«العنف الإلكتروني»... سلاح يهدد الطموح السياسي لليبيات

تسجيل 85 ألف واقعة استهداف بحق مرشحات للانتخابات البلدية

وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)
وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)
TT

«العنف الإلكتروني»... سلاح يهدد الطموح السياسي لليبيات

وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)
وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)

أثار تقرير رسمي ليبي حديث حول العنف الرقمي ضد المرشحات في الانتخابات الليبية البلدية صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية، بعدما كشفت وزيرة ليبية عن تسجيل 85 ألف حالة استهداف إلكتروني خلال الأشهر الستة الماضية.

وشكل هذا الرقم الصادم جرس إنذار قوياً لدى سلطات غرب ليبيا؛ إذ عدته وزيرة الدولة لشؤون المرأة في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، حورية الطرمال، «أكثر من مجرد مؤشرات تقنية»، بل «قاعدة ضرورية لصياغة سياسات حماية تضمن للنساء حق المشاركة في الحياة العامة دون خوف أو ابتزاز».

اتساع رقعة العنف الرقمي

هذا الإقرار الرسمي والحديث عن سياسات حمائية جديدة للمرأة، ورغم أهميته، لا يبدد القلق المتنامي لناشطات وسياسيات ليبيات تحدثت إليهن «الشرق الأوسط»، حيث رأين في اتساع رقعة العنف الرقمي دليلاً على بيئة سياسية غير آمنة، لا تمس فقط مشاركة المرأة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بل أيضاً قدرتها على البقاء في المجال العام.

وزيرتا العدل والدولة لشؤون المرأة الليبيتان خلال استلام تقرير مناهضة العنف ضد المرأة في الانتخابات البلدية (وزارة شؤون المرأة)

وعبّرت ناشطات عن خوف حقيقي من أن تتحول هذه الأرقام «مؤشر ردع»، يثني نساء أخريات عن الترشح أو التعبير، ما لم تُترجم سريعاً إلى إجراءات حماية ملموسة.

في هذا السياق، ترسم العضوة البارزة في اللجنة الاستشارية المكلفة من بعثة الأمم المتحدة، جازية شعيتير، صورة صادمة لتأثير الهجمات الإلكترونية على النساء اللواتي يتمتعن بطموح سياسي، واصفة إياها بأنها «أشد وطأة» مقارنة بفئات المجتمع الأخرى.

وقالت شعيتير لـ«الشرق الأوسط» إن إشاعة واحدة في مجتمع محافظ قد تُحدث «اغتيالاً معنوياً» يدمر الأسرة، وربما يؤدي إلى الطلاق، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة لا تزال «ملفاً مسكوتاً عنه» رغم اتساعها وخطورتها.

وحسب ما أعلنت عنه وزيرة الدولة لشؤون المرأة، فقد قفزت الاعتداءات الإلكترونية في الانتخابات البلدية هذا العام بنسبة تقارب 89 في المائة، مقارنة بجولات سابقة من الانتخابات ذاتها.

وتتنوع أنماط الاعتداءات الإلكترونية بحق المنخرطات في المجال العام بين «السب والقذف والتشهير، وتزييف الصور والفيديوهات باستخدام التطبيقات والذكاء الاصطناعي»، وفق شعيتير، التي أكدت أن سهولة التخفي وراء حسابات مجهولة حولت العنف الرقمي «أداةً للابتزاز الأخلاقي وتشويه صورة النساء»، مع آثار اجتماعية مضاعفة تطول خصوصاً المترشحات.

«ظاهرة مقصودة»

يبدو أن مخاطر هذا الاستهداف باتت «ظاهرة ممنهجة ومقصودة»، وفق المحامية والناشطة الحقوقية، هالة بوقعيقيص، التي أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن اتساع منصات الاستهداف ووتيرته «يعكس نمطاً منظماً يهدد حضور المرأة في المجال العام؛ إذ لا تضر الهجمات بالسمعة فقط، بل تخلق بيئة طاردة، تمنح خصوم المرأة أداة سياسية رخيصة وفعالة».

