ماذا تعني خطوة ترمب بالسيطرة على ناقلة نفط فنزويلية؟

صورة مأخوذة من مقطع فيديو تُظهر تنفيذ مذكرة مُصادَرة لناقلة نفط خام كانت تُستخدَم لنقل نفط خاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من مقطع فيديو تُظهر تنفيذ مذكرة مُصادَرة لناقلة نفط خام كانت تُستخدَم لنقل نفط خاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران (أ.ف.ب)
TT

ماذا تعني خطوة ترمب بالسيطرة على ناقلة نفط فنزويلية؟

صورة مأخوذة من مقطع فيديو تُظهر تنفيذ مذكرة مُصادَرة لناقلة نفط خام كانت تُستخدَم لنقل نفط خاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من مقطع فيديو تُظهر تنفيذ مذكرة مُصادَرة لناقلة نفط خام كانت تُستخدَم لنقل نفط خاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران (أ.ف.ب)

يُعدّ استيلاء إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا أحد أكثر التطورات دراماتيكية في حملة الضغط العسكري ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

ووفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، يمثل الصعود على متن سفينة أجنبية خطوةً غير مألوفة، ويوسِّع نطاق العملية الأميركية التي برزت سابقاً من خلال استهداف أكثر من 20 زورقاً في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، تقول الإدارة إنها كانت تقلّ مهربين للمخدرات.

وتشير التقارير الأولية إلى أن عملية الإنزال التي نفَّذتها عناصر من جهاز خفر السواحل الأميركي، بدعم من البحرية ووكالات إنفاذ القانون، تثير مخاوف قانونية ودستورية أقل مقارنةً بالحملة ضد الزوارق، أو التهديدات المباشرة التي يلوّح بها ترمب بشنّ عمليات عسكرية داخل الأراضي الفنزويلية.

وقال مسؤول أميركي رفيع إن السفينة «سكيبر» تم الاستيلاء عليها في المياه الدولية، وكانت تُقلّ شحنة من النفط الفنزويلي الخام. وكانت محكمة فيدرالية قد أصدرت في وقت سابق مذكرة بمصادرتها؛ بسبب الاشتباه في ارتباطها بجماعات إرهابية مدعومة من إيران.

صورة مأخوذة من مقطع فيديو تُظهر تنفيذ مذكرة مُصادَرة لناقلة نفط خام كانت تُستخدَم لنقل نفط خاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الحماسة التي أبداها ترمب عند الإعلان عن الاستيلاء على السفينة، إلى جانب نشر المدعية العامة بام بوندي مقطع فيديو يُظهر عناصر أميركيين يتدلّون بالحبال من مروحية إلى سطحها، يبرزان الدلالة السياسية لهذه العملية.

وبأسلوبه الدرامي المعهود، أعلن ترمب للصحافيين أن الولايات المتحدة قامت بالصعود على متن «ناقلة كبيرة جداً... الأكبر على الإطلاق التي يتم الاستيلاء عليها فعلياً».

ورغم أن الناقلة قد لا تكون مرتبطة مباشرة بالمواجهة الراهنة بين ترمب ومادورو، فإن اعتراضها سيُقرأ في سياق الحشود البحرية الأميركية الضخمة في الكاريبي، التي تُعد جزءاً من محاولة واضحة لإجبار مادورو على التنحي، أو دفع دائرته المقربة إلى الإطاحة به.

ما الذي يعنيه ذلك لترمب وفنزويلا؟

الجدل الدائر في واشنطن حول نوايا ترمب في فنزويلا لا يتعلق بمدى جدوى رحيل مادورو بعد تنكره لنتائج الانتخابات، بل بمدى قانونية الخطوات الأميركية. ويخشى المنتقدون أن يكون ترمب يمهّد لجرّ الولايات المتحدة إلى مغامرة خارجية طويلة أخرى، في إطار استخدامه المتكرر لصلاحيات تنفيذية شبه مطلقة.

