اتساع الهوّة بين كييف وواشنطن وتعقيدات أوروبية تُربك مستقبل خطة ترمب لوقف الحرب

الرئيس الأميركي يشن أكبر هجوم على الأوروبيين ويدعو لانتخابات جديدة في أوكرانيا

الرئيس الأوكراني في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)
TT

اتساع الهوّة بين كييف وواشنطن وتعقيدات أوروبية تُربك مستقبل خطة ترمب لوقف الحرب

الرئيس الأوكراني في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)

برزت خلال الساعات الماضية مؤشرات جديدة على تعقّد المسار الدبلوماسي المتعلق بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بعد أن قدّم ترمب، في مقابلة مطوّلة مع صحيفة «بوليتيكو»، أكثر تصريحاته حدّة تجاه الحلفاء الأوروبيين، منتقداً ضعف قيادتهم، ومشدّداً على أن روسيا «في موقع أقوى بوضوح» من أوكرانيا.

زيلينسكي في روما مع جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)

وقد تزامن ذلك مع مساعٍ أوكرانية حثيثة لشرح النسخة المعدّلة من خطة السلام، مع وصول الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى روما لمواصلة حملته الدبلوماسية وتثبيت الخطوط الحمراء التي تتمسّك بها كييف، وعلى رأسها رفض التنازل عن أي جزء من الأراضي الأوكرانية لصالح موسكو.

هذه التطورات، التي جاءت قبل تقديم كييف رسمياً نسختها المعدّلة من الخطة إلى واشنطن، دفعت المسؤولين الأوروبيين إلى التحرك بكثافة خلال اليومين الماضيين، في محاولة للحدّ من الفجوة الآخذة بالاتساع بين موقفي كييف والإدارة الأميركية.

وفي المقابلة التي أجرتها معه «بوليتيكو» في البيت الأبيض، قدّم الرئيس الأميركي تقييماً قاتماً لأداء أوروبا السياسي والعسكري، واصفاً دولها بأنها «تتدهور» وتقاد من قبل «أشخاص ضعفاء». ولم يتردد ترمب في القول إن أوروبا «لا تعرف ما الذي يجب فعله»، وإنها عاجزة عن وقف الحرب في أوكرانيا أو ضبط الهجرة.

لكن النقطة الأكثر حساسية كانت عندما قال إن «روسيا في وضع أقوى بوضوح من أوكرانيا»، وإن من الضروري التوصل إلى تسوية «واقعية» تنهي الحرب، في تلميح واضح إلى ضرورة تقديم كييف تنازلات. وأضاف أن إدارته قدّمت «خطة جديدة» يعتبر بعض المسؤولين الأوكرانيين أنها «جيدة»، لكنه اتهم زيلينسكي بعدم قراءتها بعد، وقال: «سيكون من الجيد لو قرأها».

زيلينسكي مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر بمقر إقامته في بلدة كاستل جاندولفو الواقعة بالقرب من روما (أ.ب)

كما استخدم ترمب لغة حادّة تجاه القادة الأوروبيين الذين يحاولون تثبيت موقف أوكرانيا، قائلاً إنهم «يتحدثون بلا نتيجة» وإن الحرب «تستمر لأنهم لا ينتجون شيئاً». ولم يقدّم أي ضمانات لأوروبا بشأن استمرار دعم واشنطن إلى جانب أوكرانيا، ما زاد القلق في العواصم الأوروبية التي رأت في تلك التصريحات إشارة إضافية على احتمال تغيير جوهري في موقع الولايات المتحدة داخل منظومة الأمن الأوروبي.

زيلينسكي: لا تنازل والخطة المعدّلة جاهزة

في المقابل، واصل الرئيس الأوكراني جولة دبلوماسية ماراثونية، بدأت في لندن ثم بروكسل، والتقى في روما الثلاثاء مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، بشأن نسخة جديدة من خطة السلام. والتقى أولاً مع بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، بمقر إقامته في بلدة كاستل جاندولفو، الواقعة بالقرب من روما. وتهدف الجولة إلى شرح التعديلات التي أدخلتها كييف على خطة ترمب، وإقناع الحلفاء الأوروبيين والأميركيين بضرورة تثبيت مبدأ احترام «الحدود الدولية المعترف بها».