وتحدثت الطرمال عن «رصد 85 ألف حالة عنف إلكتروني ضد النساء الليبيات المترشحات»، خلال استلام التقرير نصف السنوي لمنظومة التصدي للعنف الإلكتروني من المفوضية العليا للانتخابات.

ناشطة ليبية خلال اجتماع مع وزير الحكم المحلي بغرب ليبيا محمد الدرسي في اجتماع عن العنف ضد المرأة (صفحة الوزارة)

وفي بلد مُثقل بالأزمات السياسية والأمنية منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، يربط «منبر المرأة الليبية من أجل السلام»، وهو منظمة حقوقية تُعنى بالدفاع عن حقوق النساء، تفاقم العنف بتنامي نفوذ الميليشيات والانقسام السياسي؛ ما يجعل النساء «الفئة الأكثر هشاشة» في ظل غياب سلطة قانونية رادعة.

وتستعيد رئيسة مفوضية المجتمع المدني في طرابلس، انتصار القليب، تجربتها الشخصية مع حملات تشويه وتهديد إلكتروني استهدفتها بشكل مباشر عبر صفحات تواصل اجتماعي ليبية. غير أن القليب قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها استطاعت تحويل «المحنة إلى مساحة تأثير أوسع». وأشارت في المقابل إلى أن الاستهداف الرقمي «يزيد هشاشة النساء المنخرطات في الشأن العام»؛ إذ تدفع «الضغوط الأمنية والاجتماعية الكثيرات منهن إلى التفكير في الانسحاب خوفاً من التشهير أو الابتزاز».

موجة استهداف الناشطات

قبل أن يتصدر العنف الرقمي المشهد الليبي، شهدت البلاد موجة استهداف ميداني للناشطات؛ فقد اغتيلت المحامية والحقوقية سلوى بوقعيقيص في يونيو (حزيران) 2014، وتلتها عضوة «المؤتمر الوطني العام» السابقة، فريحة البركاوي في يوليو (تموز) من العام نفسه. كما رسخ اختفاء البرلمانية سهام سرقيوة قسرياً منذ يوليو 2019، واغتيال المحامية والناشطة المدنية الليبية حنان البرعصي في بنغازي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، حالة من الإفلات من العقاب، دفعت سياسيات وإعلاميات وحقوقيات إلى الانسحاب، أو مغادرة البلاد بسبب غياب الحماية المؤسسية.

وعلى نطاق أوسع، يُلقي حقوقيون باللائمة على حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بإجهاض أول خطة وطنية لأجندة المرأة والسلام والأمن عام 2021، بعد تجريمها، وإحالة وزيرة المرأة السابقة للتحقيق إثر توقيعها مذكرة تفاهم مع «هيئة الأمم المتحدة للمرأة»، وفق «منبر المرأة الليبية».

مجلس النواب في شرق ليبيا أصدر قانوناً لمكافحة الجرائم الإلكترونية (مجلس النواب)

في المقابل، أصدر مجلس النواب في شرق ليبيا قانوناً لمكافحة الجرائم الإلكترونية، بينما يدرس مسودة قانون خاصة بمكافحة العنف الرقمي ضد المرأة.

ومع ذلك، تؤكد حقوقيات أن المواجهة «تتطلب إجراءات عملية لا شعارات»، سواء من جانب الحكومتين في شرق ليبيا وغربها أو المجتمع المدني.

وفي هذا السياق، دعت شعيتير إلى «وضع آليات واضحة للوقاية والعقاب»، في حين ترى بوقعيقيص «ضرورة توفير دعم نفسي وقانوني للمترشحات، تتولاه جهات وطنية، وفي مقدمتها المفوضية الوطنية للانتخابات». أما القليب، فتقترح إنشاء «خط ساخن ومنصة تبليغ موحدة» داخل وزارة الداخلية أو المفوضية، وعقد اتفاقات مع شركات التواصل لحذف المحتوى المسيء فوراً، وربط الشكاوى بالأنظمة الدولية. كما دعت إلى تأسيس «وحدة متخصصة داخل النيابة العامة» لتعقب الحسابات الوهمية، وتجريم الحملات المنظمة ضد المترشحات، إلى جانب إطلاق ميثاق شرف إعلامي يمنع إعادة نشر المحتوى المسيء.

