القاهرة تحتفي برائد الفن السعودي عبد الحليم رضوي

50 لوحة تعكس التراث والهوية بلغة تشكيلية حديثة

عبد الحليم رضوي... طاقات تعبيرية ودلالات مفاهيمية ذات طابع معاصر (الشرق الأوسط)
عبد الحليم رضوي... طاقات تعبيرية ودلالات مفاهيمية ذات طابع معاصر (الشرق الأوسط)
TT

القاهرة تحتفي برائد الفن السعودي عبد الحليم رضوي

عبد الحليم رضوي... طاقات تعبيرية ودلالات مفاهيمية ذات طابع معاصر (الشرق الأوسط)
عبد الحليم رضوي... طاقات تعبيرية ودلالات مفاهيمية ذات طابع معاصر (الشرق الأوسط)

يُعدّ معرض الفنان التشكيلي السعودي الراحل عبد الحليم رضوي، المُقام في غاليري «ضي الزمالك» بالقاهرة، تجربةً غامرةً للمتلقّي، تتيح له مشاهدة مجموعة متنوّعة من أعمال الفنان مجتمعةً، كما يُقدّم المعرض نظرةً معمَّقةً على ممارسات فنان من الرعيل الأول، أسهم في تحديد معالم الفنّ البصري السعودي بوصفه رائداً لمدرسة «الأصالة».

وتعكس اللوحات الـ50 التي يضمها المعرض، المستمرّ حتى 28 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، تحت عنوان «مائيات رائد الحركة التشكيلية السعودية»، ميله إلى تجسيد التراث وعناصر الهوية الوطنية، إلى جانب احتفائه بالطبيعة، معتمداً التبسيط والاختزال أسلوباً لفنّه، الذي كسر من خلاله القواعد الأكاديمية التقريرية الصارمة، في بحثه عن المعاصرة وتحدّي التوقعات.

وفي كلمته عن تجربة عبد الحليم رضوي، قال الفنان والناقد السعودي عبد الرحمن السليمان: «رضوي من الرعيل الأول الذين رسموا صورة حقيقية لمعالم الفنّ التشكيلي في السعودية». وتابع: «يستطيع المراقب لمسار الحركة التشكيلية في المملكة أن يتعرَّف إلى أي مدى تأثير مشواره الفنّي وما قدّمه لها، حتى توفي في جدة بعد صراع مع المرض خلال الأعوام الأخيرة، وقد عُرف عنه نشاطه وإصراره على أن يكون للفنّ التشكيلي دور في الثقافة العامة للمجتمع».

لوحات رضوي تتميَّز بديناميكية حركية تدعمها الأشكال الدائرية والدوامات اللونية (الشرق الأوسط)

ويُعدّ استلهام التراثَين العربي والإسلامي، والأصالة بشكل عام، من أهم سمات فنه؛ إذ انطلق منهما، وفق السليمان، إلى عالم الفنّ، وقد تطلَّب منه ذلك اهتماماً كبيراً، وكرَّس له أعمالاً تحمل هذا التوجُّه أو تتأثَّر به.

وُلد التشكيلي السعودي عبد الحليم رضوي عام 1939 في مكة المكرمة، وعاش بداية حياته عصامياً؛ فكان لوالدته الدور الكبير في تنشئته وتعليمه، وكان محاطاً في مدرسته بالتشجيع والاهتمام، فخصَّصت جناحاً لرسوماته نفّذها بالألوان المائية والبلاستيكية.

وكان عام 1958 بداية انطلاقه لحياة فنّية تميَّزت بالمثابرة والجدّ والاجتهاد؛ إذ شارك في أول مسابقة جماعية على مستوى المدارس الثانوية في مدينة الرياض، وفاز حينها بالمركز الأول، وكان لهذا الفوز أثره في أن يتّجه، بعد إنهائه الدراسة الثانوية في مدرسة «العزيزية» بجدة، إلى دراسة الفنون الجميلة، بعدما كان يتمنّى دراسة الطب.

وسافر إلى إيطاليا عام 1961 على نفقته، ليدرس في أكاديمية الفنون الجميلة في روما الديكور وفنونه، وفيها أقام أول معارضه الشخصية في العام التالي من التحاقه بالدراسة، قبل أن يُضمّ لاحقاً إلى البعثة الرسمية.

ورغم أنّ المشهد التشكيلي كان ينتظر من رضوي تمثيل الواقع ومحاكاته، فإنه رفض استنساخه. ففي الوقت الذي جسَّد فيه كنوز بيئته المتفرّدة، وفي مقدّمتها الكعبة المشرَّفة ومحيط الحرم المكي، إلى جانب الصحراء والخيول، مؤكداً الهوية الوطنية والخصوصية المكانية والحضارية، أطلق لخياله العنان عبر تقنيات حداثية، مقدّماً للجمهور طاقات تعبيرية ودلالات مفاهيمية ذات طابع معاصر.

