«الشرق الأوسط» تنشر الخطوط العريضة لخطة الحكومة اللبنانية لإعادة أموال المودعين

تقسيط 4 سنوات لصغار المودعين… وسندات خزينة لمبالغ تتخطى الـ100 ألف دولار

رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام (رويترز)
رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام (رويترز)
TT

«الشرق الأوسط» تنشر الخطوط العريضة لخطة الحكومة اللبنانية لإعادة أموال المودعين

رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام (رويترز)
رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام (رويترز)

يسعى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى إقرار مشروع قانون يضع آلية للتعامل مع الودائع المصرفية العالقة منذ عام 2019، المعروف بقانون «الفجوة المالية»، تقوم على صرف الودائع التي تقل قيمتها عن 100 ألف دولار، بالكامل، مقسطة على أربع سنوات، أما المبالغ التي تتخطى هذا الرقم، فسيتم صرفها على شكل سندات دين مالية مؤجلة إلى 15 عاماً، وتلتزم الحكومة خلال هذه الفترة بصرف 2 في المائة منها سنوياً نقداً، حسبما قال مصدر حكومي بارز لـ«الشرق الأوسط».

وأكدت مصادر حكومية لبنانية أن سلام يأمل بإقرار المشروع الأسبوع المقبل قبل دخول البلاد في عطلة نهاية العام، بعدما تم تأمين التوافق السياسي بالخطوط العريضة عليها، وتذليل بعض الاعتراضات من داخل «البيت الحكومي»؛ ليتمكن فريق عمل الدولة من الدفاع عن هذه الخطة في مجلس النواب كما في مواجهة المعترضين من المصرفيين وبعض أصحاب الودائع. ورغم أن الخطة «ليست مثالية» من وجهة نظر سلام وغيره من المسؤولين، فإنها تعدّ «أفضل الممكن»، خصوصاً أن سلام يرى - حسبما نقلت المصادر عنه - أن كل يوم تأخير يفاقم الأزمة أكثر. وأن هذا القانون لو صدر مع بدايات الأزمة في عام 2019 لكانت الأمور أفضل بكثير من اليوم.

 

واطلعت «الشرق الأوسط» على الخطة المعروفة باسم «مشروع قانون الفجوة المالية» التي وُزّعت على الوزراء بعد ظهر الجمعة. وأنجزت الحكومة مشروع القانون الذي يفترض أن يحدد نسب الخسائر الناتجة من الأزمة وتوزيعها بين الدولة اللبنانية، والمصرف المركزي، والمصارف التجارية، والمودعين، ويتوقع أن يقرّ مشروع القانون تمهيداً لإحالته إلى البرلمان لدراسته وإقراره، كجزء أساسي من الإصلاحات المالية المطلوبة من «صندوق النقد الدولي».

 

ويؤكد المصدر أنه «كل يوم يتم تأخير إقرار القانون ستتآكل الودائع أكثر»، متعهداً بـ«محاسبة المسؤولين عن منع اللبنانيين من سحب ودائعهم وإغرائهم برفع الفوائد في مقابل تحويلهم لأموالهم الشخصية». وأوضح أنّ «هذا الملف لم يعد يحتمل التأجيل؛ لأننا كلما أرجأنا القرار، نكون عملياً نفاقم حجم الفجوة بدل أن نحدّ منها».

 

تلازم السلاح والإصلاحات المالية

وتمضي الحكومة بالإصلاحات المالية إلى جانب تطبيق حصرية السلاح، ويقول المصدر إن «السلاح والإصلاحات يرتبطان ببعضهما بعضاً»، مضيفاً: «اتخذنا قرارنا بحصر السلاح، ومستعدون لتوفير الإنماء والأمن، وهذا ما ستقدمه الدولة اللبنانية». ويتابع: «لا يمكن انتظار السياسة الإقليمية وتطوراتها لحل مشكلاتنا الداخلية، الأساس هو تطبيق الدستور و(الطائف)، ونحن رؤيتنا واضحة، لا بد من معرفة رؤية (حزب الله) لمرحلة ما بعد السلاح وكيفية الدخول في مشروع الدولة والبناء».

