مشروع قرار أميركي اليوم في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار في سوريا

ممثل الائتلاف السوري بواشنطن: المعارضة ليست على علم بتفاصيله

طفل وقريب له من حلب يسيران فوق ركام المبنى المنهار بفعل غارات الطيران الروسي على حي السكري الأسبوع الماضي (غيتي)
طفل وقريب له من حلب يسيران فوق ركام المبنى المنهار بفعل غارات الطيران الروسي على حي السكري الأسبوع الماضي (غيتي)
TT

مشروع قرار أميركي اليوم في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار في سوريا

طفل وقريب له من حلب يسيران فوق ركام المبنى المنهار بفعل غارات الطيران الروسي على حي السكري الأسبوع الماضي (غيتي)
طفل وقريب له من حلب يسيران فوق ركام المبنى المنهار بفعل غارات الطيران الروسي على حي السكري الأسبوع الماضي (غيتي)

يعقد وزير الخارجية الأميركي جون كيري صباح اليوم الجمعة اجتماعا بمقر الأمم المتحدة بنيويورك مع وزراء خارجية 18 دولة لمناقشة الأزمة السورية وخطوات عملية الانتقال السياسي، بينما من المتوقع أن ينظر مجلس الأمن الدولي في وقت لاحق في إصدار قرار يؤكد على نتائج المحادثات وما ستفر عنه من خطوات لبدء مفاوضات بين ممثلي المعارضة السورية وممثلي الحكومة السورية، وتشكيل حكومة انتقالية وخريطة طريق لوضع دستور جديد وإجراء انتخابات، إضافة إلى مكافحة التنظيمات الإرهابية وأبرزها تنظيم داعش.
وقال جون كيربي المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن وزير الخارجية جون كيري يهدف من إصدار قرار بشأن سوريا في مجلس الأمن إلى «تعزيز الجهود الرامية إلى الإسراع بوضع حد للنزاع ودفع المفاوضات الرسمية بين ممثلي الحكومة السورية والمعارضة». وأشار كيربي إلى أن أهداف الاجتماعات هي تحديد أفضل السبل لتحقيق الانتقال السياسي ووقف إطلاق النار وإعطاء المشاركين فرصة لمعرفة مزيد حول ما حدث في اجتماع جماعات المعارضة السورية في العاصمة السعودية الرياض الأسبوع الماضي.
ورسميا لم تتم دعوة الائتلاف السوري المعارض إلى تلك الاجتماعات ولا يوجد تمثيل لسوريا بشقيها الحكومي والمعارض، لكن يعقد بعض ممثلي الائتلاف السوري المعارض لقاءات على هامش الاجتماعات في نيويورك مع وزراء خارجية السعودية وقطر وتركيا، بينما تعقد الهيئة التفاوضية العليا للمعارضة السورية اجتماعا في الرياض لتشكيل وفد المعارضة في المفاوضات التي يجري التحضير لها مع ممثلي النظام.
وشكك نجيب غضبان، ممثل الائتلاف السوري المعارض في الولايات المتحدة، في التقارب بين موقف روسيا والولايات المتحدة حول مصير الأسد، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «على الرغم من حديث موسكو وواشنطن عن تقارب وتوافق بشأن العملية السياسية في سوريا، فإن تصريحات الأميركيين تؤكد أنه لا مستقبل للأسد بينما الروس مصرّون على استمرار الأسد في لعب دور في المرحلة الانتقالية».
وأكد الغضبان أن هناك سعيا أميركيا كبيرا لإظهار توافق ودفع عملية التسوية السياسية في سوريا. وقال: «هناك زخم كبير بوجود عدد كبير من الدول، لكن الطرف الأميركي أصبح أقرب إلى القيام بردود فعل منه إلى القيام بأفعال، بما يعطي الروس فرصة أكبر للمبادرة، وأصبح الروس هم الطرف الأقوى الآن، وهذه مشكلة في حد ذاتها».
وقال الغضبان - الموجود الآن في نيويورك - إن الولايات المتحدة تسعى لاستصدار قرار من مجلس الأمن ينص على وقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات لتشكيل حكومة انتقالية. وتستغل وجود وزراء خارجية مجموعة أصدقاء سوريا والدول الأعضاء في مجلس الأمن لاستصدار هذا القرار وإعطاء زخم كبير للعملية السياسية. وأوضح أن المعارضة السورية لم تطلع على نص مشروع القرار وليست على علم بتفاصيله. وقال ممثل الائتلاف السوري: «الروس يفرضون مطالب في تشكيلة وفد المعارضة السورية تتعلق بمشاركة الأكراد في المفاوضات، وهم بالنسبة إلى الائتلاف السوري أقرب إلى النظام السوري، وليسوا معارضين للنظام. كذلك يطالب الروس بوجود شخصيات مثل قدري جميل الذي كان نائبا لرئيس الوزراء في حكومة الأسد، الذي لم ينشق عنه. إضافة إلى الإشكالية الأكبر في إصرار الروس على دور للأسد خلال المرحلة الانتقالية، وهو ما ترفضه المعارضة». وشدد الغضبان على «أننا أبدينا مرونة ولم نصرّ على رحيل الأسد كشرط مسبق للمفاوضات، لكننا نرفض بقاءه خلال المرحلة الانتقالية، وهذا ما ينص عليه اتفاق جنيف من تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة».
