بين تيسير «الفيدرالي» وحذر «المركزي الأوروبي»: أي مستقبل ينتظر اليورو؟

السياسات النقدية المتباينة وفجوة الفائدة ترسمان مصير العملة

أُطلقت الأوراق النقدية الجديدة باليورو في بلغاريا بدءاً من 1 يناير 2026 مع اعتماد البلاد عضواً يحمل رقم «21» في منطقة اليورو (أ.ف.ب)
أُطلقت الأوراق النقدية الجديدة باليورو في بلغاريا بدءاً من 1 يناير 2026 مع اعتماد البلاد عضواً يحمل رقم «21» في منطقة اليورو (أ.ف.ب)
TT

بين تيسير «الفيدرالي» وحذر «المركزي الأوروبي»: أي مستقبل ينتظر اليورو؟

أُطلقت الأوراق النقدية الجديدة باليورو في بلغاريا بدءاً من 1 يناير 2026 مع اعتماد البلاد عضواً يحمل رقم «21» في منطقة اليورو (أ.ف.ب)
أُطلقت الأوراق النقدية الجديدة باليورو في بلغاريا بدءاً من 1 يناير 2026 مع اعتماد البلاد عضواً يحمل رقم «21» في منطقة اليورو (أ.ف.ب)

يقف اليورو في عام 2026 أمام مفترق طرق تقني؛ فبينما يميل بنك «الاحتياطي الفيدرالي» نحو سياسات تيسيرية، يفضل «البنك المركزي الأوروبي» التمسك بسياسة «التريّث». هذا المشهد يضع مستقبل العملة الموحدة تحت رحمة عاملين أساسيين: سرعة تقلص الفجوة بين أسعار الفائدة في القارتين، ومدى قدرة الاقتصاد الأوروبي على تجنب انتكاسة جديدة في مستويات النمو.

«المركزي الأوروبي»: ترف الوقت وسط تضخم معتدل

رغم أن المحركات الاقتصادية في منطقة اليورو تعمل بوتيرة هادئة، فإنها لا تزال بعيدة عن خطر الانهيار الوشيك. وما يعزز موقف «البنك» في التريّث هو عودة التضخم لتجاوز مستهدفه البالغ اثنين في المائة؛ هذا الارتفاع الطفيف يمنح صناع السياسة النقدية هامشاً للمناورة؛ مما يسمح لهم بمراقبة الأسواق دون حاجة ملحة إلى التحرك السريع، في انتظار اتضاح الرؤية العالمية.

وبالنسبة إلى «زوج اليورو - الدولار»، فإن السوق تتوازن عملياً بين مسارين: عودة نحو 1.20 إذا صمد الاقتصاد الأوروبي وواصل «الفيدرالي» خفض الفائدة، أو تراجع باتجاه 1.13 (وربما 1.10) إذا خيّب النمو الآمال واضطر «المركزي الأوروبي» إلى تغيير موقفه.

مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

دورة خفض الفائدة وتأثيرها على الأسواق

دخل «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي بالفعل دورة خفض أسعار الفائدة، منفذاً ثالث خفض له منذ سبتمبر (أيلول) 2025. وعلى النقيض، بقي «البنك المركزي الأوروبي» في وضعية «الترقب والانتظار»، محافظاً على سعر الفائدة الرئيسي عند 2.15 في المائة منذ يوليو (تموز) الماضي. وإذا استمر «الفيدرالي» في نهجه التيسيري خلال 2026 بينما ظل «المركزي الأوروبي» ثابتاً، فما انعكاس ذلك على اليورو؟ وإلى أين يمكن أن يتجه «زوج اليورو - الدولار» بشكل واقعي؟

نمو منطقة اليورو: ضعيف لكن ليس في حالة تفكك

يعمل محرك النمو في منطقة اليورو بوتيرة بطيئة، ويعود جزء من ذلك إلى عوامل هيكلية أكثر منها دورية؛ فقد شهد قطاع السيارات في ألمانيا - المتأثر بالتحول إلى السيارات الكهربائية واضطرابات سلاسل التوريد - تراجعاً في الإنتاج بنسبة 5 في المائة. وفي الوقت نفسه، أدّى ضعف الاستثمار في الابتكار إلى تخلف بعض أجزاء أوروبا عن الولايات المتحدة والصين في قطاعات تكنولوجية رئيسية.