وتبرز الإشكالات القانونية بشكل خاص بشأن الضربات ضد زوارق يُشتبه في أنها لمهربي مخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، والتي أدت إلى مقتل 87 شخصاً. وتؤكد الإدارة أن استخدام القوة العسكرية ضد مَن تصفهم بـ«إرهابيي المخدرات» قانوني وضروري لحماية الأمن القومي الأميركي. لكن فنزويلا ليست مساراً رئيسياً لتهريب «الفنتانيل» إلى الولايات المتحدة، خلافاً لما تقوله الإدارة.

كما تحذر منظمات حقوقية من أن مهاجمة القوارب تنتهك الإجراءات القانونية الواجبة بحق الضحايا، وقد ترقى إلى عمليات قتل خارج إطار القانون برعاية الدولة.

أثارت إحدى تلك الضربات، في 2 سبتمبر (أيلول)، اتهامات من الديمقراطيين ومنظمات حقوق الإنسان للإدارة بارتكاب جريمة حرب، بعدما أفيد بأن الضربة الثانية استهدفت ناجين من الهجوم الأميركي الأول.

ويُصعّد الديمقراطيون حملتهم لإجبار وزير الدفاع بيت هيغسيث على تسليم فيديو الهجوم للكونغرس. وكان ترمب قد قال أمام الكاميرات إنه لا يمانع ذلك، قبل أن يتراجع لاحقاً وينفي الإدلاء بهذا التصريح.

وجاءت أنباء الاستيلاء على الناقلة، وما تلا ذلك من تعقيد بشأن الضربة المزدوجة، في وقت لا تزال فيه أهداف ترمب في فنزويلا غامضة. فوجود قوة بحرية أميركية ضخمة قبالة السواحل الفنزويلية - تشمل أحدث حاملة طائرات أميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» - يضفي ثقلاً رمزياً كبيراً، ويجعل أي تسوية للأزمة لا تنتهي برحيل مادورو تُعدّ انتكاسة للنفوذ الأميركي وضربة لهيبة ترمب.

وفي الوقت نفسه، واصل ترمب التحذير من أن الضربات ضد ما يقول إنها مواقع لتهريب المخدرات داخل الأراضي الفنزويلية قد تبدأ قريباً. لكنه امتنع، في مقابلة مع «بوليتيكو» هذا الأسبوع، عن مناقشة أي تفاصيل عسكرية، واكتفى بتصريح غامض مفاده أنه يريد «معاملة الشعب الفنزويلي بشكل جيد».

وكشفت شبكة «سي إن إن»، أمس (الأربعاء)، عن أن إدارة ترمب تعمل على خطط لما قد يحدث في فنزويلا إذا سقط مادورو أو غادر منصبه. وقد شبّه منتقدو نهج ترمب ذلك بفشل الولايات المتحدة في التحضير لمرحلة ما بعد تغيير النظام في العراق عام 2003 بعد الغزو الأميركي.

صورة مأخوذة من مقطع فيديو تُظهر تنفيذ مذكرة مُصادَرة لناقلة نفط خام كانت تُستخدَم لنقل نفط خاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران (أ.ف.ب)

ويخشى بعض المحللين أن تنزلق فنزويلا إلى العنف وعدم الاستقرار إذا انهار نظام مادورو، وأن يؤدي ذلك إلى أزمة لجوء واسعة. لكن الوضع في فنزويلا، رغم خطورته، يختلف كثيراً عن بغداد بعد الحرب.

وفي تطوّر آخر قد يفاقم الضغوط على نظام مادورو، خرجت زعيمة المعارضة الفنزويلية، ماريا كورينا ماتشادو، من مخبئها داخل البلاد، وسافرت إلى أوسلو، حيث كانت ابنتها قد تسلّمت جائزة نوبل للسلام نيابةً عنها في وقت سابق.

وكانت حكومة مادورو قد حذّرت ماتشادو من أنها ستُعدّ فارّة من العدالة إذا غادرت فنزويلا. لكن ظهورها في العلن خارج البلاد قد يمنح إدارة ترمب فرصاً جديدة لتسليط الضوء على قضيتها وتعزيز الزخم الدولي حولها.

«أمر اعتيادي»

تمّت مصادرة الناقلة «سكيبر» من قِبل الولايات المتحدة بموجب مذكرة تفتيش مرتبطة بنشاط سابق يتعلق بنقل نفط خاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران، وفق ما ذكرت المدعية العامة بام بوندي.