وفي خضم صدمة واسعة أحدثتها أرقام الاعتداءات الرقمية، التي طالت المترشحات في الاقتراع البلدي، تختتم منظمات نسوية عدة، ومن بينها منبر المرأة الليبية، الأربعاء، مشاركتها في حملة «الستة عشر يوماً» لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط تحذيرات متزايدة من أن الفضاء الرقمي أصبح أكثر عدائية تجاه النساء العاملات في الشأن العام.


مقالات ذات صلة

ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

شمال افريقيا المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)

ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

تشهد مدينة القطرون في جنوب ليبيا حالة من التوتر والاحتقان، إثر مقتل أحد أبنائها في محطة وقود، وسط اتهامات لكتيبة عسكرية بالتورط في إطلاق النار عليه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من حطام المسيّرة التي تحطمت قبل استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بالعاصمة الليبية الخميس (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

فشل هجوم بـ«مسيّرة مجهولة» على مستودع نفطي بالعاصمة الليبية

وصفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «محاولة استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بطائرة مسيّرة عن بُعد» بأنها عملية «تخريبية تمثل تهديداً  لمنظومة الإمداد».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من منشآت مصفاة الزاوية «شركة الزاوية لتكرير النفط»

هل تكبح الأحكام الرادعة شبكات تهريب الوقود في ليبيا؟

فتح حكم قضائي صدر في ليبيا، بسجن 10 مدانين على خلفية تهريب وقود وسلع غذائية إلى خارج البلاد، التساؤلات حول قدرة العقوبات المشددة على كبح شبكات تهريب الوقود.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المبعوثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه لدى توقيع اتفاق «4+4» الأحد الماضي «البعثة الأممية»

اتفاق «4+4» يرسم خريطة جديدة للنفوذ السياسي في ليبيا

رغم أن اتفاق «4+4» قد يمهد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا خلال 24 شهراً فإنه قد يعيد أيضاً رسم موازين القوى وخريطة النفوذ، بعد سنوات من الانقسام.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا معلمة ليبية في طابور بأول أيام الدراسة العام الماضي (الصفحة الرسمية لوزارة التربية والتعليم)

احتقان متصاعد بين معلمي ليبيا بسبب الأجور

يتصاعد الاحتقان بأوساط المعلمين في ليبيا مع اقتراب موعد انطلاق العام الدراسي وسط جدل بين مؤيد ومعارض لدعوات لإضراب للمطالبة بتحسين الأجور وتسوية المستحقات

علاء حموده (القاهرة)

تعاون أميركا عسكرياً مع إثيوبيا... هل دافعه الغضب من التقارب المصري - الصيني؟

دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
TT

تعاون أميركا عسكرياً مع إثيوبيا... هل دافعه الغضب من التقارب المصري - الصيني؟

دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)

جاء الاتفاق الدفاعي الذي وقعته الولايات المتحدة مع إثيوبيا قبل أيام من زيارة مهمة قام بها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، وشهدت توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات عديدة، وتزامنت مع مناورات جوية «مصرية - صينية».

وطرح هذا التقارب الزمني تساؤلات حول ما إذا كان التعاون العسكري بين واشنطن وأديس أبابا دافعه «الغضب الأميركي من القاهرة»، وما أبرز أهدافه في ظل توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي؟

وفي 21 أغسطس (آب) الماضي، جرى التوقيع على اتفاقية دفاعية بين أميركا وإثيوبيا خلال زيارة رسمية لوفد عسكري إثيوبي إلى واشنطن، كإطار استراتيجي يهدف إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني، وحماية المصالح الوطنية، وتحقيق المنافع المتبادلة بين البلدين، بحسب ما تم إعلانه رسمياً من الجانبين.