وشكك الغضبان في آلية تنفيذ الدعوة لوقف إطلاق النار في سوريا. وقال: «لم أرَ التفاصيل الخاصة بكيفية تنفيذ وقف إطلاق النار، وعما إذا كانت ستشمل الضربات العسكرية الروسية، أو الميليشيات المتحالفة مع النظام السوري، مثل حزب الله». وأوضح أن «الائتلاف السوري المعارض على استعداد للالتزام بوقف إطلاق النار، إذا التزم به النظام السوري ومن يدعمه».
وحول الجدول الزمني المقرر لبدء المفاوضات بين المعارضة السورية وممثلي النظام السوري، قال الغضبان: «أعتقد أن الأول من يناير (كانون الثاني) هو وقف مبكر للغاية لبدء المفاوضات، ومن الصعب البدء في حال استمرار الخلافات حول تشكيل وفد المعارضة ومصير الأسد».
من جانب آخر، أكد مصدر دبلوماسي في الأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة قدمت للدول الأعضاء بمجلس الأمن مشروع قرار حول التسوية السياسية في سوريا. وقال: «بشكل عام، مشروع القرار ينص على الحفاظ على سيادة ووحدة الأراضي السورية ومؤسسات الدولة، والعمل على ضرورة المضي قدما في تسوية سياسية وصياغة دستور جديد في سوريا، وإجراء انتخابات حرة وشفافة يقرر فيها السوريون مستقبلهم وتقرير آليات لمراقبة هذه الانتخابات». وأوضح المصدر الدبلوماسي أن مشروع القرار لا يشير بشكل واضح إلى مصير الأسد في الفترة الانتقالية.
ورحب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون باجتماعات مجموعة أصدقاء سوريا في مقر المنظمة الدولية، مشيرا إلى أنه سيكون فرصة لإحلال السلام في سوريا.
وانتقد الأمين العام خلال مؤتمر صحافي بمقر الأمم المتحدة مساء الأربعاء محاولات بعض الدول فرض بقاء الأسد في السلطة خلال الفترة الانتقالية. وقال مون: «إنه من غير المقبول أن يتوقف إنهاء الحرب الأهلية في سوريا على مصير رجل واحد»، وتابع: «بعض البلدان تتحدث عن بقاء الأسد في السلطة لأشهر محدودة خلال الفترة الانتقالية، وهذا الأمر يتعين أن اتخاذ قرار بشأنه في وقت لاحق. وبصفة عامة ومن حيث المبدأ، الأمر متروك للشعب السوري الذي يجب أن يتخذ قرارا حول مستقبل بلاده وحول الأسد». وأكد مون أن الأمم المتحدة تدفع إلى دعم وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات حول التسوية السياسية وإجراء المفاوضات بين أطراف الصراع السوري مع شهر يناير المقبل، بهدف إنهاء الصراع المستمر منذ نحو خمس سنوات. وشدد الأمين العام للأمم المتحدة قائلا: «علينا ألا نتوانى في تحقيق هذا الهدف».
من جانبها، أكدت سامانثا باور سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، للصحافيين مساء الأربعاء، على رحيل الرئيس السوري بشار الأسد. وقالت للصحافيين إن موقف الولايات المتحدة من رحيل الأسد لم يتغير، وستكون لدينا عملية انتقال سياسي، وسوف يكون على الأسد الرحيل». وأشارت باور إلى ما سمته «بعض الثغرات» بين الموقف الأميركي والروسي والإيراني حول مصير الأسد. وأكدت السفيرة الأميركية اتجاه مجلس الأمن إلى إظهار الوحدة والإجماع لمساندة العملية السياسية في سوريا، وقالت: «قرار مجلس الأمن المتوقع إصداره مساء الجمعة سيكون أول بادرة رفيعة المستوى من قبل المجلس الذي شهد انقسامات في بعض الأحيان، ليظهر المجلس وحدته حول أهمية تحقيق تسوية سياسية وعملية انتقال سياسي في سوريا». وقدمت عدة منظمات لحقوق الإنسان خطابا طالبت فيه الدول المجتمعة في نيويورك لمناقشة الأزمة السورية بالتركيز على المطالبة بالإفراج عن الآلاف الأشخاص الذين تحتجزهم الحكومة السورية في أولوية أجندة المناقشات حول إطلاق مفاوضات السلام.
من جهتها، قالت منظمة «هيومان رايتس وتش»: «يتوجب على جميع المشاركين في الجهود الدولية للمساعدة في تسوية الأزمة، الإصرار على مطالبة الحكومة السورية بإعطاء المراقبين الدوليين إمكانية الوصول الفوري إلى جميع مراكز الاحتجاز، وأن تشدد على ضرورة إطلاق سراح جميع السجناء المحتجزين تعسفا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.