رئيس مدغشقر لـ«الشرق الأوسط»: خطة اقتصادية ثلاثية المحاور للنهوض بالبلاد

راندريانيرينا أكد أن السعودية شريك رئيسي... ومساعٍ لإطلاق التعاون الثنائي

جانب من مدينة أنتاناناريفو عاصمة مدغشقر وأكبر المدن فيها وتحمل أهمية اقتصادية وتجارية منذ تأسيسها (الشرق الأوسط)
جانب من مدينة أنتاناناريفو عاصمة مدغشقر وأكبر المدن فيها وتحمل أهمية اقتصادية وتجارية منذ تأسيسها (الشرق الأوسط)
TT

رئيس مدغشقر لـ«الشرق الأوسط»: خطة اقتصادية ثلاثية المحاور للنهوض بالبلاد

جانب من مدينة أنتاناناريفو عاصمة مدغشقر وأكبر المدن فيها وتحمل أهمية اقتصادية وتجارية منذ تأسيسها (الشرق الأوسط)
جانب من مدينة أنتاناناريفو عاصمة مدغشقر وأكبر المدن فيها وتحمل أهمية اقتصادية وتجارية منذ تأسيسها (الشرق الأوسط)

قال رئيس مدغشقر، مايكل راندريانيرينا، إن بلاده تنظر إلى السعودية بوصفها «الشريك الرئيسي» في مرحلة «إعادة التأسيس» وبناء نموذج تنموي جديد، كاشفاً لـ«الشرق الأوسط» عن خطة اقتصادية ثلاثية المحاور تستهدف استعادة الاستقرار السياسي والمؤسسي، وتحريك القطاعات الهيكلية، وتحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمار، مع التركيز على التعاون في التعدين والموارد الطبيعية، بما فيها المعادن النادرة.

وفي أول حوار له مع صحيفة عربية منذ توليه السلطة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال راندريانيرينا عبر «زووم» من مكتبه الرئاسي إن مدغشقر «تمتلك إمكانات حقيقية في الطاقة والزراعة والتعدين والسياحة ورأس المال البشري»، وإن الدفع بالنهضة «يتطلب ترسيخ استقرار مؤسساتنا، وبناء شراكات متوازنة مع دول مثل السعودية؛ لتحويل الإمكانات إلى واقع ملموس للشعب والشباب».

خطة بـ3 محاور

وأوضح الرئيس أن خطته تقوم على 3 محاور رئيسية، يبدأ أولها باستعادة الاستقرار السياسي والمؤسسي عبر «خريطة طريق انتقالية واضحة»، وهيئة تنفيذية لإدارة المشروعات ومراجعتها، إلى جانب لجنة داعمة «لضمان انتقال منظم وشفاف».

وأضاف أن المحور الثاني يركز على الاستثمار في القطاعات الهيكلية، مثل الطاقة والمواني والتحول الرقمي والصحة والتعدين، «بالشراكة مع السعودية وشركاء آخرين»؛ بهدف إزالة العقبات الرئيسية أمام النهضة.

أما المحور الثالث، وفق راندريانيرينا، فيستهدف تهيئة بيئة جاذبة للمستثمرين عبر تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتفعيل المناطق الاقتصادية الخاصة، والاستفادة من الأطر الإقليمية مثل «اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)»، و«الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (SADC)»؛ لفتح أسواق أفريقية أوسع عبر مدغشقر.

رئيس مدغشقر مايكل راندريانيرينا (الشرق الأوسط)

شراكة استراتيجية... ومشروعات «جاهزة للاستثمار»

وحول خطته لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري بين السعودية ومدغشقر، قال راندريانيرينا إن هدفه هو «بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد» بإطار مؤسسي واضح ومشروعات رائدة ذات أثر ملموس على البلدين.

واقترح إنشاء هيئة استثمارية مشتركة بين مدغشقر والسعودية تحت مسمى «OIMS» لتنسيق وتمويل المشروعات في قطاعات الطاقة والمواني والصحة والحوكمة الرقمية والتعدين والزراعة والسياحة، مشيراً إلى أن بلاده تعمل بالتوازي على إعداد «حزمة مشروعات جاهزة للاستثمار» بما ينسجم مع «رؤية السعودية 2030» والتكامل الإقليمي لأفريقيا؛ لضمان فرص «منظمة وآمنة» لرأس المال والخبرات السعودية.

