«المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد... ما خلف حكايات الحج

 ‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
TT

«المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد... ما خلف حكايات الحج

 ‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩

في قاعة يملأها الانتباه المشدود والدهشة الصامتة، قدّم فيلم «المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد واحدة من أكثر التجارب الوثائقية قرباً من جوهر الحج وروحه، حيث لم يتجه الفيلم إلى الصورة التقليدية للجموع ولا إلى المشاهد العامة للطقوس، بل اقترب من الإنسان نفسه، من تفاصيله الصغيرة، من دوافعه، ومن تلك اللحظة التي تتحول فيها رحلة العمر إلى مرآة داخلية.

⁨بوستر الفيلم (مهرجان البحر الأحمر)⁩

من السويد.. حجّ للتعافي

تبدأ الرحلة من أقصى الشمال البارد، من السويد تحديداً، حيث يجلس الشاب يوسف بجوار والده، وهما يستعدان لمسافة تتجاوز السبعة آلاف كيلومتر نحو مكة، وقد تبدو الرحلة مجرد أداء فريضة طال انتظارها، لكن كاميرا وارد تعرف منذ البداية أن ما في داخل يوسف أكبر من مناسك، فهو يحمل ندبة الانفصال بين والديه.

والحج بالنسبة ليوسف ليس ركناً فحسب، بل محاولة لالتقاط ما تبقّى من يقين. وفي التفاصيل الصغيرة، لحظة يد الأب على كتف ابنه، ارتجافة يوسف في الطواف، بكاء والده حين يهمس بالدعاء باسمه، ينحت الفيلم رحلة تعاف أكثر منها رحلة عبادية، ويمنح الأب ابنه مساحة ليعيد ترتيب روحه، ويمنح الحج لهما فرصة نادرة لترميم علاقة شعثها الزمن.

⁨لحظة وجدانية عميقة خلال الوقوف في عرفة خلال الحج (لقطة من الفيلم)⁩

من أوغندا.. بكاء ثم ولادة

في أوغندا، يقف زوجان بسيطان أمام الكاميرا ويقولان بوضوح عفوي: «لسنا متدينين كثيراً... لكننا نعرف أن الحج ركن عظيم»... كلمات تبدو عادية، لكنها تخفي خلفها سنوات طويلة من محاولات الإنجاب التي لم تُكتب لها نتيجة، حيث يروي الزوجان كيف خصّصا كل ما ادّخراه للحج، وكيف توقّفا عن شراء «الأشياء الرفاهية» لأجل ذلك.

تتصدّر الزوجة المشهد بعفويتها ودموعها في يوم عرفة، تتوسّل بلا انقطاع، كأنها تحمل على كتفيها ثقل الضغوط العائلية والمجتمعية التي طاردتها لسنوات. وبعد العودة إلى أوغندا، يعود الفيلم إليهما في واحدة من أكثر لحظاته تأثيراً، حيث يعلن أن الزوجة حامل. وبعد أشهر تُنجب ابنة تغيّر شكل الأسرة كلّه، ولا يتعامل وارد مع الحدث بوصفه معجزة، بل بوصفه بُشرى، وواحدة من تلك اللحظات التي يدخل فيها اليقين القلب من بابٍ لا يراه أحد.

⁨داخل صالة العرض الأول للفيلم في مهرجان البحر الأحمر (تصوير: إيمان الخطاف)⁩

من برمنغهام... انتصار «مريم»

من بريطانيا تأتي واحدة من أكثر الحكايات عمقاً، لزوج من الصم، ترافقه زوجته مريم التي تولّت دور المترجمة طوال الرحلة، لكن التركيز هذه المرة ليس على الزوج، بل على مريم نفسها، فهي امرأة تخفي وراء ابتسامتها فوبيا من الحشود، وقلقاً اجتماعياً يربك تواصلها مع الآخرين. وفي مكة، حيث لا هروب من الزحام، تجد مريم نفسها فجأة في مواجهة أقسى مخاوفها.