قادة «الترويكا الأوروبية» مع الرئيس الأوكراني قبل انطلاق اجتماعهم في «10 داوننغ ستريت» بلندن أمس (أ.ف.ب)

وقال زيلينسكي، عقب اجتماعه مع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا في لندن، إن الخطة المنقحة تتضمن «20 نقطة»، لكنها لا تحتوي على أي بند يتعلق بالتنازل عن أراضٍ، مؤكداً أن هذا المسار «غير قابل للتفاوض». وأضاف: «هناك قضايا معقدة جداً تتعلق بالأراضي. لم نتوصل إلى أي حل وسط، ولن يكون هناك حل وسط على حساب وحدة أوكرانيا».

وذكر زيلينسكي أن كييف ستقدّم، الثلاثاء، النسخة المعدّلة من خطتها إلى الولايات المتحدة، في إشارة إلى محاولة إعادة التوازن إلى المسودة الأميركية – الروسية التي اعتُبرت في أوكرانيا وأوروبا «مواتية جداً» لموسكو.

وفي بروكسل، حظي زيلينسكي بدعم واضح من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته، الذين أكدوا أن أي اتفاق سلام يجب أن «يحترم سيادة أوكرانيا ويوفر ضمانات أمنية طويلة المدى». وأصدرا الرسالة نفسها في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وجاء في منشوراتهما: «يجب احترام سيادة أوكرانيا. ويجب ضمان أمنها على المدى الطويل، كخط دفاع أول لاتحادنا».

قادة «الترويكا الأوروبية» مع الرئيس الأوكراني عند مدخل مقر رئاسة الوزراء البريطانية في لندن الاثنين (أ.ب)

لكن قدرة أوكرانيا على المقاومة السياسية تتعرض لاختبار معقّد، بعدما انفجرت في كييف خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة فضائح فساد داخل الدائرة المقربة من الرئيس، أدت إلى استقالة مسؤولين بارزين. ويرى مراقبون أن موسكو وواشنطن تستغلان هذا الضعف النسبي للضغط على زيلينسكي للقبول بصيغة تسوية تتيح وقف الحرب سريعاً، وهو ما أشار إليه ترمب في مقابلته حين دعا إلى «انتخابات جديدة» في أوكرانيا، معتبراً أن «الديمقراطية تحتاج إلى تجديد».

هذه التصريحات اعتُبرت في كييف محاولة للضغط السياسي، خصوصاً في وقت تواجه فيه الجيش الأوكراني ظروف ميدانية صعبة: تقدّم روسي تدريجي في الشرق، نقص في الذخائر، إرهاق بشري، وتدمير متكرر لمنشآت الطاقة.

أوروبا بين دعم كييف والقلق من واشنطن

من جانبها، تحاول أوروبا لعب دور «الضامن» لموقف أوكرانيا، لكن هامش تأثيرها يبدو محدوداً في ظل انفراد واشنطن بمسار التفاوض المباشر مع موسكو وكييف. ففي لندن، شدد كل من ماكرون وستارمر وميرتس على أن أوروبا لن تقبل «فرض» تسوية تمنح موسكو مكاسب إقليمية لم تنتزعها بالقوة.

ويخشى الأوروبيون أن يؤدي أي «تنازل» أميركي للكرملين إلى زعزعة التوازن الأمني في القارة. ويكرر قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا أن الخطة الأميركية - الروسية الأولى كانت «مائلة بشكل واضح لصالح موسكو»، وأن النسخة الجديدة يجب أن تُراجع بالكامل قبل تبنّيها.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لندن الاثنين (إ.ب.أ)

وتُعقّد مسألة الأصول الروسية المجمّدة المشهد أكثر. فخلال الاجتماعات الأخيرة، ضغطت دول البلطيق وبولندا لإقرار آلية فورية لاستخدام أرباح تلك الأصول لتمويل احتياجات أوكرانيا، غير أن اليابان رفضت الانضمام لهذا المسار، فيما طرحت الولايات المتحدة تحفظات قانونية وسياسية. هذا الأمر يترك أوروبا أمام عبء مالي كبير، في وقت تواجه فيه كييف عجزاً قد يصل إلى 70 مليار يورو العام المقبل. كما تخشى دول مثل بلجيكا من أخطار قانونية محتملة إذا قررت استخدام الأموال من دون غطاء دولي واضح.

الرئيسان الفرنسي ماكرون والأوكراني زيلينسكي ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر ونظيره البولندي تاسك والمستشار الألماني ميرتس في كييف يوم 10 مايو (إ.ب.أ)

مستقبل خطة ترمب

على الرغم من محاولات كييف إعادة التوازن إلى الخطة، فإن الفوارق بين المواقف لا تزال واسعة. فتمسّك أوكرانيا بسيادتها ورفضها التخلي عن الأراضي يصطدمان برؤية أميركية تميل إلى «الحلول الوسط»، كما قال ترمب، فيما تبدو موسكو غير مستعدة للتراجع عن مطالبها القصوى، وفي مقدمتها تثبيت سيطرتها على كامل دونباس.

أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن شكوكه حيال فرص نجاح المفاوضات الجارية للتوصل إلى حل سلمي في أوكرانيا، في ظل إصرار روسيا على مطالبها بضم أراضٍ أوكرانية.

وقال الوزير الثلاثاء على هامش زيارته للصين: «لست متأكداً بعد من أنه سيكون هناك في نهاية المطاف ورقة قابلة للتوافق على الطاولة»، مضيفاً أن العمل الجاد على صياغة ورقة تسوية أمر إيجابي، لكنه أشار إلى أنه كلما تقدمت المفاوضات، ازدادت صعوبة القضايا المتبقية، وقال: «القضايا الإقليمية كانت منذ البداية من أصعب الملفات»، مشدداً على أن الأوكرانيين وحدهم هم من يمكنهم اتخاذ القرار بشأنها في نهاية المطاف، وقال: «ومن الواضح أن هذه القرارات لن تكون سهلة عليهم».

صورة للقاء عاصف بين ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ف.ب)

في المقابل، يظهر الأوروبيون مستنفرين لمنع اتفاق يُفرض على أوكرانيا تحت ضغط الظروف، إلا أن قدرتهم على التأثير في صياغة الخطة النهائية تبقى موضع شك. ويشير دبلوماسي أوروبي إلى أن «الضمانات الأمنية» تبقى العقدة الأكبر. فكييف تريد التزامات صريحة تردع موسكو، بينما تميل واشنطن في بعض نسخ الخطة إلى تجميد مسار انضمام أوكرانيا إلى «الناتو». وهكذا، ومع نهاية العام الرابع من الحرب، تتقاطع الضغوط والمواقف المتعارضة لتصنع لحظة تفاوضية تبدو الأكثر حساسية منذ بدء الغزو. فبين رغبة إدارة ترمب في إنهاء الحرب سريعاً، وتمسّك كييف بسيادتها، ومحاولة أوروبا منع تسوية مجحفة، ينفتح المشهد على مرحلة طويلة من المدّ والجزر، قد تحدد شكل الأمن الأوروبي لسنوات وربما عقود مقبلة.

زيلينسكي وستارمر خلال لقاء «تحالف الراغبين» في لندن يوم 24 أكتوبر (إ.ب.أ)

استهدافات ميدانية متبادلة

أعلن سلاح الجو في أوكرانيا، الثلاثاء، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 84 من أصل 110 طائرات مسيرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على شمال وجنوب وشرق البلاد خلال الليل. قال أوليه هريهوروف حاكم منطقة سومي الأوكرانية إن طائرات روسية مسيرة هاجمت المدينة التي تحمل الاسم نفسه في وقت متأخر الاثنين، في ثاني هجوم كبير على سومي خلال 24 ساعة، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي. وكتب الحاكم على «تلغرام»: «في غضون نصف ساعة، شن الروس أكثر من 10 غارات بطائرات مسيرة على المدينة. لا توجد كهرباء في سومي. تعمل بعض البنى التحتية الحيوية على مصادر الطاقة الاحتياطية». وكانت مدينة سومي، التي كان يقطنها نحو 250 ألفاً قبل اندلاع الحرب في فبراير (شباط) 2022، هدفاً متكرراً للهجمات الروسية.

صورة جماعية في البيت الأبيض تضم الرئيسين دونالد ترمب وفولوديمير زيلينسكي وقادة أوروبيين 18 أغسطس 2025 بمناسبة محادثات حول أوكرانيا (رويترز)

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الثلاثاء، أن قوات الدفاع الجوي الروسية تمكنت خلال الليل من اعتراض وتدمير 121 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق روسية. وقال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية الجنرال فاليري جيراسيموف، الثلاثاء، إن قوات موسكو تتقدم على طول خط الجبهة بالكامل في أوكرانيا وتستهدف القوات الأوكرانية المحاصرة في بلدة ميرنوهراد.