وفوق ذلك، عادت الاحتكاكات التجارية إلى الواجهة؛ إذ أعادت مقاربةُ إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، القائمة على «الرسوم المتبادلة»، مخاطرَ التصعيد التجاري. وتفيد تقارير بأن الولايات المتحدة تدرس فرض رسوم جمركية تتراوح بين 10 و20 في المائة على السلع الأوروبية؛ مما يشكّل ضربة مباشرة للاقتصادات المعتمدة على التصدير. وتشير التقديرات إلى تراجع صادرات «الاتحاد الأوروبي» إلى الولايات المتحدة بنسبة 3 في المائة، مع تكبّد قطاعَيْ السيارات والكيماويات النصيب الأكبر من الضرر.

وتعكس توقعاتُ «المفوضية الأوروبية» الخريفيةُ هذه الصورة المختلطة؛ إذ تتوقع نمو الناتج بنسبة 1.3 في المائة خلال 2025، و1.2 في المائة خلال 2026، و1.4 في المائة عام 2027. ويكمن المغزى في التعديلات: فقد رُفعت توقعات 2025 مقارنة بتقديرات مايو (أيار) الماضي، في حين جرى خفض طفيف لتوقعات 2026، وهو ما يُقرأ على أنه إقرار ضمني بأن مسار النمو في العام المقبل قد يكون أكثر وعورة مما تسعّره الأسواق.

حتى داخل التكتل، لا تسير الأمور بوتيرة واحدة، ففي الربع الثالث، توسع اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.2 في المائة، لكن إسبانيا وفرنسا سجلتا أداءً أقوى (0.6 و0.5 في المائة على التوالي)، في حين ظلّ النمو مسطحاً في ألمانيا وإيطاليا. العنوان الرئيسي هو تباطؤ النمو، لكن ما بين السطور يشير إلى قدر من الصمود: لا ازدهار، لكنه ليس انهياراً أيضاً. وهذه الاستقرار الأساسي هو أحد الأسباب التي تمنع النظر إلى اليورو على أنه عملة «مختلّة جوهرياً».

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفاع التضخم يرسّخ موقف «المركزي الأوروبي»

لم يعد التضخم يتراجع بسلاسة نحو الهدف؛ إذ أظهرت البيانات الأولية الصادرة عن «يوروستات» أن التضخم في منطقة اليورو بلغ 2.2 في المائة على أساس سنوي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ارتفاعاً من 2.1 في المائة خلال أكتوبر (تشرين الأول) الذي سبقه، ليستقر فوق هدف «البنك المركزي الأوروبي» متوسط الأجل البالغ اثنين في المائة.

كما أن تركيبة التضخم مهمة؛ فقد تراجعت أسعار الطاقة بنسبة 0.5 في المائة، في حين ارتفع تضخم الخدمات إلى 3.5 في المائة مقابل 3.4 في المائة خلال أكتوبر. ويُعدّ تضخم الخدمات الجزء الأكبر «لُزُوجة»؛ وهو تحديداً النوع الذي يقلق البنوك المركزية عند إعادة تسارعه.

في هذا السياق، أبقى «البنك المركزي الأوروبي» في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي على أسعار الفائدة الثلاثة الرئيسية دون تغيير: سعر تسهيلات الإيداع عند اثنين في المائة، وسعر إعادة التمويل الرئيسي عند 2.15 في المائة، وسعر تسهيلات الإقراض الهامشي عند 2.40 في المائة.

ومع توقف خفض الفائدة في النصف الثاني من 2025، ومع توقعات محدثة تشير إلى إمكانية عودة التضخم تدريجياً نحو الهدف خلال السنوات الثلاث المقبلة، فإن السيناريو الأساسي لعام 2026 يتمثل في «بنك مركزي أوروبي» يظل إلى حد كبير في موقع الثبات: لا يتجه سريعاً إلى الرفع، ولا يرى حاجة ملحّة للخفض أيضاً.

