سبعةُ أنماطٍ من المتعة الروائية

تتخالف شكلاً وآلية مع تبدّل القارئ والزمن والمزاج

سبعةُ أنماطٍ من المتعة الروائية
TT

سبعةُ أنماطٍ من المتعة الروائية

سبعةُ أنماطٍ من المتعة الروائية

حين نشر الناقد البريطاني ويليام إمبسون William Empson كتابه المرجعي في النقد الأدبي سبعة أنماط من الغموض Seven Types of Ambiguity عام 1930، كان في الرابعة والعشرين من عمره؛ لكنّه مع ذلك وضع واحداً من أكثر الكتب تأثيراً في النقد الأدبي الحديث. لم يكن إمبسون يتعامل مع الغموض بوصفه عيباً في التعبير بل بعدّه قلب الشعر النابض. رأى أنّ اللغة حين تبلغ أقصى درجاتها الفنية لا توضّح بقدر ما تلمّح، ولا تفسّر بقدر ما تُثير، وأنّ الجمال يكمن في المسافة بين ما يُقال وما يمكن أن يُقال. من هنا جاءت فكرته الجريئة: يمكن تصنيفُ الغموض ذاته في سبعة أنماط، تتدرّج من البسيط إلى المركّب، ومن الغموض اللغوي إلى الغموض الوجودي. جعل إمبسون من الغموض (أو التعقيد بلغة الأدب التقنية) متعة جمالية في ذاته؛ فالقصيدة عنده ليست معادلة لغوية تقود إلى استجابة موحّدة لدى القرّاء بل كائن متعدد الطبقات، وكلُّ قراءة تكشف عن جانب من نسيج ذلك الكائن.

منذ أن قرأتُ كتاب إمبسون لم أُبْطِل التفكير بالكيفية التي نستلهم بها أفكاره وننقلها من الشعر إلى الرواية: اذا كان للغموض الشعري أنماطُهُ السبعة؛ فلماذا لا تكون للمتعة الروائية أيضاً أنماطُها؟ لماذا نظنُّ أنّ مُتعة القراءة حالةٌ واحدة موحّدة في وقتٍ تدلُّنا فيه خبرتُنا على أنّ هذه المتعة طيفٌ واسعٌ من تجارب التلقّي والانفعالات الشخصية؟

لا بأس من مثال تطبيقي حقيقي. أفكّرُ كثيراً في روايات عديدة من أمثال رواية قوس قزح الجاذبية Gravity’s Rainbow التي كتبها الروائي الأميركي توماس بينتشون Thomas Pynchon. هذه الرواية تدور وقائعها في أواخر الحرب العالمية الثانية، وتستكشف موضوعات معقدة مثل جنون العظمة والفساد والتقنية، وتركّز على تصميم صواريخ V-2 الألمانية وتأثيرها. الرواية مشبعة بالغموض؛ لكنّه غموض إبداعي من درجة رفيعة يبدأ من عنوان الرواية ذاتها حيث إنّ مسار الصاروخ يشبه قوس قزح. هذه الرواية غير مترجمة إلى العربية، وكثيراً ما تساءلت: لماذا الإحجامُ عن ترجمتها؟ هل يستشعر المترجمون أنّها تفتقرُ إلى المتعة المفترضة في القراءة الروائية؟ سيكون تعسّفاً خطيراً أن نفترض متعة جمعية في هذه الرواية كما يحصل مثلاً مع روايات دوستويفسكي؛ لكن مع هذا سيجد قليلون ربما متعة عظيمة فيها. سيقودنا الحدسُ إلى أنّ تلك القلّة المخصوصة هي لقرّاء لهم شيء من معرفة بالرياضيات والفيزياء وتواريخ الحروب وتداخلات السلطة وضغوطها. لا يمكن في النهاية التصريحُ بمتعة شاملة مطلقة للعمل الروائي. هذا مدخل يوضّحُ التمايز الحتمي بين أنماط المتعة الروائية بين القرّاء.

*****

منطلقةً من كتاب إمبسون أعلاه، سأحاولُ الإشارة إلى سبعة أنماط من المتعة الروائية، لا بوصفها تصنيفاً نهائياً بل بوصفها خريطة أولى في جغرافيا اللذة السردية.

