سوء فهم قضائي يتسبب بجدل حول حرية الرأي في العراق

رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)
رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)
TT

سوء فهم قضائي يتسبب بجدل حول حرية الرأي في العراق

رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)
رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)

أثار كتاب صادر عن مجلس القضاء الأعلى، يتضمن محاسبة من يتولى التحريض على النظام السياسي في العراق والعمل على إسقاطه، جدلاً سياسياً وقانونياً حمل السلطة القضائية إلى الإعلان عن أن هناك «سوء فهم» قضائياً أدى إلى هذه الضجة.

وفي هذا السياق قررت هيئة الإشراف القضائي في العراق توجيه عقوبة توبيخ للقائم بمهام مدير مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى، بعد تنظيمه كتاباً يتضمن إجراءات ضد من يدعو إلى إسقاط النظام السياسي، واستخدامه عبارات لا تتوافق مع توجهات رئيس المجلس.

وجاء في وثيقة رسمية، موقَّعة من القاضي ليث جبر حمزة، رئيس هيئة الإشراف القضائي، الخميس، وهي موجهة إلى كرار عبد الأمير، القائم بمهام مدير مكتب رئيس المجلس، أن التحقيق أثبت تنظيمه وتوقيعه كتاباً موجهاً إلى رئاسة الادعاء العام بعنوان «الإجراءات القانونية بشأن التصريحات الإعلامية الداعية لإسقاط النظام السياسي»، بصيغ ومصطلحات مخالفة لدراسة رئيس الهيئة، ومن دون أخذ موافقة رئيس مجلس القضاء الأعلى.

وأشارت الوثيقة إلى أن ما ورد في الكتاب تسبب بسوء فهم من اطلع على مضمونه، وخالف رأي وتوجه مجلس القضاء الأعلى القائم على احترام وحماية حرية التعبير عن الرأي المكفولة بالدستور، والتي تم التأكيد عليها في أكثر من مناسبة.

وأكدت الهيئة، وفق الوثيقة، أن العقوبة الموجهة هي توبيخ، مع التحذير من أن تكرار هذا الخطأ قد يؤدي إلى إعفاء المعني من المنصب المكلف به.

يذكر أن توجيها صدر الأربعاء عن رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، باتخاذ إجراءات قانونية وتحريك الدعاوى بحق كل من يحرض أو يروج لإسقاط النظام السياسي أو المساس بشرعيته، عبر وسائل الإعلام أو المنصات الإلكترونية.

واعترض عضو الكونغرس الأميركي، الجمهوري جو ويلسون، على توجيه فائق زيدان بمقاضاة أي شخص «يقوّض شرعية النظام السياسي في العراق». وانتقد ويلسون في منشور، الخميس، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، فائق زيدان، لإصداره أوامر بمقاضاة أي شخص «يقوّض شرعية نظام السياسي العراقي»، مشيراً إلى أن ذلك يشمل «كل من ينتقد عملاء إيران!»، على حد تعبيره.

وقال: «‏من المحزن أن نرى العراق يعود إلى عقلية الدولة البوليسية التي سادت في عهد حزب البعث، حيث يلاحق غالبية مواطنيه لمجرد معارضتهم لهيمنة إيران وعملائها!»، مضيفاً: «‏لم ننسَ أمر اعتقال الرئيس ترمب بتهمة قتل الإرهابي الإيراني سليماني».

وختم النائب الجمهوري الموالي لسياسات ترمب حديثه بتجديد الدعوة لإنهاء النفوذ الإيراني في العراق، قائلاً: «‏حرّروا العراق من إيران!».

رئيس الحكومة العراقية يتوسط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض (يمين) ورئيس مجلس القضاء فائق زيدان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بين القانون والإعلام

في هذا السياق، يقول أستاذ الإعلام السياسي، الدكتور غالب الدعمي، لـ«الشرق الأوسط» إن «حرية التعبير المنضبطة والحقيقية هي التي تتوقف عند نقطة التجاوز على الآخرين، حيث إن حرية التعبير لا تجيز لك أن تشتم الآخر أو تتهم بالباطن؛ فهي في النهاية احترام ومسؤولية».

