق الأسواق في «غولدمان ساكس» مستويات مرونة سوق العمل وسلوك سوق السندات الأميركية، حيث استقرَّ عائد سندات الخزانة لأجل عامين عند 4 في المائة، ما يعكس مخاوف «وول ستريت» من أن «الفيدرالي» قد يضطر لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لكبح التضخم العنيد، وهو ما قد يؤثر على شهية صناديق التحوط والمؤسسات الكبرى تجاه الالتزام بالاستثمارات طويلة الأجل في قطاع الفضاء عالي المخاطر.


«سلوشنز» توقع عقداً بـ129.3 مليون دولار مع «إس تي سي» لتطوير شبكات الإنترنت والاتصالات

مشاركة «سلوشنز» السعودية في معرض «جيتكس» العالمي في مركز دبي التجاري العالمي (موقع الشركة الإلكتروني)
مشاركة «سلوشنز» السعودية في معرض «جيتكس» العالمي في مركز دبي التجاري العالمي (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

«سلوشنز» توقع عقداً بـ129.3 مليون دولار مع «إس تي سي» لتطوير شبكات الإنترنت والاتصالات

مشاركة «سلوشنز» السعودية في معرض «جيتكس» العالمي في مركز دبي التجاري العالمي (موقع الشركة الإلكتروني)
مشاركة «سلوشنز» السعودية في معرض «جيتكس» العالمي في مركز دبي التجاري العالمي (موقع الشركة الإلكتروني)

أعلنت الشركة العربية لخدمات الإنترنت «سلوشنز» توقيع عقد مع شركة الاتصالات السعودية «إس تي سي» بقيمة 484.79 مليون ريال (129.3 مليون دولار)، لتنفيذ مشروع إنشاء وتطوير شبكات الإنترنت والاتصالات الخاصة بـ«إس تي سي».

وأوضحت الشركة، في بيان نُشر على موقع «تداول»، أن ترسية المشروع وتوقيع العقد تمَّا بتاريخ 30 مايو (أيار) 2026، لمدة 36 شهراً.

وبيَّنت أن المشروع يشمل إنشاء وتطوير شبكات الإنترنت والاتصالات الداخلية التابعة لـ«إس تي سي» وفق نطاق العمل المتفق عليه بين الطرفين، بما يتضمن توسيع شبكات الإنترنت الداخلية، وزيادة نقاط الشبكة الحالية والجديدة، وتطوير مشروعات خدمات الإنترنت الداعمة لوحدات الأعمال بالشركة.

وأضافت أن العقد يتضمن توفير متطلبات قطاع الأعمال من الشبكة الداخلية لـ«إس تي سي» عبر تركيب أجهزة لتحويل البيانات، ورفع سعة الشبكة الداخلية والدولية لاستيعاب النمو في خدمات الجيل الخامس، إلى جانب استبدال الأجهزة القديمة غير المدعومة من الموردين.

كما يشمل المشروع رفع سعة البنية التحتية لأجهزة النطاق العريض الافتراضية، وإنشاء بنية تحتية للشبكة الداخلية في مراكز بيانات جديدة في خميس مشيط والدمام والقصيم وشمال الرياض، إضافة إلى توريد الأجهزة والمعدات والبرامج والأنظمة وتركيبها ودمجها واختبارها.

وأشارت «سلوشنز» إلى أن الأثر المالي للعقد سيبدأ بالظهور في قوائمها المالية اعتباراً من الربع الثالث من عام 2026.

ولفتت إلى أن «إس تي سي» تُعد طرفاً ذا علاقة، باعتبارها المساهم الأكبر في الشركة، إذ تمتلك نحو 79 في المائة من أسهم «سلوشنز».


الهند تخفّض الرسوم الجمركية على صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات

سفينة روسية تقوم بتفريغ حمولتها من النفط الخام في ميناء ديندايال بالهند (رويترز)
سفينة روسية تقوم بتفريغ حمولتها من النفط الخام في ميناء ديندايال بالهند (رويترز)
TT

الهند تخفّض الرسوم الجمركية على صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات

سفينة روسية تقوم بتفريغ حمولتها من النفط الخام في ميناء ديندايال بالهند (رويترز)
سفينة روسية تقوم بتفريغ حمولتها من النفط الخام في ميناء ديندايال بالهند (رويترز)

أعلنت الحكومة الهندية، تخفيض الرسوم الجمركية على صادرات البنزين والديزل ووقود محركات الطائرات لمدة أسبوعين بدءاً من أول يونيو (حزيران)، الموافق يوم الاثنين.

وذكرت الحكومة، في بيان، أنَّ الرسوم على صادرات البنزين تحدَّدت عند 1.5 روبية (0.0158 دولار) للتر الواحد، في حين تحدَّدت الرسوم على الديزل عند 13.5 روبية للتر الواحد. أما رسوم التصدير على وقود الطائرات فتحدَّدت عند 9.5 روبية للتر الواحد.

وتتم مراجعة هذه المعدلات كل أسبوعين، وتستند إلى متوسط الأسعار الدولية للنفط الخام والبنزين والديزل ووقود الطائرات خلال الفترة منذ المراجعة الأحدث.

كانت منظمات دولية عدة، بينها صندوق النقد الدولي والوكالة الدولية للطاقة، قد حذَّرت يوم الجمعة، من خطر حدوث نقص في النفط هذا الصيف إذا لم تعد حركة الملاحة البحرية عبر مضيق «هرمز» إلى طبيعتها بسرعة.

وقال رؤساء صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والوكالة الدولية للطاقة، ومنظمة التجارة العالمية، في بيان مشترك: «تتقلص مخزونات النفط العالمية بوتيرة قياسية؛ بسبب الخسارة الكبيرة في الشحنات التي تمر عبر مضيق هرمز».

وأضافوا: «إذا لم تعد حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها، فإن الانخفاض السريع والمستمر في المخزونات العالمية قبل ذروة الطلب الصيفي في نصف الكرة الشمالي سيمثل خطراً متزايداً على أمن الطاقة وأوضاع السوق، وبشكل أوسع، قدرة الاقتصاد على الصمود».

وقيدت إيران حركة الملاحة عبر مضيق «هرمز»، الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره عادة نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها في أواخر فبراير (شباط).