داوود عبد السيد... «فيلسوف السينما» صاحب «العلامات» الفريدة

غيّبه الموت بعد مسيرة عامرة بالجوائز والأفكار العميقة

المخرج المصري داوود عبد السيد (وزارة الثقافة)
المخرج المصري داوود عبد السيد (وزارة الثقافة)
TT

داوود عبد السيد... «فيلسوف السينما» صاحب «العلامات» الفريدة

المخرج المصري داوود عبد السيد (وزارة الثقافة)
المخرج المصري داوود عبد السيد (وزارة الثقافة)

منذ حضوره الأول اللافت بفيلم «الصعاليك» عام 1985، أعلن المخرج المصري داوود عبد السيد، الذي غيّبه الموت يوم (السبت)، عن مدرسة إخراجية جديدة رسَّخت لفكرة المخرج المؤلف، لتترك لاحقاً علامات مفعمة بالتميز والتفرد في السينما المصرية.

وأعلنت زوجة المخرج داوود عبد السيد، الكاتبة الصحافية كريمة كمال، وفاته بمنزله ظُهر اليوم بعد معاناة مع المرض منذ إصابته قبل سنوات بالفشل الكلوي؛ ليرحل عن عمر ناهز 79 عاماً، ويودعه محبوه، الأحد، حيث تشييع جنازته من كنيسة مار مرقس.

لم يعتمد الإرث السينمائي للمخرج الراحل على عدد الأفلام التي قدَّمها، وإنما كان رهانه الدائم على نوعية ما يقدِّمه، فعبد السيد المولود في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1946 لم يقدِّم على مدى مسيرته التي بدأت في سبعينات القرن الماضي سوى 9 أفلام روائية طويلة، سبقتها 6 أفلام وثائقية، وامتازت أفلامه منذ عمله الطويل الأول «الصعاليك» وحتى فيلمه الأخير «قدرات غير عادية»، بأنَّها تحمل أفكاراً ورؤى مغايرة للسائد، تدعو المتلقي للتفكير والتأمل، وسرعان ما اجتذبت جمهوراً واسعاً وحصدت جوائز في مهرجانات مصرية وعربية ودولية.

وتميَّزت أفلامه برؤية فكرية وإنسانية عميقة وأسهمت في ترسيخ مكانة الفن السابع بوصفه أداةً للتنوير وبناء الوعي، وفق وزير الثقافة المصري، أحمد فؤاد هنو، في نعيه للمخرج الراحل، مؤكداً أن «اسمه سيبقى حاضراً في الذاكرة الثقافية والفنية المصرية لما قدَّمه من إسهامات رفيعة المستوى، استطاعت أن تحوِّل الشاشة إلى مساحة للتفكير وطرح الأسئلة الكبرى، وأن تعبِّر بصدق عن هموم الإنسان والمجتمع».

داوود عبد السيد (فيسبوك)

داوود الذي عمل مساعداً في بدايته لكبار المخرجين مثل يوسف شاهين في فيلم «الأرض»، وكمال الشيخ في «الرجل الذي فقد ظله»، سرعان ما توقَّف عن القيام بهذا الدور الذي لم يتحمس له، فهو غير قادر على التركيز سوى فيما هو مهموم به مثلما صرَّح من قبل.

استهل عبد السيد مسيرته في مجال الإخراج مع السينما الوثائقية بفيلم «رقصة من البحيرة» عام 1972، ثم توالت أفلامه ومنها «تعمير مدن القناة»، و«وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم»، و«الأمن الصناعي»، و«العمل في الحقل»، و«عن الناس والأنبياء والفنانين».

ووفق مدير التصوير السينمائي، سعيد شيمي، الذي قام بتصوير فيلم «وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم»، فإن داوود عبد السيد دعا من خلال الفيلم لأهمية تعليم الفلاحين ليفيدوا المجتمع، ما أحدث اهتماماً بتعليمهم، حسبما يضيف لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن «داوود مفكر ومؤلف، وله رؤية فلسفية تغلف أفلامه، لا سيما أعماله الروائية التي كتبها وأخرجها».

حملت أفلام داوود عبد السيد نبضه وروحه وعالمه الخاص في رأي الناقد طارق الشناوي، فأعماله الـ9 تعبر عن إحساسه ورؤيته الخاصة. ويضع الشناوي فيلم «أرض الخوف» في مكانة استثنائية، بوصفه «من الأفلام التي حفرت في الوجدان وفي الذاكرة مساحة لا تُمحى»، بينما فيلمه «الكيت كات» أكثر أفلامه نجاحاً جماهيرياً، الذي توقف عنده النقاد كثيراً، أما «رسائل البحر» فيراها حديثاً عن الرسائل التي يقدمها لنا الله، ولا يستطيع سوى بعض البشر قراءتها، وقد حاول داوود من خلال الفيلم أن يجعلنا نسمع ونقرأ معه هذه الرسائل، على حد تعبير الشناوي.

