جلسة ثانية لمحاكمات أحداث الساحل السوري

بحضور ممثلين عن منظمات حقوقية ودولية

القضاة خلال جلسة محاكمة المتهمين بأحداث الساحل السوري الخميس (سانا)
القضاة خلال جلسة محاكمة المتهمين بأحداث الساحل السوري الخميس (سانا)
TT

جلسة ثانية لمحاكمات أحداث الساحل السوري

القضاة خلال جلسة محاكمة المتهمين بأحداث الساحل السوري الخميس (سانا)
القضاة خلال جلسة محاكمة المتهمين بأحداث الساحل السوري الخميس (سانا)

عُقدت، الخميس، الجلسة الثانية من المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل السوري في مدينة حلب شمال البلاد، وذلك بحضور ممثلين عن منظمات حقوقية ودولية من الأمم المتحدة والعدالة الانتقالية ومنظمات العدالة والمساءلة والشفافية. وقد تم تعليق المحاكمة إلى 22 من يناير (كانون الثاني) المقبل.

ومثل خلال الجلسة، التي ترأسها القاضي زكريا عبد الغني البكار، رئيس محكمة الجنايات بحلب، 7 متهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل مطلع مارس (آذار) الماضي.

وأظهر مقطع فيديو نشرته قناة «الإخبارية» السورية لجزء من مجريات الجلسة حضور عدد كبير من المواطنين والمحامين والقضاة في قاعة المحكمة.

وأوضح القاضي البكار، في مقطع الفيديو، أنه جرى خلال الجلسة سماع أقوال المتهمين السبعة من المتمردين، والتوضيحات المطلوبة من الأطراف والمحامين، لافتاً إلى أنه تم تعليق الجلسة إلى 22 يناير.

لقطة عامة لجلسة محاكمة المتهمين بأحداث الساحل السوري الخميس (سانا)

وأكّد أن المتهمين أدلوا بأقوالهم «بكل حرية واستقلال، وقدّموا دفوعهم وطلبوا سماع الشهود، وأن المحكمة مستعدة لسماع شهودهم في الجلسات المقبلة، ومنحهم الحرية الكاملة والوقت الكافي للدفاع عن أنفسهم بالطريقة التي يرونها مناسبة».

بدوره، قال القاضي علاء الدين لطيف، رئيس المحكمة العسكرية بحلب، إن جلسة اليوم هي استكمال لإجراء المحاكمات للمتمردين على القوات الحكومية، وقد تمت بحضور جمع من أهالي المتهمين وممثلين عن مفوضية الأمم المتحدة، مؤكداً أن المحاكمة تتم على مبدأ استقلالية وشفافية القضاء والحيادية.

وكان رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل، القاضي جمعة العنزي، قد أكّد في تدوينة نشرها الأربعاء على منصة «إكس»، أن الحكومة السورية جادة في اعتماد المحاكمات العلنية المفتوحة نهجاً ثابتاً لكسر دائرة العنف والإفلات من العقاب وتعزيز مبدأ الشفافية وحماية حقوق المتهمين من كلا الطرفين، وتعزيز الرقابة المجتمعية لمرفق القضاء، مشيراً إلى أن منظمات حقوقية أممية ومدنية ستحضر جلسات المحاكمات.

ولفت العنزي إلى أن ملايين السوريين ينتظرون انطلاق عمل مسار العدالة الانتقالية بشكل أوسع مما هو عليه الآن، وأن ضخامة الملف تتطلب كثيراً من العمل والإعداد لمحاسبة آلاف المجرمين في عهد النظام البائد.

ومع بدء الجلسة الثانية من المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل، قالت وزارة العدل السورية في منشور على قناتها في منصة «تلغرام»: «محكمة الجنايات في حلب تفتح باب العدالة لإكمال المحاكمات في مسار العدالة السورية في أحداث الساحل، بحضور ممثلين عن منظمات حقوقية ودولية من الأمم المتحدة والعدالة الانتقاليّة ومنظمات العدالة والمساءلة والشفافية».

وانطلقت في الثامن عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قصر العدل بمدينة حلب، أولى جلسات المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل السوري التي وقعت مطلع مارس الماضي.