وحول ما تستهدفه واشنطن من وراء هذا الاتفاق، قال رئيس وحدة أبحاث الشؤون الأفريقية بـ«مركز معلومات» مجلس الوزراء المصري، الدكتور رأفت محمود إن «الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها مع أديس أبابا بعد سنوات من التوتر، خصوصاً على خلفية حرب إقليم تيغراي الإثيوبي والانتقادات الأميركية لسجل إثيوبيا في حقوق الإنسان».

وأوضح محمود لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يكشف عن أن إثيوبيا باتت جزءاً من حسابات أميركية أوسع تشمل أمن البحر الأحمر ومواجهة النفوذ الصيني والروسي ومكافحة الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي».

ويرى عضو البرلمان الإثيوبي محمد العروسي أن «الولايات المتحدة تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، وأمن الممرات البحرية، وتقع فيها تهديدات إرهابية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «في قلب هذه الجغرافيا توجد إثيوبيا، ذات الثقل السكاني والسياسي والعسكري في منطقة واسعة، وفيها المقر الدائم للاتحاد الأفريقي... لهذا السبب، فواشنطن لا تأتي إلى إثيوبيا بحثاً عن ورقة ظرفية، بل تعيد بناء موقعها في منطقة تتغير فيها موازين القوة».

صورة لـ«سد النهضة» (الصفحة الرسمية لرئيس الوزراء الإثيوبي على فيسبوك)

عضو الحزب الجمهوري الأميركي والخبير الاستراتيجي أدولفو فرانكو قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الاتفاق يفتقر إلى معاهدات ملزمة رسمياً، وتمويل مالي مباشر»، مضيفاً: «لا تزال جميع صادرات الدفاع المستقبلية تخضع لقيود مشددة، ويتم تقييمها بدقة على أساس كل حالة على حدة، مع مراعاة حقوق الإنسان».

ووفقاً للبرلماني الإثيوبي محمد العروسي، فقد دخلت «في مايو (أيار) الماضي، العلاقة الأميركية - الإثيوبية في إطار حوار ثنائي منظم يغطي الاقتصاد والتجارة والاستثمار والدفاع والأمن، وبعد ثلاثة أشهر فقط، شهد المسار الدفاعي تطوراً، وهذا التسلسل مهم لأنه يكشف عن أن واشنطن تتعامل مع إثيوبيا ضمن حسابات طويلة المدى».

إدارة الخلافات بدلاً من حلها

وفي اعتقاد رأفت محمود، فإن «الدعم الأميركي المتزايد لإثيوبيا قد يؤدي إلى تحسين موقعها التفاوضي، ليس فقط في ملف المياه، وإنما أيضاً في مساعيها للحصول على منفذ بحري وتعزيز حضورها في منطقة البحر الأحمر».

ومؤخراً تحدثت تقارير إعلامية عن أن التقارب الأميركي - الإثيوبي يأتي رداً من واشنطن على التقارب المصري المتزايد أخيراً مع الصين والذي توج بزيارة مهمة للرئيس الصيني إلى القاهرة هذا الأسبوع.

الرئيس المصري مرحباً بنظيره الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وهو ما رد عليه رأفت محمود بأن «التقارب المصري - الصيني ليس وليد اللحظة، وإن كانت التطورات المتعلقة به تثير حساسية واشنطن بطبيعة الحال، خاصة في ضوء تنامي التعاون الاقتصادي والأمني».

وتجدر الإشارة إلى أنه في يناير (كانون الثاني) 2026، رفعت إثيوبيا والصين علاقاتهما إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية للتعاون في جميع الظروف»، وذلك بعد عامين تقريباً من الارتقاء بالعلاقات المصرية - الصينية إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية» في عام 2024.

وعن ذلك، قال العروسي إنه «عندما تأتي واشنطن وتوسع شراكتها مع أديس أبابا، فالمشهد لا يُقرأ باعتباره استبدال شريك بشريك. بل إن المشهد يكشف عن ارتفاع القيمة الاستراتيجية لإثيوبيا نفسها».

المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي هنري إنشر، يؤكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الولايات المتحدة ترغب في شريك أمني في منطقة القرن الأفريقي. وتُعدّ إثيوبيا الخيار الأمثل نظراً لإمكانياتها. وفي حين تتنافس الصين والولايات المتحدة في أفريقيا، فإن مصر هي الشريك الأهم، لذا من غير المرجح أن تلجأ الولايات المتحدة إلى هذا الأسلوب لمواجهتها أو معاقبتها».


ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
TT

ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)

سادت حالة من التوتر والاحتقان مدينة القطرون، الواقعة في جنوب ليبيا، بعد مقتل المواطن حسين سيدي مطر (16 عاماً) إثر تعرضه لإطلاق نار أثناء وجوده في محطة وقود بالمدينة.

وتباينت الروايات بشأن الجهة التي تقف وراء إطلاق الرصاص على مطر، في ظل توجيه مواطنين اتهاماً إلى «الكتيبة 87» التابعة لـ«الجيش الوطني».

وشهدت القطرون مناوشات وكرّاً وفرّاً بين مواطنين وعناصر من «الكتيبة 87» مساء الخميس، استخدم فيها إطلاق الرصاص العشوائي، وظهر خلالها عدد من أبناء قبيلة «التبو» وهم يحملون السلاح.

صدام حفتر في زيارة إلى القطرون الليبية في نوفمبر 2025 (القيادة العامة)

وسارع «التجمع السياسي الوطني فزان» بتحميل المسؤولية كاملة لـ«الجهة المنفذة»، ومطالبة «الكتيبة 87 بتحمل كامل تبعات هذه الجريمة». ولم يعلق «الجيش الوطني» بشكل رسمي على الواقعة، لكنّ مصدراً مقرباً من القيادة العامة «أكد تقديرها لأهالي القطرون؛ وسعيها لحل أزماتهم المعيشية».

وقالت رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«تجمع فزان»، إن «ما حدث في القطرون لا يمكن قراءته بوصفه حادثة عابرة أو نزاعاً فردياً»، وعدّته «استهدافاً مباشراً للنسيج الاجتماعي ولحالة الاستقرار الهشة، التي نحاول الحفاظ عليها في الجنوب، وهو يستهدف جر المنطقة إلى مربع الفوضى والثأر».

وذهبت في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «أي اعتداء على النفس والمال والعرض مرفوض»، داعية الأجهزة الأمنية والقضائية إلى القيام بواجبها في ضبط الجناة، وتقديمهم للعدالة فوراً.

وعوّلت رانيا الصيد «على دور مجالس الحكماء والأعيان والمشايخ في القطرون، وفي عموم الجنوب»، وقالت: «دوركم اليوم ليس تشريفاً، بل تكليف؛ عليكم مسؤولية رأب الصدع، وحقن الدماء، واحتواء الفتنة قبل أن تستفحل».

مشايخ وأعيان فزان يقدمون واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)

ووصل وفد من المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان، برئاسة الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، إلى القطرون مساء الخميس، سعياً لاحتواء الأحداث المتصاعدة، وتقديم العزاء والوقوف على الوضع الراهن داخل المدينة.

وطالب «تجمع فزان» بـ«تشكيل لجنة تحقيق عاجلة وشفافة، والكشف عن نتائجها للرأي العام، وتسليم الجناة للعدالة دون تستر أو مماطلة»، داعياً إلى وقف ما سمّاه «أي إجراءات انتقامية، أو عقاب جماعي بحق أهالي القطرون، وعدم تحميل المنطقة مزيداً من الدماء والاحتقان».

ودعا التجمع في بيان أصدره، مساء الخميس، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى «تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في حماية المدنيين بالجنوب، وفتح تحقيق دولي مستقل في الواقعة»، كما طالب المجتمع الدولي بـ«التدخل العاجل لوقف هذه الأفعال التي تستهدف الأبرياء، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق الجنوب الليبي».