مشهد من فيلم «أرض الخوف» (يوتيوب)

ويعود إلى فيلمه الأول «الصعاليك» الذي يراه «رؤية بها عمق وقراءة مبكرة لمناخ الانفتاح الاقتصادي الذي فتح الباب على مصراعيه لفساد مقنن خارج العدالة»، بينما في «سارق الفرح» عبَّر عن البسطاء الذين لا يجدون وسيلة للسعادة إلا بسرقة لحظات من الفرح حتى لو سرقوها من بعضهم بعضاً. وعَدّ الشناوي آخر أفلام داوود عبد السيد «قدرات غير عادية» بمثابة ومضة له، وكأنه يريد أن يعانق السماء بهذا الفيلم الأخير، لافتاً إلى أن أفلام المخرج الراحل صارت مدرسة لأن كثيراً من المخرجين الشباب تعلموا منها، وقاموا بإهداء أفلامهم الأولى له تأثراً بما قدمه.

اسمان تكرَّرا في أغلب أفلام داوود عبد السيد، هما الموسيقار راجح داوود ابن عمه الذي ألف الموسيقى التصويرية لأفلامه، وفنان الديكور أنسي أبو سيف الذي صمم المناظر لأغلب أفلامه. وقد ذكر في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط» أنه تخرج وداوود في الدفعة نفسها بمعهد السينما، وبينهما تفاهم كبير، وجمعتهما صداقة انعكست على أفلامهما، وأنه شاركه في كل أفلامه ما عدا «البحث عن سيد مرزوق».

ولعل أصعب قرار اتخذه المخرج داوود عبد السيد وأثار جدلاً كبيراً وردود فعل واسعة، كان قراره الاعتزال عام 2022، وقد جاء ذلك بعد فترة تَوقَّف فيها تقريباً عن العمل منذ آخر أفلامه «قدرات غير عادية» عام 2015، وفي حوار لـ«الشرق الأوسط» برَّر عبد السيد هذا القرار بأنه «أدى رسالته عبر الأفلام التي قدمها، وأن الأسباب التي دفعته لذلك طبيعية، ومن بينها تقدمه في السن، فضلاً عن تغير الجمهور»، لكنه كشف أيضاً عن كثير من المرارة التي غلفت حديثه قائلاً إنه ظل يبحث 10 سنوات عن تمويل لفيلم «قدرات غير عادية»، وأنه بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلم «الكيت كات» ظلَّ ينتظر 5 سنوات بعدها ليقدم فيلماً آخر، مؤكداً أنه لم يغريه في أي وقت الكم على حساب الكيف، بل يسعد بما أنجزه من أفلام، رافضاً أن يرضخ الفنان للجمهور تحت دعوى «الجمهور عايز كده»، قائلاً: «إذا قدمنا عملاً يحترم عقل الجمهور وإنسانيته وعواطفه فسيُقبل عليه».

فيلم «الكيت كات» من أنجح أعمال المخرج الراحل (سينما دوت كوم)

ونعى مخرجون وفنانون المخرج الراحل، وعبَّر الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، عن حزنه، قائلاً إنه برحيل داوود عبد السيد تفقد السينما المصرية أحد أهم مبدعيها وأكثرهم صدقاً وخصوصية، مؤكداً أنه «كان صاحب رؤية فلسفية وإنسانية نادرة، وترك أعمالاً ستبقى مرجعاً في الجمال والوعي، وسنظل نحتفي بإرثه، ونتعلم من بصيرته السينمائية العميقة».


مقالات ذات صلة

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

سينما «ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من...

محمد رُضا (لندن)
سينما إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق كريم مع صناع الفيلم على السجادة الحمراء (الشركة المنتجة)

«مطلوب عائلياً»... عودة «غير مقنعة» لكريم عبد العزيز إلى الكوميديا

يعود الفنان المصري كريم عبد العزيز إلى الكوميديا الاجتماعية عبر فيلمه الجديد «مطلوب عائلياً».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «سما» لرباب خميس (إدارة مهرجان الدوحة السينمائي)

مهرجان «الدوحة» يحتفي بالسينما المستقلة وقصص المهمَّشين

أعلن مهرجان «الدوحة السينمائي» قائمة أفلام «المسابقة الدولية»، التي ستشهد تنافس 15 فيلماً، حظي 11 منها بدعم «برنامج المنح» التابع لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق بيرس بروسنان وجوني ديب وأدريان برودي وأنتوني هوبكنز برعوا في الرسم كما في التمثيل

جوني ديب يبيع لوحاته بالملايين وأنتوني هوبكنز يرسم ليشفى... ممثّلون من أمام الكاميرا إلى أمام اللوحة

من أنتوني هوبكنز إلى سيلفستر ستالون مروراً بجوني ديب وغيرهم... نجوم هوليوود يفجّرون مواهب خفيّة بالريشة والألوان.

كريستين حبيب (بيروت)

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».