بين تيسير «الفيدرالي» وحذر «المركزي الأوروبي»: أي مستقبل ينتظر اليورو؟

السياسات النقدية المتباينة وفجوة الفائدة ترسمان مصير العملة

أُطلقت الأوراق النقدية الجديدة باليورو في بلغاريا بدءاً من 1 يناير 2026 مع اعتماد البلاد عضواً يحمل رقم «21» في منطقة اليورو (أ.ف.ب)
أُطلقت الأوراق النقدية الجديدة باليورو في بلغاريا بدءاً من 1 يناير 2026 مع اعتماد البلاد عضواً يحمل رقم «21» في منطقة اليورو (أ.ف.ب)
TT

بين تيسير «الفيدرالي» وحذر «المركزي الأوروبي»: أي مستقبل ينتظر اليورو؟

أُطلقت الأوراق النقدية الجديدة باليورو في بلغاريا بدءاً من 1 يناير 2026 مع اعتماد البلاد عضواً يحمل رقم «21» في منطقة اليورو (أ.ف.ب)
أُطلقت الأوراق النقدية الجديدة باليورو في بلغاريا بدءاً من 1 يناير 2026 مع اعتماد البلاد عضواً يحمل رقم «21» في منطقة اليورو (أ.ف.ب)

يقف اليورو في عام 2026 أمام مفترق طرق تقني؛ فبينما يميل بنك «الاحتياطي الفيدرالي» نحو سياسات تيسيرية، يفضل «البنك المركزي الأوروبي» التمسك بسياسة «التريّث». هذا المشهد يضع مستقبل العملة الموحدة تحت رحمة عاملين أساسيين: سرعة تقلص الفجوة بين أسعار الفائدة في القارتين، ومدى قدرة الاقتصاد الأوروبي على تجنب انتكاسة جديدة في مستويات النمو.

«المركزي الأوروبي»: ترف الوقت وسط تضخم معتدل

رغم أن المحركات الاقتصادية في منطقة اليورو تعمل بوتيرة هادئة، فإنها لا تزال بعيدة عن خطر الانهيار الوشيك. وما يعزز موقف «البنك» في التريّث هو عودة التضخم لتجاوز مستهدفه البالغ اثنين في المائة؛ هذا الارتفاع الطفيف يمنح صناع السياسة النقدية هامشاً للمناورة؛ مما يسمح لهم بمراقبة الأسواق دون حاجة ملحة إلى التحرك السريع، في انتظار اتضاح الرؤية العالمية.

وبالنسبة إلى «زوج اليورو - الدولار»، فإن السوق تتوازن عملياً بين مسارين: عودة نحو 1.20 إذا صمد الاقتصاد الأوروبي وواصل «الفيدرالي» خفض الفائدة، أو تراجع باتجاه 1.13 (وربما 1.10) إذا خيّب النمو الآمال واضطر «المركزي الأوروبي» إلى تغيير موقفه.

مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

دورة خفض الفائدة وتأثيرها على الأسواق

دخل «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي بالفعل دورة خفض أسعار الفائدة، منفذاً ثالث خفض له منذ سبتمبر (أيلول) 2025. وعلى النقيض، بقي «البنك المركزي الأوروبي» في وضعية «الترقب والانتظار»، محافظاً على سعر الفائدة الرئيسي عند 2.15 في المائة منذ يوليو (تموز) الماضي. وإذا استمر «الفيدرالي» في نهجه التيسيري خلال 2026 بينما ظل «المركزي الأوروبي» ثابتاً، فما انعكاس ذلك على اليورو؟ وإلى أين يمكن أن يتجه «زوج اليورو - الدولار» بشكل واقعي؟

نمو منطقة اليورو: ضعيف لكن ليس في حالة تفكك

يعمل محرك النمو في منطقة اليورو بوتيرة بطيئة، ويعود جزء من ذلك إلى عوامل هيكلية أكثر منها دورية؛ فقد شهد قطاع السيارات في ألمانيا - المتأثر بالتحول إلى السيارات الكهربائية واضطرابات سلاسل التوريد - تراجعاً في الإنتاج بنسبة 5 في المائة. وفي الوقت نفسه، أدّى ضعف الاستثمار في الابتكار إلى تخلف بعض أجزاء أوروبا عن الولايات المتحدة والصين في قطاعات تكنولوجية رئيسية.

