كيف أخفى نظام الأسد آثار جرائمه؟

تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» كشف عن منظومة سرية لطمس أدلة التعذيب والقتل

عنصر من قوات الأمن التابعة للسلطات السورية الجديدة في غرفة تحت الأرض بمكاتب ماهر الأسد على مشارف دمشق (أ.ف.ب)
عنصر من قوات الأمن التابعة للسلطات السورية الجديدة في غرفة تحت الأرض بمكاتب ماهر الأسد على مشارف دمشق (أ.ف.ب)
TT

كيف أخفى نظام الأسد آثار جرائمه؟

عنصر من قوات الأمن التابعة للسلطات السورية الجديدة في غرفة تحت الأرض بمكاتب ماهر الأسد على مشارف دمشق (أ.ف.ب)
عنصر من قوات الأمن التابعة للسلطات السورية الجديدة في غرفة تحت الأرض بمكاتب ماهر الأسد على مشارف دمشق (أ.ف.ب)

تكشف آلاف الوثائق السرية، إلى جانب شهادات مسؤولين سابقين وشهود مباشرين، عن منظومة متكاملة أنشأها النظام السوري خلال حكم بشار الأسد لإخفاء أدلة الجرائم الواسعة التي ارتُكبت إبان الحرب الأهلية، في مسعى منهجي للتهرب من المساءلة الدولية.

ففي خريف عام 2018، ومع تصاعد التسريبات حول المقابر الجماعية ومراكز التعذيب السرية، وصل رؤساء الأجهزة الأمنية السورية في مواكب من سيارات الدفع الرباعي السوداء إلى القصر الرئاسي المطلّ على دمشق، لعقد اجتماع وُصف بأنه من الأكثر حساسية منذ اندلاع النزاع.

وبحسب شخصين اطّلعا على مجريات اللقاء، ناقش المجتمعون سبل «تحسين إخفاء الآثار»، في ظل مخاوف متزايدة من أن تتحول الوثائق الرسمية إلى أدلة إدانة في محاكم دولية. وخلال الاجتماع، اقترح مسؤول أمني حذف هويات المعتقلين الذين قضوا في السجون السرية من السجلات الرسمية، بما يضمن «عدم ترك أي أثر ورقي». وقد وافق رئيس مكتب الأمن القومي آنذاك، علي مملوك، على دراسة المقترح.

تزوير الأدلة ومسح السجلات

بعد أشهر، بدأت الأجهزة الأمنية بالفعل العبث الممنهج بالأدلة. وأظهر تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن مسؤولين زوّروا وثائق رسمية لإخفاء أماكن احتجاز المعتقلين الذين توفوا تحت التعذيب، كما حُذفت أرقام الفروع الأمنية وأرقام التعريف الخاصة بالمعتقلين.

وفي بعض الحالات، صدرت أوامر بتلفيق اعترافات مكتوبة لمعتقلين قُتلوا أثناء الاحتجاز، في محاولة لمنح عمليات القتل غطاءً قانونياً شكلياً. وتم لاحقاً إتلاف الأصول بعد نسخها بطرق بدائية.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

وثائق «سري للغاية»

راجع التحقيق آلاف الصفحات من الوثائق الداخلية السورية، بينها مذكرات مصنفة «سري للغاية»، جرى تصوير العديد منها داخل فروع أمنية سيئة السمعة، تضم سجوناً داخل منشآتها. كما أُجريت مقابلات مع أكثر من 50 شخصاً، بينهم مسؤولون أمنيون سابقون، ومحققون، وحراس سجون، وأطباء شرعيون، وعمال شاركوا في دفن الجثث، وقد أكد كثير منهم صحة الوثائق.

وتقدم هذه المواد، مجتمعة، الصورة الأكثر اكتمالاً حتى الآن عن كيفية تعامل النظام السوري، لحظة بلحظة، مع تصاعد الضغوط الدولية والعزلة السياسية، وسعيه إلى طمس آثار منظومة القمع التي أنشأها.

وبحسب الأمم المتحدة، اختفى أكثر من 100 ألف شخص خلال حكم الأسد، وهو رقم لم تسجله أي دولة منذ الحقبة النازية. وتُظهر الوثائق أن إخفاء هذا الرقم تطلب جهداً إدارياً وأمنياً معقداً، شمل اجتماعات حول الخطاب الإعلامي، وآليات التعامل مع عائلات المعتقلين، وتنسيقاً بين الأجهزة المختلفة.

من التوثيق إلى الخطر

في السنوات الأولى للحرب، وثّقت الأجهزة الأمنية أنشطتها بدقة: استجوابات مكتوبة، ووفيات مسجلة، وجثث مصورة. لكن هذا التوثيق تحوّل لاحقاً إلى عبء ثقيل.

وفي يناير (كانون الثاني) 2014، هُرّبت صور أكثر من 6 آلاف جثة من السجون السرية، على يد مصور عسكري عُرف بالاسم الرمزي «قيصر». وأظهرت الصور آثار تعذيب وإعدامات، لتشكل أول دليل بصري واسع النطاق على الجرائم.

وبعد تقديم الصور إلى مجلس الأمن من قبل فرنسا، تحرك النظام سريعاً. ففي أغسطس (آب) 2014، عقد مسؤولون عسكريون وأمنيون اجتماعاً مع خبراء قانونيين لوضع استراتيجية مضادة، ركزت على التشكيك في مصداقية الصور، وتجنب الخوض في تفاصيلها، والسعي لتقويض صورة «قيصر» نفسه.

المقابر الجماعية

على الأرض، أشرف ضباط، من بينهم العقيد مازن إسمندر، على دفن آلاف الجثث في مقابر جماعية حول دمشق. وبعد تسريب مواقع بعض هذه المقابر، أُمرت الفرق بنبش الجثث ونقلها إلى مناطق صحراوية نائية.

ووصف شهود عمليات نقل مروعة لجثث مدنيين، بينهم مسنون ومجردون من الملابس. وقال أحدهم: «كانوا مدنيين وعسكريين وعجائز بلحى بيضاء... كنت أبحث عن أثر لابن عمي، لكنني لم أجد شيئاً».

الانهيار والملاحقة

رغم العقوبات الدولية وقانون «قيصر»، استمر التعذيب، بل تصاعد، وفق محققين سابقين، وسط مخاوف من أن يشكل المعتقلون المفرج عنهم لاحقاً شهوداً محتملين.

وبحلول عام 2023، بدأت الملاحقات القضائية تطول شخصيات بارزة، مع صدور مذكرات توقيف فرنسية بحق علي مملوك، وبشار الأسد، وشقيقه ماهر. وأظهرت نقاشات داخلية تخلياً تدريجياً عن سياسة الإنكار المطلق.

العميد الطيار حمزة محمد الياسين متهم بارتكاب جرائم حرب (الداخلية السورية)

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، انهار النظام سريعاً، ودخلت قوات المعارضة دمشق، بينما فرّ الأسد وكبار مساعديه إلى روسيا. كما فرّ العقيد إسمندر حاملاً صندوقاً خشبياً يضم بطاقات هوية لضحايا، وزّعها على بعض مساعديه ظناً أنها قد تنقذهم.

ولا يزال إسمندر طليقاً حتى اليوم.


مقالات ذات صلة

أميركا: السجن 42 شهراً لسوري أدين بالقرصنة لصالح نظام بشار الأسد

الولايات المتحدة​ وزارة العدل الأميركية (رويترز)

أميركا: السجن 42 شهراً لسوري أدين بالقرصنة لصالح نظام بشار الأسد

أعلنت وزارة العدل الأميركية، الخميس، صدور حكم بالسجن لمدة 42 شهرا بحق رجل سوري لدوره في عمليات قرصنة إلكترونية لصالح نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة 22 سبتمبر 2026 (أرشيفية - رويترز)

الشرع والزيدي يبحثان في دمشق مستجدات المنطقة وتداعياتها الجيوسياسية‏

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع اليوم، رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي.

«الشرق الأوسط» (دمشق - بغداد)
المشرق العربي سورية تحمل صور أقارب لها خلال أبريل الماضي كانوا قتلوا في «مجزرة التضامن» جنوب دمشق (إ.ب.أ)

توقيف ضباط سابقين متهمين بجرائم حرب بينهم ابن عم بشار الأسد

شملت توقيفات جديدة نفذها الأمن السوري متهَماً في «مجزرة التضامن» وضباطاً وأطباء برتب عسكرية متورطين في «جرائم حرب».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم العربي عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

ألقى جهاز الاستخبارات العامة القبض على المدعو علي كيالي، المعروف باسم ‌‏«معراج أورال»، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي الصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ عام 2012 (صحافيون بلا حدود)

جنرال سوري مقيم في لبنان بحماية مكتب التحقيقات الفيدرالي

يقيم بسام الحسن، الذي كان يُشرف على برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، في لبنان منذ انهيار نظام الأسد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

معارك ضد الحوثيين في جبهات باب المندب ولحج

مقاتل من الجيش اليمني في تعز يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من الجيش اليمني في تعز يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

معارك ضد الحوثيين في جبهات باب المندب ولحج

مقاتل من الجيش اليمني في تعز يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من الجيش اليمني في تعز يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وسّعت القوات الحكومية اليمنية عملياتها ضد الحوثيين، أمس (الاثنين)، مع استئناف المعارك في محور باب المندب، وتقدم «قوات ألوية العمالقة» الجنوبية في مديرية المضاربة ورأس العارة غرب لحج، بالتزامن مع دفع الجيش بتعزيزات عسكرية إلى مديرية المقاطرة شمال المحافظة لاستعادة المبادرة والمواقع التي سيطر عليها الحوثيون خلال الأيام الماضية.