أضاف الدعمي أن «حرية الرأي والتعبير لا تتعدى هذه الحدود، وما عداها فإن القانون والقضاء هما الفيصل بين الذي يستخدم الإعلام مرة للابتزاز أو الشتائم ومرة للتعبير عن الرأي بشكل مهني وكشف الحقائق ودون الاعتداء الشخصي»، مبيناً أن «الشخصيات العامة أجاز الدستور العراقي انتقادها كونها شخصيات عامة وتصدت للمسؤولية، وبالتالي عليها أن تتحمل الانتقاد، أما ما يفوق ذلك ويتجاوز ذلك للاعتداء على الكرامة الشخصية أو على النظام الديمقراطي بشكل عام، فهذا نتوقف أمامه ولا بد للقضاء هنا أن يأخذ دوره في هذا المجال، شريطة ألا يكون ذلك حجة من الضغط ومنع الآخرين مما يمكن أن يعبّروا عنه بشكل طبيعي».

أما الخبير القانوني، علي التميمي، فيقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الذي حصل هو صدور كتاب من مدير مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى إلى الادعاء العام بضرورة تحريك الدعاوى الجزائية على من يقوم بالتحريض أو الترويج لإسقاط النظام السياسي أو المساس بشرعيته عبر مختلف وسائل الإعلام والسوشيال ميديا، علماً أن السبب الذي جعل السلطة القضائية تتحرك بهذا الاتجاه طبقاً للكتاب الصادر هو صدور كتاب من الأمن الوطني وموافقة هيئة الإشراف القضائي ورئيس مجلس القضاء، وهو الذي أثير الجدل حوله كونه يتعارض مع مفهوم حرية التعبير».

أضاف التميمي أن «كتاباً آخر صدر من هيئة الإشراف القضائي يشير إلى حصول تحقيق مع الجهة التي أصدرت الكتاب، وظهر أن هناك أجتهاداً في الرأي خلافا لكتاب هيئة الإشراف القضائي وتسبب بالضجة التي رافقت إعلانه؛ الأمر الذي اقتضى التنويه والتوضيح، لأن الكتاب الذي تسبب بالضجة وسوء الفهم لم يُعرض على رئيس مجلس القضاء الأعلى».

وبيّن التميمي أن «ما عملته السلطة القضائية كان تصرفاً صحيحاً؛ لأن الكتاب أثار ضجة في مختلف الأوساط السياسية والإعلامية». وأكد أن «المشكلة أننا لا يوجد لدينا حتى الآن قانون الجرائم الإلكترونية ولا قانون حرية الرأي ولا قانون حق الحصول على المعلومة، وبالتالي فإن القانون الوحيد الذي لدينا هو قانون حماية الصحافيين، والذي أتاح ضمن هذا القانون حق الحصول على المعلومة وعدم مساءلة الصحافي عما يدلي به من آراء، علماً أن حرية الرأي في العراق منصوصة في الدستور العراقي بموجب المادة 38 منه بشكل مطلق».


مقالات ذات صلة

العراق: «مصدر مجهول» هاجم ناقلة نفط قرب البصرة

المشرق العربي جانب من ميناء العمية النفطي قرب البصرة جنوب العراق (إكس)

العراق: «مصدر مجهول» هاجم ناقلة نفط قرب البصرة

أكدت وزارة النقل العراقية عدم تسجيل خسائر بشرية أو تسرب في حمولة السفينة التي استهدفت، الأربعاء، بهجوم نسب إلى "مجهول" داخل مياه العراق الإقليمية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

إلغاء «نواب الزيدي» يعيد حسابات الوزارات الشاغرة في بغداد

يضطر التحالف الحاكم في بغداد إلى إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء بسبب خلافات وصعوبات تتعلق بملف «حصر السلاح»...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عبد الأمير الشمري مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية خلال اجتماع للتنسيق مع إقليم كردستان (إعلام حكومي)