السعودية «الشريك الرئيسي»

وأكد الرئيس أن مدغشقر ترى في السعودية شريكاً محورياً في مجالات ذات أولوية. فعلى صعيد الطاقة والتكرير، قال إن بلاده تخطِّط لإنشاء مصفاة نفط وطنية، وتوريد الوقود مباشرة من المملكة، إضافة إلى التطوير المشترك لموارد النفط الثقيل في غرب مدغشقر.

وفي المواني والخدمات اللوجيستية، أشار إلى مساعٍ لتحديث وتوسيع ميناءي توليارا وماهاغانغا؛ لترسيخ مكانة مدغشقر «مركزاً لوجيستياً وطاقة» في المحيط الهندي.

أما في التحول الرقمي والحوكمة الآمنة، فأوضح أن بلاده تسعى لإطلاق منصة رقمية وطنية آمنة للإدارة العامة والأمن «بالاستفادة من التجربة السعودية».

ولفت إلى أن قطاع التعدين والموارد الطبيعية، بما في ذلك المعادن النادرة، يمثل مرتكزاً مهماً للتعاون؛ بهدف تحسين التقييم وضمان تتبع الذهب الملغاشي وغيره من الموارد المعدنية «بطريقة شفافة ومتبادلة المنفعة». كما أبدى اهتماماً بالقطاع الصحي، مع طرحه فكرة إنشاء مجمع صحي ملكي في أنتاناناريفو يتبعه توسع تدريجي لمرافق مماثلة في المحافظات.

زيارة مرتقبة للرياض

وقال راندريانيرينا إن بلاده تعمل مع السلطات السعودية على ترتيب زيارة رسمية في «المستقبل القريب» بموعد يُحدَّد لاحقاً وفق ما يتناسب مع الحكومة في المملكة.

وأضاف أن الزيارة تمثل فرصةً مهمةً للقاء والتواصل مع ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، مشيراً إلى أن «رؤية 2030 أحدثت نقلةً نوعيةً في صورة المملكة ومسارها الاقتصادي».

وتابع أن المملكة عزَّزت، في ظل الرؤية، دورها لاعباً رئيسياً في التحديث الاقتصادي وتنويع مصادر الطاقة والتحول الرقمي والاستثمار العالمي، «مع الحفاظ على دورها المحوري في العالمَين العربي والإسلامي».

وعدّ ما تحقَّق من إصلاحات ومشروعات كبرى «مصدر إلهام» لجهود إعادة بناء مدغشقر، معرباً عن رغبته في الاستفادة من التجربة السعودية في أولويات تشمل الطاقة والبنية التحتية والتحول الرقمي والصحة وتنمية الموارد الطبيعية.

وأوضح أنه يأمل أن تتضمَّن الزيارة لقاءً مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب اجتماعات قطاعية حول الطاقة والمواني والتحول الرقمي والصحة والتعدين والدفاع والأمن والتجارة والثقافة والرياضة، ومناقشات بشأن إنشاء الهيئة الاستثمارية المشتركة.

روابط تاريخية مع العالم العربي

وأشار الرئيس إلى أن مدغشقر كانت لها روابط تاريخية مع العالم العربي قبل وصول القوى الغربية، موضحاً أن بحّارة وتجاراً وعلماء عرباً وصلوا إلى سواحلها، وتركوا بصمات في بعض اللغات وأسماء الأماكن والعادات.