وفوق ذلك، عادت الاحتكاكات التجارية إلى الواجهة؛ إذ أعادت مقاربةُ إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، القائمة على «الرسوم المتبادلة»، مخاطرَ التصعيد التجاري. وتفيد تقارير بأن الولايات المتحدة تدرس فرض رسوم جمركية تتراوح بين 10 و20 في المائة على السلع الأوروبية؛ مما يشكّل ضربة مباشرة للاقتصادات المعتمدة على التصدير. وتشير التقديرات إلى تراجع صادرات «الاتحاد الأوروبي» إلى الولايات المتحدة بنسبة 3 في المائة، مع تكبّد قطاعَيْ السيارات والكيماويات النصيب الأكبر من الضرر.

وتعكس توقعاتُ «المفوضية الأوروبية» الخريفيةُ هذه الصورة المختلطة؛ إذ تتوقع نمو الناتج بنسبة 1.3 في المائة خلال 2025، و1.2 في المائة خلال 2026، و1.4 في المائة عام 2027. ويكمن المغزى في التعديلات: فقد رُفعت توقعات 2025 مقارنة بتقديرات مايو (أيار) الماضي، في حين جرى خفض طفيف لتوقعات 2026، وهو ما يُقرأ على أنه إقرار ضمني بأن مسار النمو في العام المقبل قد يكون أكثر وعورة مما تسعّره الأسواق.

حتى داخل التكتل، لا تسير الأمور بوتيرة واحدة، ففي الربع الثالث، توسع اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.2 في المائة، لكن إسبانيا وفرنسا سجلتا أداءً أقوى (0.6 و0.5 في المائة على التوالي)، في حين ظلّ النمو مسطحاً في ألمانيا وإيطاليا. العنوان الرئيسي هو تباطؤ النمو، لكن ما بين السطور يشير إلى قدر من الصمود: لا ازدهار، لكنه ليس انهياراً أيضاً. وهذه الاستقرار الأساسي هو أحد الأسباب التي تمنع النظر إلى اليورو على أنه عملة «مختلّة جوهرياً».

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفاع التضخم يرسّخ موقف «المركزي الأوروبي»

لم يعد التضخم يتراجع بسلاسة نحو الهدف؛ إذ أظهرت البيانات الأولية الصادرة عن «يوروستات» أن التضخم في منطقة اليورو بلغ 2.2 في المائة على أساس سنوي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ارتفاعاً من 2.1 في المائة خلال أكتوبر (تشرين الأول) الذي سبقه، ليستقر فوق هدف «البنك المركزي الأوروبي» متوسط الأجل البالغ اثنين في المائة.

كما أن تركيبة التضخم مهمة؛ فقد تراجعت أسعار الطاقة بنسبة 0.5 في المائة، في حين ارتفع تضخم الخدمات إلى 3.5 في المائة مقابل 3.4 في المائة خلال أكتوبر. ويُعدّ تضخم الخدمات الجزء الأكبر «لُزُوجة»؛ وهو تحديداً النوع الذي يقلق البنوك المركزية عند إعادة تسارعه.

في هذا السياق، أبقى «البنك المركزي الأوروبي» في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي على أسعار الفائدة الثلاثة الرئيسية دون تغيير: سعر تسهيلات الإيداع عند اثنين في المائة، وسعر إعادة التمويل الرئيسي عند 2.15 في المائة، وسعر تسهيلات الإقراض الهامشي عند 2.40 في المائة.