بغداد وأربيل تتفقان على إغلاق معابر «التهريب والعصابات»

اتفاق من 17 نقطة بين بغداد وأربيل من شأنه «إغلاق معابر غير رسمية تستخدم للتهريب»، وفق بيان أمني عراقي...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي اجتماع «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

نقاشات عراقية حول إمكانية «نقل وتخزين» سلاح الفصائل في إيران

تجنبت قوى «الإطار التنسيقي»، وتمثل الائتلاف الشيعي الحاكم، خلال الاجتماع الأسبوعي الذي عقدته، الاثنين، الإشارة إلى ملف حصر السلاح بيد الدولة

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي لقطة من فيديو متداول للاعتداء على الطلبة العراقيين في إيران

من «خطاب الكراهية» إلى الاعتداء... ماذا يحدث للعراقيين في إيران؟

رغم الإعلان الرسمي الحكومي بشأن احتواء الاعتداءات التي طالت الطلبة العراقيين الدارسين في جامعة سمنان الإيرانية، فإن القضية ما زالت تثير مزيداً من الأسئلة...

فاضل النشمي (بغداد)

«الطاقة الذرية» تفتح صفحة جديدة مع سوريا لكشفها عن الأنشطة طي الكتمان

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
TT

«الطاقة الذرية» تفتح صفحة جديدة مع سوريا لكشفها عن الأنشطة طي الكتمان

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

بعد 15 عاماً من قرار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» الذي أعلنت بموجبه عدم تنفيذ سوريا «اتفاق الضمانات» المعقود بموجب «معاهدة عدم الانتشار النووي»، وامتناعها عن إخضاع أنشطتها في الطاقة النووية للتحقيق، قرر «مجلس محافظي الوكالة»، الأربعاء، إنهاء العمل بذلك القرار وفتح صفحة جديدة من التعاون مع الحكومة السورية، منوّهاً بمبادرتها للكشف عن جميع المواقع والمواد والأنشطة النووية التي كانت طيّ الكتمان في عهد النظام السابق.

المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» رافاييل غروسي يلقي كلمته خلال افتتاح اجتماع «مجلس محافظي الوكالة» في فيينا يوم 7 سبتمبر 2026 (الوكالة الدولية)

وجاءت هذه الخطوة، التي وصفها مندوب الولايات المتحدة بـ«التاريخية»؛ نتيجة مبادرة قدمتها المملكة العربية السعودية بالنيابة عن مجموعة الدول العربية الأعضاء في «مجلس الوكالة»؛ مصر والأردن والمغرب والسعودية، بطرح مشروع قرار يقضي برفع بند «عدم تنفيذ (اتفاق الضمانات) في الجمهورية العربية السورية» على جدول أعمال «المجلس»، وفتح صفحة جديدة من العلاقات مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

ويستند مشروع القرار الذي قدمته المجموعة العربية، وأقرّه «مجلس المحافظين» بتوافق الآراء، إلى تقرير المدير العام لـ«الوكالة»، رافاييل غروسّي، بعد الزيارتين اللتين أجراهما إلى سوريا هذا الصيف، وإلى نتائج الأنشطة الميدانية من مفتشي «الوكالة» في موقع دير الزور وغيره من المواقع التي كانت طي الكتمان، وإخضاع المواد النووية التي أعلنتها سوريا للفحص وتقديم المعلومات التصميمية المطلوبة بشأن المنشآت.

غروسي خلال افتتاحه الاجتماع الفصلي لـ«مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في فيينا الاثنين الماضي (الوكالة الذرية)

وكان تقرير المدير العام لـ«الوكالة» كشف عن أن السلطات السورية أبلغته عن وجود موقع غير معلن، تبيّن بعد معاينته أنه يحوي 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي؛ مما يؤكد الشكوك التي سبق أن أعرب عنها خبراء «الوكالة» بأن النظام السوري السابق كان يدير برنامجاً نووياً سرياً، يرجّح أنه كان بالتعاون مع كوريا الشمالية؛ استناداً إلى الوقود الذي عثر عليه المفتشون، وهو مطابق لـ«الوقود الغرافيتي المبرّد بالغاز»، المستخدم في البرنامج النووي الكوري.