وأضاف في اجتماع عقد مع ضباط من المجموعة المركزية التي تقاتل في منطقة دنيبروبيتروفسك الأوكرانية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعطى أوامر بهزيمة القوات الأوكرانية في ميرنوهراد، وهي مدينة كان عدد سكانها قبل الحرب يبلغ نحو 46 ألف نسمة وتقع إلى الشرق من بوكروفسك. وتابع بأن روسيا سيطرت على أكثر من 30 في المائة من مباني ميرنوهراد. ونفت أوكرانيا مراراً المزاعم الروسية بسقوط بوكروفسك، وتقول إن قواتها لا تزال تسيطر على جزء من المدينة وتقاتل في ميرنوهراد. وتقول أوكرانيا إنها تحافظ على خطوطها الدفاعية وتجبر روسيا على دفع ثمن باهظ مقابل ما تصفه بمكاسب محدودة نسبياً.


مقالات ذات صلة

موسكو تنفي تقارير أوكرانية عن تحالف متسللين إلكترونيين إيرانيين وروس

أوروبا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز) p-circle

موسكو تنفي تقارير أوكرانية عن تحالف متسللين إلكترونيين إيرانيين وروس

ذكرت «الخارجية الروسية»، الأربعاء، أن التقييمات الأوكرانية التي تفيد بأن متسللين إلكترونيين من الروس والإيرانيين يتعاونون في مجال الأمن الإلكتروني غير صحيحة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد السفينة «غويل» غادرت ميناء أوست لوغا الثلاثاء محملة بـ700 ألف برميل من النفط (إكس)

ميناء أوست لوغا الروسي يستأنف تصدير النفط

استأنف ميناء أوست لوغا الروسي على بحر البلطيق تصدير النفط، رغم هجمات تنفَّذ بطائرات مُسيَّرة، وفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجال إنقاذ يحملون جثة من الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية بوسط ​مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (رويترز)

فانس يرى أن حرب أوكرانيا هي «الأصعب» ويتهم أوروبا بالتقصير تجاهها

اتهم نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، الأربعاء، القادة الأوروبيين بالتقصير وعدم بذل جهود كافية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)

خاص هل تعود عاصمة القياصرة إلى عمق سيبيريا؟

دقت حرب إيران جرس إنذار كبيراً داخل روسيا؛ إذ تحوَّل النقاش حول ضرورات نقل مراكز صنع القرار والمرافق الاقتصادية شرقاً... نحو سيبيريا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا جنديان روسيان يستعدان لإطلاق قاذفة قنابل يدوية باتجاه مواقع أوكرانية (أ.ب)

روسيا تؤكد مصرع 16 كاميرونياً كانوا يقاتلون في صفوف قواتها بأوكرانيا

أكّدت روسيا مقتل 16 كاميرونياً كانوا يقاتلون في صفوف قواتها في الحرب ضد أوكرانيا، وفق ما أوردت مذكّرة داخلية للحكومة الكاميرونية، نُشرت الاثنين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ترمب: الجيش الأميركي سيبقى منتشراً قرب إيران حتى يتم التوصل إلى «اتفاق حقيقي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب  (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: الجيش الأميركي سيبقى منتشراً قرب إيران حتى يتم التوصل إلى «اتفاق حقيقي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب  (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الأربعاء أن القوات الأميركية المنتشرة قرب إيران ستبقى متمركزة في المنطقة إلى حين التوصل إلى «اتفاق حقيقي»، وذلك إثر بدء سريان وقف هشّ لإطلاق النار مع طهران لمدة أسبوعين.

 

وكتب ترامب على منصته «تروث سوشال» أن «كل السفن والطائرات والأفراد العسكريين الأميركيين، بالإضافة إلى الذخائر والأسلحة الإضافية، وكل ما هو مناسب وضروري لإلحاق الهزيمة الساحقة بالعدو الذي أُضعف بشكل كبير، ستبقى في مواقعها داخل إيران وحولها إلى حين الالتزام الكامل بالاتفاق الحقيقي الذي تم التوصل إليه».

 

 


تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

TT

تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية، أن الرئيس دونالد ترمب يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذين يعتقد أنهم لم يقدموا الدعم الكافي للولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب على إيران.

وأضاف التقرير أن المقترح يتضمن سحب القوات الأميركية من دول بالحلف تعدها واشنطن غير متعاونة في حربها على إيران، ونشرها في دول قدمت دعماً أكبر للحملة العسكرية الأميركية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض، الأربعاء، إن الرئيس الأميركي يعتقد أن حلف شمال الأطلسي «تعرض للاختبار وفشل» خلال حرب إيران، إذ نقلت عنه تصريحاً مباشراً قبل اجتماعه مع الأمين العام للحلف مارك روته في البيت الأبيض.