3 تحديات

وأقرّ راندريانيرينا بـ3 تحديات رئيسية تواجه بلاده، تشمل الفقر وانعدام الأمن الغذائي، ونقص البنية التحتية، وضعف المؤسسات. وقال إن عدداً كبيراً من السكان لا يزالون يعيشون في فقر، وإن الأمن الغذائي «غير مضمون» في مناطق عدة، مشدداً على أن التصدي لهذه التحديات يمر عبر الاستثمار في الزراعة والبنية التحتية الريفية، والبحث عن شركاء لدعم سلاسل قيمة مستدامة تحسن دخل المزارعين.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية، أشار إلى أن قدرات قطاعَي الطاقة والمواني «غير كافية» بما يعيق النمو والتجارة، لافتاً إلى أن الحوار المرتقب مع المملكة يركز على مشروعات مثل المصفاة وتطوير النفط الثقيل وميناءي توليارا وماهاغانغا والبنية التحتية الرقمية. وأضاف أن الأزمات المتكررة أضعفت المؤسسات، وأن حكومته تعمل على تعزيز سيادة القانون وآليات مكافحة الفساد وحوكمة الاستثمار العام عبر رقابة مستقلة وتقارير شفافة «لاستعادة الثقة».

مكافحة الفساد

وقال الرئيس إن الفساد المالي «مشكلة خطيرة» في مدغشقر لأنه يضعف ثقة الجمهور، ويحوّل الموارد بعيداً عن التنمية. وأوضح أن خطة مكافحته تقوم على 3 مستويات: إنشاء هيئة تنفيذية بإجراءات واضحة وتدقيق مستقل وتقارير دورية، ثم توظيف الرقمنة لتحسين التتبع والحد من فرص إساءة الاستخدام، وثالثاً تعزيز الجهات المعنية بمكافحة الفساد ودعم استقلال القضاء.

وعند سؤاله عن مزاعم تتعلق بفساد مالي مرتبط بالقيادة السابقة، قال إنه يركز على «المؤسسات، لا الاتهامات الشخصية»، مشدداً على أن معالجة أي مزاعم من اختصاص الجهات القضائية والرقابية المختصة، مع ضرورة حمايتها من التدخل السياسي، وضمان التعامل مع القضايا وفق القانون والإجراءات الواجبة.

تعاون دفاعي منظم

وعلى صعيد الدفاع والأمن، تحدث راندريانيرينا عن برنامج تعاون دفاعي منظم يركز على التدريب والعقيدة وحماية البنية التحتية الحيوية.

وختم بالقول إن توليه المسؤولية جاء «انطلاقاً من شعور بالواجب تجاه البلد والشباب»، مؤكداً أن الشباب يشكلون وزناً ديموغرافياً كبيراً في مدغشقر، وأنهم يطالبون بالتغيير والكرامة ومستقبل أفضل عبر الوظائف والتعليم والاستقرار والفرص داخل وطنهم.


مقالات ذات صلة

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)
العالم أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

تتواصل المعارك بين الحكومة وجبهة تيغراي لليوم الخامس بحسب وسائل إعلام إثيوبي، وسط توالي الدعوات الإقليمية والدولية لوقف الاضطرابات والعودة لمسار الحوار.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد محمود (القاهرة )
خاص مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)

خاص مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

رفض مصدر مصري مطلع، السبت، محاولة زج قيادة الجيش الإثيوبي لمصر في الأزمة الجديدة التي تثار حالياً في تيغراي شمالي البلاد.

محمد الريس (القاهرة )
أفريقيا دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أرشيفية - أ.ف.ب)

الحرب الإثيوبية تُعقّد طموحات آبي أحمد الإقليمية

تتسع دوائر الاضطراب داخل إثيوبيا، من «تيغراي» شمالاً إلى أمهرة وأوروميا، بينما تبدو تداعيات الأزمة أبعد من حدود الصراع الداخلي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

الشركات الأوروبية تدعم تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة

توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
TT

الشركات الأوروبية تدعم تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة

توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

خلص استطلاع حديث، إلى أن الأفراد ومسؤولي الأعمال في ألمانيا وتسع دول أوروبية أخرى يرغبون في تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة.

وقد أُجري الاستطلاع لصالح «كلايمنت أوبنيوم ريسيرش اكسيتجينغ»، وهي مبادرة لمؤسسة دولية مقرها بلجيكا. كما خلص الاستطلاع إلى وجود دعم واسع للحد من اعتماد أوروبا على واردات الطاقة.

