أطراف الحوار الليبي يوقعون على اتفاق الصخيرات وسط شكوك حول إمكانية تنفيذه

التوقيع على الاتفاق بـ {الصفة الشخصية} > كوبلر: مهمة حكومة الوحدة الوطنية لن تكون سهلة

أطراف الحوار الليبي بعد التوقيع على اتفاق الصخيرات أمس (أ.ف.ب)
أطراف الحوار الليبي بعد التوقيع على اتفاق الصخيرات أمس (أ.ف.ب)
TT

أطراف الحوار الليبي يوقعون على اتفاق الصخيرات وسط شكوك حول إمكانية تنفيذه

أطراف الحوار الليبي بعد التوقيع على اتفاق الصخيرات أمس (أ.ف.ب)
أطراف الحوار الليبي بعد التوقيع على اتفاق الصخيرات أمس (أ.ف.ب)

وقع أعضاء في البرلمانين المتصارعين في ليبيا، وشخصيات سياسية، وممثلون عن المجتمع المدني، أمس، في منتجع الصخيرات المغربي (جنوب الرباط) على الاتفاق السياسي النهائي، الذي يروم حل الأزمة الليبية، في صفقة تأمل القوى الغربية أن ترسي الاستقرار وتساعد في التصدي لوجود تنظيم داعش المتنامي هناك.
وشهد نهاية حفل التوقيع استقبال المشاركين فيه لرئيس الحكومة المعين فائز السراج، بالهتافات وإنشاد النشيد الوطني الليبي. وحضر حفل التوقيع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن كوبلر، ووزير خارجية المغرب صلاح الدين مزوار، بصفتيهما راعيين للمؤتمر، كما حضره عدد من وزراء خارجية عدة دول، من بينهم وزير خارجية إيطاليا باولو جينتيلوني، ووزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية، ووزير خارجية إسبانيا خوسي مانويل غارسيا مارغايو، ووزير الخارجية التركي مولود تشاووس أوغلو، ووزير الخارجية التونسي الطيب بكوش، وعدد من الدبلوماسيين والشخصيات المغربية والدولية.
وتجدر الإشارة إلى أن البرلمانيين الذين وقعوا على اتفاق الصخيرات حضروا إلى المغرب بصفتهم الشخصية، ولا يمثلون أيا من السلطتين، وفقا لما أكده رئيس مجلس النواب في طبرق (المعترف به دوليا) عقيلة صالح، ونوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام (برلمان طرابلس).
ولم تخل اللحظات الأخيرة من المفاوضات من توترات أدت إلى إرجاء التوقيع النهائي على توقيع اتفاق الصخيرات لبضع ساعات، وذلك بسبب الخلاف حول مسألة إضافة ثلاثة أعضاء إلى مجلس رئاسة الحكومة، وهم علي القطراني النائب البرلماني عن الشرق، الذي رفضه ممثلو بعض الأطراف بسبب قربه من الجنرال خليفة حفتر، بالإضافة إلى كل من أحمد حمزة وعبد السلام كاجامان من الجنوب.
بيد أن المشاركين في الحوار اتفقوا على إضافة ثلاثة أعضاء عن الجنوب والشرق لتحقيق التوازنات الجهوية داخل مجلس رئاسة الحكومة، الذي أصبح بذلك يتكون من 9 أعضاء، بدل 6 أعضاء، إلا أنهم انقسموا حول مسألة تحديد الأسماء. فبينما طالب بعض المشاركين بالتوقيع على الاتفاق السياسي وتأجيل اختيار أسماء الأعضاء الثلاثة الإضافيين لمدة أسبوع، أصر مشاركون آخرون على ضرورة الخروج بلائحة نهائية لأسماء أعضاء مجلس الرئاسة قبل التوقيع على الاتفاقية. وبعد أخذ ورد، تم الاتفاق على إضافة الأسماء الثلاثة المختلف حولها كأعضاء في المجلس الرئاسي ونواب لرئيس الحكومة.
ونوه صلاح الدين مزوار، وزير خارجية المغرب، بالمشاركين في الحوار الليبي، مشيرا إلى أنهم أعطوا درسا لجميع بؤر التوتر في العالم بإمكانية حل المشكلات بالحوار والتوافق، إذا توفرت الإرادة ونكران الذات. كما أكد مزوار استعداد المغرب لدعم الحكومة الليبية الموحدة، مشددا على حرص بلاده على وحدة واستقلال ليبيا.