ويستقبل ترمب أمين عام الحلف في وقت دفعت فيه حرب إيران علاقات الولايات المتحدة مع دول أخرى في الحلف إلى مرحلة الأزمة.

وهدد الرئيس الجمهوري بالانسحاب من الحلف، الذي يضم 32 دولة، وانتقد حلفاءه الأوروبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية، معتبراً أن دعمهم للحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران غير كاف.

وأدى الخلاف المتعلق بحرب إيران إلى تفاقم القلق على جانبي الأطلسي بشأن ملفات أخرى مثل أوكرانيا وغرينلاند والإنفاق العسكري.

وقال أحد المسؤولين الأوروبيين اللذين شاركا في محادثات تتعلق بالأمر إن مسؤولين أميركيين كباراً أكدوا في أحاديث خاصة للحكومات الأوروبية على أن الإدارة الأميركية لا تزال ملتزمة بالحلف.

وقالت أوانا لونجيسكو، المتحدثة السابقة باسم الحلف، وحالياً مع معهد «رويال يونايتد سيرفيس»، وهو مجموعة بحثية مقرها لندن: «هذه مرحلة حرجة للتحالف عبر الأطلسي».

وقال دبلوماسيون إن من المرجح أن يحاول روته إقناع ترمب بتخفيف انتقاداته العلنية للحلف مع إبراز الخطوات التي اتخذتها الدول الأوروبية لزيادة الإنفاق الدفاعي.


قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

حين خرج وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كاين، إلى منصة البنتاغون، صباح الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2026، لم يقدّما رواية انتصار نهائي بقدر ما رسّخا وصفاً أدقّ: «تجميد مؤقت لحرب مفتوحة».

فالإدارة الأميركية أرادت أن تقول إن «عملية الغضب الملحمي» حققت أهدافها العسكرية، وإن إيران وافقت على وقف إطلاق النار من موقع الضعف. لكنّ مضمونَ المؤتمرِ نفسَه كشف عن أن جوهر النزاع لم يُحسم: مضيق هرمز لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، وملف اليورانيوم عالي التخصيب ما زال مفتوحاً، والتفاوض المرتقب في إسلام آباد يبدأ من روايتين متناقضتين لا من أرضية مشتركة صلبة. هذا التناقض هو ما يجعل منطقة الشرق الأوسط الساحةَ الأكبرَ عرضةً لارتدادات الأسبوعين المقبلين، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط».

تدمير قدرات إيران

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي الأربعاء، إن واشنطن «دمّرت تماماً القاعدة الصناعية للدفاع في إيران». وصرّح هيغسيث: «لم يعودوا قادرين على صناعة صواريخ وقذائف ومنصات إطلاق أو مسيّرات. دُمّرت مصانعهم». وأعلن أن «(عملية الغضب الملحمي) شكّلت نصراً تاريخياً ساحقاً على أرض المعركة»، في إشارة إلى التسمية الأميركية للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأكّد أن هذه العملية «سحقت القوات العسكرية لإيران، وجعلتها عاجزة عن القتال للسنوات المقبلة».

كما حذّر هيغسيث بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه. وقال: «نعرف ما عندهم، وسيسلّمونه، وسنحصل عليه، وسنأخذه إن اضُطررنا إلى ذلك... يمكن القيام بهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة».

رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، دان كاين: «هاجمنا مع شركائنا نحو 90 في المائة من مصانع الأسلحة»، بينها «كلّ مصانع إنتاج المسيّرات المفخخة من نوع (شاهد)»، فضلاً عن «كلّ المعامل التي تُنتج أنظمة التوجيه» الخاصة بهذه المسيّرات. وبشأن الأسطول البحري، أوضح كاين أن «الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعيد إيران بناء المنشآت القتالية السطحية».

وأفاد الجنرال بأن «نحو 80 في المائة من القاعدة الصناعية النووية الإيرانية استُهدفت؛ مما قوّض من شكل أكبر محاولات تطوير السلاح النووي». وحذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن القوات الأميركية جاهزة لاستئناف القتال مع إيران في حال انتهاء الهدنة بين البلدين. وقال: «لنكن واضحين، وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، والقوات المسلحة تبقى على أهبة الاستعداد؛ إذا صدرت الأوامر أو طُلب منها ذلك، لاستئناف العمليات القتالية بالسرعة والدقة نفسيهما اللتين أظهرناهما خلال الأيام الـ38 الماضية».