وشمل القسم الأول من الجلسة الأولى محاكمة 7 موقوفين من فلول النظام السابق بتهم إثارة الفتنة الطائفية والسرقة، والاعتداء على قوى الأمن الداخلي وقوات الجيش العربي السوري، وعلّق حينها القاضي جلسات محاكمتهم إلى الثامن عشر من ديسمبر (كانون الأول) الحالي.

فيما شمل القسم الثاني محاكمة 7 من العناصر المنفلتة المتهمين بجرائم سرقة وقتل، وجرى تعليق جلسات محاكمتهم إلى 25 من الشهر نفسه.

وأكد آنذاك مدير إعلام حلب، عبد الكريم ليلة، أن هذه الجلسة تُمثل سابقة بعد تحرير سوريا؛ حيث دعيت وسائل الإعلام العربية والدولية لمواكبة الجلسة، ما يعكس حرص الحكومة على تحسين واقع الشفافية والمصداقية في قطاع القضاء.

الحضور خلال جلسة محاكمة المتهمين بأحداث الساحل السوري الخميس (سانا)

وقد حضر الجلسة الأولى، التي تُعدّ الأولى من نوعها في سوريا، العديد من أهالي الضحايا، وانتشرت قوات الأمن العام بشكل مكثف في محيط القصر العدلي بحلب.

وتقول مصادر في وزارة العدل السورية إنه ستكون هناك محاكم علنية أخرى للأشخاص الذين ارتكبوا جرائم في أحداث الساحل السوري، وعددهم أكثر من 560 متهماً، إضافة إلى محاكمات أخرى بحق متهمين ارتكبوا جرائم بحق الشعب السوري على مدى 14 عاماً.

وكانت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث الساحل السوري قد أعلنت أن أولى الجلسات العلنية لمحاكمة المتهمين بارتكاب الانتهاكات هي خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ سقوط النظام السابق.

وشهدت أحداث الساحل السوري، التي اندلعت في السابع من مارس الماضي، أعمال عنف راح ضحيتها المئات من المدنيين وعناصر من الأمن العام وقوات وزارة الدفاع وعناصر من النظام السابق، إضافة إلى حرق منازل مدنيين.


مقالات ذات صلة

دير الزور شرق سوريا تشيّع 11 عسكرياً قضوا بانفجار مخزن للسلاح في ريفها الغربي

المشرق العربي من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)

دير الزور شرق سوريا تشيّع 11 عسكرياً قضوا بانفجار مخزن للسلاح في ريفها الغربي

يقدر عدد المخازن التي انفجرت منذ سقوط النظام بأكثر من 15 (11 مخزناً خلال عام واحد) تتوزع ما بين مواقع عسكرية رسمية ومخازن تجميع عشوائية...

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي كدو ونائبه ديدار عبد المطلب ميرو وعدد من أعضاء اللجنة المركزية بعد انتهاء المؤتمر الوحدوي (الشرق الأوسط)

بعد حل «قسد»... اندماج حزبين كرديين في حزب جديد

جدد الحزب «التزامه بالعمل السياسي السلمي والديمقراطي، والدفاع عن الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي في سوريا، والمساهمة في بناء سوريا ديمقراطية تعددية».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي تشييع الجنود الذين قتلوا في الانفجار (أ.ف.ب)

11 قتيلاً بانفجار في موقع عسكري شرق سوريا

قُتل 11 شخصاً بانفجار وقع أمس (الجمعة) في موقع عسكري تابع للجيش السوري في دير الزور.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (سانا)

قوى الأمن السورية توقف مسؤولاً في خلية ضالعة بمقتل 3 من عناصرها

أعلنت قوات الأمن السورية اليوم (السبت)، توقيف أحد أبرز المسؤولين في خلية ضالعة بمقتل 3 من عناصرها خلال عملية ضد متطرفين بجنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر «تلغرام»)

سوريا: توقيف ضباط سابقين يُشتبه بمسؤوليتهم عن غارات جوية خلال عهد الأسد

أعلنت السلطات السورية إلقاء القبض على 5 ضباط سابقين من سلاح الجو، بشبهة الضلوع في شنّ غارات جوية خلال النزاع الداخلي في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

دير الزور شرق سوريا تشيّع 11 عسكرياً قضوا بانفجار مخزن للسلاح في ريفها الغربي

من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)
من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)
TT

دير الزور شرق سوريا تشيّع 11 عسكرياً قضوا بانفجار مخزن للسلاح في ريفها الغربي

من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)
من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)

شيّعت محافظة دير الزور شرق سوريا السبت، في موكب رسمي، 11 عسكرياً في الجيش السوري قضوا في الانفجار الكبير الذي وقع في مخزن للسلاح في منطقة عياش بالريف الغربي للمحافظة.