 

وتنظر الحكومة إلى «قانون الفجوة المالية»، على أنه «المدخل الأساسي للحفاظ على ودائع الناس»، وتشدد على وجوب «إنجازه سريعاً مع توفير أفضل الظروف لإعادة أموال الودائع». ويقول المصدر: «هناك جزء من المودعين الكبار يجب أن يتحملوا مسؤولية لأنهم لم يكونوا بريئين عن الكثير من التجاوزات والمخالفات»، أما المبدأ الحكومي الثالث، فهو «مسؤولية الدولة التي ستتحملها».

 

آلية صرف الودائع

وتقوم المقاربة على مجموعة مبادئ أساسية، «سواء اتفقنا عليها من أول مرة أو احتاج النقاش إلى وقت أطول، فهي تبقى الأساس في التطبيق، ونعمل ضمن الإمكانات المتوافرة»، حسبما يقول، مضيفاً: «هذه المبادئ ليست شعارات، بل قواعد تنفيذية، وأي حل لا ينطلق منها لا يمكن أن يكون عادلاً أو قابلاً للاستمرار». ويوضح أنّ «إعادة الودائع دفعة واحدة غير ممكنة بسبب حجم الفجوة».

ويشرح المصدر الخطة، قائلاً إنه جرى تقسيم الودائع وفق تصنيفين، الأول تحت الـ100 ألف دولار، والآخر هو المبلغ الأعلى من هذا السقف، مشيراً إلى أن صرف الودائع سيتم بالتقسيط على أربع سنوات؛ وذلك انطلاقاً من أنّ «صغار المودعين هم فعلياً الناس الذين تضرروا أكثر من غيرهم»، وأنهم «ليسوا أصحاب هندسات مالية، ولا أصحاب فوائد مفرطة، بل أموالهم هي تعب عمر، ولا يجوز المسّ بها».

ويقول: «المعيار هو المودع الواحد، وليس عدد الحسابات». ويشرح: «إذا كان لدى شخص حساب بقيمة 40 ألف دولار في مصرف، وحساب آخر بقيمة 40 ألف دولار في مصرف آخر، فهذان الحسابان يُجمعان ويُحتسبان وديعةً واحدة بقيمة 80 ألف دولار». وأكد أنّ «هذا المبدأ أساسي لمنع التحايل ولتحقيق العدالة بين المودعين».

أشخاص يسيرون أمام مقر مصرف لبنان المركزي في منطقة الحمراء ببيروت (رويترز)

سندات معززة بأصول حقيقية

أما بالنسبة إلى الودائع التي تفوق 100 ألف دولار، فأوضح المصدر أنّ أمر هؤلاء المودعين «يُعالَج عبر سندات معززة بأصول حقيقية». وأضاف: «نحن لا نتحدث عن سندات وهمية، بل عن سندات مسنودة بأصول فعلية تملكها الدولة أو مصرف لبنان، من أراضٍ، ومرافق، ومؤسسات منتجة». وأوضح أنّ «مصرف لبنان يملك أصولاً تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، من الكازينو إلى الأراضي إلى مؤسسات مختلفة، وهذه تشكّل قاعدة حقيقية لهذه السندات».

وقال إنّ «هذه السندات تكون طويلة الأجل، بين 10 و15 سنة، لكن الخطة تتضمن، خلال هذه الفترة، صرف 2 في المائة من قيمتها نقداً سنوياً». وأوضح بالمثال: «إذا كان لدى مودع سند بقيمة مليوني دولار، يحصل سنوياً على نسبة منها 40 ألف دولار، ومع مرور السنوات ينخفض أصل الدين، وفي نهاية المدة يكون قد استعاد كامل أصل الوديعة». وتكمن أهمية السندات المعززة، في كونها تستند إلى ضمانات بأصول مصرف لبنان وممتلكات الدولة؛ ما يتيح للمودع أن يبيع السندات في السوق المحلية والدولية لمستثمرين آخرين، في حال كان يعتزم استرداد قيمة وديعته فوراً.

 

تقييم المرحلة السابقة

ولا تخلو الخطة من تقييم لأرباح السنوات الماضية. وتوقف المصدر عند مرحلة ما قبل الأزمة، قائلاً: «منذ عام 2016، ومع ما سُمّي الهندسات المالية، جرى إعطاء فوائد غير طبيعية، استفاد منها كبار المودعين وكبار المستثمرين». وأضاف: «هناك من حقق أرباحاً بعشرات ملايين الدولارات، ولا يمكن مساواة هؤلاء بصغار المودعين الذين لم يستفيدوا من أي فوائد استثنائية». وشدد على «أننا لن نمس بالودائع الأصلية، بل تصحيح ما نتج من الهندسات المالية بفعل رفع الفوائد».