ومع توقف خفض الفائدة في النصف الثاني من 2025، ومع توقعات محدثة تشير إلى إمكانية عودة التضخم تدريجياً نحو الهدف خلال السنوات الثلاث المقبلة، فإن السيناريو الأساسي لعام 2026 يتمثل في «بنك مركزي أوروبي» يظل إلى حد كبير في موقع الثبات: لا يتجه سريعاً إلى الرفع، ولا يرى حاجة ملحّة للخفض أيضاً.

وقد عززت رئيسة «البنك»، كريستين لاغارد، هذه النبرة عقب اجتماع ديسمبر، واصفة السياسة النقدية بأنها «في وضع جيد»، في إشارة واضحة إلى غياب الاستعجال.

وخارج أروقة «البنك»، تبدو السردية السوقية مشابهة؛ إذ يتوقع كريستيان كوبف، من «يونيون إنفستمنت» لإدارة الأصول الاستثمارية، عدم حدوث أي تحرك قريب، مشيراً إلى أنه إذا طرأ تغيير في 2026، فمن المرجح أن يكون في أواخر العام أو مطلع 2027، وربما باتجاه رفع الفائدة. كما أظهر استطلاع لـ«رويترز» أن معظم الاقتصاديين يتوقعون بقاء أسعار الفائدة دون تغيير حتى 2026 و2027، رغم اتساع نطاق التقديرات لعام 2027 (بين 1.5 و2.5 في المائة)؛ مما يعكس تراجع اليقين كلما طال الأفق الزمني. وتشير إيزابيل ماتيوس إي لاغو، كبيرة اقتصاديي «بي إن بي باريبا»، إلى أن عتبة التحرك - صعوداً أو هبوطاً - تبدو مرتفعة في الاجتماعات المقبلة.

«الفيدرالي» خفّض الفائدة 3 مرات في 2025 وقد يستمر خلال 2026

أقدم «الاحتياطي الفيدرالي» على خفض الفائدة 3 مرات في 2025، متجاوزاً توقعاته الصادرة في ديسمبر 2024 التي أشارت إلى خفضَين فقط؛ ففي مارس (آذار) الماضي أبقى الفائدة عند 4.5 في المائة جزئياً بسبب مخاوف من أن تعيد الرسوم الجمركية إشعال التضخم وتُبطئ مسار التراجع السعري. لكن في النصف الثاني من العام، فتح تباطؤُ التضخم وضعفُ سوق العمل البابَ أمام التيسير. وخفّض «الفيدرالي» الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، ثم أتبعه بخفضَين في أكتوبر وديسمبر الماضيين، لينخفض نطاق سعر الفائدة المستهدف إلى ما بين 3.5 و3.75 في المائة.

وتضيف السياسة بُعداً إضافياً من عدم اليقين؛ إذ تنتهي ولاية رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، في مايو 2026، ومن المتوقع على نطاق واسع عدم إعادة تعيينه. وكان ترمب قد انتقد مراراً باول بسبب بطئه في خفض الفائدة، ولوّح بأن الرئيس المقبل لـ«الفيدرالي» سيدفع باتجاه تيسير أسرع. وقال ترمب إنه سيختار رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» المقبل في أوائل يناير (كانون الثاني). وقد أشرف وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، على عملية فرز المرشحين، ضمن أجندة قد تقود إلى تغييرات أوسع داخل «الفيدرالي»، مع دعم مسار خفض الفائدة.

ويتوقع اقتصاديون، مثل مارك زاندي، كبير اقتصاديي مؤسسة «موديز» للتحليلات، تنفيذ تخفيضات عدة في 2026؛ ليس لأن الاقتصاد قوي، بل لأنه عالق في «توازن دقيق».