ولفت في مداولات «مجلس محافظي الوكالة»، التي استمرت ساعات، إحجام روسيا عن طلب طرح مشروع القرار على التصويت كما كان متوقعاً، وتنويه المندوب الروسي بالخطوة التي أقدمت عليها الحكومة السورية بالتعاون الشفاف مع «الوكالة» والكشف عن جميع أنشطتها النووية. كما نوّه المندوب الروسي بمبادرة المجموعة العربية التي قادتها المملكة العربية السعودية.

وأفاد المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة» الذرية، رافاييل غروسي، الاثنين، بأن المفاعل النووي الذي اكتُشف في مدينة دير الزور السورية كان شبه مكتمل، وبأنه كان من الممكن استخدامه لإنتاج أسلحة.

وقال غروسي، خلال مؤتمر صحافي في فيينا حيث يعقد «مجلس محافظي الوكالة» اجتماعاته هذا الأسبوع: «كان المفاعل شبه مكتمل، ولم يكن تشغيله يحتاج إلا إلى تحميل الوقود».

تأتي هذه التصريحات بعد أيام قليلة من كشف تقرير صادر عن «الوكالة» الأممية عن أن المنشآت التي عُثر عليها في دير الزور، والتي ترتبط بأنشطة نُفذت في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، كانت تتوافق مع مواصفات المفاعل النووي.


الدولة اللبنانية تدفع رسمياً لتعزيز حضورها الأمني في الجنوب

جنود في الجيش اللبناني ينتشرون في وسط بيروت خلال حراك نظمه عسكريون متقاعدون (إ.ب.أ)
جنود في الجيش اللبناني ينتشرون في وسط بيروت خلال حراك نظمه عسكريون متقاعدون (إ.ب.أ)
TT

الدولة اللبنانية تدفع رسمياً لتعزيز حضورها الأمني في الجنوب

جنود في الجيش اللبناني ينتشرون في وسط بيروت خلال حراك نظمه عسكريون متقاعدون (إ.ب.أ)
جنود في الجيش اللبناني ينتشرون في وسط بيروت خلال حراك نظمه عسكريون متقاعدون (إ.ب.أ)

قوبلت التعزيزات الأمنية للجيش اللبناني في مدينة النبطية بجنوب لبنان بترحيب شعبي، وتزامن مع دفع رسمي باتجاه تكريس حضور الدولة في الجنوب، بغرض «طمأنة المواطنين، وعودة العمل في الإدارات الرسمية»، في وقت تواصل إسرائيل استهداف محيط النبطية، وكان آخرها استهداف غرب المدينة، مما أدى إلى سقوط قتيل.

وكان الجيش اللبناني عزز من دورياته في مدينة النبطية الثلاثاء، إذ كثف مهماته في عدد من المناطق «بهدف طمأنة الأهالي»، حسبما أكد في بيان. وقوبلت الإجراءات المكثفة بترحيب شعبي واسع، إذ أظهرت صور انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي مواطنين يقدمون الورود، وينثرون الأرزّ على العسكريين.

دعم عون وسلام

وتحظى تلك الإجراءات بدعم سياسي رسمي، عبّر عنه رئيسا الجمهورية جوزيف عون، والحكومة نواف سلام، إثر لقائهما في القصر الرئاسي الأربعاء.

وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن عون أجرى مع سلام «جولة أفق تناولت الأوضاع الراهنة في البلاد عموماً، وفي الجنوب خصوصاً، في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من البلدات والقرى الجنوبية».

وأضافت: «تطرق البحث إلى الإجراءات التي يتخذها الجيش لتعزيز انتشاره في القرى غير المحتلة لطمأنة المواطنين، وعودة العمل في الإدارات الرسمية».

