«العنف الإلكتروني»... سلاح يهدد الطموح السياسي لليبيات

تسجيل 85 ألف واقعة استهداف بحق مرشحات للانتخابات البلدية

وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)
وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)
TT

«العنف الإلكتروني»... سلاح يهدد الطموح السياسي لليبيات

وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)
وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)

أثار تقرير رسمي ليبي حديث حول العنف الرقمي ضد المرشحات في الانتخابات الليبية البلدية صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية، بعدما كشفت وزيرة ليبية عن تسجيل 85 ألف حالة استهداف إلكتروني خلال الأشهر الستة الماضية.

وشكل هذا الرقم الصادم جرس إنذار قوياً لدى سلطات غرب ليبيا؛ إذ عدته وزيرة الدولة لشؤون المرأة في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، حورية الطرمال، «أكثر من مجرد مؤشرات تقنية»، بل «قاعدة ضرورية لصياغة سياسات حماية تضمن للنساء حق المشاركة في الحياة العامة دون خوف أو ابتزاز».

اتساع رقعة العنف الرقمي

هذا الإقرار الرسمي والحديث عن سياسات حمائية جديدة للمرأة، ورغم أهميته، لا يبدد القلق المتنامي لناشطات وسياسيات ليبيات تحدثت إليهن «الشرق الأوسط»، حيث رأين في اتساع رقعة العنف الرقمي دليلاً على بيئة سياسية غير آمنة، لا تمس فقط مشاركة المرأة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بل أيضاً قدرتها على البقاء في المجال العام.

وزيرتا العدل والدولة لشؤون المرأة الليبيتان خلال استلام تقرير مناهضة العنف ضد المرأة في الانتخابات البلدية (وزارة شؤون المرأة)

وعبّرت ناشطات عن خوف حقيقي من أن تتحول هذه الأرقام «مؤشر ردع»، يثني نساء أخريات عن الترشح أو التعبير، ما لم تُترجم سريعاً إلى إجراءات حماية ملموسة.

في هذا السياق، ترسم العضوة البارزة في اللجنة الاستشارية المكلفة من بعثة الأمم المتحدة، جازية شعيتير، صورة صادمة لتأثير الهجمات الإلكترونية على النساء اللواتي يتمتعن بطموح سياسي، واصفة إياها بأنها «أشد وطأة» مقارنة بفئات المجتمع الأخرى.

وقالت شعيتير لـ«الشرق الأوسط» إن إشاعة واحدة في مجتمع محافظ قد تُحدث «اغتيالاً معنوياً» يدمر الأسرة، وربما يؤدي إلى الطلاق، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة لا تزال «ملفاً مسكوتاً عنه» رغم اتساعها وخطورتها.

وحسب ما أعلنت عنه وزيرة الدولة لشؤون المرأة، فقد قفزت الاعتداءات الإلكترونية في الانتخابات البلدية هذا العام بنسبة تقارب 89 في المائة، مقارنة بجولات سابقة من الانتخابات ذاتها.

وتتنوع أنماط الاعتداءات الإلكترونية بحق المنخرطات في المجال العام بين «السب والقذف والتشهير، وتزييف الصور والفيديوهات باستخدام التطبيقات والذكاء الاصطناعي»، وفق شعيتير، التي أكدت أن سهولة التخفي وراء حسابات مجهولة حولت العنف الرقمي «أداةً للابتزاز الأخلاقي وتشويه صورة النساء»، مع آثار اجتماعية مضاعفة تطول خصوصاً المترشحات.

«ظاهرة مقصودة»

يبدو أن مخاطر هذا الاستهداف باتت «ظاهرة ممنهجة ومقصودة»، وفق المحامية والناشطة الحقوقية، هالة بوقعيقيص، التي أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن اتساع منصات الاستهداف ووتيرته «يعكس نمطاً منظماً يهدد حضور المرأة في المجال العام؛ إذ لا تضر الهجمات بالسمعة فقط، بل تخلق بيئة طاردة، تمنح خصوم المرأة أداة سياسية رخيصة وفعالة».

وتحدثت الطرمال عن «رصد 85 ألف حالة عنف إلكتروني ضد النساء الليبيات المترشحات»، خلال استلام التقرير نصف السنوي لمنظومة التصدي للعنف الإلكتروني من المفوضية العليا للانتخابات.