وأظهر مسؤولو الأعمال وقطاع أوسع من العامة أولويات مماثلة فيما يتعلق بسياسة الطاقة، ويشمل ذلك تكاليف أقل واعتماداً أقل على الواردات وأمن طاقة أكبر.

واتفق المشاركون في الاستطلاع على أن الاستثمار في الطاقة المتجددة يمكن أن يعزز من الميزة التنافسية والأمن في أوروبا.

ومن المقرر أن يلتقى وزراء الطاقة بالاتحاد الأوروبي في دبلن الاثنين والثلاثاء، وتُعدّ مسألة أمن الطاقة في الكتلة الأوروبية من ضمن القضايا المدرجة على أجندة المباحثات.


عوائد سندات منطقة اليورو ترتفع قليلاً في افتتاح تداولات الأسبوع

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

عوائد سندات منطقة اليورو ترتفع قليلاً في افتتاح تداولات الأسبوع

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفعت عوائد سندات منطقة اليورو قليلاً يوم الاثنين، مع بداية أسبوع حافل بصدور بيانات اقتصادية رئيسية، في وقت واصلت فيه أسعار النفط صعودها؛ وسط شكوك بشأن التوصل إلى حل للحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز في وقت قريب.

وارتفع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المؤشر القياسي لعوائد منطقة اليورو، بشكل طفيف إلى 3.6303 في المائة، ليقترب من أعلى مستوياته منذ يونيو (حزيران) 2009، وفق «رويترز».

وسجل العائد الأسبوع الماضي ارتفاعه الأسبوعي السابع على التوالي، فيما يتجه لتحقيق زيادة تتجاوز 30 نقطة أساس خلال سبتمبر (أيلول) الحالي.

ورفض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال عطلة نهاية الأسبوع عرضاً إيرانياً للتوصل إلى اتفاق سلام يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الصراع. وأدى استمرار الجمود بين واشنطن وطهران إلى دفع أسعار النفط للارتفاع مجدداً؛ إذ زادت العقود الآجلة لـ«خام برنت» نحو اثنين في المائة بأحدث التعاملات إلى 106.46 دولار للبرميل.

وأبقت أسعار الطاقة المرتفعة ومواقف البنوك المركزية المتشددة، التي عززت توقعات رفع أسعار الفائدة، السندات الحكومية حول العالم تحت الضغط خلال الأشهر الماضية. وكان «البنك المركزي الأوروبي» قد رفع أسعار الفائدة مرتين بالفعل هذا العام لمواجهة التضخم، فيما كانت أسواق المال تتوقع، في أحدث تعاملاتها، رفعاً إضافياً واحداً على الأقل للفائدة خلال العام.

وبعدما أظهرت بيانات الأسبوع الماضي مجدداً متانة غير متوقعة للاقتصاد في منطقة اليورو، فإن الأنظار تتجه هذا الأسبوع إلى بيانات التضخم الأولية، التي قد تؤثر مجدداً في توقعات أسعار الفائدة.

ووفق استطلاع أجرته «رويترز»، فإن من المتوقع أن يتسارع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.6 في المائة خلال سبتمبر، مقارنة مع 3.2 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي. ومن المرجح أن يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً مجدداً بأسعار الطاقة، إلا إن صناع السياسات والمستثمرين سيراقبون أيضاً من كثب أي تغيرات في معدلات تضخم الخدمات والغذاء، لتقييم ما إذا كانت قد بدأت تظهر تداعيات تضخمية من الجولة الثانية.

وارتفع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين، الأعلى حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بمقدار 2.7 نقطة أساس إلى 3.3134 في المائة. وكان قد سجل الأسبوع الماضي ارتفاعه الأسبوعي السابع على التوالي، ويتجه لتحقيق زيادة تتجاوز 39 نقطة أساس خلال سبتمبر، وهي أكبر زيادة شهرية له منذ مارس (آذار) الماضي، عقب اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) 2026.