وقد عززت رئيسة «البنك»، كريستين لاغارد، هذه النبرة عقب اجتماع ديسمبر، واصفة السياسة النقدية بأنها «في وضع جيد»، في إشارة واضحة إلى غياب الاستعجال.

وخارج أروقة «البنك»، تبدو السردية السوقية مشابهة؛ إذ يتوقع كريستيان كوبف، من «يونيون إنفستمنت» لإدارة الأصول الاستثمارية، عدم حدوث أي تحرك قريب، مشيراً إلى أنه إذا طرأ تغيير في 2026، فمن المرجح أن يكون في أواخر العام أو مطلع 2027، وربما باتجاه رفع الفائدة. كما أظهر استطلاع لـ«رويترز» أن معظم الاقتصاديين يتوقعون بقاء أسعار الفائدة دون تغيير حتى 2026 و2027، رغم اتساع نطاق التقديرات لعام 2027 (بين 1.5 و2.5 في المائة)؛ مما يعكس تراجع اليقين كلما طال الأفق الزمني. وتشير إيزابيل ماتيوس إي لاغو، كبيرة اقتصاديي «بي إن بي باريبا»، إلى أن عتبة التحرك - صعوداً أو هبوطاً - تبدو مرتفعة في الاجتماعات المقبلة.

«الفيدرالي» خفّض الفائدة 3 مرات في 2025 وقد يستمر خلال 2026

أقدم «الاحتياطي الفيدرالي» على خفض الفائدة 3 مرات في 2025، متجاوزاً توقعاته الصادرة في ديسمبر 2024 التي أشارت إلى خفضَين فقط؛ ففي مارس (آذار) الماضي أبقى الفائدة عند 4.5 في المائة جزئياً بسبب مخاوف من أن تعيد الرسوم الجمركية إشعال التضخم وتُبطئ مسار التراجع السعري. لكن في النصف الثاني من العام، فتح تباطؤُ التضخم وضعفُ سوق العمل البابَ أمام التيسير. وخفّض «الفيدرالي» الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، ثم أتبعه بخفضَين في أكتوبر وديسمبر الماضيين، لينخفض نطاق سعر الفائدة المستهدف إلى ما بين 3.5 و3.75 في المائة.

وتضيف السياسة بُعداً إضافياً من عدم اليقين؛ إذ تنتهي ولاية رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، في مايو 2026، ومن المتوقع على نطاق واسع عدم إعادة تعيينه. وكان ترمب قد انتقد مراراً باول بسبب بطئه في خفض الفائدة، ولوّح بأن الرئيس المقبل لـ«الفيدرالي» سيدفع باتجاه تيسير أسرع. وقال ترمب إنه سيختار رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» المقبل في أوائل يناير (كانون الثاني). وقد أشرف وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، على عملية فرز المرشحين، ضمن أجندة قد تقود إلى تغييرات أوسع داخل «الفيدرالي»، مع دعم مسار خفض الفائدة.

ويتوقع اقتصاديون، مثل مارك زاندي، كبير اقتصاديي مؤسسة «موديز» للتحليلات، تنفيذ تخفيضات عدة في 2026؛ ليس لأن الاقتصاد قوي، بل لأنه عالق في «توازن دقيق».

وتتلاقى توقعات البنوك الكبرى إلى حد كبير بشأن هذا السيناريو؛ إذ تُشير «غولدمان ساكس»، و«مورغان ستانلي»، و«بنك أوف أميركا»، و«ويلز فارغو»، و«نومورا»، و«باركليز» إلى توقع خفضَين في 2026؛ مما يهبط بسعر الفائدة إلى نطاق بين 3 و3.25 في المائة. ويرى «نومورا» أن الخفضَين سيأتيان في يونيو وسبتمبر، بينما يتوقع «غولدمان ساكس» تنفيذهما في مارس ويونيو.

مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

إلى أين يتجه «زوج اليورو - الدولار» في 2026؟

قصة «اليورو - الدولار» في 2026 تتمحور حول صمود النمو الأوروبي وصبر «البنك المركزي الأوروبي» في مواجهة زخم النمو الأميركي ومسار خفض الفائدة لدى «الفيدرالي». صحيح أن فارق أسعار الفائدة مهم، لكن الأهم هو سبب تغيّر هذا الفارق؛ لأن الأسواق تتداول السردية بقدر ما تتداول الأرقام.

ويؤطر الجدل «سيناريوهان رئيسيان»:

- نمو أقوى في منطقة اليورو (فوق 1.3 في المائة) مع ارتفاع تدريجي للتضخم: يرجّح أن يُبقي «البنك المركزي الأوروبي» أسعار الفائدة دون تغيير؛ مما يدعم اليورو. وفي هذه الحالة، قد يختبر «زوج اليورو - الدولار» مستويات فوق 1.20.

- نمو أضعف في منطقة اليورو (دون 1.3 في المائة): إذا خيّب النمو الآمال ومال «المركزي الأوروبي» نحو الخفض لدعم النشاط، فمن المرجح أن يتعثر تعافي اليورو في 2025، ويعود «الزوج» نحو منطقة الدعم عند 1.13.

وتختلف توقعات المؤسسات الكبرى تبعاً لاختلاف الفرضيات، فـ«سيتي» تتوقع قوة الدولار مقابل اليورو، مقدّرة سعر الصرف عند يورو واحد لـ1.10 دولار في 2026، استناداً إلى تسارع النمو الأميركي وخفض أقل من المتوقع للفائدة. وترى «سيتي» أن «زوج اليورو - الدولار» قد يلامس قاعاً قرب 1.10 في الربع الثالث من 2026، أي بانخفاض يبلغ نحو 6 في المائة عن المستوى الحالي البالغ 1.1650.

في المقابل، تتبنى «يو بي إس لإدارة الثروات العالمية» (منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا)، بقيادة ثيميس ثيميستوكليوس، رؤية معاكسة: فإذا ثبت «المركزي الأوروبي» على موقفه بينما واصل «الفيدرالي» الخفض، فإن تقلّص فجوة العائد قد يدعم اليورو. وتتوقع «يو بي إس» ارتفاع «اليورو - الدولار» إلى 1.20 بحلول منتصف 2026.

رهانات اليورو على موازنة السياسة والنمو

يظل مستقبل اليورو في عام 2026 رهناً بالمسار الذي سيتخذه المشهد الاقتصادي العالمي، فإذا تبلورت ملامح سيناريو «التيسير الأميركي وصمود أوروبا»، فسنكون أمام نافذة حقيقية لارتفاع «زوج اليورو - الدولار»، مدعوماً بانحسار فجوة العوائد وتراجع الضغوط على السياسة النقدية الأوروبية.

أما إذا انقلبت المعادلة إلى سيناريو «التباطؤ الأوروبي والصدمات التجارية»، واضطر «البنك المركزي الأوروبي» إلى التخلي عن نهجه الحذر والانخراط بقوة في دعم النمو، فإن سقف طموحات اليورو سيتراجع بوتيرة سريعة. في هذا السياق الضاغط، لن تعود مستويات 1.10 أو حتى 1.13 مجرد أرقام نظرية في تقارير التحليل، بل ستتحول إلى أهداف واقعية تعكس عمق التحديات الهيكلية التي تواجه القارة العجوز.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

طلب الاتحاد الأوروبي من تطبيق «تيك توك» تغيير تصميمه الذي يشجع على الإدمان، كما قال، وإلا فسيواجه غرامات باهظة، بموجب قواعد المحتوى الرقمي للاتحاد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون يدعو إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»، وقالت أوساطه إنه مصمم على الدفع نحو «إحداث تغيير».

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد يظهر علما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أوروبا تتجه نحو السيادة الرقمية لمواجهة الهيمنة التكنولوجية الأميركية

كثَّف كبار المسؤولين الأوروبيين تحذيراتهم من أن الاتحاد مُعرَّض بشكل خطير للصدمات الجيوسياسية، مؤكدين ضرورة المضي قدماً نحو تحقيق الاستقلال الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد توقعات بنمو الطلب على الغاز الطبيعي المسال بنسبة 5 % (رويترز)

«قطر للطاقة» تتوقع نقصاً في إمدادات الغاز المسال بسبب الطلب الأوروبي

توقع سعد الكعبي الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة» ‌حدوث نقص في إمدادات الغاز الطبيعي العالمية بحلول عام 2030 بسبب الطلب الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.