وتتلاقى توقعات البنوك الكبرى إلى حد كبير بشأن هذا السيناريو؛ إذ تُشير «غولدمان ساكس»، و«مورغان ستانلي»، و«بنك أوف أميركا»، و«ويلز فارغو»، و«نومورا»، و«باركليز» إلى توقع خفضَين في 2026؛ مما يهبط بسعر الفائدة إلى نطاق بين 3 و3.25 في المائة. ويرى «نومورا» أن الخفضَين سيأتيان في يونيو وسبتمبر، بينما يتوقع «غولدمان ساكس» تنفيذهما في مارس ويونيو.

مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

إلى أين يتجه «زوج اليورو - الدولار» في 2026؟

قصة «اليورو - الدولار» في 2026 تتمحور حول صمود النمو الأوروبي وصبر «البنك المركزي الأوروبي» في مواجهة زخم النمو الأميركي ومسار خفض الفائدة لدى «الفيدرالي». صحيح أن فارق أسعار الفائدة مهم، لكن الأهم هو سبب تغيّر هذا الفارق؛ لأن الأسواق تتداول السردية بقدر ما تتداول الأرقام.

ويؤطر الجدل «سيناريوهان رئيسيان»:

- نمو أقوى في منطقة اليورو (فوق 1.3 في المائة) مع ارتفاع تدريجي للتضخم: يرجّح أن يُبقي «البنك المركزي الأوروبي» أسعار الفائدة دون تغيير؛ مما يدعم اليورو. وفي هذه الحالة، قد يختبر «زوج اليورو - الدولار» مستويات فوق 1.20.

- نمو أضعف في منطقة اليورو (دون 1.3 في المائة): إذا خيّب النمو الآمال ومال «المركزي الأوروبي» نحو الخفض لدعم النشاط، فمن المرجح أن يتعثر تعافي اليورو في 2025، ويعود «الزوج» نحو منطقة الدعم عند 1.13.

وتختلف توقعات المؤسسات الكبرى تبعاً لاختلاف الفرضيات، فـ«سيتي» تتوقع قوة الدولار مقابل اليورو، مقدّرة سعر الصرف عند يورو واحد لـ1.10 دولار في 2026، استناداً إلى تسارع النمو الأميركي وخفض أقل من المتوقع للفائدة. وترى «سيتي» أن «زوج اليورو - الدولار» قد يلامس قاعاً قرب 1.10 في الربع الثالث من 2026، أي بانخفاض يبلغ نحو 6 في المائة عن المستوى الحالي البالغ 1.1650.

في المقابل، تتبنى «يو بي إس لإدارة الثروات العالمية» (منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا)، بقيادة ثيميس ثيميستوكليوس، رؤية معاكسة: فإذا ثبت «المركزي الأوروبي» على موقفه بينما واصل «الفيدرالي» الخفض، فإن تقلّص فجوة العائد قد يدعم اليورو. وتتوقع «يو بي إس» ارتفاع «اليورو - الدولار» إلى 1.20 بحلول منتصف 2026.

رهانات اليورو على موازنة السياسة والنمو

يظل مستقبل اليورو في عام 2026 رهناً بالمسار الذي سيتخذه المشهد الاقتصادي العالمي، فإذا تبلورت ملامح سيناريو «التيسير الأميركي وصمود أوروبا»، فسنكون أمام نافذة حقيقية لارتفاع «زوج اليورو - الدولار»، مدعوماً بانحسار فجوة العوائد وتراجع الضغوط على السياسة النقدية الأوروبية.

أما إذا انقلبت المعادلة إلى سيناريو «التباطؤ الأوروبي والصدمات التجارية»، واضطر «البنك المركزي الأوروبي» إلى التخلي عن نهجه الحذر والانخراط بقوة في دعم النمو، فإن سقف طموحات اليورو سيتراجع بوتيرة سريعة. في هذا السياق الضاغط، لن تعود مستويات 1.10 أو حتى 1.13 مجرد أرقام نظرية في تقارير التحليل، بل ستتحول إلى أهداف واقعية تعكس عمق التحديات الهيكلية التي تواجه القارة العجوز.