وارتفعت حصيلة الانفجار الذي وقع الجمعة في مخزن للأسلحة ضمن أحد مواقع الجيش قرب بلدة عياش غرب محافظة دير الزور، إلى 11 قتيلاً و10 جرحى، في حين يستمر البحث عن مفقودين بموازاة التحقيق للوقوف على أسباب الحادث وملابساته.

ودعا بيان رسمي لمحافظة دير الزور عقب الانفجار أهالي المنطقة إلى «التروي حتى استكمال عمليات البحث».

لحظة الانفجار في بلدة عياش بريف دير الزور الغربي (متداولة - فيسبوك)

ومخزن السلاح في عياش (10 كم غرب مدينة دير الزور) يتبع لإدارة التسليح بوزارة الدفاع، ويعد من المخازن العسكرية الكبيرة في المحافظة، وكان ضمن منطقة النفوذ الإيراني قبل الإطاحة بنظام الأسد، وسبق أن تعرض لأكثر من استهداف أميركي وإسرائيلي.

وقالت تقارير إعلام محلي إن الانفجار وقع خلال عملية نقل وتخزين أسلحة سبق أن سلمتها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) لوزارة الدفاع في إطار عمليات الدمج تنفيذاً لاتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويعد الانفجار في «مخزن عياش» العسكري الرابع من نوعه خلال الشهر الحالي؛ إذ وقع في الثاني عشر منه انفجار في «مخزن الضمير» العسكري بريف دمشق لذخائر ومخلفات عسكرية تالفة كانت قد نُقلت إليه تمهيداً لإبطال مفعولها. وبحسب التقارير الرسمية، اقتصرت الأضرار على الماديات. وجاء ذلك بعد ثلاثة أيام من انفجار مخزن للأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب قرب مدينة سرمدا في ريف إدلب الشمالي (شمال غرب سوريا) أدى إلى مقتل 14 شخصاً وإصابة 11 آخرين. كما شهدت بنش بريف إدلب الشمالي انفجار سيارة كانت تحمل ذخيرة في الطرف الغربي من المدينة، أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أربعة آخرين مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي. وفي وقت سابق قُتل أربعة عسكريين وأصيب ثمانية آخرون في انفجار وقع في داخل مخزن السلاح في «مجمع الغزالي» على أوتوستراد درعا - دمشق في 14 أبريل (نيسان) الماضي.

من مراسم تشييع ضحايا انفجار مخزن الأسلحة في بلدة عياش بدير الزور (محافظة دير الزور)

وتكررت على نحو لافت الانفجارات المتعلقة بمخازن السلاح والذخيرة ونقل الأسلحة في سوريا مؤخراً، وسط تقديرات بانتشار مخازن السلاح في البلد، وبعضها لا يزال بيد فصائل خارج إطار الدولة، وذلك في ظل ضعف معايير التخزين والتعامل الآمن والسليم مع الذخائر.

ويقدر عدد المخازن التي انفجرت منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بأكثر من 15 مخزناً (11 مخزناً خلال عام واحد)، تتوزع ما بين مواقع عسكرية رسمية تابعة للحكومة ومخازن تجميع عشوائية أو مؤقتة لسلاح ومخلفات حرب مستولى عليها.

ويشار إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن عن تمكنه من تدمير من 70 إلى 85 في المائة من القدرات العسكرية الاستراتيجية السورية، في حملة قصف واسعة النطاق شنها فور الإطاحة بالأسد، واستهدفت مخازن الأسلحة والبنية التحتية العسكرية في سوريا.


تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)
جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)
TT

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)
جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب مستقبل الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. وبينما تؤكد إسرائيل أنها لا تملك أطماعاً إقليمية في لبنان، فإن تصريحات مسؤوليها خلال الأشهر الماضية لم تحدد موعداً واضحاً للانسحاب، بل ربطته بتحقق شروط أمنية وسياسية متعاقبة.