ويقول: «من سددوا ديونهم على سعر 1500 ليرة للدولار، فمن هم استحصلوا على القروض وهم من أصحاب الدخل المحدود لقاء شراء شقة أو سيارة فهؤلاء أمورهم طبيعية، أما من يظهر من معاملاتهم الاستحصال على قروض للدخول في مشاريع كبرى واستثمارات ومقاولات فهؤلاء ستتم دراسة ملفاتهم وفق سعر الصرف يوم تسديد الديون المتوجبة عليهم»، ويتابع: «من عمل على تحقيق أرباح بفعل تحويل الأموال من الليرة إلى الدولار، سيتم تغريمهم وتحويل الغرامات لصالح صندوق استرداد أموال للمودعين».

بالنتيجة، شدّد على أنّ «الخسائر لا يمكن أن تُحمَّل للمودعين وحدهم»، موضحاً أنّ «هناك تراتبية واضحة: أولاً المساهمون في المصارف، ثم المصارف نفسها، ثم مصرف لبنان، وبعد ذلك الدولة». وأضاف: «هذا هو المعيار المعتمد عالمياً، ولا يمكن القفز فوقه أو قلبه».

 

رسلمة المصارف

وقال المصدر: «إننا في الخطة، نعطي فرصة للمصارف لإعادة رسملة نفسها خلال خمس سنوات. أما الدولة، فستتحمل مسؤولياتها في زيادة رساميل المصرف المركزي». إلى أنّ «إعادة هيكلة المصارف أمر لا مفر منه»، موضحاً أنّ «زيادة الرساميل مسؤولية المساهمين أولاً».

وقال: «لا يمكن الاستمرار بنظام مصرفي من دون تحميل من استفاد من الأرباح مسؤولية الخسائر». وأضاف: «هذا ليس استهدافاً للمصارف، بل شرط أساسي لإعادة بناء نظام مصرفي سليم».

ويشدد المصدر على أنّ القرار صعب وسيواجه اعتراضات من قوى مالية وسياسية»، لكنه أكد أنّ «عدم اتخاذ القرار أصعب».

وقال: «إذا لم نفعل ذلك الآن، فلن نفعله لاحقاً، وكل تأخير إضافي يعني خسارة أكبر».


مقالات ذات صلة

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)
خاص عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)

خاص تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

غضب عارم في مدينة طرابلس، بعد انهيار مبنيين سكنيين متلاصقين؛ كل منهما من 3 طبقات ويضمان 12 شقة؛ راح ضحيته 15 قتيلاً.

سوسن الأبطح (طرابلس (شمال لبنان))

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
TT

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وأبلغ الوفد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحظاته على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع.

وتتزامن الزيارة مع مناقشة اللجان البرلمانية لمشروع قانون «الفجوة المالية» واسترداد الودائع العالقة في المصارف منذ 2019، وهو مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب لدراسته. كما تأتي الجولة عقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي.

لقاء مثمر

وبحث الوفد في بيروت، الخطوات التي تؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد، سبق أن تعثر إبرامه في ربيع عام 2022. واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو.

وأكد سلام أن اللقاء «كان إيجابياً ومثمراً، حيث تم البحث في ملاحظات الصندوق على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف، إضافةً إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». وأشارت رئاسة الحكومة اللبنانية في بيان إلى أن البحث «تناول الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق».

كذلك، زار الوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويتابع وفد الصندوق الخطوات التشريعية لقانون «الفجوة المالية» الذي يرى مسؤولون ماليون لبنانيون أن ثغرات قانونية وإجرائية في المشروع الحكومي، «تتنافى مع توصيات الصندوق»، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي بما يتناغم مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام».


قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
TT

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول القطاعات الإنتاجية اللبنانية والصادرات إلى الدول العربية وقطاع النقل البري، فضلاً عن انعكاسات سلبية على تكلفة التبادل التجاري، والقطاعات الإنتاجية في البلدين، لا سيّما الزراعة والصناعات الغذائية.

كانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا أصدرت الأحد قراراً جديداً ينظّم حركة الشحن عبر المنافذ البرية والمرافئ البحرية، متضمناً قيوداً على دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، ويقضي بإلزامها بتفريغ حمولتها داخل الساحات الجمركية ونقلها إلى شاحنات سورية، واستثنى القرار الشاحنات العابرة بنظام «الترانزيت».

تحركات لبنانية

وعُقِدَ اجتماع موسّع في المديرية العامة للنقل البري والبحري، ضمّ ممثلين عن اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، والمصدّرين والوكلاء البحريين ووسطاء النقل، إضافة إلى ممثل عن وزارة الزراعة ورئيس مصلحة النقل البري طوني عساف، خُصّص لبحث تداعيات القرار.

مشاركون في اجتماع المديرية العامة للنقل البري والبحري في بيروت لمناقشة القرار السوري (الوكالة الوطنية)

وأجمع الحاضرون على أنّ القرار «انعكس سلباً على قطاع النقل البري اللبناني وشركات الشحن والترانزيت، وعلى السائقين والعاملين في هذا القطاع، إضافة إلى المصدّرين اللبنانيين، لا سيّما في ما يتعلّق بالمواد الغذائية والسلع القابلة للتلف»، محذّرين من تراجع حجم وانسيابية حركة التبادل التجاري بين الجانبين.

كما رأى المجتمعون أنّ المسار الدبلوماسي لم يفضِ، حتى الآن، إلى معالجة تضمن التوازن في حركة النقل البري بين البلدين، رافضين تحميل القطاع اللبناني أعباء إضافية ناتجة عن إجراءات أحادية الجانب. ودعوا وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى اتخاذ إجراءات تحمي القطاع، بما فيها اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل إلى حين إعادة تطبيق أحكام الاتفاقية النافذة.

سوريا متنفس أساسي

في قراءة اقتصادية أوسع، قال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد لـ«الشرق الأوسط»، إنّه يتمنّى أن تكون الإجراءات المتّخذة «مؤقّتة وقابلة للإزالة، بما يسمح بعودة الأمور إلى طبيعتها»، مذكّراً بأنّ سوريا تشكّل «متنفّساً أساسياً للبنان، سواء لجهة الصناعة أو الزراعة».

وأوضح أنّ «هناك مساعي وإجراءات قيد البحث لمعالجة التداعيات»، معرباً عن أمله في أن تتمّ المعالجة «من خلال سياسة واضحة للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا، تقوم على الشفافية الكاملة، وتراعي مصالح البلدين على حدّ سواء».

وأكد عربيد أنّ «أي قرار من هذا النوع يترك انعكاسات مباشرة، لا سيّما على تصدير الخضار والفاكهة وسائر المنتجات»، معتبراً أنّ ذلك «يضغط أكثر على قطاع إنتاجي يعاني أساساً من أوضاع صعبة»، وشدد على أنّ لبنان «بحاجة ماسّة إلى تسهيل التصدير، وتسهيل العبور والنقل، بوصفها ركائز أي مقاربة جديّة للتبادل التجاري بين بلدين جارين تربطهما علاقات اقتصادية تاريخية».

تكلفة مرتفعة

في المقابل، قدّم مدير «المعهد اللبناني لدراسات السوق»، الدكتور باتريك مارديني، قراءة تقنية - اقتصادية للقرار، موضحاً أنّه «سيؤدي إلى ارتفاع التكلفة، ولا سيما على المستهلك السوري». ولفت إلى أنّ «السلطات السورية منعت الشاحنات الأجنبية من تفريغ أو تحميل بضائعها داخل سوريا، ما فرض اعتماد نظام (باك تو باك)، حيث تُفرغ الشاحنات حمولتها عند الحدود لتتسلّمها شاحنات سورية، والعكس صحيح».

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا خلال اعتصام رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

ورأى مارديني أنّ «هذا النظام يزيد التكلفة والوقت، ويعقّد العمليات اللوجستية، الأمر الذي ينعكس سلباً على المستهلك السوري، في بلد خارج من حرب ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد الغذائية أو للأدوية وسائر السلع الأساسية».