وأوضحت بوندي أن العملية شارك فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي وإدارة تحقيقات الأمن الداخلي (HSI) وخفر السواحل الأميركي، وذلك بدعم من وزارة الدفاع.

من المؤكد أن يُنظر إلى الاستيلاء على الناقلة في مختلف أنحاء المنطقة بوصفه تحذيراً ضمنياً لربابنة السفن الآخرين من المخاطر المترتبة على تحميل شحنات في فنزويلا أو الإبحار في محيط مياهها، وكذلك ضربةً موجعةً لـ«الأسطول الموازي» من الناقلات التي تتولى تهريب النفط الخاضع للعقوبات لصالح دول مثل إيران.

وتملك فنزويلا بعضاً من أكبر احتياطات النفط الخام في العالم، ويشكّل بيع هذا النفط بطرق غير مشروعة مصدر دخل أساسياً لنظامها. وقد حافظت إدارتا ترمب الأولى والثانية، وبينهما إدارة بايدن، على طبقات متعددة من العقوبات المفروضة على نظام مادورو؛ بسبب قمعه للديمقراطية، بما في ذلك العقوبات المفروضة على شركة النفط والغاز الحكومية «PDVSA».

وأدانت حكومة كاراكاس عملية المصادرة، عادّةً أنها تكشف الدافع الحقيقي وراء حملة الضغط التي يمارسها ترمب. وجاء في بيان حكومي: «ليست الهجرة، ولا تهريب المخدرات، ولا الديمقراطية، ولا حقوق الإنسان. لقد كان الأمر دائماً يتعلق بثرواتنا الطبيعية، نفطنا، طاقتنا، والموارد التي تعود ملكيتها الحصرية للشعب الفنزويلي».

لكن بيث سانر، وهي مسؤولة سابقة رفيعة في الاستخبارات الأميركية، قالت في مقابلة مع «سي إن إن» إن مصادرة ناقلات النفط الفنزويلية تُعد «أمراً طبيعياً تماماً» ضمن الجهود الرامية لمنع النظام من نقل نفط خاضع للعقوبات. وأضافت: «لطالما أراد الجميع توقيف هذا النوع من الناقلات، لكن لم تكن لدينا الموارد الكافية في المنطقة للقيام بذلك في السابق».

ويُبدي الديمقراطيون في الكونغرس حذراً شديداً حيال أي خطوة تتخذها الإدارة في الملف الفنزويلي. وعندما سُئلت النائبة كريسي هولاهان، عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، على شبكة «سي إن إن» عمّا إذا كانت الولايات المتحدة باتت الآن أقرب إلى حرب مع فنزويلا، أجابت: «كيف لا نكون أقرب، ونحن ننزّل رجالاً ونساءً من قواتنا العسكرية بالحبال من طائرات الهليكوبتر إلى ناقلات مدنية ترفع علم دولة أخرى؟ إنّها خطوة تصعيدية بلا شك، ولا يمكن وصفها بغير ذلك».

وأضافت أن ترمب، إذا كان يسعى إلى تغيير النظام بالقوة العسكرية، فهو ملزَم دستورياً بالحصول على تفويض من الكونغرس، رغم أنها ترى أن مثل هذا الخيار لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة.

من جهته، قال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، إن خطاب ترمب ملتبس إلى درجة تجعل استشفاف نواياه الحقيقية أمراً مستحيلاً. وقال شومر: «الرئيس ترمب يطرح كثيراً من الأمور بطرق مختلفة، لدرجة أنك لا تعلم عمّ يتحدث أصلاً. لو أن مادورو فرّ من تلقاء نفسه، لرحّب الجميع بذلك». ثم أضاف: «لا يمكنك أن تقول (أنا أؤيد هذا أو أؤيد ذاك) بينما ترمب يتخبط في كل الاتجاهات».

وكما هي الحال في كثير من ملفات الولاية الثانية لترمب، تكاد تنعدم الشفافية العامة بشأن أهداف الرئيس، التي غالباً ما تبدو خاضعة لنزواته الشخصية. فترمب يفاخر دائماً بعنصر عدم القدرة على التوقع، ولم يقدّم أي تفسير للأميركيين حول سبب وجود هذا العدد الكبير من العسكريين على متن سفن قبالة السواحل الفنزويلية، أو ما الذي يفترض بهذا الانتشار الباهظ التكلفة أن يحققه.