من جهتها، شددت رانيا الصيد على أن ليبيا «لا تحتمل مزيداً من الأزمات والانقسامات»، فيما نبهت إلى أن «ما يحدث في القطرون قد يتكرر في أي مدينة، إذا استمررنا في معالجة الأعراض وتجاهلنا الأسباب»، وحذرت «من الانجرار إلى الفتن، وخطاب الكراهية، أو تحويل المنطقة وجعلها سلاحاً في يد من يريدون لنا الفرقة».

وتخضع القطرون لسيطرة «الجيش الوطني»، ولا يوجد أي وجود لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بالمدينة، التي تعاني من أزمة نقص الوقود مثل غالبية المدن الليبية.

وقال المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان إن وفداً منه قدم واجب العزاء والمواساة إلى أهالي القطرون، «في إطار دوره المجتمعي ومساعيه للم شمل أبناء المنطقة وتوحيد الصف».

«التجمع السياسي فزان» في لقاء سابق مع محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي - 13 يوليو الماضي (مكتب المنفي)

وأوضح المجلس، الجمعة، أنه «كان في استقبال الوفد مشايخ وحكماء وشباب من أبناء التبو بالقطرون؛ وجرى خلال اللقاء البحث بشأن مجريات الحدث الذي شهدته المدينة، وسط تأكيد على أهمية التماسك الاجتماعي واحتواء تداعياته».

وأكد المجلس أن «دماء أهل فزان واحدة؛ وجرح القطرون هو جرح فزان كلها»، مشدداً على «المضي في طريق التسامح والتصالح وحقن الدماء وإحقاق الحق».

ودخلت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا على خط الأزمة، وعبرت عن قلقها حيال «تصاعد معدلات القتل خارج القانون في كثير من المدن والمناطق والبلديات»، وأرجعت ذلك إلى «الفوضى الأمنية التي يشهدها العديد من المدن في عموم البلاد، نتيجة غياب دور وزارة الداخلية والجهات الأمنية المختصة».

ودعت المؤسسة، وزارة الداخلية، ومديرية أمن القطرون، وجهاز المباحث الجنائية، ومكتب المحامي العام بدائرة محكمة استئناف سبها، إلى فتح تحقيق شامل في ملابسات واقعة قتل مطر، وتكثيف جهودها لضبط المتهمين المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة، وتقديمهم إلى العدالة.

وسبق أن التقى نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، الفريق صدام حفتر، في مدينة القطرون، مشايخها وأعيانها، ضمن زيارة موسعة شملت مدناً عديدة بالجنوب للوقوف على حالة الأمن، واحتياجات المواطنين المعيشية.


عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
TT

عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

لا يزال الطفل أيوب يحبس أنفاس الجزائريِّين، بينما تتسابق فرق الإنقاذ مع الزمن للوصول إليه بعد سقوطه داخل بئر ضيقة وعميقة في ولاية البيض، غرب الجزائر، منذ الأربعاء.

وسقط أيوب، البالغ من العمر 10 سنوات، داخل بئر جافة في بلدية الغاسول، بدائرة بريزينة، في أثناء عودته إلى منزل عائلته بعد أن كان قد حمل وجبة غداء لشقيقه الذي يرعى الأغنام، ويساعد والده في عمله.

وخلال رحلة العودة، مرَّ الطفل فوق لوح من الخشب الرقائقي كان يغطي فتحة البئر، قبل أن ينكسر اللوح تحت ثقله ويسقط أيوب إلى داخلها.

بئر بعمق 80 متراً... وفتحة لا تتجاوز 40 سنتيمتراً

وتبلغ حفرة البئر نحو 80 متراً، بينما لا يتجاوز قطر فتحتها 40 سنتيمتراً، ما جعل الوصول إلى الطفل أيوب عبر الفتحة أمراً بالغ الصعوبة.

وبحسب المعلومات المتاحة، فإنَّ البئر حُفرت بطريقة تقليدية داخل مزرعة عائلية، وهي جافة ومردومة جزئياً بالأتربة حتى عمق نحو 30 متراً، كما أنَّها غير مزودة بأنبوب تغليف خارجي، وكانت فتحتها مغطاة بلوح خشبي رقيق.