وأشار إلى أنّ «المرحلة السابقة شهدت تسهيلاً لعمليات الاستيراد والتصدير في سوريا، ما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في أسعار السلع الاستهلاكية بعد كسر الاحتكارات الداخلية، وهو ما استفاد منه المستهلكون، لا سيّما الفئات الأكثر فقراً»، معتبراً أنّ «القرار الجديد يُعيد تعزيز هذه الاحتكارات، إذ يخفّف من رغبة الدول المجاورة في التصدير إلى سوريا أو الاستيراد منها، بسبب ارتفاع التكلفة وزيادة الوقت والمخاطر، خصوصاً بالنسبة للمنتجات الزراعية القابلة للتلف».

وفي ما يتعلّق بالأرقام، أكّد مارديني أنّه «لا توجد بعد تقديرات رسمية للخسائر أو للانعكاسات الاقتصادية على لبنان»، معتبراً أنّ «الوقت لا يزال مبكراً لإعطاء أرقام دقيقة»، مشيراً إلى أنّ «تجارب سابقة أظهرت أنّ تغيّر سلاسل الإمداد قد يكلّف ما بين مليونين وعشرة ملايين دولار، تبعاً لسرعة معالجة الأزمة وكيفية تطبيق الإجراءات».

إنعاش قطاع النقل السوري

وعن خلفيات القرار، أوضح أنّ «هناك رغبة لدى الحكومة السورية في إعادة إنعاش قطاع النقل الذي تضرّر خلال الحرب، من خلال اعتماد نوع من سياسات الحماية»، إلا أنّه شدّد على أنّ «هذه السياسة، وإن هدفت إلى دعم قطاع النقل، تؤدي عملياً إلى الإضرار بالاقتصاد السوري ككل، وبالمصدرين السوريين، نتيجة ارتفاع التكلفة وطول مدة النقل، ما يضعف قدرتهم التنافسية إقليمياً». كما أشار إلى «محاولة موازية لإعادة تنشيط المرافئ السورية، في ظل اعتماد السوق السورية حالياً على مرافئ خارجية، مثل مرفأ بيروت أو المعابر عبر الأردن».

وأكد أنّ «تأثير القرار على القطاعات الإنتاجية، سواء الزراعية أو الصناعية، هو تأثير متبادل، إذ تزداد أكلاف تصدير المنتجات اللبنانية إلى سوريا، كما ترتفع أكلاف تصدير المنتجات السورية إلى لبنان»، معتبراً أنّ هذه السياسات تمثّل «خسارة للطرفين» من الناحية الاقتصادية.

خسائر فورية

بدوره، وصف رئيس «الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان» إبراهيم الترشيشي القرار بأنّه «مرتبك، ولا يستند إلى أي دراسة عادلة أو مدروسة»، لافتاً إلى أنه «أدّى إلى إرباك كبير وأضرار جسيمة».

وأوضح أنّ «التنفيذ الفوري ألحق خسائر مباشرة بأصحاب الشاحنات وبالتجّار والمزارعين، مع تلف بضائع زراعية حساسة، لا سيّما الموز، وارتفاع تكلفة الشاحنة المبرّدة بما يتراوح بين 500 و600 دولار إضافية، فضلاً عن أعباء التنزيل والتحميل والتأخير».

وأشار إلى أنّ لبنان «يصدّر يومياً ما بين 10 و15 شاحنة موز إلى سوريا، إضافة إلى سلع صناعية وغذائية أخرى باتت تتحمّل الأعباء نفسها، ما ينعكس خسائر على المنتج والمستهلك في آنٍ واحد». وشدّد على أنّ لبنان «ليس المقصود بهذا القرار»، رافضاً منطق المعاملة بالمثل، ومؤكداً أنّ «لبنان كان وسيبقى مع أشقائه العرب»، وحذّر من تداعيات هذا الإجراء، معتبراً أنّه «سيرفع تكلفة النقل وتكلفة الإنتاج، ما سينعكس سلباً على كلٍّ من المنتج والمستهلك في آنٍ واحد»، مؤكّداً أنّ «أي تصعيد من هذا النوع بين دولتين لا يصبّ في مصلحة الشعب، ولا يخدم الإنتاج الوطني».

Your Premium trial has ended


تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
TT

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، حرص بلاده على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشدداً على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين في السجون والمعتقلات السورية إلى العراق جاء «بقرار عراقي سيادي»؛ يهدف إلى حماية الأمن الوطني والإقليمي والدولي، في حين أكد مسؤول أمني بارز أن تحقيقات العراق مع السجناء «بدأت من الصفر».