كذلك عرض الرئيس عون مع وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار الوضع الأمني في البلاد، والتطورات في الجنوب خلال الأيام الأخيرة، وتعزيز الحضور الأمني بما يساهم في حفظ الاستقرار، وطمأنة المواطنين، وفقاً لبيان الرئاسة اللبنانية.

اجتماع أمني

وبعد الظهر ترأس عون اجتماعاً أمنياً خُصص للبحث في الأوضاع الأمنية في الجنوب عموماً، وفي منطقة النبطية خصوصاً، حيث عرض القادة الأمنيون تقارير مفصّلة عن الوضع في المنطقة من مختلف جوانبه.

وخلال الاجتماع شدد الرئيس عون على أن أي فراغ أمني في الجنوب يشكل ذريعة للاعتداءات، ومساساً بالسيادة الوطنية، معتبراً أن الانتشار الأمني في النبطية متصل بالتزامات الدولة اللبنانية، وموقعها التفاوضي في الملف مع إسرائيل، باعتبار أن ضبط الأمن الداخلي يعزز الموقف اللبناني الرسمي.

وتحدث رئيس الجمهورية عن دور الجيش، معتبراً أنه العمود الفقري للاستقرار في المنطقة، وأن عمله يتناغم ويتكامل مع عمل الأجهزة الأمنية الأخرى، منوهاً بدوره في حماية البنى التحتية، والطرقات الحيوية، وتأمين عودة الأهالي إلى بلداتهم. وأكد أن أمن النبطية، والمناطق غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، جزء لا يتجزأ من أمن لبنان الواحد.

لبنان يتمسك بخيار التفاوض

وفي السياق، جدد الرئيس عون تمسكه بخيار التفاوض مع إسرائيل، موضحاً: «خيارنا كان بالتفاوض مع إسرائيل من منطلق أن لبنان هو دولة ذات سيادة، وسيادة القرار هي من ضمن مفهومنا للسيادة، بحيث نرفض أن يفرض أحد من الخارج قرارنا علينا. وكان قرارنا بذلك من منطلق المصلحة الوطنية، وحماية لبنان. فلا أحد يدرك مصلحته إلا أبناؤه، لأن الخارج ينظر إليه من منطلق مصلحته فيه».

الدخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأضاف: «لقد توصلنا إلى «اتفاق الإطار»، وهدفنا وقف الحرب، وإعادة النازحين إلى قراهم، وإنهاء حالة العداء نهائياً مع إسرائيل. لقد علّق كثر على الموقف الذي أطلقته من اليونان المتعلق بإنهاء حالة العداء، وهذه الكلمة ليست جديدة، وقد قلتها علناً مراراً، فماذا يريدون؟ هل يريدون أن نبقى في حالة حرب، وهل يمكن أن نتحمل حرباً بعد؟».

وتابع عون: «كل تفسير لموقفي غير ذلك خاطئ، ومشبوه. إننا مستمرون في مسارنا، لأنه يشكل قناعتنا لحماية البلد، وإخراجه من سلسلة الحروب التي شنت منذ العام 1969 إلى اليوم. فما حدث في العام 1969 كان بسبب تخلي الدولة عن سيادتها، وقد وصلنا بفعل ذلك إلى الوضع الذي نحن عليه اليوم. فلن نعود إلى الزمن السابق، وسنكمل الطريق».

سلام يدعم صمود النبطية

بالتزامن، أكدت رئاسة الحكومة أن الرئيس سلام «يتابع عن كثب الأوضاع في مدينة النبطية، ومحيطها، وهو على تواصل دائم مع إمام المدينة الشيخ عبد الحسين صادق، ورئيس بلديتها الحاج عباس فخر الدين»، مشيرة إلى أنه «يأمل أن يزور النبطية في أقرب فرصة ممكنة، تأكيداً لوقوف الدولة إلى جانب أهلها، ودعماً لصمودهم، وعودتهم».