ناشطة ليبية خلال اجتماع مع وزير الحكم المحلي بغرب ليبيا محمد الدرسي في اجتماع عن العنف ضد المرأة (صفحة الوزارة)

وفي بلد مُثقل بالأزمات السياسية والأمنية منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، يربط «منبر المرأة الليبية من أجل السلام»، وهو منظمة حقوقية تُعنى بالدفاع عن حقوق النساء، تفاقم العنف بتنامي نفوذ الميليشيات والانقسام السياسي؛ ما يجعل النساء «الفئة الأكثر هشاشة» في ظل غياب سلطة قانونية رادعة.

وتستعيد رئيسة مفوضية المجتمع المدني في طرابلس، انتصار القليب، تجربتها الشخصية مع حملات تشويه وتهديد إلكتروني استهدفتها بشكل مباشر عبر صفحات تواصل اجتماعي ليبية. غير أن القليب قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها استطاعت تحويل «المحنة إلى مساحة تأثير أوسع». وأشارت في المقابل إلى أن الاستهداف الرقمي «يزيد هشاشة النساء المنخرطات في الشأن العام»؛ إذ تدفع «الضغوط الأمنية والاجتماعية الكثيرات منهن إلى التفكير في الانسحاب خوفاً من التشهير أو الابتزاز».

موجة استهداف الناشطات

قبل أن يتصدر العنف الرقمي المشهد الليبي، شهدت البلاد موجة استهداف ميداني للناشطات؛ فقد اغتيلت المحامية والحقوقية سلوى بوقعيقيص في يونيو (حزيران) 2014، وتلتها عضوة «المؤتمر الوطني العام» السابقة، فريحة البركاوي في يوليو (تموز) من العام نفسه. كما رسخ اختفاء البرلمانية سهام سرقيوة قسرياً منذ يوليو 2019، واغتيال المحامية والناشطة المدنية الليبية حنان البرعصي في بنغازي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، حالة من الإفلات من العقاب، دفعت سياسيات وإعلاميات وحقوقيات إلى الانسحاب، أو مغادرة البلاد بسبب غياب الحماية المؤسسية.

وعلى نطاق أوسع، يُلقي حقوقيون باللائمة على حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بإجهاض أول خطة وطنية لأجندة المرأة والسلام والأمن عام 2021، بعد تجريمها، وإحالة وزيرة المرأة السابقة للتحقيق إثر توقيعها مذكرة تفاهم مع «هيئة الأمم المتحدة للمرأة»، وفق «منبر المرأة الليبية».

مجلس النواب في شرق ليبيا أصدر قانوناً لمكافحة الجرائم الإلكترونية (مجلس النواب)

في المقابل، أصدر مجلس النواب في شرق ليبيا قانوناً لمكافحة الجرائم الإلكترونية، بينما يدرس مسودة قانون خاصة بمكافحة العنف الرقمي ضد المرأة.

ومع ذلك، تؤكد حقوقيات أن المواجهة «تتطلب إجراءات عملية لا شعارات»، سواء من جانب الحكومتين في شرق ليبيا وغربها أو المجتمع المدني.

وفي هذا السياق، دعت شعيتير إلى «وضع آليات واضحة للوقاية والعقاب»، في حين ترى بوقعيقيص «ضرورة توفير دعم نفسي وقانوني للمترشحات، تتولاه جهات وطنية، وفي مقدمتها المفوضية الوطنية للانتخابات». أما القليب، فتقترح إنشاء «خط ساخن ومنصة تبليغ موحدة» داخل وزارة الداخلية أو المفوضية، وعقد اتفاقات مع شركات التواصل لحذف المحتوى المسيء فوراً، وربط الشكاوى بالأنظمة الدولية. كما دعت إلى تأسيس «وحدة متخصصة داخل النيابة العامة» لتعقب الحسابات الوهمية، وتجريم الحملات المنظمة ضد المترشحات، إلى جانب إطلاق ميثاق شرف إعلامي يمنع إعادة نشر المحتوى المسيء.