من حماية الشمال إلى «منطقة أمنية»

ومع تكرار التصريحات الإسرائيلية التي تتمحور حول بقاء الاحتلال في جنوب لبنان، كان قد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 21 يونيو (حزيران) أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته داخل جنوب لبنان، مؤكداً أن قواته المنتشرة في المنطقة الأمنية «لن تنسحب» منها، ولديها حرية العمل لإزالة التهديدات.

وبعدها قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إن إسرائيل «لا تملك أطماعاً إقليمية في لبنان»، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على أنها «لن تنسحب من المنطقة الأمنية»، مبرراً ذلك بالحاجة إلى حماية مواطنيها من هجمات «حزب الله».

جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

أما كاتس، فكان أكثر وضوحاً في رفض أي انسحاب قريب، إذ أعلن في 24 يونيو أن الجيش الإسرائيلي «لن ينسحب من المنطقة الأمنية، حتى لو كان هناك طلب أميركي». وفي اليوم التالي، مباشرة انتقل الكلام من الحديث عن ضرورة أمنية إلى صيغة زمنية مفتوحة، إذ قال كاتس إن القوات الإسرائيلية ستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة «من دون أي حد زمني».

شرط نزع سلاح «حزب الله»

وفي نهاية يونيو، حاول كاتس الجمع بين نفي أي طموح إقليمي والتأكيد على استمرار السيطرة العسكرية، وشدَّد على «عدم الانسحاب مليمتراً واحداً» قبل نزع سلاح «حزب الله».

وبعد أيام، جاء التصريح الأكثر مباشرة. فبعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن احتمال انسحاب إسرائيل من لبنان، ردَّ كاتس قائلاً: «لم نطلب إذناً من أحد لدخول لبنان، ولا نحتاج إلى إذن للبقاء في لبنان».

شرط جديد: تقوية الجيش اللبناني

لكن وفي أحدث التصريحات الأميركية المرتبطة بالملف، برز معيار آخر لمستقبل الوجود الإسرائيلي، يوم السبت، مع قول السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، «إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً».

الأهداف الإسرائيلية تتجاوز الانسحاب

وفي قراءة لمسار الشروط الإسرائيلية، يرى اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن أهداف إسرائيل تتجاوز الانسحاب العسكري من الجنوب، لتشمل الوصول إلى «اتفاق عسكري وأمني بين البلدين، وإلغاء كل ما ينصُّ على العداوة مع إسرائيل»، وصولاً إلى التعامل «كأي علاقة بين دولتين»، إضافة طبعاً إلى نزع سلاح «حزب الله».

ويرى في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى سعي إسرائيل لتشكيل لجنة مشتركة على الحدود لمراقبة الخروقات، وصولاً إلى اتفاقات اقتصادية، والهدف الأهم هو اجتماع بين الرئيسين اللبناني والإسرائيلي، من هنا يعد أن الضغوط الإسرائيلية التي تُمارَس على الدولة اللبنانية تصب في هذا الاتجاه.

مبانٍ متضررة نتيجة عمليات القصف والهدم التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

وفي المقابل، يرفض شحيتلي ربط الانسحاب بشرط تقوية الجيش اللبناني، عادّاً أن إسرائيل نفسها تعرقل حصول الجيش على الدعم اللازم، مستشهداً بما حصل في مؤتمر باريس، حيث لم يصدر قرارات نهائية. ويؤكد أن الجيش اللبناني، بضباطه وعناصره، «مستعد للقيام بواجباته على أكمل وجه».

الجيش... وسلاح «حزب الله»

ويقول شحيتلي إن إسرائيل تريد للجيش اللبناني أن يكون «مفرزة سباقة» تتولى الاحتكاك الأول مع «حزب الله» قبل أن تتولى القوات الإسرائيلية المهمة، وهو ما يؤكد أن الجيش «لن يقوم به». ويرى أن المعادلة الطبيعية هي أنه «عندما تقول إسرائيل إنها انتهت من عملياتها العسكرية في لبنان، عندها يقوم الجيش اللبناني بمهمته»، أي أن الانسحاب هو الذي يتيح للدولة والجيش تولي مسؤولياتهما كاملة.