أولى المتع السردية هي متعة الانغماس. إنّها المتعة الأولى التي يتذوقها القارئ منذ طفولته، حين يفتح كتاباً ويجد نفسه فجأة في مكان آخر.

إنها متعة الغياب الطوعي عن الواقع: أن نذوب في العالم الروائي حتى ننسى أننا نقرأ. في هذه اللحظات لا نكون خارج النص بل داخله، نعيش مع شخصياته ونتنفس هواءه. نقرأ موبي ديك فنشعر برائحة البحر، أو آنا كارينينا فنرتجف أمام قطارها القادم. الانغماس هو نوع من الحلم الواعي، تجربة بين الخيال والوجود، فيها يتحوّل القارئ من متلقٍ إلى مشارك. إنها متعة لا تبحث عن المعنى بقدر ما تبحث عن الإقامة المؤقتة في عالم آخر، موازٍ، بحثاً عن ذلك النسيان الجميل الذي يُعيد إلينا براءة الخيال.

المتعة الثانية هي متعة التركيب. في هذا النمط، القارئ لا يستسلم للنص بل يتحدّاه. إنه القارئ الذي يتعامل مع الرواية كما يتعامل عالم الآثار مع نقش قديم: يحلّلُهُ، يربط بين أجزائه، يبحث عن رموزه ومفاتيحه. هنا تتحوّل اللذة إلى فعل فكري، إلى شغف ببنية السرد لا بوقائعه فقط. روايات مثل اسم الوردة لأومبرتو إيكو، أو قوس قزح الجاذبية لتوماس بينتشون تُجسّد هذا النمط: أعمال تُبنى كإنشاءات فكرية رفيعة يشارك القارئ في رسم خريطتها. المتعة هنا لا تأتي من الحكاية بل من الذكاء البنائي، ومِنْ شعور القارئ أنه شريك في صناعة المعنى، لا مستهلك له فحسب.

النمط الثالث من المتعة الروائية هو متعة الاعتراف. ليست كل الروايات مرآة للعالم؛ فبعضها مرآة للذات. حين نقرأ عملاً مثل الغريب لألبير كامو أو البحث عن الزمن المفقود لبروست، فإننا لا نبحث عن حكاية بقدر ما نبحث عن أنفسنا. الرواية هنا مساحة اعتراف مؤجلة، نرى فيها ما لا نجرؤ على قوله في الحياة اليومية. القارئ في هذا النمط يجد لذّته في التعرّف إلى ذاته عبر الآخر. كل سطر يذكّره بجراحه الصغيرة، وكلُّ شخصية تعيد إليه ظلّه المفقود. إنها المتعة التي تولد من الحميمية، ومن الإحساس بأن النصّ يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.

النمط الرابع هو متعة اللغة. في هذا النمط تتراجع الحكاية إلى الخلف وتتقدّم اللغة إلى المقدمة. هنا لا تتجسّدُ المتعة في (ماذا يحدث؟) بل في (كيف يُقال؟). الكاتب لا يسرد فقط بل يعزف بالكلمات. يحوّل الجمل إلى موسيقى. المتعة هنا جمالية خالصة، متعة الإصغاء إلى اللغة وهي تُعيدُ اكتشاف نفسها، وحيث تصبح القراءة نوعاً من الإصغاء اللذيذ لصوت داخلي يحدّثك من غير وسيط.

النمط الخامس هو متعة القلق. ليست كل المتع الروائية مقترنة بطمأنينة راسخة. أحياناً يهبنا الأدب لذة مقلقة كمن ينظر في مرآة تكشف له عما لا يريد أن يراه. روايات مثل 1984 لجورج أورويل أو الطاعون لكامو تمنحنا هذا النمط: متعة القلق المفضي إلى المواجهة، لا الهروب. القلق هنا ليس سلبياً بل لحظة وعي. إنه الارتجاف الجميل أمام الحقيقة، والمتعة التي تنبع من الخطر المعرفي حينما يفتح النص باباً نحو المجهول الأخلاقي أو السياسي أو الوجودي. إنها المتعة التي تُشبه المأساة الإغريقية: الألم الذي يطهّر؛ لأنّ القارئ يخرج منها أكثر معرفة وإن كان أقل راحة.