مقالات ذات صلة

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

شمال افريقيا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي يعود النفط لواجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة لتسوية خلافاتها.

علاء حموده (القاهرة )
الاقتصاد صمامات الغاز بموقع تخزين الغاز الطبيعي في زسانا بالمجر التي ما زالت تعتمد على الغاز الروسي (رويترز)

تراجع أسعار الغاز في أوروبا مع تقليل ترمب من احتمالات توجيه ضربة لإيران

تراجعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بعد تصريح ترمب بأنه ليست لديه خطط فورية لتوجيه ضربات إلى إيران، مما خفف المخاوف من تجدد التصعيد في حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا وإسبانيا لتعزيز التعاون في محاربة الجريمة العابرة للحدود

موريتانيا بحثت مع إسبانيا جهود تعزيز التعاون في مكافحة الهجرة غير القانونية والجريمة العابرة للحدود، في إطار التعاون مع موريتانيا والاتحاد الأوروبي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا صورة توضيحية تحمل شعار «جيميناي» (رويترز)

مستشار أوروبي: روبوت «غوغل» للدردشة ربما ينتهك قواعد حقوق النشر

قال مستشار لدى أعلى محكمة بأوروبا إن استخدام شركة غوغل للأخبار الصحافية في روبوت الدردشة الخاص بها يشكل انتهاكاً لقواعد حقوق النشر.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد رفوف مبردة فارغة في أحد متاجر «ديلهايز» في بلجيكا عقب عطل تقني أثّر على أنظمة التبريد والتجميد (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يتحرك لاحتواء تداعيات الهجمات الإلكترونية على أنظمة التبريد

عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعين لبحث تداعيات الاختراق الإلكتروني الذي استهدف أنظمة التبريد الاثنين، ومناقشة سبل التنسيق مع الدول الأعضاء.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)
شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)
TT

الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)
شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)

تباين أداء الأسواق العالمية في أعقاب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي حقق فيها الديمقراطيون انتصارات واسعة، عززت الآمال بالتوصل إلى تسوية تنهي الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وتسببت في موجة هبوط بأسعار النفط وأسهم شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات، مقابل صعود الأسهم عموماً والسندات وأسهم الطاقة المتجددة.

وهبطت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 9 في المائة خلال تداولات الليل، لتتراجع دون مستوى 100 دولار للبرميل. وخسر الخام نحو 20 في المائة منذ بداية الأسبوع، وإذا استمر هذا التراجع حتى إغلاق الجمعة، فسيكون الأكبر على أساس أسبوعي منذ أحد أسابيع أبريل (نيسان) 2020، عندما هبطت أسعار الخام الأميركي لفترة وجيزة إلى المنطقة السالبة.

وشجع الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة على موجة صعود في أسواق السندات، أدت إلى تراجع العوائد، كما دفع الدولار إلى أدنى مستوى له في شهر أمام اليورو، الذي بلغ 1.1273 دولار، وساهم في دعم أسواق الأسهم.

وارتفعت المؤشرات الرئيسية للأسهم على خلفية وضوح نتائج الانتخابات، إذ أغلق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مرتفعاً بنسبة 1.6 في المائة، فيما سجلت الأسهم الأوروبية أعلى مستوياتها في شهرين.

ضغوط على قطاع التكنولوجيا

وفي المقابل، قفزت أسهم الشركات العاملة في سلاسل إمداد الطاقة الشمسية، وسط توقعات بأن يعزز الديمقراطيون الدعم الموجه إلى مصادر الطاقة المتجددة، بينما تراجعت أسهم شركات مراكز البيانات وموردي المعدات المرتبطة بها في أنحاء آسيا، بفعل توقعات بتشديد القيود التنظيمية على القطاع.

وانخفض مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي، الذي يضم وزناً كبيراً لشركات صناعة الرقائق الإلكترونية، بنسبة 4 في المائة، مقترباً خلال التعاملات الصباحية من أدنى مستوى له في 7 أشهر. كما تراجع المؤشر القياسي في تايوان بنسبة 1.8 في المائة، فيما ضغطت أسهم موردي المعدات التكنولوجية على مؤشر «نيكي» الياباني، الذي انخفض بنسبة 0.5 في المائة.

وجاءت هذه الضغوط بعدما حقق مرشحون ديمقراطيون معارضون للتوسع في إنشاء مراكز البيانات، وخاضوا حملاتهم الانتخابية جزئياً على أساس المطالبة بتجميد بنائها، انتصارات لافتة في ولايتي تكساس وجورجيا، في مؤشر على تحول المواقف الشعبية تجاه الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، لا يتوقع معظم المحللين أن تؤدي هذه التطورات إلى تراجع الطلب على الذكاء الاصطناعي أو مراكز البيانات أو رقائق الحاسوب على المدى الطويل، لكنهم يرجحون حدوث تباطؤ مؤقت في وتيرة النمو.

وقال كريس ويستون، رئيس الأبحاث لدى شركة الوساطة «بيبرستون» في ملبورن، إن حجم الانتصار الديمقراطي هو ما فاجأ الأسواق.

الحرب تقود رهانات النفط

وفي أسواق الطاقة، اختبر خام برنت مستوى 93.50 دولار للبرميل خلال التعاملات الصباحية في آسيا، مقترباً من أدنى مستوياته المسجلة خلال الليل، مع ترجيح المتعاملين أن يصبح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مواجهة كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون وتحت ضغط ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، أقل ميلاً إلى تصعيد الحرب مع إيران.

وأقر ترمب يوم الأربعاء بأن الحرب أسهمت في هزيمة الجمهوريين، فيما كان نائبه جي دي فانس أكثر صراحة، إذ كتب عبر منصة «إكس»: «السبب وراء خسارتنا هو الحرب».

ومن شأن التوصل إلى تسوية للنزاع أن يدفع أسعار النفط إلى مزيد من الانخفاض، بما يخفف الضغوط التضخمية ويقلص احتمالات اللجوء إلى زيادات إضافية في أسعار الفائدة.

وفي سوق السندات الأميركية، تراجع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بمقدار 6 نقاط أساس خلال الليل، وبنقطة أساس إضافية في التعاملات المبكرة في طوكيو، إلى 4.87 في المائة. كما انخفض العائد على السندات لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات أسعار الفائدة قصيرة الأجل، بنحو نقطتي أساس إلى 4.56 في المائة.


الدولار يتراجع بعد الانتخابات الأميركية مع تحسن شهية المخاطرة

أوراق نقدية من فئة الدولار (أ.ب)
أوراق نقدية من فئة الدولار (أ.ب)
TT

الدولار يتراجع بعد الانتخابات الأميركية مع تحسن شهية المخاطرة

أوراق نقدية من فئة الدولار (أ.ب)
أوراق نقدية من فئة الدولار (أ.ب)

واصل الدولار تراجعه أمام العملات الرئيسية، يوم الخميس، عقب الفوز الواسع للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، في تطور عزز شهية المستثمرين للمخاطرة، ودفع أسعار النفط إلى هبوط حاد.

وفي المقابل، ارتفع الين الياباني بعد أن عزز محضر اجتماع بنك اليابان لشهر سبتمبر (أيلول) التوقعات بمواصلة رفع أسعار الفائدة، فيما صعد الجنيه الإسترليني مقترباً من أعلى مستوياته في 7 أسابيع، قبيل إعلان قرار بنك إنجلترا بشأن السياسة النقدية.

وحقق الديمقراطيون أغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، مما عزز مكاسب سندات الخزانة الأميركية والأسهم العالمية، رغم استمرار التساؤلات بشأن مدى استعداد الكونغرس الجديد لدعم قطاع الذكاء الاصطناعي.