من جهته، أشار مارتن كوبلر، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، إلى أن مهمة حكومة الوحدة الوطنية الليبية لن تكون سهلة، وقال إن هناك أربعة تحديات رئيسية سيكون على الحكومة مواجهتها في أقرب الآجال، وفي مقدمتها إشكالية المصالحة الوطنية، ومعالجة الوضع الأمني عبر الإسراع في إطلاق حوار أمني في أقرب فرصة، ومواجهة الإرهاب، والحرب على «داعش» التي اعتبرها من الأولويات الملحة والعاجلة في برنامج الحكومة الجديدة، ومعالجة الوضع الإنساني الحرج في بنغازي وبرقة.
كما أعلن كوبلر عن التزامه ببحث إنشاء صندوق لإعادة إعمار بنغازي، وناشد كل المتغيبين عن طاولة الحوار الوطني الليبي إلى الالتحاق بالاتفاقية، مشيرا إلى أن ليبيا تحتاج إلى كل أبنائها.
وبينما غاب عن توقيع الاتفاقية رئيسا البرلمانين المتنازعين، حضر الاتفاق نحو 50 برلمانيا ليبيا، ونحو 20 شخصية تمثل الأحزاب والبلديات والمجتمع المدني، إضافة إلى شخصيات مستقلة.
وفي كلمة مقتضبة للصحافة في ختام حفل التوقيع، قال فائز السراج، رئيس الحكومة المعين، إن «الاتفاق ليس فيه لا غالب ولا مغلوب، بل هو انتصار للجميع»، مضيفا أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة بناء ومرحلة مصالحة وطنية للتخلص من أضغان الماضي، ودعا كل الليبيين إلى المساهمة فيها، مشددا القول على أن المرحلة المقبلة تحتاج لجهود الجميع.
ووقع على الاتفاق صالح المخزوم عضو برلمان طرابلس، ومحمد شعيب العضو في البرلمان المعترف به، ونوري العبار الرئيس السابق للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وفتحي بشاغا العضو في البرلمان المعترف به أيضا. والبرلمانيون الذين وقعوا على اتفاق أمس حضروا بصفتهم الشخصية، ولم يمثلوا أيا من السلطتين، بحسب ما أكد رئيس البرلمان المعترف به دوليا عقيلة صالح، ورئيس البرلمان الموازي نوري أبو سهمين.
وتوالت بعد ذلك التوقيعات على الاتفاق من قبل أعضاء في البرلمانين، نحو 80 عضوا من البرلمان المعترف به الذي يضم 188 عضوا، ونحو 50 عضوا من برلمان طرابلس الذي يضم 136 عضوا، إضافة إلى شخصيات سياسية أخرى وممثلين عن المجتمع المدني.
واختتمت التوقيعات بتوقيع رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، مارتن كوبلر، وسط تصفيق الحاضرين وترديد الهتافات باسم ليبيا.
لكن رغم عدم توفر آلية واضحة، تشرح كيفية تطبيق هذا الاتفاق على الأرض، في ظل وجود قوات موالية للحكومتين في مناطق سيطرتهما، قال كوبلر في بداية حفل التوقيع إنه «يوم تاريخي لليبيا»، مؤكدا أن «الباب لا يزال مفتوحا أمام أولئك الذي لم يحضروا اليوم، وعلى الحكومة الجديدة أن تعالج بشكل عاجل بواعث القلق لدى الأطراف التي تشعر أنها مهمشة».
وفي المقابل، حث السراج كل الليبيين على الانضمام إلى الاتفاق والمشاركة في بناء بلدهم، مشيرا إلى أنه «ليس هناك غالب أو مغلوب».
من جهته، قال صالح المخزوم الذي قدم نفسه على أنه ممثل برلمان طرابلس، إن «التاريخ يقف اليوم شاهدا على محطة من أهم محطات مسيرة الثورة نحو بناء الدولة الليبية»، مضيفا أن التوقيع يمثل «الخطوة الأولى في سبيل تحقيق أمن ليبيا واستقرارها».