النمط السادس هو متعة الدهشة. كل قارئ يحمل في داخله توقاً إلى الدهشة، إلى تلك اللحظة التي تتجاوز فيها الرواية كل توقّع. الدهشة ليست مجرد مفاجأة في الحبكة بل توافقٌ خفيٌّ بين ما لم نتوقّعه وما يبدو، رغم ذلك، منطقياً إلى حد الجمال. حين نقرأ رواية المسخ لكافكا ونجد إنساناً يستيقظ ليجد نفسه حشرة، أو ندلف أجواء رواية مائة عام من العزلة لماركيز فنرى الواقع يمتزج بالسحر، ندرك أننا أمام متعة من نوع نادر: متعة أن يُعاد ترتيب العالم في وعينا. الدهشة هي لحظة تولد فيها لغةٌ جديدةٌ للحياة، تجعل القارئ يشعر أنه يرى العالم الذي طال عهده به بعيون جديدة.

النمط السابع هو متعة الغياب. هذه هي المتعة الوحيدة التي لا تحدث في أثناء القراءة بل بعدها. تتحقق هذه المتعة حين نغلق الكتاب، ونكتشف أن شيئاً منه ما زال يعمل فينا بصمت. إنها المتعة التي تنبع من النقص، من الإحساس بأنّ الرواية لم تُغلق العالم بل فتحته على احتمالاته. روايات كثيرة تعيش فينا بهذه الطريقة، وعندما نغادرها في المحطّة الأخيرة، فكلها تترك فينا شيئاً ناقصاً، فراغاً صغيراً يواصل التمدّد فينا ويترك بصمة شاخصة في ذاكرتنا. الغياب هو ذروة المتعة الناضجة: حين نكتشف أنّ القراءة ليست لحظة بل أثر طويل الأمد، وأنّ النص العظيم لا يُقرأ مرة واحدة بل يسكن الذاكرة كوشم لا فكاك من مفاعيله المستقبلية.

*****

ما أودُّ التأكيد عليه أن ليست المتعة الروائية واحدة؛ بل هي مُتعٌ عديدة تتخالف شكلاً وآلية مع تبدّل القارئ والزمن والمزاج. في العادة المتواترة يجد القارئ الشاب لذّته في الانغماس، والمفكّر يجدها في التركيب، والمكلومُ في الاعتراف، والعاشق للجمال في اللغة، والمتوتّر في القلق، والمغامرُ في الدهشة، والحكيم في الغياب. إنها ليست طبقات متنافسة بل مستويات متداخلة. قد نبدأ بالانغماس وننتهي بالغياب، أو نمرّ من بوّابة الدهشة إلى القلق ثم نعود إلى الاعتراف. الرواية الحقيقية لا تُشبِعُنا من الخارج؛ بل تُوقظ فينا القارئ من الداخل. وحين ندرك ذلك نفهم أنّ إمبسون كان محقاً: الجمال يكمن في التعدّد، في الغموض، في أن تكون التجربة الأدبية قابلة لأن تُقرأ بسبعة أنماط على الأقل.

إذا كان الغموض في الشعر هو تعدّد المعنى؛ فإنّ المتعة في الرواية هي تعدّد سبل التلقي. كلاهما دعوة غير مقيّدة للحرية؛ حرية الكاتب في أن يكتب، وحرية القارئ في أن يجد لذّته الخاصة، لا تلك التي أعدّها له المؤلف.

أعظمُ خواص الرواية الحقيقية هي أنها تمنحنا هذا الحق الجميل: أنْ يحبّها كلٌّ منّا بطريقته ووسائله ومقاربته الفكرية الخاصة.


مقالات ذات صلة

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛

فاضل ثامر
ثقافة وفنون «النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

ينسج الكاتب الروائي المصري إيهاب عبد الحميد عالماً متخيلاً لبطل روايته «النبي الصغير» في مساحة قادرة على احتواء حكايات ملحمية وأسطورية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون طارق الطيب

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني،


مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية