جنوب لبنان ساحة غير مستقرة بانتظار التسويات الكبرى

هدوء شكلي بين 2006 و2024 سقط عند أول اختبار

عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

جنوب لبنان ساحة غير مستقرة بانتظار التسويات الكبرى

عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

لم يكن جنوب لبنان، منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006، خارج دائرة الحرب بقدر ما كان خارج توقيتها. فالهدنة التي سادت لم تكن سلماً راسخاً، بل صراع تأجّل انفجاره من دون تفكيك أسبابه أو معالجة شروطه البنيوية، وبات، منذ اندلاع الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ساحة غير مستقرة، تنتظر التسويات السياسية الإقليمية والدولية.

وعلى امتداد 19 عاماً، سُوّق هذا الواقع بوصفه استقراراً، فيما كان في جوهره توازناً هشّاً تحكمه حسابات الردع وتديره السياسة الإقليمية، ومع الوصول إلى نهاية عام 2025، لم ينكشف انهيار الاستقرار بقدر ما انكشف وهمه، حسبما تقول مصادر لبنانية مواكبة لتحولات الجبهة الجنوبية.

السياسة قبل الميدان

يرى الوزير اللبناني الأسبق رشيد درباس أنّ «ما سُمّي استقراراً في جنوب لبنان بعد عام 2006 لم يكن في جوهره سوى هدوء مغشوش ومسموم، جرى التعاطي معه منذ البداية بوصفه تسوية ظرفية لا مساراً فعلياً نحو الاستقرار». ويحذّر من أنّ هذا الفهم الخاطئ «شكّل أحد الأسباب الأساسية لانفجار المشهد لاحقاً».

ويقول درباس لـ«الشرق الأوسط»: «تعاملت الأطراف المعنية مع وقف إطلاق النار (أي حزب الله) بعد عام 2006، فرصةً لتثبيت النفوذ وبناء موازين قوى جديدة، لا مدخلاً لحماية الجنوب أو تحصين الدولة». وفي المقابل، استخدمت إسرائيل مرحلة الهدوء «فترة إعداد واستنزاف صامت»، من خلال التحضير لمواجهات لاحقة، فيما تعامل «حزب الله» مع الهدوء باعتباره «فرصة لتعزيز قبضته العسكرية وتجاوز دور الدولة و(اليونيفيل)».

أضرار لحقت بكنيسة في بلدة الخيام جنوب لبنان جراء القصف الإسرائيلي في عام 2024 (إ.ب.أ)

في هذا السياق، يعتبر درباس أنّ لبنان فوّت «فرصة ثمينة للتموضع الكامل تحت مظلّة الشرعية الدولية»، مضيفاً: «الالتزام الصارم بهذه المظلّة، كان سيمنح الدولة أوراق قوة سياسية وقانونية في مواجهة أي اعتداء إسرائيلي، سواء عربياً أو دولياً». ويرى أنّ «الخروج التدريجي من خيمة الشرعية الدولية انعكس مباشرة على دور (اليونيفيل)، التي بات وجودها بلا فاعلية حقيقية، في ظل استهداف عناصرها وخطفهم وإهانتهم، من دون قرار سياسي واضح بحمايتها أو تمكينها من أداء مهمتها». ويخلص درباس إلى أنّ هذا الواقع «لم يُفرض علينا من الخارج، بل صنعناه بأيدينا».

ويشدّد على أنّ تبدّد الهدوء لا يمكن اختصاره بخرق أمني أو تجاوز عسكري، لأن «الخرق الأمني أداة من أدوات الصراع، لا سببه الجوهري». فالخلل، وفق توصيفه، «سياسي بامتياز، نابع من تجاهل غير مبرّر لموازين القوى، ومن وهم ساد لدى بعض القوى بإمكان فرض معادلات عسكرية أو سياسية لا تتناسب مع واقع لبنان»، معتبراً أنّ «أي رهان على موازاة من هذا النوع يفتقر إلى الحدّ الأدنى من التقدير السياسي».

مفهوم الردع

من زاوية عسكرية - سياسية، يقدّم اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي قراءة مكمّلة، معتبراً أنّ «ما وُصف بالاستقرار في جنوب لبنان بين عامي 2006 و2024 لم يكن استقراراً حقيقياً، بل هدوء كاذب أخفى تحضيرات متبادلة لحربٍ مؤجَّلة بين إسرائيل و(حزب الله)». ويؤكّد أنّ «ما جرى بعد عام 2024 لم يكن انقلاباً مفاجئاً على هذا الواقع، بل انكشاف لطبيعته الفعلية».

ضابطة إسرائيلية تستعرض أسلحة صادرها الجيش في معارك جنوب لبنان وغزة وسوريا (إ.ب.أ)

ويوضح شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» أن حرب 2006 «لم تُحقق أهدافها النهائية لأيٍّ من الطرفين؛ إسرائيل لم تُنهِ قدرات (حزب الله)، والحزب لم ينجح في تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية داخلية أو إقليمية»، ويكشف أنّ «هذه النتيجة أدخلت الطرفين في مرحلة استعداد طويل الأمد لمواجهة لاحقة، ظهرت معالمها بوضوح في التحصينات الواسعة التي أقامها الحزب في الجنوب، مقابل تحضير إسرائيل بنك أهداف استخبارياً دقيقاً وراكمت ذخائر وخططاً عملياتية قبل سنوات». وحسب شحيتلي: «لم يكن الجنوب خارج زمن الحرب، بل داخل زمن انتظارها».

ويشير إلى أنّ تنفيذ القرار 1701 حقق إنجازات ميدانية وأمنية خلال سنوات الهدوء النسبي، لكنه يلفت إلى أنّ هذه الإنجازات «سقطت عملياً مع اندلاع الحرب الأخيرة»، ويضيف: «الجهوزية الأميركية والغربية السريعة أثبتت أنّ الصراع لم يكن محلياً صرفاً، بل جزء من سياق إقليمي أوسع تُدار فيه الجبهة اللبنانية ضمن توازنات تتجاوز الداخل اللبناني».

ما الذي تغيّر بين 2006 و2025؟

في مقارنة مباشرة بين حرب 2006 والجولة الأخيرة، يحدّد شحيتلي فارقاً جوهرياً تمثّل في «نجاح الضربة الاستباقية الإسرائيلية هذه المرّة في استهداف قيادة (حزب الله) وخطوط الإمداد وبنك الأهداف منذ المراحل الأولى»، على عكس ما حصل عام 2006 حين فشلت إسرائيل في تعطيل منظومة القيادة والسيطرة، واستمرت خطوط الإمداد فاعلةً، ما أطال أمد الحرب آنذاك»، ويضيف: «يعكس هذا التحوّل تغيّراً في فلسفة إدارة المواجهة، من استنزاف طويل إلى محاولة حسم الإيقاع مبكراً، وهو ما يرفع تكلفة أي جولة لاحقة ويقلّص هوامش الهدوء القابل للإدارة».

لا ضمانات

مطلع عام 2026، لا يبدو أن الجنوب عاد إلى استقرار فعلي، بل إلى صيغة أكثر هشاشة من سابقاتها. فالعوامل التي حكمت الاستقرار بعد 2006 تغيّرت: أدوات الحرب تطوّرت، البيئة الإقليمية ازدادت تعقيداً، والدولة اللبنانية باتت أضعف اقتصادياً ومؤسساتياً. من هنا، يخلص شحيتلي إلى أنّ الاستقرار الأمني المستدام بات «مرهوناً بقرار سياسي إقليمي ودولي واسع، يرتبط بتسويات كبرى، في مقدّمها مسار القضية الفلسطينية وطبيعة الدور الإقليمي لإيران». وفي غياب ذلك، يحذّر من أنّ الجنوب سيبقى «ساحة لا استقرار».


مقالات ذات صلة

أربع رسائل فرنسية للبنان عشية اجتماع ماكرون وسلام

أوروبا الرئيسان إيمانويل ماكرون ونواف سلام خلال لقائهما في دافوس يوم 20 من الشهر الحالي بمناسبة المنتدى الاقتصادي العالمي (أ.ف.ب)

أربع رسائل فرنسية للبنان عشية اجتماع ماكرون وسلام

أربع رسائل فرنسية للبنان بمناسبة اجتماع ماكرون وسلام، الجمعة، وباريس غير قلقة على مصير «الميكانيزم»، وتحث لبنان على السير بالمرحلة الثانية من «حصر السلاح».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون في الضاحية الجنوبية لبيروت استنكاراً للضربات الإسرائيلية على الجنوب ليل الأربعاء (إ.ب.أ)

القضاء اللبناني يبدأ استدعاء مناصرين لـ«حزب الله» أساؤوا لعون

بدأ القضاء اللبناني، الخميس، ملاحقة المتورطين في الإساءة إلى الرئيس جوزيف عون، وهم من أنصار «حزب الله» الذين شنوا حملة على رئيس الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)

لبنان: «حزب الله» يخالف مسار بري بحملة على رئيس الجمهورية

تخطى «حزب الله» دعوة رئيس البرلمان نبيه بري لمواجهة «العدوانية الإسرائيلية»، بـ«الوحدة الوطنية»، إذ افتتح صداماً مع رئيس الدولة اللبنانية جوزيف عون.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بباريس (رويترز)

ماكرون يبحث مع سلام الجمعة المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح «حزب الله»

يبحث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، خلال استقباله له يوم الجمعة، اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي مواطنون يجمعون ما تبقّى من أغراضهم على أثر استهداف المبنى الذي يسكنون فيها ببلدة قناريت بجنوب لبنان مساء الأربعاء (أ.ب)

تصعيد إسرائيلي يعزز مخاوف اللبنانيين من شبح الحرب

يعود شبح التصعيد العسكري الإسرائيلي ليخيّم على لبنان، في ظل تراكم عوامل داخلية وإقليمية.