وجاء التأكيد في بيان أوضحت فيه أن سلام «يحيي جهود الجيش اللبناني، والإجراءات التي يتخذها لتعزيز انتشاره في القرى والبلدات غير المحتلة، بما يسهم في طمأنة المواطنين، وتثبيت الاستقرار، وتسهيل عودة الأهالي، وضمان انتظام العمل في الإدارات والمؤسسات الرسمية».

دعم سياسي لحضور الدولة

ويحظى تعزيز الحضور الأمني في المدينة بدعم سياسي، وذلك بعد إطلاق ناشطين سياسيين ومدنيين «نداء النبطية 2» الداعي إلى تعزيز حضور الدولة، وزيادة انتشار الجيش اللبناني، بغرض حمايتها من القصف الإسرائيلي.

وقال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في بيان إن «النبطية تحت النار، وأخشى ما نخشاه أن يكون مصيرها كمصير (علي الطاهر) و(الشقيف)، وسائر القرى الحدودية، في الوقت الذي تتمتع فيه النبطية برمزية تاريخية، وبموقع اقتصادي وحضاري مهم، ولا تزال حتى اللحظة تعجّ بالسكان».

وأضاف: «في جميع الأحوال، فإن قسماً لا يُستهان به من هؤلاء السكان وجّهوا نداءً واضحاً إلى الدولة اللبنانية، كي تتحمّل مسؤولياتها في هذه الظروف الصعبة».

مشيعون يحملون نعوش 12 شخصاً قتلوا في غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان الإثنين الماضي (أ.ف.ب)

وتابع جعجع: «إن السلطة مدعوّة، في هذه اللحظة بالذات، إلى تطبيق قرارات مجلس الوزراء ذات الصلة، وبالأخص قرار الحكومة الصادر في 2 مارس (آذار) 2026، والذي يعتبر الأجنحة العسكرية والأمنية لـ(حزب الله) خارجة عن القانون»، كما أشار إلى أن «السلطة مدعوّة إلى تطبيق هذا القرار في هذا الوقت تحديداً، أقله في مدينة النبطية وجوارها، وبالحزم والوضوح اللازمين، وإخراج جميع المسلحين غير الشرعيين من النبطية، وفكفكة بناهم التحتية، وإطلاع الجانب الأميركي على ما يقوم به الجيش اللبناني، لكي يلعب دوره في وقف إطلاق النار الذي تتعرض له النبطية وجوارها».

وقال جعجع: «ليس المطلوب أن ينتشر الجيش اللبناني فحسب، بل المطلوب أن يفكّك كل البنى العسكرية والأمنية غير الشرعية الموجودة في مناطق انتشاره، وأن يفرض سلطته وحده، تنفيذاً لقرارات الحكومة اللبنانية».

استهداف جديد

في مقابل هذا الزخم، ردت إسرائيل على الترحيب الشعبي بتعزيز الحضور الأمني الرسمي في المدينة باستهداف محيطها. وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بأن «مسيرة معادية نفذت غارة بصاروخ موجه مستهدفة دراجة نارية على طريق مرج حاروف - زبدين، ما أدى إلى سقوط شهيد».

وكان الطيران الحربي أغار فجراً على أطراف النبطية الفوقا لجهة كفرتبنيت، في وقت تعرضت فيه دوحة كفررمان لقصف مدفعي متقطع.

ونفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرين في بلدة مركبا، سبقهما تفجير في بلدة بني حيان، فيما أغار الطيران الحربي الإسرائيلي مستهدفاً وادي زبقين في قضاء صور، كما أغار مستهدفاً وادي السلوقي لجهة بلدة شفرا في قضاء بنت جبيل.

وأفيد بتحرك لآليات الجيش الإسرائيلي في بلدة طلوسة في قضاء مرجعيون، وآخر شرق الخيام، وإطلاق نار كثيف في المنطقة، وسط أجواء متوترة. وألقت محلّقة إسرائيلية غالونات متفجرة على بلدة المنصوري، بالتزامن مع قصف مدفعي يستهدف البلدة.