وقال رودريغو كاتريل، كبير استراتيجيي العملات لدى «بنك أستراليا الوطني»، إن رد فعل الأسواق، ولا سيما الهبوط الحاد في أسعار النفط، يعكس توقعات بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لن يكون قادراً بعد الآن على المضي قدماً في أجندة أكثر تشدداً، تشمل الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران والرسوم الجمركية التجارية.

وأضاف أن تحركات العملات والأسواق قد لا تعكس بالضرورة اتجاهاً متوسط الأجل، بل ربما تكون مرتبطة بتمركزات المستثمرين أو حتى مبالغة في رد الفعل على نتائج الانتخابات، مشيراً إلى أن تراجع أسعار النفط والعوائد يشكل عاملاً داعماً لشهية المخاطرة.

وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.25 في المائة إلى 101.22 نقطة، مواصلاً تراجعه بنسبة 0.34 في المائة خلال جلسة الأربعاء.

وفي المقابل، ارتفع اليورو بنسبة 0.32 في المائة إلى 1.1263 دولار، وصعد الين الياباني بنسبة 0.35 في المائة إلى 157.84 ين للدولار.

الفائدة والبيانات الاقتصادية

ورغم التحول السياسي في الولايات المتحدة، لم تشهد توقعات مسار أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي تغيراً جوهرياً، إذ تسعّر الأسواق احتمالاً بنسبة 80.7 في المائة لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل خلال اجتماع ديسمبر (كانون الأول)، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، مقارنة بـ77.4 في المائة في الجلسة السابقة.

وتترقب الأسواق بيانات إعانات البطالة الأسبوعية يوم الخميس، وتقرير الوظائف غير الزراعية يوم الجمعة، باعتبارهما من المؤشرات الرئيسية التي يستند إليها صناع السياسة النقدية في تقييم أوضاع سوق العمل.

وتأتي هذه البيانات بعد تقرير مؤسسة «إيه دي بي» الصادر يوم الأربعاء، والذي أظهر ارتفاع وظائف القطاع الخاص الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) بأكثر من التوقعات.

وقال برايان مارتن، رئيس قسم اقتصاديات مجموعة الدول الثلاث لدى بنك «إيه إن زد»، إن محدودية نمو المعروض من العمالة في السوق الأميركية تعني أن معدل البطالة سيظل منخفضاً، بما يدعم استمرار نمو الاستهلاك، مضيفاً أن انتخابات التجديد النصفي لن تغير على الأرجح مسار التشديد النقدي المتوقع.

وفي سوق العملات، ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.14 في المائة إلى 1.349 دولار، متجهاً نحو تسجيل أعلى إغلاق له منذ 14 سبتمبر، قبيل إعلان قرار بنك إنجلترا يوم الخميس.

وتتوقع الأسواق أن يرفع البنك أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، لكنه قد يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من رهانات المستثمرين على سلسلة زيادات إضافية خلال العام المقبل.

وفي اليابان، عزز محضر اجتماع بنك اليابان لشهر سبتمبر التوقعات بمواصلة تشديد السياسة النقدية، بعدما رفع صناع السياسة الفائدة إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً. وأشار بعض أعضاء المجلس إلى إمكانية تسريع وتيرة الزيادات، فيما تتوقع الأسواق على نطاق واسع أن تكون الخطوة التالية في ديسمبر.

وارتفع الدولار الأسترالي بنسبة 0.11 في المائة إلى 0.7011 دولار، فيما قفز الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.5648 دولار.

وفي سوق العملات المشفرة، صعدت «بتكوين» بنسبة 0.28 في المائة إلى 80400.79 دولار، وارتفعت «إيثريوم» بنسبة 0.18 في المائة إلى 2421.52 دولار.