في لقطات حقيقية وشفافة، نراها تتعثر، ترتبك، تلتفت يميناً ويساراً كمن يبحث عن مخرج. لكن الحج - كما يُبيّن الفيلم - ليس مكاناً للانكسار، بل للاكتشاف. وحين تعود مريم إلى برمنغهام، تعترف بأنها تغيّرت، قائلة: «لم أعد الشخص ذاته»، تقول وهي تبتسم: «تجاوزت شيئاً كبيراً»، وتترك الجملة معلّقة، كأنّها تشير إلى أن الطريق إلى مكة لم يكن يتجه جنوباً فحسب، بل إلى داخلها أيضاً.

آباء وأمهات يغيّرهم الحج

ومن قلب كينيا، تعرف الكاميرا طريقها إلى رجل آخر، لكنه هذه المرة ليس حاجاً، بل مرافق لآلاف الحجاج عبر ثلاثة عقود، عبر قائد حملة كيني يروي تجربته في خدمة ضيوف الرحمن، وتلمع عيناه حين يتحدث عن ابنه الصغير، الذي يحلم بأن يواصل المسيرة من بعده، ما يمنح الفيلم صوتاً نادراً لفئة لا تظهر كثيراً في الأعمال الوثائقية، وهم أولئك الذين يعيشون موسم الحج عاماً بعد عام، يحفظون تفاصيله، وينقلون خبرته جيلاً بعد جيل، ويعرفون معنى العطاء وسط المدّ البشري أكثر من أي أحد آخر.

أما من رينهام في المملكة المتحدة، فتأتي قصة امرأة بريطانية لم تستطع أداء الحج إلا بصحبة ابنها حمزة، بوصفه محرماً. يتحوّل الحج إلى مساحة لإعادة اكتشاف العلاقة بينهما. وفي لقطات صادقة، تُرى الأم وهي تحاول إخفاء دهشتها من نضج ابنها، فيما يمشي حمزة بجوارها بثقة تُشعرها بالأمان.

رحلة زوجين نحو الحج من لندن إلى مكة المكرمة (لقطة من الفيلم)

من لندن... زوجان وحياة جديدة

ويمضي الفيلم إلى لندن، حيث تعيش امرأة تركت الصلاة فترةً طويلة ثم شعرت بإحساس عميق بعدم الارتياح، قبل أن تقرر تغيير مسار حياتها، ونظرة واحدة في عينيها تكفي لتفهم أن الحج بالنسبة لها ليس قراراً عابراً، حيث تقول: «أريد تهذيب روحي»، وهي تستعد للسفر مع زوجها الذي يمر هو الآخر بأزمة ضياع روحي بعد سنوات ابتعد فيها عن العبادة.

يقرر الزوجان خوض الرحلة معاً، كأنهما يختبران إمكانية بناء حياة جديدة فوق أرضٍ أكثر ثباتاً، وخلال الحج، يتغيّر شيء داخلهما، إذ يقتربان، يتساندان، ويبدو أنّهما يجدان في رحلة المشاعر والإيمان ما لم يجداه في المحاولات اليومية، وفي واحدة من أجمل لقطات الفيلم، يتبادل الزوجان نظرة صامتة في يوم عرفة، نظرة تكفي لتشرح كل شيء.

لوحة إنسانية تجمعها مكة

لا يقدم «المد البشري» الحج بوصفه حدثاً ضخماً فحسب، بل بوصفه حدثاً فردياً، فلا الجموع هي البطل، ولا الشعائر، بل هؤلاء الأفراد الذين يقفون في قلب الزحام، حاملين قصصهم السرية، جروحهم، رغباتهم، صلواتهم، أسئلتهم التي لا يجرأون على قولها بصوتٍ مرتفع. ويمزج المخرج وارد بين أصوات أبطاله، كما يتيح لهم مساحات طويلة للسرد، لتتكوّن من القصص الست لوحة كبيرة، تتجاوز الحدود الدينية والجغرافية، وتكشف عن أن الحج بكل روحه وقدسيته ليس فقط رحلة نحو مكان، بل رحلة نحو الذات.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».