تحركات مطلبية تشلّ وسط بيروت

عسكري متقاعد يشارك في احتجاج في وسط بيروت يطالب برفع الرواتب في موازنة 2027 (إ.ب.أ)
عسكري متقاعد يشارك في احتجاج في وسط بيروت يطالب برفع الرواتب في موازنة 2027 (إ.ب.أ)
TT

تحركات مطلبية تشلّ وسط بيروت

عسكري متقاعد يشارك في احتجاج في وسط بيروت يطالب برفع الرواتب في موازنة 2027 (إ.ب.أ)
عسكري متقاعد يشارك في احتجاج في وسط بيروت يطالب برفع الرواتب في موازنة 2027 (إ.ب.أ)

شهد وسط بيروت الأربعاء توترات شتى، إثر تحركات مطلبية للعسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام، احتجاجاً على مشروع موازنة عام 2027 الذي طالبوا بأن يلحظ زيادة لرواتبهم ومخصصاتهم.

وقطع العشرات الطرقات والمداخل التي تؤدي إلى السراي الحكومي في وسط العاصمة، حيث انطلقت الثلاثاء اجتماعات للحكومة لدراسة موازنة العام المقبل.

عسكري متقاعد يشارك في احتجاج في وسط بيروت يطالب برفع الرواتب في موازنة 2027 (إ.ب.أ)

ويطالب العسكريون المتقاعدون كما موظفو القطاع العام بـ«رفع الحد الأدنى للأجور إلى حدود 1200 دولار في ظل الغلاء الفاحش في أسعار السلع الأساسية ومتطلبات المعيشة التي لا تتناسب ودخلهم المحدود».

لكن في المقابل، ورغم ما تعتبره الحكومة حقاً للمعتصمين بالمطالبة بتحسين أوضاعهم، فإنها كانت قد استغربت، كما أعلن وزير الإعلام بول مرقص، التحركات التي تمت الدعوة لها، «لا سيما في هذا الوضع الاقتصادي والأمني الدقيق، خصوصاً لجهة أوضاع الخزينة العامة».

تصعيد في الشارع

وأحرق المحتجون الإطارات وحاولوا عدة مرات الوصول إلى مداخل السراي حيث ارتفعت جدران حديدية مستحدثة، وشارك ممثلون عنهم في أكثر من اجتماع مع الوزراء المعنيين للتوصل لحلول تؤدي لخروجهم من الشارع.

ورفع المعتصمون العلم اللبناني ولافتات كتب عليها «الكرامة ليست هبة من السلطة» و«أعطونا حقوقنا وكفوا بلانا عنكم».

عسكريون متقاعدون يحاولون إزاحة الشريط الشائك في وسط بيروت خلال احتجاج يطالب برفع الرواتب في موازنة 2027 (إ.ب.أ)

وبعدما كانوا يخططون لمنع الوزراء من الوصول إلى السراي ليشاركوا في الجلسة الحكومية، تراجعوا عن قرارهم بعدما تحدثوا عن «إيجابيات» لمسوها من المسؤولين الذين التقوا بهم، إلا أنهم أكدوا أنهم باقون في الشارع حتى تحقيق مطالبهم.

باقون في الشارع

وأكد العميد المتقاعد شامل روكز الذي شارك في الاجتماعات مع عدد من الوزراء «حرص العسكريين على عدم أذية الناس أو إلحاق الأذى بمصالحهم نتيجة التحركات التي ينفذونها».

وقال في تصريح: «نحن باقون في الشارع، لكن من دون تصعيد أو حرق إطارات»، مضيفاً: «حقوقنا مُقَدّسة وسنلجأ إلى خطوات تصعيديّة إن لم نحصل عليها كاملة».

انقسامات بين المعتصمين

وشهدت ساحة الاعتصام توتراً بين عدد من المعتصمين، على خلفية الانقسام بشأن مواصلة قطع الطريق والتصعيد أو إعادة فتحه والانسحاب من الشارع بعد «الإيجابيات» التي تحدث عنها ممثلوهم الذين اجتمعوا مع عدد من المسؤولين.