وأفادت مصادر ميدانية بأن «قوات العمالقة» تمكنت من استعادة مواقع استراتيجية بينها جبل سفن وقرن الشماية، وسط استمرار الاشتباكات في المجزع وزريقة الشام، فيما نفت انسحاب وحداتها من ذوباب وكهبوب ومواقع الساحل الغربي.

وأكدت المصادر استمرار المواجهات في جبهات تعز، حيث تتصدى القوات الحكومية لهجمات الحوثيين وتحافظ على مواقعها، بالتوازي مع تطهير المناطق المستعادة في الجوف من الألغام والعبوات الناسفة.

وفي تطور موازٍ، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 951 عملية استهداف خلال 24 ساعة ضمن عملية «فجر اليمن»، أسفرت عن تحييد نحو 332 من القيادات الميدانية والعناصر الحوثية، وتدمير وإعطاب 56 آلية ومعدة عسكرية.


«حزب اللـه» أمام التزام تحييد لبنان عن الصراع

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
TT

«حزب اللـه» أمام التزام تحييد لبنان عن الصراع

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

يسخّر الرئيس اللبناني جوزيف عون علاقاته السياسية العربية والدولية بعد تلقيه تحذيراً واضحاً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن إسرائيل لن تقف مكتوفة اليدين إذا عاود «حزب الله» إسناد إيران، وإنها ستسعى لربط جنوب نهر الليطاني بشماله بما يشمل قرى قضاء صيدا - الزهراني، وقد تستهدف الضاحية الجنوبية وبعض أحياء بيروت.

وكشف مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري سارع للاتصال بـ«حزب الله»، ناقلاً إليه مضمون التحذير الذي حمله روبيو، وتبلّغ عبر الوسطاء أن «إيران ليست في حاجة لإسناد الحزب ولديها من القدرات ما يتيح لها التصدي للهجمات الأميركية».

لكن المصدر لفت إلى أن الجناح السياسي للحزب هو من أبلغ بري التزامه عدم التدخل إسناداً لإيران، ما يبقي التساؤل حول ما إذا كان هذا الالتزام سينسحب أيضاً على الجناح العسكري الذي يتبع مباشرة «المجلس الجهادي» في الحزب و«الحرس الثوري» الإيراني، وهو الذي كان وراء إطلاق الصواريخ في المرة السابقة. وتوقف المصدر أمام إصرار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي على «وحدة الساحات» ورفضه التقيُّد بحدودها الجغرافية.


ملامح انقسام تهدد«الإطار التنسيقي» في العراق

الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
TT

ملامح انقسام تهدد«الإطار التنسيقي» في العراق

الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي مع رئيس «المجلس الإسلامي» همام حمودي (إعلام رئاسة الوزراء)

تحوم ملامح انقسام حول قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي الحاكم في العراق، إذ تشير معظم المصادر المقربة منه إلى وجود خلافات عميقة وبوادر تصدع قد تتسبب في انفراط عقد قواه على المدى القريب أو المتوسط. وينظر متابعون إلى بعض الخلافات العلنية التي اندلعت بين أقطابه مؤخراً، بوصفها مؤشرات ملموسة على اتساع فجوة الخلافات الإطارية.

وتشير مصادر مقربة من قوى «الإطار» إلى حالة من الاستقطاب الشديد بين أطرافه فرضتها مجموعة من العوامل والمواقف المتناقضة، سواء على مستوى العلاقة مع رئيس الوزراء علي الزيدي، أو على مستوى التقاطع في وجهات النظر بالنسبة لطائفة من القضايا العامة والخاصة، من ضمنها المواقف من قضية نزع سلاح الفصائل والأزمة المالية التي تعاني منها البلاد، أو تلك المتعلقة بالحصص والمناصب الحكومية الشاغرة أو التي وُزعت بين قوى الإطار.

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «ذلك ناجم عن اصطفاف بعض قوى الإطار مع رئيس الوزراء علي الزيدي، في مقابل قوى أخرى تسعى للتشكيك في إدارته للدولة، وعرقلة مساعيه المتعلقة بنزع أسلحة الفصائل، إضافة إلى الاعتراض على جولاته الخارجية، خصوصاً زيارته الأخيرة إلى سوريا ومسألة التنافس على المواقع الحكومية الشاغرة، مثل رئاسة الوزراء وجهاز الأمن الوطني».