وفي خضم صدمة واسعة أحدثتها أرقام الاعتداءات الرقمية، التي طالت المترشحات في الاقتراع البلدي، تختتم منظمات نسوية عدة، ومن بينها منبر المرأة الليبية، الأربعاء، مشاركتها في حملة «الستة عشر يوماً» لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط تحذيرات متزايدة من أن الفضاء الرقمي أصبح أكثر عدائية تجاه النساء العاملات في الشأن العام.


مقالات ذات صلة

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

شمال افريقيا وزيرة العدل الأميركية بام بوندي (أ.ب)

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

أعلنت وزيرة العدل الأميركية، بام بوندي، الجمعة، القبض على زبير البكوش، أحد المشاركين الرئيسيين في الهجوم الدامي الذي استهدف المجمع الأميركي في بنغازي.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف القذافي)

مقربون من سيف القذافي يحسمون الجدل بشأن وفاته: رأينا جثمانه

حسم مقربون من الراحل سيف الإسلام القذافي الجدل بشأن وفاته، مؤكدين أنهم شاهدوا جثمانه بأنفسهم، وتأكدوا من موته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير العدل الأميركية بام بوندي رفقة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، وجانين بيرو، المدعية العامة لمنطقة كولومبيا (أ.ب)

السلطات الأميركية تقبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي

أعلنت وزير العدل الأميركية بام بوندي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ألقى القبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي الذي استهدف القنصلية الأميركية عام 2012.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا جموع من المشيّعين يطوّقون سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان سيف القذافي في مطار بني وليد (صفحات مؤيدة لسيف)

ليبيا تطوي صفحة سيف القذافي... وأنصاره يجددون «العهد»

وسط هتاف «نحن جيل بناه معمر... ولاّ يعادينا يدمّر»، جرت مراسم تشييع سيف القذافي إلى مثواه الأخير في مدينة بني وليد، وسط مشاركة وفود وأعداد كبيرة من المواطنين.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا 
قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)

جنازة نجل القذافي في بني وليد اليوم

وسط أجواء مشحونة بالحزن والغضب، نُقل جثمان سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، إلى المستشفى العام بمدينة بني وليد العام (الشمال الغربي) أمس.

جمال جوهر (القاهرة)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

وقالت الوزارة في بيان، إن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي ويقوض جهود إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

وجددت الخارجية السودانية دعمها الكامل بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية لتأمين وصول المساعدات لمستحقيها دون عوائق.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أفادت في وقت سابق بمقتل شخص وإصابة ثلاثة في قصف لقوات الدعم السريع على قافلة إغاثة لبرنامج الأغذية العالمي بشمال كردفان.


ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)

شيّعت جماهيرُ ليبية غفيرة، جثمانَ سيف الإسلام القذافي الذي ووري الثَّرى في مدينة بني وليد، أمس (الجمعة)، لتُطوى بذلك صفحةٌ من تاريخ ليبيا، كانت حافلةً بالجدل والصخب السياسي.

وجرى نقل الجثمان من مستشفى بني وليد، محمولاً على عربة إسعاف إلى ساحة مطار المدينة، حيث نُصبت هناك خيمة بيضاء كبيرة أقيمت فيها صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة. وصاحَبَ خروج الجثمان من المستشفى هتافاتٌ مدوّية ردّدها آلاف المشاركين الذين «جدّدوا العهد» لنجل العقيد الراحل معمر القذافي. كما خطب بعض رموز النظام السابق، أمام الحشود المشارِكة، مطالبين بالكشف عن قتلة سيف القذافي ومحاسبتهم.

وحصرت مديرية أمن بني وليد المشاركة في دفن سيف القذافي بجوار شقيقه خميس، وجدّه لأبيه إحميد بومنيار، على أشخاص محدودين، وعزت ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية وضمان سَير المراسم وفق ما جرى الاتفاق عليه».


رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكن يجب ألا تكون الهدنة «فرصة لتمكين العدو مجدداً»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

وأضاف البرهان، في تصريحات أدلى بها، خلال زيارة لولاية الجزيرة، ونقلها بيان مجلس السيادة، أنه يرحب «بأي شخص يضع السلاح وينحاز لطريق السلام». وأكد أن «من يحرّض ضد البلد والجيش ستجري محاسبته».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، أمس الخميس، إن بلاده تسعى سعياً حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان، وإنها توشك على تحقيق ذلك.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تُفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.