ولو نجح الرئيس في الإطاحة بمادورو والانتقال بفنزويلا نحو الديمقراطية، فسيكون بمقدوره الادعاء بتحقيق انتصار سياسي كبير. كما سيعزز هدفه المعلن بفرض النفوذ الأميركي على امتداد نصف الكرة الغربي، وهو توجّه ينسجم مع استراتيجية الأمن القومي التي كشف عنها حديثاً. ويبدو ذلك في الوقت ذاته محاولة لإعادة تشكيل أميركا اللاتينية وفق رؤية ترمب ومشروعه السياسي (MAGA)، وأيضاً امتداداً لاستراتيجية تقليدية تهدف إلى مواجهة النفوذَين الصيني والروسي في المنطقة.

لكنّ التاريخ يُظهر أن الأنظمة الديكتاتورية، حتى في أقسى الظروف، غالباً ما تكون أشدّ صلابة مما يعتقده الخارج. وقد شُبِّهت الحكومة الفنزويلية في كثير من الأحيان بمنظومة إجرامية متعددة الطبقات، إذ يتمتع كبار أركانها بمصالح مالية ضخمة تدفعهم إلى الإبقاء على سلطتهم بأي ثمن. وبينما يأمل كثيرون في الخارج أن تؤدي ضغوط ترمب إلى صعود القيادة الديمقراطية الشرعية في البلاد، فإن لا شيء مؤكداً.

ومع ذلك، فإن مُصادَرة الناقلة رفعت منسوب الضغط على مادورو إلى مستوى جديد، ودَفعت ترمب خطوة إضافية على طريق يبدو أنه يتجه نحو مواجهة لا مفرّ منها؛ مواجهة يضع فيها الرئيس رصيده الشخصي واعتباره السياسي على المحك.


مقالات ذات صلة

مضيق هرمز يقيّد مخرج الحرب

شؤون إقليمية انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)

مضيق هرمز يقيّد مخرج الحرب

رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف الضغط على إيران عبر مضيق هرمز رابطاً أي نظر في وقف إطلاق النار بإعادة فتحه

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران- تل أبيب)
الولايات المتحدة​ أعضاء اتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من «الناتو».

لينا صالح (بيروت)
الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين بمؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الديمقراطيون يعوّلون على حرب إيران لقلب المعادلة الانتخابية

وضعت حرب إيران الجمهوريين في موقع دفاعي فيما منحت الديمقراطيين فرصة غير متوقّعة لشن هجوم مُكثّف وممنهج على أداء الإدارة

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)

المحكمة العليا تشكك في محاولة ترمب الحد من منح الجنسية بالولادة

أثارت المحكمة العليا الشكوك بشأن محاولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحد من منح الجنسية بالولادة لدى حضوره المناقشات بشأن هذه القضية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

إدانة حارس سجن سابق في نيويورك بالقتل غير العمد بعد ضرب نزيل حتى الموت

تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
TT

إدانة حارس سجن سابق في نيويورك بالقتل غير العمد بعد ضرب نزيل حتى الموت

تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)

أدين ضابط سجون، اليوم الأربعاء، بتهمة القتل غير العمد في واقعة ضرب أفضى إلى الموت لنزيل بمركز ميد ستيت الإصلاحي شمال ولاية نيويورك.

كما أدانت هيئة المحلفين في مدينة يوتيكا المتهم جونا ليفي بالاعتداء الجماعي والتآمر في قضية وفاة النزيل مسيح نانتوي في الأول من مارس (آذار) 2025، وما تبع ذلك من محاولات للتستر على الجريمة، بينما برأته الهيئة من تهمة القتل العمد من الدرجة الثانية.

ويعد ليفي أول حارس يمثل للمحاكمة في قضية وفاة نانتوي.

وكان نانتوي (22 عاماً) قد تعرض للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم.

ووفقاً للادعاء العام، فارق نانتوي الحياة نتيجة صدمة شديدة في الرأس وإصابات أخرى متفرقة في جسده جراء الاعتداء.


المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء في القضية المعروفة بـ«ترمب ضد باربارا»، في سياق حرصه على الأمر التنفيذي الذي أصدره في 20 يناير (كانون الثاني) 2025؛ يوم توليه السلطة رسمياً، حيث يسعى إلى إعادة تفسير البند الأول من التعديل الرابع عشر للدستور، الذي يمنح «حق الجنسية بالولادة» لكل من يولد على الأراضي الأميركية.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (أ.ف.ب)

وتمثل المرافعات لحظة فارقة في تاريخ أميركا الدستوري؛ فهل ستظل «الجنسية بالولادة» ركيزة للهوية الأميركية، أم أن التفسير الأصلي سيفتح الباب لإعادة رسم مفهوم «من هو أميركي»، مما يعني أن قرار المحكمة العليا قد يعيد تشكيل سياسات الهجرة لعقود قادمة، ويختبر قدرة المحكمة على الحفاظ على مصداقيتها وسط انقسام سياسي حاد.

وقد تجاوزت المرافعات مجرد مناقشة قانونية فنية، لتصبح مواجهة فلسفية عميقة بين التفسير الأصلي للدستور الذي تتبناه إدارة ترمب، وبين التمسك بالسوابق القضائية الراسخة التي تحمي النص الصريح للتعديل.

ومع أن المحكمة لم تصدر قرارها النهائي بعد، فإن الجلسة كشفت عن انقسامات عميقة بين القضاة التسعة، وأثارت شكوكاً جدية حول قوة الحجج التي قدمتها الإدارة، خاصة بعد هزيمة ترمب القضائية السابقة في قضية الرسوم الجمركية.

محتجون يرفعون يافطة «مولودون في أميركا - مواطنون» (رويترز)

جوهر الجدل

يعتمد الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب على تفسير التعديل الرابع عشر في الدستور، حيث يعتبر ترمب الأطفال المولودين لمهاجرين غير شرعيين أو زائرين مؤقتين لا يخضعون لـ«الاختصاص الكامل» للولايات المتحدة. ويدافع محامو الإدارة عن أن هذا التفسير يعيد «المعنى الأصلي» للتعديل الصادر بعد الحرب الأهلية لمنح الجنسية لأبناء فترة العبودية، وليس لأبناء «الأجانب غير الخاضعين للسيادة الأميركية»؛ مستعيناً بحكم قضائي عمره أكثر من 150 عاماً.

أما المدعون بقيادة الاتحاد الأميركي للحريات المدنية فيؤكدون أن هذا الأمر التنفيذي ينتهك سابقة حكم قضائي له 128 عاماً، وهو «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم أرك» لعام 1898، الذي أكد الجنسية التلقائية بالولادة بغض النظر عن وضع الوالدين (باستثناء أبناء الدبلوماسيين).

اتجاهات القضاة التسعة

رغم أن المرافعات لم تنتهِ بعد، فإن أسئلة القضاة ومواقفهم السابقة تسمح برسم خريطة واضحة للاتجاهات المحتملة للحكم المتوقع صدوره في يوليو (تموز) المقبل؛ فالجناح المحافظ (6 قضاة) برئاسة جون روبرتس رئيس المحكمة يُعرف بتوازنه المؤسساتي، وغالباً ما يميل إلى الحفاظ على استقرار المحكمة وتجنب القرارات الراديكالية، وقد يكون «الصوت المتأرجح» الذي يخشى من تداعيات إلغاء سابقة عمرها قرن على ملايين المواطنين.

أما القاضي كلارنس توماس فيعد أبرز الداعين للتفسير الأصلي، حيث يرى في حجج الإدارة فرصة لتصحيح «خطأ تاريخي» ويُتوقع أن يدعمها بقوة. ويعرف عن القاضي صامويل أليتو أنه شخص محافظ صلب، أبدى في قضايا سابقة شكوكاً في التوسع في حقوق المهاجرين. ومن المرجح أن يصوت لصالح ترمب.

الفريق القانوني لاتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

أما القاضي نيل غورسوش فهو نصير التفسير النصي والأصلي، وسيكون من أقوى الداعمين لإعادة تفسير «الاختصاص». القاضي بريت كافانو يعد شخصاً محافظاً معتدلاً نسبياً، لكنه يولي أهمية كبيرة للاستقرار القانوني، وقد يتردد إذا شعر أن القرار سيؤدي إلى فوضى إدارية. أما القاضية إيمي كوني باريت فهي أستاذة قانون سابقة وصارمة، ومن المتوقع أن تدعم الرؤية الأصلية للتعديل الرابع عشر.

الجناح الليبرالي (3 قضاة): تتزعمه القاضية سونيا سوتومايور، وهي أكثر القضاة دفاعاً عن الحقوق المدنية. وصفت محاولات تقييد الجنسية سابقاً بأنها «انتهاك صارخ» للدستور. كما ركزت القاضية إيلينا كاغان على السياق التاريخي الواسع للتعديل. ومن المتوقع أن تقدم حججاً قانونية قوية ضد الأمر التنفيذي.

أما أحدث القضاة كيتانجي براون جاكسون التي عينها الرئيس السابق جو بايدن فهي ترى في النص الدستوري ضمانة للشمول، وستكون صوتاً معارضاً حاداً، ويُتوقع أن ينتهي الأمر بانقسام 6 - 3 أو 5 - 4 لصالح المحافظين، لكن صوت روبرتس قد يحدد ما إذا كان القرار سيكون واسع النطاق أم محدوداً.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (رويترز)

ويخشى المحللون أن يؤدي أي قرار يؤيد ترمب إلى إلقاء ظلال على جنسية ملايين الأميركيين المولودين بعد 1898م، مما يفتح الباب أمام دعاوى قضائية جماعية وفوضى إدارية.

ومن المتوقع صدور القرار النهائي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو 2026، مع نهاية الدورة القضائية الحالية. ويُعبّر مسؤولو الإدارة عن قلق حقيقي من أن يتحول هذا الملف إلى «هزيمة قضائية ثانية» بعد الحكم الذي أبطل سياسات ترمب الجمركية الواسعة في فبراير (شباط) الماضي. وكان ترمب قد هاجم المحكمة على منصة «تروث سوشيال» معتبراً الحكم السابق «يفتقر للولاء»، ويخشى أن تكرر المحكمة السيناريو ذاته في ملف الهجرة؛ الركيزة الأساسية لشعبيته.


بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واصفاً إياه بـ«نمر من ورق» بعد فشله في دعم جهود واشنطن العسكرية في حربها ضد إيران، في خطوة قد تقلب موازين الحلف.

وقال ترمب، خلال المقابلة، إن الولايات المتحدة لم تحصل على الدعم الكافي من الحلفاء و«الناتو لم يكن هناك من أجلنا» في الأزمة الأخيرة، معتبراً أن خطوة الانسحاب لم تعد مجرد فرضية وإنما هي خيار جاد يدرس تنفيذه.

وتأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949، ويضم حالياً 32 دولة. ويستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: ردع التوسع السوفياتي سابقاً، ومنع عودة النزعات العسكرية القومية في أوروبا، وتعزيز التكامل السياسي الأوروبي.

وقد وقّعت الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، معاهدة واشنطن في أبريل (نيسان) 1949، والتي لا تزال تشكّل أساس الحلف حتى اليوم.

كيف تفجر الخلاف بين ترمب و«الناتو»؟

الخلاف تفجّر أساساً بسبب الحرب على إيران، إذ عبّر ترمب عن غضبه من رفض دول أوروبية الانخراط في العمليات العسكرية أو دعمها لوجيستياً، بما في ذلك رفض استخدام القواعد العسكرية أو المجال الجوي. واعتبر أن الحلفاء «لم يكونوا إلى جانب الولايات المتحدة» عندما احتاجت إليهم، رغم ما وصفه بسجل طويل من الدعم الأميركي لأمن أوروبا.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، فإن إدارة ترمب ترى أن «الناتو» أصبح عبئاً غير متوازن، حيث تتحمل واشنطن الجزء الأكبر من الدفاع عن أوروبا من دون مقابل كافٍ.

وبرز هذا الخلاف بشكل حاد بعد رفض الحلفاء المشاركة في تأمين مضيق هرمز خلال الحرب، وهو ما اعتبره ترمب «اختبار ولاء» فشل فيه الحلف.

إلى جانب ذلك، فإن التوتر ليس جديداً، إذ تؤكد تقارير أميركية أن ترمب ينتقد الحلف منذ سنوات بسبب مسألة الإنفاق الدفاعي، معتبراً أن الدول الأوروبية لا تدفع ما يكفي مقابل الحماية الأميركية. ومع تصاعد الخلافات الحالية، تحوّل هذا الانتقاد إلى تشكيك أوسع في جدوى التحالف نفسه وإمكانية استمرار التزام الولايات المتحدة به، بحسب «واشنطن بوست».

هل يمكن لواشنطن الانسحاب من «الناتو»؟

لكن رغم تلويح ترمب بالانسحاب من الحلف، فإن ذلك يواجه قيوداً قانونية. إذ ينص «قانون تفويض الدفاع الوطني» لعام 2024 على منع أي رئيس من الانسحاب من «الناتو» من دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو إصدار قانون من الكونغرس، وفق تقرير نشرته مجلة «التايم».

إلا أن خبراء قانونيين أشاروا بحسب المجلة إلى أن هذه القيود ليست محكمة تماماً، إذ قد يحاول الرئيس الالتفاف عليها بالاستناد إلى صلاحياته في السياسة الخارجية.

ورأى خبراء أن ترمب قد يعتبر الانسحاب ضرورياً للأمن القومي، مستنداً إلى صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة. لكن ذلك قد يؤدي إلى مواجهة دستورية بين السلطة التنفيذية والكونغرس، وربما إلى نزاع قضائي.

كما أشار الخبراء إلى سوابق تاريخية، مثل انسحاب الرئيس جيمي كارتر من معاهدة دفاع مشترك مع تايوان، لكنهم أكدوا أن الوضع الحالي أكثر تعقيداً.

تداعيات محتملة على الحلف

بالمقابل، حذر محللون من أن مجرد طرح فكرة انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» يضر بالحلف، إذ يقوّض الثقة بين أعضائه ويضعف مبدأ الدفاع المشترك، كما قد يشجع خصوم الغرب ويؤثر على خطط الأمن الأوروبية، حتى لو لم يتم الانسحاب فعلياً، بحسب «التايم».

ويحذر خبراء من أن مجرد التلويح بالانسحاب يسبب بالفعل أضراراً ملموسة، إذ يضعف الثقة داخل التحالف ويخلق حالة من عدم اليقين في التخطيط العسكري الأوروبي، حتى من دون تنفيذ الخطوة فعلياً. ويرجّح كثير من المحللين أن النتيجة الأقرب على المدى القريب هي «ناتو أكثر أوروبية» مع استمرار التوتر مع واشنطن، بدلاً من انهيار كامل للحلف.

كذلك، تشير تقارير من وسائل إعلام أميركية ودولية مثل «رويترز» و«أسوشييتد برس» إلى أن أي انسحاب أميركي من «الناتو» سيُحدث صدمة استراتيجية عميقة للحلف، إذ تعتمد بنية التحالف بشكل كبير على القدرات العسكرية والقيادية للولايات المتحدة.

فواشنطن تمثّل العمود الفقري لقوة الردع داخل الحلف، خصوصاً في مواجهة روسيا، وأي انسحاب سيؤدي إلى إضعاف مبدأ «الدفاع المشترك» وتقويض الثقة بين الدول الأعضاء، وهو ما قد يحدّ من قدرة «الناتو» على الردع ويشجع خصوم الغرب على اختبار تماسكه.

التأثير لن يقتصر على «الناتو»

في المقابل، ترى تقارير أميركية أن التأثير لن يقتصر على «الناتو» فقط، بل سيطول الولايات المتحدة نفسها، إذ قد تفقد شبكة النفوذ العسكري الواسعة التي يوفرها الحلف، بما في ذلك القواعد العسكرية الأوروبية التي تتيح لها «إسقاط القوة» عالمياً بسرعة وتكلفة أقل. كما أن تراجع الالتزام الأميركي قد يدفع أوروبا إلى بناء منظومة دفاعية مستقلة، ما يعني تراجع الدور القيادي لواشنطن داخل النظام الأمني الغربي.