نفط أرخص وفائدة أقل وعجز أصغر... ماذا حدث لمعادلة ترمب الاقتصادية؟

الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)
الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)
TT

نفط أرخص وفائدة أقل وعجز أصغر... ماذا حدث لمعادلة ترمب الاقتصادية؟

الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)
الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)

كان يُفترض أن تقود سياسات ترمب الاقتصادية إلى نفط أرخص، وفائدة أقل، وعجز أصغر، مع دفع النمو والاستثمار إلى مستويات أقوى. لكن بعد نحو عامين من عودته إلى البيت الأبيض، تبدو الأرقام أكثر تعقيداً: خام برنت تجاوز 100 دولار للبرميل، و«الاحتياطي الفيدرالي» رفع أسعار الفائدة مجدداً، بينما ظل عجز الموازنة قريباً من 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لم تكن الحرب في الشرق الأوسط وحدها وراء هذا التحول. فقد تداخلت صدمة الطاقة مع قوة الطلب المحلي، واستمرار الاقتراض الحكومي وارتفاع تكاليف التمويل، إلى جانب تداعيات الرسوم الجمركية والقيود على الهجرة والاستثمار المتسارع في الذكاء الاصطناعي.

وهكذا، باتت الأهداف التي بدت متوافقة في بداية ولاية ترمب الثانية أكثر صعوبة في تحقيقها في وقت واحد: نمو قوي، وطاقة أرخص، وتضخم أقل، وتكلفة اقتراض أدنى، وعجز أصغر.

النفط الأرخص يصطدم بسوق عالمية مضطربة

كان خفض تكاليف الطاقة أحد المرتكزات الرئيسية في الرؤية الاقتصادية لترمب، مع التعويل على زيادة إنتاج النفط والغاز الأميركيين لدعم المعروض وخفض تكاليف الوقود على المستهلكين والشركات.

لكن سعر النفط الذي يهم الاقتصاد الأميركي لا يتحدد داخل الولايات المتحدة. ومع اتساع الحرب في الشرق الأوسط واضطراب مسارات الإمداد، قفز خام برنت إلى 107.81 دولار للبرميل في 14 سبتمبر (أيلول)، في واحدة من أبرز موجات ارتفاع الأسعار منذ بداية الحرب. كما أدى استهداف منشآت وخطوط نقل نفطية ومسارات الشحن إلى زيادة تكلفة نقل الخام والوقود.

وهذا يكشف عن حدود الرهان على زيادة الإنتاج المحلي. فالولايات المتحدة تستطيع زيادة إنتاجها، لكنَّ الشركات والمستهلكين الأميركيين يظلون مرتبطين بسوق نفط عالمية، وأسعارها تتأثر بالإمدادات القادمة من الشرق الأوسط وبسلامة طرق التجارة الدولية.

كما أن ارتفاع سعر الخام لا يبقى محصوراً في محطات الوقود. فتكلفة الطاقة تدخل في النقل والإنتاج والخدمات، مما يرفع احتمال انتقال الصدمة إلى أسعار أوسع نطاقاً، خصوصاً عندما يكون الطلب المحلي قوياً.

رجل يمر أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الفائدة الأقل أصبحت رهينة التضخم

الهدف الثاني كان خفض تكلفة الاقتراض، سواء للأسر التي تمول شراء المنازل والسيارات أو للشركات التي توسع استثماراتها وللحكومة التي تمول عجزها.

لكن «الاحتياطي الفيدرالي» اتخذ في سبتمبر اتجاهاً معاكساً لهذا الرهان، عندما رفع نطاق سعر الفائدة الأساسي ربع نقطة مئوية إلى 3.75 - 4 في المائة، مشيراً إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً، رغم وصفه النشاط الاقتصادي بأنه يتوسع بوتيرة متينة، والإنفاق المحلي بأنه صامد.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ أظهرت توقعات مسؤولي البنك أن 16 من أصل 18 مسؤولاً يتوقعون رفعاً إضافياً واحداً على الأقل قبل نهاية العام، فيما ارتفعت رهانات الأسواق على زيادة جديدة في اجتماع أكتوبر (تشرين الأول)، وسط استمرار صعود أسعار الطاقة وقوة البيانات الاقتصادية.

