البحث عن الحقيقة المتوارية في أفلام داود عبد السيد

انتقد الواقع من دون شعارات

المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)
المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)
TT

البحث عن الحقيقة المتوارية في أفلام داود عبد السيد

المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)
المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)

يلقي رحيل المخرج داود عبد السيد قبل يومين الضوء على موقف صناعة السينما المصرية غير المتوازن، ما بين التجارة والفن.

مقابل 10 أفلام من نوع «الدشاش»، و«استنساخ»، و«أحمد وأحمد»، و«روكي الغلابة»، و«السلم والثعبان: لعب عيال»، و«فيها إيه يعني»، توفر السينما المصرية في عصرها الحالي فيلماً واحداً من تلك التي يمكن القول إنها مختلفة، أو تسعى إلى طرح موضوعات مهمَّة بلُغة فنية واعية.

إنها نسبة لا تكشف فقط عن التفاوت الخطير؛ بل أيضاً عن دور المنتجين المصريين في تهميش الحياة الثقافية والفنية بلا أدنى اكتراث، حباً في الإيرادات. لا أحد يريد أن ينظر إلى حقيقة أن ربح الأفلام «التجارية» ليس مضموناً، ولا إلى أنه مُطالب -وطنياً- بأن يدفع إلى الأمام أفلاماً ذات قيمة، وأن يشترك في الدفاع عن فن السينما المصرية، عوض الاستثمار في إطلاق أفلام هابطة.

خط مختلف

في عام 2022، وجد عبد السيد الذي رحل وهو في عزلة شبه كاملة، نفسه عاجزاً عن تأمين تمويل لمشروع جديد. تنقَّل بين المنتجين، ناقش وشرح، ليكتشف اتساع الهوة بين رغبته ومكانته الفنية من جهة، ومنطق السوق ورؤى المنتجين من جهة أخرى. وسواء أعلن اعتزاله لاحقاً أو فُرض عليه الأمر، فالنتيجة واحدة.

مرَّت 10 سنوات على عرض آخر أفلامه «قدرات غير عادية»، وهو فيلمه الروائي التاسع. وبعد محاولات متكررة لإنجاز فيلم عاشر، اختار الاكتفاء بما قدَّمه، معلناً اعتزاله قبل 3 سنوات. قوبل القرار بمزيج من الأسف والإنكار، قبل أن يطويه زمن سريع الإيقاع، وعصر الاتصالات الذي نحياه.

كان داود عبد السيد من القِلَّة التي امتلكت موهبة حقيقية وفرادة أسلوب، مع مضامين نابعة من رؤيته الخاصة. أفلام تحترم الجمهور لكنها لا تهادنه. منذ «الصعاليك» (1985)، و«الكيت كات» (1991). شقَّ لنفسه موقعاً قريباً من الجمهور، مع إصرار واضح على تقديم أعمال أعمق وأكثر طموحاً من السائد.

بحث عن واقع بلد

لقطة من فيلم «الكيت كات» (الشركة العالمية للتلفزيون والسينما)

على الرغم من محدودية عدد أفلامه، رسَّخ عبد السيد مكانة مستحقَّة منذ عمله الأول «الصعاليك». ويعود ذلك إلى أسلوبه الخاص في معالجة الموضوعات: كاميرا تتتبَّع الحالات بصبر، وسرد هادئ الإيقاع، وتوتُّر محسوب يظهر عند الضرورة، كما في «أرض الخوف».

شخصياته مصرية بطبيعتها، ولكنها تتنفس هواءً مختلفاً. في معظم أفلامه، تتحول هذه الشخصيات إلى أدوات للبحث عن واقعها وواقع البلد، وإلى مفاتيح لأسئلة أوسع. أبطاله غرباء في أرض غير غريبة. وكما يقول «سيد مرزوق» (علي حسنين) لـ«يوسف كمال» (نور الشريف) في «البحث عن سيد مرزوق»: «إنت إنسان غريب... موجود وفي الوقت نفسه مش موجود».

الأعمى البصير

بعد «الصعاليك»، قدَّم «الكيت كات» و«البحث عن سيد مرزوق» (1991)، ثم «أرض الأحلام» (1993)، و«سارق الفرح» (1995)، و«أرض الخوف» (2000)، و«مواطن ومخبر وحرامي» (2001).