كارولين عاكوم (بيروت)

ترمب يُطلق «مجلس السلام»... وغزة أولوية

الرئيس الأميركي وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ ”مجلس السلام“ في دافوس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ ”مجلس السلام“ في دافوس أمس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يُطلق «مجلس السلام»... وغزة أولوية

الرئيس الأميركي وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ ”مجلس السلام“ في دافوس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ ”مجلس السلام“ في دافوس أمس (أ.ف.ب)

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الخميس)، في دافوس، «مجلس السلام»، بحضور دولي وعربي وإقليمي، وسط تركيز على أولوية قضية قطاع غزة.

وشارك وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في توقيع ميثاق تأسيس المجلس بحضور ترمب، وقادة وممثلي عددٍ من الدول المُرحِّبة والمشاركة بإنشائه.

وقال ترمب إن «الحرب بين إسرائيل و(حماس) تقترب فعلاً من نهايتها»، مضيفاً: «لم يتبقَّ سوى نيران صغيرة، ويمكننا إطفاؤها بسهولة شديدة». وبعدما أشار إلى الالتزام بـ«إعادة بناء غزة بشكل جميل»، وجّه تحذيراً مباشراً إلى «حماس»، داعياً إياها إلى نزع سلاحها، رغم أن عناصرها «وُلدوا والبنادق في أيديهم»، وفق قوله.

وأكد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أولوية ملف غزة بالقول إن «مهمة المجلس في المقام الأول وقبل كل شيء هي ضمان أن يصبح اتفاق السلام في غزة دائماً»، على أن يُنظر لاحقاً في ملفات أخرى.

وفي مسعى لطمأنة حلفائه حول العالم، أكّد ترمب أن المجلس سيعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة. وقال: «سنكون قادرين على القيام تقريباً بأي شيء نريده، وسنفعل ذلك بالتعاون مع الأمم المتحدة».


العراق لمحاكمة سجناء «داعش» بعد نقلهم من سوريا

حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار، شمال البلاد، أمس الخميس (أ.ب)
حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار، شمال البلاد، أمس الخميس (أ.ب)
TT

العراق لمحاكمة سجناء «داعش» بعد نقلهم من سوريا

حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار، شمال البلاد، أمس الخميس (أ.ب)
حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار، شمال البلاد، أمس الخميس (أ.ب)

باشر القضاء العراقي التحقيق مع الدفعة الأولى من عناصر تنظيم «داعش»، الذين جرى نقلهم من شمال شرقي سوريا، في عملية نُفذت بالتنسيق مع التحالف الدولي.

وأكد مجلس القضاء الأعلى، أمس (الخميس)، إيداع الموقوفين في سجون تابعة لوزارة العدل، وإخضاعهم للإجراءات القضائية والمحاكمة، وفق الدستور والقوانين النافذة، بما يضمن حقوق الضحايا.

وأفادت مصادر رسمية بأن الدفعة الأولى تضم نحو 150 شخصاً عراقيين وأجانب، على أن تحدد الدفعات اللاحقة وفق التقدير الأمني.

وبيّنت المصادر أن جميع المتهمين «سيخضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، فيما تقرر فصل عائلاتهم عن المقاتلين، وتجهيز مخيمات ومراكز خاصة لإيوائهم بعيداً عن المدن، تحت إشراف قضائي كامل، بما يمنع الإفلات من المساءلة، مع التزام المعايير الإنسانية والأمنية المعتمدة».


القضاء اللبناني يتصدّى لحملة «حزب الله» ضد عون

فتى أمام مبنى دمرته غارة إسرائيلية على بلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)
فتى أمام مبنى دمرته غارة إسرائيلية على بلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

القضاء اللبناني يتصدّى لحملة «حزب الله» ضد عون

فتى أمام مبنى دمرته غارة إسرائيلية على بلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)
فتى أمام مبنى دمرته غارة إسرائيلية على بلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)

تصدّى القضاء اللبناني، أمس، لحملة قادها مناصرون لـ«حزب الله» ضد الرئيس جوزيف عون، عبر تسطير استدعاءات لناشطين اتُهّموا بالإساءة إلى عون وتوجيه إهانات له بعد القصف الإسرائيلي الذي طال بلدات في الجنوب يوم الأربعاء.

وتفاعلت الحملة ضد عون، على خلفية موقفه من حصر السلاح والتزامه بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها، وتصاعدت بعد القصف الأربعاء، فيما لم يصدر الحزب أي موقف ضد تلك الحملات التي تخالف دعوة رئيس البرلمان نبيه بري لمواجهة «العدوانية الإسرائيلية» بـ«الوحدة الوطنية».

إلى ذلك، أعلن وزير المال ياسين جابر، أن لبنان رفض مقترحاً أميركياً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لتحويل منطقة الجنوب المتضررة في لبنان إلى منطقة اقتصادية، قائلاً إن هذا الاقتراح «مات في المهد».