وتعززت هذه التوقعات بعد تصريحات عدد من مسؤولي «الفيدرالي»؛ إذ قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون وليامز، إن توقع رفع آخر قبل نهاية العام يبدو تصوراً معقولاً، بينما أصبح المتعاملون في الأسواق يراهنون بشكل متزايد على تشديد جديد في اجتماع أكتوبر.

متانة النشاط تعقّد مسار الفائدة

واللافت أن متانة النشاط الاقتصادي نفسها أصبحت عاملاً يعقّد مسار الفائدة. فقد أظهر أحدث توقعات «الفيدرالي» نمواً حقيقياً عند 2.3 في المائة في 2026، مع معدل بطالة عند 4.1 في المائة، في حين يتوقع أعضاء اللجنة تضخماً وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي عند 3.7 في المائة هذا العام، أي أعلى كثيراً من هدف البنك البالغ 2 في المائة.

وتزداد الصورة تعقيداً مع تداخل صدمات العرض مع الطلب المحلي. فقد قال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في شيكاغو، أوستن غولسبي، إن التضخم بات يتأثر بقوة الطلب إلى جانب صدمات سابقة مثل الرسوم الجمركية وأسعار النفط، مشيراً إلى أن الاستثمار القوي في الذكاء الاصطناعي يمثل أحد مصادر هذا الطلب.

وهنا تتعقد مهمة «الفيدرالي»: فاستمرار النشاط عند مستويات متماسكة لا يفرض خفض الفائدة سريعاً، بينما يهدد ارتفاع أسعار الطاقة بإبقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول. وفي المقابل، قد يؤدي تيسير نقدي سريع إلى دعم الطلب في وقت ترتفع فيه تكلفة الطاقة، مما يزيد صعوبة إعادة التضخم إلى هدفه.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال مؤتمر صحافي عقب قرار اللجنة الفيدرالية هذا الشهر (رويترز)

العجز... مشكلة هيكلية

أما الهدف الثالث، وهو تقليص العجز، فيواجه مشكلة أكثر هيكلية.

فقد بلغ العجز الفيدرالي في توقعات «مكتب الموازنة في الكونغرس» 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، بما يعادل 5.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ويزيد ذلك بوضوح على متوسط العجز البالغ 3.8 في المائة من الناتج خلال نصف القرن الماضي.

ويضع ذلك المالية العامة بعيداً عن أحد أهداف خطة «3-3-3» التي طرحها وزير الخزانة سكوت بيسنت، والتي تقوم على خفض عجز الموازنة إلى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3 في المائة، وزيادة إنتاج الطاقة المحلية بنحو 3 ملايين برميل يومياً.

والمشكلة أن التوسع الاقتصادي وحده لا يكفي بالضرورة لتقليص فجوة بهذا الحجم. فمع ارتفاع الإنفاق الحكومي واستمرار الالتزامات القائمة، تصبح تكلفة خدمة الدين عاملاً متزايد الأهمية، خصوصاً عندما تبقى أسعار الفائدة والعوائد طويلة الأجل مرتفعة.

ويقدر «مكتب الموازنة في الكونغرس» أن الدين الفيدرالي المحتفَظ به لدى الجمهور سيبلغ 101 في المائة من الناتج في 2026، قبل أن يرتفع إلى 120 في المائة في 2036 وفق توقعاته الأساسية.

وبالتالي، فإن المعادلة التي تربط النشاط الأقوى بعجز أصغر تحتاج إلى أكثر من توسع اقتصادي. فهي تتطلب أيضاً ضبط نمو الإنفاق، واحتواء تكلفة خدمة الدين، وزيادة الإيرادات أو خفض المصروفات بما يكفي لتغيير مسار العجز.

شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

سوق السندات يختبر الجانب الآخر من المعادلة

وهنا يظهر عنصر آخر لا يمكن تجاهله: تكلفة الاقتراض الحكومي لا يحددها «الفيدرالي» وحده.