أما فيما يتعلق برفض «حزب الله» التخلي عن سلاحه وتحوله إلى ذريعة إسرائيلية لاستمرار الاحتلال، فيشير شحيتلي إلى أن إسرائيل سبق أن ربطت انسحابها باتخاذ الحكومة اللبنانية قرارات بشأن حصرية السلاح، مضيفاً: «وهذا الأمر حصل، ومنح البرلمان الحكومة الثقة للمرة الثالثة في مجلس النواب، بما في ذلك المكون الشيعي، وتحديداً (حزب الله)، الذي لم يحجب الثقة عنها، وبالتالي لم يرفض قراراتها»، وبالتالي، يرى شحيتلي أنه بإمكان الحكومة، بعد الانسحاب، تنفيذ قراراتها في مختلف المناطق اللبنانية «بغض النظر عن إعلان (حزب الله) موافقته على ذلك أم لا»، عادّاً أن استمرار الوجود الإسرائيلي يجعل مهمة الدولة والجيش أكثر صعوبة، وأن «الاحتلال هو العائق أمام تمكين الدولة من تنفيذ قراراتها، وتولي مسؤولياتها كاملة».

علي عز الدين راعٍ لبناني يبلغ من العمر 19 عاماً يرعى قطيعه في قرية المروانية جنوب لبنان (رويترز)

إصابة جنديين إسرائيليين

ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية التي تأخذ منحى متفاوتاً في الأيام الأخيرة. وتعرَّضت النبطية يوم السبت لحزام ناري؛ حيث أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على حي الساحة القديمة في النبطية الفوقا على دفعتين، قبل أن ينفِّذ غارةً ثالثةً استهدفت فريق الإسعاف الصحي في كشافة الرسالة الإسلامية وإسعاف بيت الطلبة، في أثناء توجههما إلى مكان الغارتين السابقتين. ونجا أفراد الفريقين، بينما لم يُفَد عن وقوع إصابات.

وفي الخيام، نفَّذ الجيش الإسرائيلي صباحاً عملية نسف كبيرة، بالتزامن مع تفجير ضخم في منطقة المنصوري، في حين شنَّ الطيران الحربي سلسلة غارات على المنصوري وكفرتبنيت، واستهدف وادي السلوقي بالقصف.

كما قصفت المدفعية الإسرائيلية فجراً أطراف بلدات حداثا وحاريص وميفدون، في إطار تصعيد ميداني شمل عدداً من المناطق الجنوبية.

وبعد الظهر قال الجيش الإسرائيلي إن جنديين أُصيبا بانفجار عبوة ناسفة داخل ما تسميها إسرائيل «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، واتهم الحزب بزرعها، معلناً تنفيذ سلسلة غارات على مواقع في مناطق عدة من الجنوب.

ووفق الجيش الإسرائيلي، شملت الأهداف مواقع استطلاع ومنشآت قال الجيش إنها استُخدِمت للتحضير لعمليات ضد قواته، مؤكداً في الوقت عينه انتشار قواته داخل ما يصفها بـ«المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، ومؤكداً أنه سيواصل عملياته ضد ما يعدّها تهديدات لقواته ولسكان إسرائيل.


العرقوب بين التوغلات الإسرائيلية وغياب الاحتلال المباشر

لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)
لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)
TT

العرقوب بين التوغلات الإسرائيلية وغياب الاحتلال المباشر

لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)
لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)

تفرض التحركات الإسرائيلية المتكررة في منطقة العرقوب جنوب لبنان، عند السفوح الغربية لجبل الشيخ والمحاذية لمزارع شبعا، واقعاً أمنياً مختلفاً عن مناطق أخرى في جنوب لبنان، إذ تتكرر عمليات التوغل والمداهمات من دون وجود احتلال مباشر داخل القرى بالشكل القائم في مناطق جنوبية أخرى.

ويفتح هذا الواقع الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التعامل الإسرائيلي مع المنطقة، في ظل قدرة القوات الإسرائيلية على الدخول إلى بعض قراها، وتنفيذ عمليات والانسحاب منها، فيما يطالب أبناء العرقوب وبلدياتها بتعزيز انتشار الجيش اللبناني، وإقامة نقاط ثابتة له، بما يرسخ حضور الدولة، ويساعد السكان على البقاء في أراضيهم.