ولم تقتصر التحركات على بيروت بل شملت طرقاً دولية أبرزها البترون - جبيل (شمال لبنان) كما الطريق عند دوار ابلح قضاء زحلة (شرق لبنان).

وبحث رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون مع وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار الثلاثاء في تحرّك موظفي القطاع العام ولا سيما منهم العسكريين والمتقاعدين ومطالبهم، «والجهود المبذولة لمعالجتها بما يضمن إنصافهم ضمن الإمكانات المتاحة».

متظاهر يشارك في اعتصام مطلبي في وسط بيروت (إ.ب.أ)

وتعتبر رابطة موظفي الإدارة العامة أن «موازنة 2027 خالية من أي معالجة جدية للرواتب والأجور، وتطرح حلولاً انتقائية ومجزأة تضرب مبدأ المساواة الذي هو حق دستوري وتحاول تقسيم موظفي الإدارة العامة». وأعلنت الرابطة أن «اجتماعاتها ستبقى مفتوحة يومي الخميس والجمعة لاتخاذ خطوات تصعيدية، وصولاً إلى الاعتصامات والمظاهرات والإضرابات».

ويتراوح إجمالي الدخل الشهري (الراتب الأساسي مضافاً إليه المساعدات) لجميع العسكريين والموظفين العموميين في الخدمة الفعلية حالياً بين 300 و400 دولار أميركي، وذلك وفقاً لأسعار الصرف الحالية. وتتفاوت قيم الدخل هذه بناءً على الرتبة والأداء الوظيفي والبدلات التشغيلية.

محدودية قدرات الدولة

وعن القدرات المالية للدولة ومصادر الإيرادات التي يمكن اللجوء إليها لتحسين أوضاع موظفي القطاع العام والعسكريين سواء المتقاعدين أو الذين هم في الخدمة الفعلية، أوضح الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة أن «الإيرادات العامة تقتصر على قاعدة التحصيل الضريبي القائمة، بما في ذلك الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة)، والرسوم الجمركية، والضرائب الانتقائية على المنتجات النفطية، والرسوم الإدارية» لافتاً إلى أنه «من دون إجراء إصلاح شامل للنظام الضريبي، لا يمكن تحقيق زيادة في رواتب القطاع العام إلا من خلال رفع الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة) أو خلق سيولة نقدية محلية إضافية».

عسكريون متقاعدون يحاولون إقفال الطريق في وسط بيروت خلال احتجاج يطالب برفع الرواتب في موازنة 2027 (إ.ب.أ)

وينبّه عجاقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن «زيادة رواتب موظفي القطاع العام دون تقليص حجم القوى العاملة، تؤدي إلى تفاقم الجمود المالي الهيكلي؛ إذ تستحوذ نفقات الموظفين في القطاع العام مع المساعدات الاجتماعية على أكثر من 50 في المائة من إجمالي ميزانية النفقات التشغيلية»، لافتاً إلى أنه «إذا قامت الحكومة ومصرف لبنان (BDL) بضخ سيولة بالليرة اللبنانية لتمويل زيادات الرواتب في ظل غياب تحصيل كافٍ للإيرادات الضريبية، فإن هذا الإجراء سيؤدي فوراً إلى تآكل القوة الشرائية لليرة اللبنانية وزعزعة استقرار سعر الصرف الحالي».

وكانت الحكومات المتعاقبة استحدثت منذ بدء الأزمة المالية في عام 2019 منهجية مضاعفة المساعدات الاجتماعية المؤقتة والإنتاجية، كما رفعت قيمة بدلات النقل والمنح المخصصة للأسر. وتم استبعاد إدخال هذه المساعدات في أساس المعاش لتجنب تضخيم الالتزامات طويلة الأجل المتعلقة بتعويضات نهاية الخدمة ومعاشات التقاعد المحتملة للموظفين.