توقَّف 9 سنوات قبل أن يعود بـ«رسائل البحر» (2010)، ثم غاب 5 سنوات أخرى ليقدِّم «قدرات غير عادية» (2015).

كل فيلم من هذه الأعمال يتَّسم بأسلوب هادئ ينقِّب عمَّا وراء الموضوع، حتى حين يكون خيالياً، كحال «قدرات غير عادية».

أفلامه لا تدَّعي الواقعية، ولكنها تغوص في الواقع بعمق. في «أرض الخوف» كشف المخرج عن حالات ونماذج بشرية واجتماعية من دون وعظ أو خطابة. يبدأ كل شيء عندما يقبل «الضابط يحيى» (أحمد زكي) أن يخلع شخصيته تلك ويرتدي غيرها. و«غيرها» هذه ليست أي شخصية متوارية ولا كناية عن التخفي تحت قناع أو اسم جديد فقط. عليه أن يصبح شخصية بديلة بكاملها. لا محطات للتوقف، ولا رجوع، ولا حرية العودة إلى أصله، لا من حين لآخر، ولا في أي مستقبل منظور.

أحمد زكي في «أرض الخوف» (آي إم دي بي)‬

على «يحيى» (أحمد زكي) أن يصبح «أبو دبُّورة» جسداً وسلوكاً وقناعة. والمخرج حرص على تمييز فيلمه، على هذا الصعيد، بتفعيل كيفية هذا الانتقال من شخص بهوية مرموقة إلى شخص كلما مضى في تأدية المطلوب منه (الدخول في العالم السفلي لتجارة المخدرات) فقد هويَّته الأولى إلى حد الذوبان.

في «الكيت كات» (اسم الحي الذي تقع فيه الأحداث) جسَّد عبد السيد حالة من الذوبان الذاتي في البيئة المعبِّرة عن المجتمع التحتي. صحيح أن مشاهدة بطله «الشيخ حسني» (محمود عبد العزيز) يقود دراجة رغم عماه، ألهبت نقاداً وجمهوراً؛ لكن النفاذ من تصوير هذه الحالة الواردة في ذلك المشهد لما وراءه أمر ضروري. في صلبه هو مشهد يعكس رغبة الإنسان في التعايش مع واقعه بحرية، وقدرته على ذلك لو أراد. تحدٍّ كبير؛ لا ضد المعوِّق المتمثل في فقدان البصر؛ بل لعالم لا يرى «الشيخ حسني» إلا كأعمى.

لتقريب اختلاف «الشيخ حسني» عن الآخرين، فهو -حسب رواية الراحل إبراهيم أصلان- ليس شيخاً فعلياً. إنه يسمح لنفسه بالقيام بما لا يصح لشيخ آخر القيام به (جلسات نميمة ومخدرات)؛ لكن الطريقة التي يتعامل بها المخرج مع هذه الشخصية ليست طريقة «شعبية» لتهييج الناس وبيعهم شخصية من الحارة المصرية، بقدر ما هي تعليق على وضع وتوظيف الشيخ للكشف عن خطايا وفضائح رنَّانة.

مجهر غامض

«قدرات غير عادية»

يختار عبد السيد في آخر فيلم له (قدرات غير عادية)، منحى آخر للتعامل مع شؤون المجتمع المصري. موضوع كان قد تطرَّق إليه في «البحث عن السيد مرزوق» و«أرض الخوف» و«مواطن ومخبر وحرامي» و«رسائل البحر»، وهو موضوع البحث عن الذات وسط متاعب الفرد في مجتمعه، وتصوير ذلك المجتمع كعالم متعدد الظلمات.

ومع أن فيلمه الأخير منصَبٌّ على فكرة تناول موضوع أولئك المتميِّـزين بقدرات غير عادية، مثل توقع أن يحدث شيء فيحدث، أو مثل النظر إلى الشيء البعيد فيقترب، أو تحريك الأشياء في الهواء، وسواها، فإن السبب لا يزال بحث فرد عن هويته غير المستقرة.