الدخان يتصاعد من بلدة حلتا بعد استهدافها بقصف إسرائيلي (الوكالة الوطنية للإعلام)

«احتلال أمني» بدل الانتشار المباشر

وقال العميد الركن المتقاعد حسن جوني لـ«الشرق الأوسط»: إن «طريقة تعاطي جيش الاحتلال الإسرائيلي وأداءه هذه المرة مختلفة، فهي تقوم على مبدأ حرية العمل من دون الاحتلال المباشر في عدد من المناطق، وليس فقط في منطقة العرقوب، إلا أن العرقوب تحديداً تحظى بنوع مختلف من التعامل الأمني الإسرائيلي، انطلاقاً من عدة اعتبارات».

وأوضح أن «هذه المنطقة تقع بين سفوح جبل الشيخ ومزارع شبعا، وتُشكل عقدة وصل جغرافية بين جنوب لبنان وجنوب سوريا، وفي الوقت نفسه تتميز بجغرافيا معقدة نسبياً، إذ تضم مرتفعات مشرفة على الداخل الإسرائيلي وعلى المواقع الإسرائيلية، إضافة إلى أودية تتيح إمكانات للحركة والتسلل، وبالتالي فهي منطقة أمنية صعبة بالمعنى العسكري».

وأضاف جوني: «إسرائيل لم تحتل هذه المنطقة بالمعنى التقليدي للاحتلال، إنما تحتلها أمنياً، وتحفظ لنفسها حرية الحركة وحرية العمل الأمني والعسكري داخلها، فتدخل وتخرج وتقوم بمجموعة من الإجراءات».

ولفت إلى أن «هذه الإجراءات تشمل، أولاً، عمليات تفتيش وبحث ومداهمات واعتقالات، تحت عنوان الاشتباه بتعاون بعض الأشخاص مع (حزب الله). وثانياً، تحاول إسرائيل العبث بالجغرافيا وإزالة، قدر المستطاع، ما يمكن أن يشكل عائقاً أمام مراقبتها بعض المجالات الجغرافية في هذه المنطقة».

وتابع: «ثالثاً، تُحاول من خلال المداهمات وطريقة التعاطي الأمني أن تفرض واقعاً ردعياً على سكان المنطقة، ومفاده أنكم مراقبون ومتابعون، وأن أي تعامل أمني مع (حزب الله) ستكون له عواقب قاسية، وهذا مفهوم ردعي تريد إسرائيل فرضه على منطقة لم تحتلها بالمعنى التقليدي، إنما تسيطر عليها أمنياً وتحتفظ لنفسها بحرية الحركة والعمل داخلها».

ويربط جوني هذا الأسلوب بنمط أوسع من التحركات الإسرائيلية في المناطق الحدودية، قائلاً: «هذا يُشكل نوعاً من فلسفة جديدة في الأمن الإسرائيلي والعقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهو أسلوب يُعتمد أيضاً في جنوب سوريا؛ حيث يجري التعامل مع عدد من القرى بالطريقة نفسها، عبر الدخول والخروج من دون احتلال مباشر. ومنطقة العرقوب ليست بعيدة عن جنوب سوريا، بل هي، كما ذكرت، عقدة وصل بين جنوب سوريا وجنوب لبنان».

وأضاف: «تبقى نقطة مهمة، وهي أن إسرائيل لم تحتل هذه المنطقة كما احتلت مناطق أخرى في جنوب لبنان، ولم تتعامل معها بالمستوى نفسه من التدمير الواسع للبيوت والقرى والبنى التحتية كما فعلت في قرى أخرى».

كما يرى جوني أن هناك بُعداً آخر في طريقة التعاطي الإسرائيلي مع العرقوب، وقال: «أعتقد أن إسرائيل تريد أن تترك انطباعاً لدى اللبنانيين بأنها تتعامل مع الطوائف بشكل مختلف، وهذه مقاربة خبيثة، تهدف أيضاً إلى التفرقة والإيحاء بأن مشكلته محصورة بطائفة معينة أو بحزب معين تحيط به بيئة معينة». وختم: «أعتقد أن هذا الجانب يؤخذ في الاعتبار في التعامل الأمني الإسرائيلي مع مناطق جنوب لبنان، إذ يجري التمييز بين القرى وفقاً لطائفة ومذهب سكانها، وبمستويات مختلفة حتى في طريقة التعامل مع المذاهب المختلفة».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني يتفقدون حطام سيارة استهدفتها طائرة مسيّرة إسرائيلية ببلدة شبعا في نوفمبر 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