وفور الإبلاغ عن الحادث، توجَّهت مصالح الحماية المدنية الجزائرية إلى الموقع، وبدأت فرق متخصصة محاولات الوصول إلى الطفل وانتشاله.

لماذا تعذّر النزول مباشرة إلى البئر؟

إلا أن فرق الإنقاذ واجهت صعوبات كبيرة بسبب ضيق البئر وخطر انهيار التربة، الأمر الذي حال دون مواصلة محاولات النزول المباشر إليها.

ودفعت هذه المخاطر فرق الإنقاذ إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على حفر حُفرة أو خندق عميق موازٍ للبئر، للوصول إلى المستوى الذي يُعتقد أن أيوب عالق عنده.

وبعد الوصول إلى ذلك العمق، تعمل الفرق على اختراق جدار البئر أفقياً وبشكل يدوي، في محاولة للوصول إلى الطفل من دون التسبب في انهيار التربة المحيطة.

ووصف مسؤولو فرق الطوارئ عملية الإنقاذ بأنها «معقدة للغاية»؛ بسبب وعورة المنطقة وهشاشة التربة وضيق فتحة البئر وعمقها.

حفرة ضخمة موازية للبئر في سباق مع الزمن

تواصل فرق الإنقاذ الجزائرية حفر حُفرة ضخمة موازية للبئر للوصول إلى أيوب، وسط إجراءات احترازية لتفادي انهيار التربة.

وجرى تدعيم الفرق المتدخلة بوحدات متخصصة في التدخل بالأماكن الوعرة، إلى جانب الاستعانة بكاميرات مخصصة لاستكشاف الآبار، وآليات ثقيلة للمساعدة في أعمال الحفر.

كما يوجد طاقم طبي في موقع الحادث تحسباً لأي تطورات، بينما تواصل سيارات الإسعاف وشاحنات الإنقاذ والفرق المتخصصة العمل في المكان.

الجزائريون يتابعون عملية إنقاذ أيوب بقلق

إلى ذلك، عاش سكان المنطقة ساعات عصيبة وهم يتابعون محاولات إنقاذ الطفل، بينما توجَّه عدد من سكان المناطق المجاورة إلى موقع الحادث؛ بهدف المساعدة في جهود الإنقاذ.

كما يتابع الجزائريون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطورات العملية وسط حالة من القلق والترقب، بينما تواصل فرق الإنقاذ أعمالها في الموقع.

ويأتي ذلك في وقت تتسابق فيه الفرق المختصة مع الزمن للوصول إلى الطفل أيوب، في ظلِّ التعقيدات التي تفرضها طبيعة البئر والتربة المحيطة بها.

مأساة أيوب تعيد إلى الأذهان قصة الطفل ريان

وأعادت حادثة أيوب إلى الأذهان في الجزائر والمغرب قصة الطفل المغربي ريان، الذي سقط في فبراير (شباط) 2022 داخل بئر ضيقة في قرية بإقليم شفشاون شمال المغرب.

وكان عمق بئر ريان نحو 32 متراً، وتواصلت عملية إنقاذه على مدى 5 أيام، واعتمدت فرق الإنقاذ خلالها على حفر بئر موازية، ثم شق نفق أفقي للوصول إليه.

وتمكَّنت فرق الإنقاذ في نهاية العملية من الوصول إلى الطفل، قبل إعلان وفاته.

عياش... حادثة بئر أخرى هزّت الجزائر

كما تستحضر الحادثة مأساة الشاب الجزائري عياش، الذي سقط عام 2018 داخل بئر، واستمرَّت جهود إنقاذه 5 أيام، وسط متابعة واسعة من الجزائريِّين.

وشكَّلت صعوبة الوصول إلى عياش بسبب طبيعة البئر والتربة تحدياً كبيراً أمام فرق الإنقاذ، قبل انتشال جثته بعد انتهاء عمليات الحفر والإنقاذ.

وتتواصل في المقابل جهود فرق الإنقاذ الجزائرية للوصول إلى الطفل أيوب، وسط آمال بأن تنتهي العملية بإنقاذه وإخراجه سالماً من البئر.