المنطلق بدوره ما زال واحداً: مهمَّة تُسنَد إلى رجل لدخول عالم مغلق والبحث فيه، حتى وإن لم يكن من المحتمل العودة منه. خلال ذلك، تضيع هوية الباحث الأصلية، ولا يتمكَّن من البديلة. ينطلق الفيلم من فكرة قيام «الباحث يحيى» (خالد أبو النجا) بطرق باب لا يستطيع استيعاب ما وراءه، ومن ثم دخوله عالماً يتحوَّل فيه إلى مجرد أداة تحت مجهر غامض. في ذلك هو مثل شخصية «يحيى» في «أرض الخوف» مع اختلاف الحكاية التي تلج به إلى هذا الوضع.

تحمل بداية «قدرات غير عادية» رنَّة من بعض الأعمال الماضية. في الدقيقة الأولى يُطلب من «يحيى» أن يواصل العمل على بحثٍ كتَبه عن الأشخاص الذين يتمتعون بتلك القدرات الفائقة غير الطبيعية، ما يذكِّرك بمطلع «مواطن ومخبر وحرامي» (الذي مثَّله أيضاً أبو النجا) عندما يُمنح بطلُه وقتاً غير محدد للغياب عن العمل والنزول إلى الشارع، ليستكشف أمر الناس وينقل معلومات عنهم.

الطلب هنا هو نوع من منحه تذكرة ليذوب ويغيب. أول ما يفعله بعد أن أخبره مديره أن عليه أن يأخذ إجازة «وما تورنيش خلقتك لشهر» هو النزوح إلى بنسيون يقع على مقربة من مدينة الإسكندرية؛ حيث يستأجر غرفة ليعيش، (ونظرياً لكي يقرأ ويدرس). يكتشف أن صاحبة البنسيون الجميلة والجيدة (نجلاء بدر) وابنتها «فريدة» (مريم تامر) تملكان قدرات غير عادية بدوريهما. الأولى -مثلاً- تستطيع أن تتنبأ بقدومه إلى الإسكندرية وملاقاته فيها حتى من دون موعد متَّفق عليه. والثانية تستطيع أن تحرِّك الأشياء من مكانها. هذا ما يدخل في صميم بحثه، ولكن بحثه ليس علمياً. يترك «يحيى» نفسه ينساب إلى عالمهما من دون كوابح. يصبح جزءاً من حالة عامَّة، ويكتشف أنه تحت المرصاد، وأن هناك رجل أمن على قدر كبير من التأثير في مجريات الأمور، اسمه «عمر» (عباس أبو الحسن) كان يموِّل بحوثه ويدير الجهاز الذي يريد التعرُّف على من يمتلكون مثل تلك الطاقات العجيبة.

شرط المعرفة

لا يتطلب الأمر بحثاً طويلاً لإدراك أن نوعية الشخصيات التي أثارت اهتمام داود عبد السيد في معظم أفلامه، هي تلك التي ترضى التخلي عن واقع كشرط لمعرفة الحقيقة، فإذا بها لا تستطيع العودة إلى ذلك الواقع، ولا إلى معرفة الحقيقة.

أفلامه هي رحلات في النفس، حتى عندما يختار معالجة موضوع طبيب يقرر ترك المهنة التي درسها ومارسها لأخرى تتمتع بحرية أوسع، وهي الصيد؛ هذا ورد في فيلمه قبل الأخير «رسائل البحر» منضمّاً إلى تلك الشخصيات التي تنطلق من نقطة وتنتهي في نقطة أخرى.

سينما عبد السيد انطلقت في الفترة الصحيحة؛ حيث كان لا يزال في الجوار محمد خان (الذي تعرَّض بدوره إلى البطالة، بسبب عدم عزف أفلامه ألحان المنتجين) وخيري بشارة، ورضوان الكاشف، ومحمد ملص (في سوريا)، وبرهان علوية (في لبنان)، ونوري بوزيد (في تونس)، وعدد آخر توزَّع فوق الخريطة العربية. أمثاله -وتبعاً لقول الشاعر الأميركي روبرت فروست في «The Road Not Taken»- مشوا في الطريق الأقل سيراً.


مقالات ذات صلة

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.