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب 52 ستراتوفورتريس» داخل القاعدة الجوية «فيرفورد» في بريطانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتشير تصريحات كاين، وتلويحه باستئناف القتال، إلى أن إعلان تعليق الحرب جاء تحت التهديد الأميركي، وفق مايكل روبين، الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز». أما عن استعادة حرية الملاحة، فلم تُشر تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أنها باتت أمراً محسوماً، واكتفت بالتشديد على ضرورة «ضمان امتثال إيران» ومرور السفن بأمان.

في الوقت نفسه، استمرت مؤشرات إلى أن سفناً تلقت رسائل من قوات إيرانية تُفيد بأنها تحتاج إلى إذن لعبور المضيق؛ مما يعني أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة: فتح هرمز مشروط بالاعتراف بدور رقابي أو سيادي لها. وإذا صحّ ذلك، فإن المنطقة، والاقتصاد العالمي، يدخلان مرحلة تختلف عن مجرد وقف إطلاق النار؛ لأن الخطر ينتقل من الصواريخ إلى قواعد المرور والتأمين والتسعير والرسوم البحرية.

أبرز نقاط الخلاف

تصريحات قادة البنتاغون، وما تبعها من تصريحات ترمب، كشفتا عن أن الخلاف الحقيقي ليس على وقف النار نفسه، بل على تعريف ما بعده. فواشنطن ترفض استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتُطالب بتسليم المخزون عالي التخصيب أو «أخذه» بالقوة إذا لزم الأمر. أما الروايات المتداولة في الإعلام الإيراني عن «النقاط العشر» لاتفاق وقف النار، فتذهب في اتجاه مختلف تماماً: الاعتراف بحق إيران في التخصيب، ورفع العقوبات، من دون وضوح بشأن مصير المخزون المخصب. هُنا تحديداً يكمن التناقض البُنيوي الذي قد يُقوّض جولة التفاوض منذ يومها الأول، وفق روبين.

إيرانيون يحتفلون في طهران بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الشق الثاني من الخلاف يتعلق بنطاق التهدئة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل أوضحتا أن وقف النار مع إيران لا يعني وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ضد «حزب الله»، فيما توالت تقارير بشأن استمرار هجمات صاروخية ومسيّرة على دول الخليج في الساعات التي تلت الهدنة؛ هذا يعني أن المنطقة تواجه نسخة من «خفض التصعيد الانتقائي» وفق مراقبين؛ أي تهدئة مباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل بقاء ساحات الوكلاء والرسائل المتبادلة مفتوحة.

كما أن تصريحات هيغسيث عن أن واشنطن كانت مستعدة، قبل ساعات، لضرب محطات كهرباء وجسور وبنية نفطية وطاقوية «لا يمكن لإيران إعادة بنائها» تكشف عن أن قرار الهدنة لم ينبع من تسوية مكتملة، بل من تعليق ضربة تصعيدية هائلة ضد طهران. لذلك؛ يبدو وقف النار أشبه بمهلة اختبار: فإذا استجابت طهران لشروط الملاحة وتسليم اليورانيوم، فقد تستمرّ الهدنة وتُمهّد لنهاية فعلية للحرب. أما إن لم تستجب، فقد تعود الولايات المتحدة إلى خيار التدمير الشامل للبنية التحتية.

هشاشة الاتفاق

القراءة الأرجح أن المنطقة تدخل فترة هدوء تكتيكي، يعتمد على مخرجات المفاوضات في إسلام آباد ومدى التزام الجانبين شروط وقف النار.

رجال إطفاء يعملون على إخماد حرائق جراء غارة إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول رزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني بـ«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يرى ما جرى «توقفاً في القتال» أكثرَ منه نهاية له، وإن الهدنة «هشة بالفعل، لكنها مرجّحة الصمود». في المقابل، بدا أكبر تشككاً تجاه المفاوضات نفسها، متوقعاً «ألّا تفضي إلى شيء حاسم، وأن نشهد فترة توقف مطوّلة قبل بدء المرحلة التالية». وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه يُميّز بين قدرة الأطراف على تجميد النار مؤقتاً، وعجزها عن إنتاج اتفاق نهائي بشأن أسباب الحرب نفسها.

أما مايكل روبين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل اتفاق يجلب السلام»، لافتاً إلى أن فكرةَ فرض إيران رسوماً على الملاحة أو التعامل مع المنطقة كأنها مجالها الخاص «فكرةٌ سخيفة».