هيمنة أمنية رغم غياب الاحتلال المباشر

ومن العرقوب، يقول ابن بلدة كفر شوبا، الأستاذ الجامعي والباحث السياسي الدكتور باسل صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن «منطقة العرقوب، وإن لم تشهد احتلالاً عسكرياً مباشراً بالشكل الذي شهدته مناطق أخرى في جنوب لبنان، فإن ذلك لا يعني أنها خارج دائرة العمل العسكري الإسرائيلي، بل على العكس، تخضع المنطقة لسيطرة أمنية وعسكرية تتيح للجيش الإسرائيلي الدخول إليها والخروج منها بسهولة».

وأوضح أن «هذا الأمر ظهر في أكثر من محطة، من خلال عمليات التوغل التي حصلت مرات عدة، واقتحام المنازل وتفتيشها واعتقال أشخاص واقتياد عدد من المواطنين العاديين الذين لا علاقة حزبية أو عسكرية لهم للتحقيق معهم... وشهدنا أيضاً قبل فترة عملية عسكرية في منطقة الهبارية دخلت خلالها القوات الإسرائيلية واعتقلت شخصاً من المنطقة، وسبقتها حوادث مماثلة عدة».

وأضاف: «كل ذلك يحصل رغم عدم إطلاق أي رصاصة من المنطقة باتجاه إسرائيل، وهو ما يؤكد أن إسرائيل، حتى في غياب الاحتلال المباشر، تُمارس احتلالاً بطريقة غير مباشرة، عبر السيطرة الأمنية على المنطقة، والحد من حرية الحركة فيها، سواء بالنسبة إلى السكان المقيمين أو أبناء القرى الذين يعيشون في بيروت ومناطق أخرى، ويريدون العودة إلى بلداتهم».

وأشار صالح إلى أن «هناك مواقع عسكرية إسرائيلية قائمة تاريخياً في تلال كفر شوبا ومزارع شبعا، وهي مناطق لم تنسحب إسرائيل منها، إضافة إلى استحداث مواقع جديدة في محيط العرقوب ومرتفعاته، وبالتالي هناك مناطق ساقطة عسكرياً، وتخضع في الوقت نفسه لهيمنة أمنية مباشرة».

الدخان يتصاعد من موقع استُهدف بقصف إسرائيلي بين كفر شوبا وحلتا في جنوب لبنان 6 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

مطالب بتثبيت الجيش ودعم بقاء الأهالي

ويلفت صالح إلى أن «الغالبية الساحقة من سكان المنطقة الذين بقوا فيها هم من المزارعين الذين يعملون في أراضيهم، سواء في الزراعة وقطاف الزيتون أو تربية المواشي والرعي، ولا يقومون بأي عمل عسكري. كما أن المنطقة دفعت ثمناً كبيراً منذ حرب الإسناد، إذ دُمّر نحو نصف كفر شوبا، وتضررت أجزاء واسعة من قرى أخرى في العرقوب نتيجة الهجمات».

وأكد أنه «ليس هناك اليوم وجود عسكري مباشر لـ(حزب الله) في المنطقة»، موضحاً أن «بلديات العرقوب تناشد منذ فترة طويلة الحكومة اللبنانية تثبيت نقاط عسكرية للجيش، لسببين أساسيين: الأول منح الناس الثقة بأن الدولة حاضرة، وأن الجيش موجود إلى جانبهم، والثاني أن يُشكل الجيش الجهة التي تتولى مواجهة أي خرق عسكري يمكن أن يحصل».

وقال: «الفكرة الأساسية التي يفكر فيها أبناء العرقوب، وتعمل عليها البلديات بشكل مكثف هي بقاء الناس في أرضهم، لأن هذا هو الهدف النهائي لأي تحرك سياسي أو أمني. هؤلاء الناس متمسكون بأرضهم، وهم يطالبون بتعزيز وجود الدولة فيها، فلا شيء يمنع إقامة نقاط ثابتة للجيش اللبناني».

وشدد صالح على أن «دور الدولة يجب ألا يقتصر على الجانب الأمني، بل يفترض أن تتحرك لدعم صمود الأهالي وبقائهم، سواء من خلال المدارس والجامعات، أو تأمين المياه والكهرباء والاتصالات وسائر مقومات الحياة الأساسية».