فالعوائد طويلة الأجل تتأثر بتوقعات التضخم، وحجم الإصدارات الحكومية، والطلب على سندات الخزانة، وتوقعات النمو، إضافةً إلى مسار أسعار الفائدة قصيرة الأجل.

ولهذا يمكن أن تتراجع توقعات خفض الفائدة قصيرة الأجل، بينما تظل العوائد طويلة الأجل مرتفعةً بسبب المخاوف من التضخم أو حجم الاقتراض الحكومي.

وكانت عوائد سندات الخزانة الأميركية قد ارتفعت بقوة خلال سبتمبر قبل أن تتراجع لاحقاً مع تحركات أسعار النفط وتغير توقعات المستثمرين. وفي 10 سبتمبر، كان عائد السندات لأجل عشر سنوات عند نحو 4.77 في المائة، بينما بلغ عائد السندات لأجل 30 عاماً 5.25 في المائة، وفق بيانات «الاحتياطي الفيدرالي».

وهذا مهم بالنسبة إلى الهدف السياسي المتمثل في خفض تكلفة الاقتراض، لأن تراجع سعر الفائدة الأساسي لا يضمن تلقائياً انخفاض تكلفة التمويل الطويل الأجل للحكومة أو الأسر والشركات.

الذكاء الاصطناعي: دفعة للاستثمار وضغط على الطلب

في المقابل، هناك جانب من المعادلة يسير في الاتجاه الذي كانت الإدارة تراهن عليه: الاستثمار.

فطفرة الذكاء الاصطناعي دفعت الشركات إلى زيادة الإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات ومعدات الكهرباء والبنية التحتية، وأسهمت في إبقاء الاستثمار الرأسمالي قوياً. ووصف «الفيدرالي» في اجتماعه الأخير الاستثمار الرأسمالي بأنه قوي، والإنتاجية بأنها تنمو بقوة.

لكن طفرة الاستثمار تحمل مفارقة أخرى. فهي تدعم الإنتاجية والنمو على المدى الطويل، لكنها في الأجل القصير تزيد الطلب على الطاقة والمعدات والعمالة ورأس المال.

وهذا يجعل طفرة الذكاء الاصطناعي جزءاً من المفاضلة النقدية أيضاً: فهي تعزز القدرة الإنتاجية المستقبلية، لكنها تضيف في الوقت نفسه إلى الطلب الحالي في اقتصاد لا يزال التضخم فيه أعلى من هدف «الفيدرالي».

لافتة «مطلوب موظفين» معلَّقة على نافذة مطعم في ميدفورد بماساتشوستس (رويترز)

من «نفط أرخص» إلى إدارة المفاضلات

لكن الأرقام حتى سبتمبر 2026 تكشف عن أن تحقيق هذه الأهداف في وقت واحد أصبح أكثر صعوبة. فالاقتصاد لا يزال متماسكاً، والاستثمار قوياً، لكن التضخم لم يعد إلى هدف «الفيدرالي»، بينما ارتفعت تكلفة الاقتراض وبقي العجز مرتفعاً.

فالقوة التي تدعم الاستثمار والنشاط الاقتصادي تحافظ في الوقت نفسه على قوة الطلب، مما يجعل خفض الفائدة أكثر صعوبة في ظل تضخم مرتفع. وفي المالية العامة، تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين، مما يجعل تقليص العجز أكثر تعقيداً.

وهنا تكمن المفارقة التي برزت خلال العامين الماضيين: ما يدعم أحد أهداف السياسة الاقتصادية قد يجعل تحقيق هدف آخر أكثر صعوبة. فالحفاظ على نشاط قوي لا يعني بالضرورة فائدة أقل، وزيادة الاقتراض لتمويل الإنفاق لا تنسجم بسهولة مع هدف خفض العجز عندما تكون تكلفة الدين مرتفعة.

وبذلك، أصبح التحدي أمام المعادلة الاقتصادية لترمب أكثر تحديداً: كيف يمكن الجمع بين طاقة أرخص، واقتراض أقل تكلفة، وعجز أصغر، من دون أن يؤدي السعي إلى أحد هذه الأهداف إلى إضعاف فرص تحقيق الآخر؟