الذهب يقفز إلى أعلى مستوى في أسبوعين بدعم نتائج الانتخابات الأميركية

عرض رقائق الذهب في متجر تجزئة للذهب مملوك للدولة في سورابايا، جاوة الشرقية (أ.ف.ب)
عرض رقائق الذهب في متجر تجزئة للذهب مملوك للدولة في سورابايا، جاوة الشرقية (أ.ف.ب)
TT

الذهب يقفز إلى أعلى مستوى في أسبوعين بدعم نتائج الانتخابات الأميركية

عرض رقائق الذهب في متجر تجزئة للذهب مملوك للدولة في سورابايا، جاوة الشرقية (أ.ف.ب)
عرض رقائق الذهب في متجر تجزئة للذهب مملوك للدولة في سورابايا، جاوة الشرقية (أ.ف.ب)

ارتفعت أسعار الذهب بنحو 2 في المائة، يوم الخميس، لتسجل أعلى مستوياتها في أسبوعين، مدعومة بتراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية، في أعقاب المكاسب الكبيرة التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.

وصعد الذهب في المعاملات الفورية 1.9 في المائة إلى 4134.83 دولار للأونصة، بحلول الساعة 03:16 بتوقيت غرينتش، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 22 أكتوبر (تشرين الأول). وكان المعدن النفيس قد قفز بنحو 3.4 في المائة يوم الأربعاء، محققاً أكبر مكاسبه اليومية منذ 19 أغسطس (آب).

كما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر (كانون الأول) 1.8 في المائة إلى 4144.20 دولار للأونصة.

وقالت لين تران، محللة الأسواق لدى «إكس إس دوت كوم»، إن ضعف الدولار وتراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية ساهما في تعافي الذهب وتجاوزه مستوى 4 آلاف دولار للأونصة، مشيرة إلى أن الحفاظ على التداول فوق هذا المستوى يظل عاملاً أساسياً لاستمرار التعافي.

وأضافت أن استمرار دعم تدفقات الاستثمار وتحركات العوائد قد يساعد الذهب على الاستقرار فوق 4 آلاف دولار، ويفتح المجال أمام تعافيه نحو 4200 دولار، ثم 4400 دولار للأونصة.

وتراجع الدولار بشكل طفيف يوم الخميس، عقب الفوز الواسع للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وهو ما أزال مصدراً رئيسياً لعدم اليقين وعزز موجة صعود في أسواق الأسهم العالمية.

ويجعل انخفاض الدولار الذهب المقوّم بالعملة الأميركية أقل تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، مما يعزز الطلب عليه.

وفي سوق السندات، انخفض العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار 6 نقاط أساس خلال الليل، وبنقطة أساس إضافية في التعاملات المبكرة في طوكيو، ليصل إلى 4.87 في المائة.

بيانات الوظائف والفائدة

وتترقب الأسواق تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة، المقرر صدوره يوم الجمعة، للحصول على مؤشرات إضافية بشأن مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وتُظهر أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن المتعاملين يسعّرون حالياً احتمالاً بنسبة 82 في المائة لرفع الفائدة الأميركية في ديسمبر المقبل.

وعادة ما تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدر عائداً، مما يقلل جاذبيته الاستثمارية.

وفي توقعات الأسعار، حدّد بنك «سيتي» مستهدفاً للذهب عند 4500 دولار للأونصة خلال فترة تتراوح بين صفر وثلاثة أشهر، وفقاً لما أورده يوم الأربعاء، مشيراً إلى وجود فرص كبيرة لمزيد من الارتفاع إذا أُعيد فتح مضيق هرمز وتراجعت حدة الصراع بين اليمن والسعودية قبل نهاية العام، وهو السيناريو الذي يتوقعه البنك.

وبالنسبة إلى المعادن النفيسة الأخرى، ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 1.7 في المائة إلى 53.12 دولار للأونصة، وصعد البلاتين 2.1 في المائة إلى 1527.65 دولار، فيما زاد البلاديوم 2.6 في المائة إلى 1030.14 دولار للأونصة.