وجاءت تصريحات السوداني خلال استقباله سفير الأردن في بغداد، ماهر سالم الطراونة، حيث ناقش الجانبان تطورات الملف الأمني الإقليمي، إلى جانب سبل تعزيز التعاون الثنائي والثلاثي بين العراق والأردن ومصر، بما يسهم في دعم الاستقرار بالمنطقة.

وأعرب السفير الأردني عن شكر بلاده للعراق على «دوره المحوري في حفظ أمن المنطقة واستقرارها»، مؤكداً استعداد عمّان للتعاون في ملف نقل سجناء «داعش» وتعزيز إجراءات الأمن الإقليمي.

تحقيقات قضائية

ووفق بيانات أمنية عراقية، فقد بلغ إجمالي عدد عناصر تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من السجون والمعتقلات السورية إلى العراق حتى الآن 4583 عنصراً، من أصل ما بين 7 و8 آلاف معتقل، ينتمون إلى 42 دولة عربية وأجنبية.

وقال رئيس «خلية الإعلام الأمني» في «قيادة العمليات المشتركة»، الفريق سعد معن، إن عمليات النقل ما زالت مستمرة «جواً وبراً، وعلى شكل دفعات»، ووفق إجراءات أمنية مشددة، وصولاً إلى «أماكن احتجاز مؤمنة بالكامل»، مؤكداً أنه «لا مجال لحدوث أي خروقات».

وأوضح معن، في تصريحات متلفزة، أن نقل المعتقلين جاء نتيجة «ثقة المجتمع الدولي بالعراق»، إضافة إلى «حق العراقيين في الكشف عن حجم الجرائم والظلم الذي تعرضوا له»، مشيراً إلى أن التحقيقات القضائية مع المعتقلين بدأت منذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، وأنه يشرف عليها قضاة كبار في محكمة تحقيق بغداد - الكرخ.

حافلات تنقل «دواعش» من سوريا إلى العراق بمدينة القامشلي السورية (رويترز)

قيادات خطرة

وكشفت التحقيقات الأولية، وفق المسؤول الأمني، عن وجود «عناصر شديدة الخطورة وقيادات كبيرة في تنظيم (داعش)»، بعضهم متورط في جرائم مباشرة ضد العراقيين منذ عام 2014، فيما أظهرت التحقيقات أن عدداً منهم استخدم أسلحة كيمياوية في تنفيذ هجمات داخل العراق.

وأكد معن أن القضاء العراقي باشر التحقيق «من الصفر» رغم امتلاك الأجهزة الأمنية معلومات واسعة عن كثير من المتهمين، متوقعاً أن تستمر التحقيقات «أشهراً عدة»، وأن تسفر عن نتائج مهمة لتحديد المسؤوليات الجنائية بدقة.

وأشار إلى أن الجانب السوري لم يُجرِ محاكمات بحق عناصر التنظيم؛ مما يتيح للعراق محاكمتهم وفق قانون العقوبات العراقي وقانون مكافحة الإرهاب، وبما يتناسب مع الاختصاص المكاني والجرائم المرتكبة، لافتاً إلى أن المعتقلين يمثلون العراق وسوريا إلى جانب عشرات الدول الأخرى.

«قنبلة موقوتة»

ووصف رئيس «خلية الإعلام الأمني» عناصر «داعش» المنقولين من سوريا بأنهم «قنبلة بشرية موقوتة لو كانوا خارج السجون»، مؤكداً أن احتجازهم في سجون عراقية مؤمنة «جنّب المنطقة أخطاراً جسيمة».

وشدد على أن العراق بات «رأس حربة في محاربة الإرهاب»، ويتمتع بتنسيق وتعاون أمني مستمر مع مختلف دول العالم، إلى جانب جهود داخل السجون لتفكيك الفكر المتطرف عبر لجان حكومية ومستشاري الأمن القومي.

في موازاة ذلك، أكد معن أن العمليات العسكرية والاستخبارية ضد خلايا «داعش» النائمة مستمرة، وأن القوات العراقية تنفذ عمليات استباقية وضربات دقيقة، مشيراً إلى أن الشريط الحدودي مع سوريا «مؤمّن بشكل كامل» بقوات قتالية وتحصينات واسعة، وأن لدى العراق «رؤية شاملة لما يجري خارج حدوده»، على حد تعبيره.