وكان البرلمان غير الشرعي قد أصدر، أول من أمس، بعد جلسة حضرها 73 عضوا من بين 136 بيانا أكد فيه أنه لم يفوض أحدا من أعضائه «لا بالمشاركة ولا بالتوقيع» على أي اتفاق في المغرب.
وفى بيان تلاه الناطق باسمه عمر حميدان، حذر برلمان طرابلس من أن «فرض مخرجات غير متفق عليها سيؤدي إلى زيادة تعقيد المشهد السياسي الليبي».
وترأس المخزوم لجنة الحوار المكلفة من قبل برلمان طرابلس بالمشاركة في جولات الحوار، برعاية الأمم المتحدة التي بدأت قبل نحو عام، قبل أن تجري تنحيته في أغسطس (آب) الماضي، عن مهمته هذه ويحل محله عوض محمد عبد الصادق.
ويتطلع المجتمع الدولي إلى توحيد السلطة في ليبيا لمواجهة خطر تمدد تنظيم داعش، الذي يسيطر على مدينة سرت منذ يونيو (حزيران) الماضي، واعدا بأن يقدم لحكومة السراج دعما سياسيا، مع احتمال مساندتها عسكريا إذا طلبت ذلك.
من جهته، دعا الفريق خليفة حفتر القائد العام للجيش الليبي، عقب لقائه مع كوبلر في مدينة المرج الليبية، أول من أمس، إلى إنهاء حظر على السلاح للمساعدة في محاربة المتشددين الإسلاميين، معربا عن أمانيه في إنهاء إراقة دماء الليبيين في وقت قريب جدا.
وفي مؤشر على رفضه التجاوب مع محاولات كوبلر لإقناعه بتأييد المبادرة الدولية، قال حفتر إن «الجيش الليبي ليس طرفا سياسيا في كل الحوارات التي تسيرها الأمم المتحدة منذ أكثر من عام»، مشيرا إلى أن «الحرب على الإرهاب مستمرة ولا دخل للجيش في الشأن السياسي»، مضيفا أن هناك أمورا ينبغي معالجتها في مسودة الاتفاق. وحث على تقديم دعم الجيش في محاربة الإرهاب، وأن الحوار لا يمكن أن يستمر بلا طائل؛ وإلا كان ذلك مضيعة للوقت.
وأوضح حفتر أن «القيادة العامة للجيش تنأى بنفسها عن أية شبهات أو صفقات سياسية تمس الحقوق الأصيلة للمواطن الليبي»، معتبرا أن أية حكومة ليست منبثقة عن مجلس النواب المعترف به دوليًا لا تمثل الشعب الليبي، كما أن المساس بالجيش والشرطة وقيادات المؤسسات الأمنية أمر مرفوض وغير قابل للنقاش.
وكشف حفتر عن أن قيادة الجيش قدمت 12 مقترحا بما يتعلق بالمسار الأمني، موضحا أن القيادة العامة للجيش «لم تكن يوما من الأيام حجر عثرة في طريق الأمن والحوار في ليبيا.
من جهته، تعهد المبعوث الأممي برفع ملف حظر تسليح الجيش إلى مجلس الأمن، شرط أن تكون حكومة وحدة وطنية، وقال كوبلر أمام الصحافيين إنه «سيرفع ملف حظر تسليح الجيش الليبي لمجلس الأمن لمناقشته والبت فيه»، مضيفا أن ذلك يتطلب حكومة وفاق وطني تتمتع بالشرعية، وأن الأمر يتطلب تنصيب حكومة وحدة وطنية قبل أن تعترف الأمم المتحدة بشرعيتها، وتنظر في تأييد حظر السلاح أو رفعه.. وهذا يتطلب أيضا إنشاء جيش وطني للبلاد بأسرها، حسب قوله.
إلى ذلك، أعلنت وكالة الأنباء الليبية العثور على جثتين في الحي الغربي بمدينة أجدابيا، حيث تجددت الاشتباكات بين قوات الجيش المدعوم بشباب الحي في مواجهة المتطرفين.
ونقلت عن آمر غرفة العمليات العسكرية بأجدابيا، العقيد فوزي المنصوري، أنه تم تجهيز مقاتلات تعمل على استهداف ودك أوكار الإرهاب، الخارجة عن سيطرة الدولة في المدينة دون استثناء. وانتشرت دورات للجيش الليبي للقيام بعمليات تفتيش دقيقة في الحواجز الأمنية، خاصة بالطرق الجنوبية للمدينة.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.