والمتأمّل للوحات المعرض يلمس إلى أي مدى أسهمت البيئة في المملكة في تشكيل وجدان رضوي ومزاجه الفنّي، وفي الوقت نفسه يستشعر كيف برع الفنان في توظيف الحلول والتصوّرات الحداثية في أعماله لتأكيد اعتزازه بهذه البيئة.

الفنان الراحل عبد الحليم رضوي مع الناقد الفني هشام قنديل (غاليري ضي)

ومن اللافت أيضاً تعبير هذه الأعمال عن اطّلاعه وتفاعله مع المدارس الفنية العالمية؛ فهو، وإن احتفى بإرثه الثقافي والحضاري، قدَّم في الوقت عينه لغةً تشكيليةً تتوافق مع التيارات الحديثة في حركة الفنّ العالمية.

ولم يقتصر نتاج هذا الفكر والتوجُّه على اللوحات التشكيلية فقط، بل شارك رضوي في كتاب «قضايا معاصرة» مع الدكتور أبو بكر باقادر وأكرم طاشكندي، وجاء إسهامه في شكل مقالات نُشرت في عدد من الصحف.

وخلال دراسته الفنية في إسبانيا، التقى عدداً من الفنانين العرب، وكان حريصاً خلال مناقشاته معهم ومع تلاميذه على التأكيد على أهمية أن تكون للشخصية الفنّية في النتاج العربي خصوصيتها وأسلوبها المميز، مع استخدام المعايير الحديثة.

وتتميَّز لوحات المعرض بديناميكية حركية تدعمها الأشكال الدائرية والدوّامات اللونية، إضافة إلى التقويسات، والشخوص، والرقصات الشعبية، والاحتفالات، والحروفيات المُصاحبة للتقسيمات الهندسية المليئة بالحركة، والنابضة بالحياة.

معرض «إبداعات سعودية معاصرة» نوَّع في موضوعاته (الشرق الأوسط)

وتحمل اللوحات مفردات ترمز إلى الأصالة والحميمية في المجتمع، مثل مفردة الخيول في عنفوان حركتها، والبيوت العربية بعناصر الحياة اليومية داخلها، فضلاً عن القباب والمآذن بكل رمزيتها وشحناتها الدينية والروحية.

وحقَّق الفنان عبد الحليم رضوي عدداً من الأنشطة الفنّية، تمثلت في المعارض الشخصية والجماعية خلال تولّيه منصب مدير فرع «جمعية الثقافة والفنون بجدة»، كما قدَّم فكرة معرض «مختارات من الفنّ التشكيلي السعودي المعاصر» التي تبنّتها الجمعية.

وحصل عام 1984 على وسام القائد من البرازيل، وأنشأ متحفه في جدة، حيث عرض أعماله الفنّية، كما أقام أكثر من 100 معرض شخصي طاف بها عدداً من بلدان العالم، كان أولها في روما وبيروت، ثم في إسبانيا ومصر وتونس وغيرها.

وكرَّمته أكثر من جهة، وتقتني أعماله جهات رسمية عدة داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، ليبقى رائداً حقيقياً للفنّ التشكيلي السعودي.

جانب من معرض «إبداعات سعودية معاصرة» (الشرق الأوسط)

ويُصاحب معرض رضوي تقديم أعمال نخبة من رواد وكبار التشكيليين المعاصرين في المملكة، في قاعة خاصة تحت عنوان «معرض إبداعات سعودية معاصرة».

ويضمّ المعرض مجموعة مختارة من أعمالهم، من بينهم الفنانون: بكر شيخون، وأحمد فلمبان، وفيصل السمر، وفؤاد مغربل، ومحمد سيام، ونوال مصلي، وعبد الرحمن السليمان، وطه الصبان، وعبد الله حماس، وسمير الدهام، وفهد الحجيلان، وشاليمار شربتلي، وعبد الله إدريس، وأيمن يسري، وعلا حجازي، ومحمد الرباط، وفهد خليف، ومحمد الغامدي، وعبد الرحمن المغربي، ورياض حمدون، وغيرهم.


مقالات ذات صلة

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

يوميات الشرق 
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يعتمد جوزيف أفرام في أعماله على الحبر الصيني مع تقنية الـ«جيسو» لبناء طبقات متراكمة تمنح اللوحة عمقاً وملمساً وتُظهر الفكرة تدريجياً للمشاهد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق معرض الكاريكاتير جذب ركاب مترو القاهرة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

مترو القاهرة يتحول إلى معرض فني... الكاريكاتير يقترب من الجمهور

الكاريكاتير قادر بلغة بسيطة وساخرة وذكية على التواصل مع كل فئات المجتمع والتعبير عن أحداث كبرى بروح إنسانية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)

«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

يتحرَّر اللون في هذه الأعمال من وظيفته التقليدية المُرتبطة بالتعبير المباشر أو بإحداث تأثير بصري فوري...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.