الصين بوصفها قوّة بحريّة... هل تكسر استراتيجية الاحتواء الأميركية؟

مروحية تابعة للبحرية الصينية خلال رحلة استطلاعية فوق بحر الصين الجنوبي (أرشيفية - أ.ب)
مروحية تابعة للبحرية الصينية خلال رحلة استطلاعية فوق بحر الصين الجنوبي (أرشيفية - أ.ب)
TT

الصين بوصفها قوّة بحريّة... هل تكسر استراتيجية الاحتواء الأميركية؟

مروحية تابعة للبحرية الصينية خلال رحلة استطلاعية فوق بحر الصين الجنوبي (أرشيفية - أ.ب)
مروحية تابعة للبحرية الصينية خلال رحلة استطلاعية فوق بحر الصين الجنوبي (أرشيفية - أ.ب)

بعد 600 عام، تعود الصين إلى الانفتاح على مجال القوّة البحريّة؛ فالصين بطبيعتها الجغرافيّة، تُصنّف على أنها بلد قاري وبحري في الوقت نفسه. لها حدود بريّة مع 14 دولة بطول 22117 كيلومتراً، أما الحدود البحريّة فهي بطول 18 ألف كيلومتر.

في القرن الخامس عشر، كانت الصين تملك أكبر أسطول بحريّ يُقدّر بنحو 300 سفينة حربيّة (حالياً تملك 370). في ذلك الوقت، كانت الهيمنة البحريّة لها من دون منازع، إن في المحيط الهادئ أو في المحيط الهندي. والغريب في الأمر، أن القائد البحري آنذاك زينغ هي (Zheng He)، لم يكن حتى من إثنيّة الهان. فهو مسلم ومن أصل مغولي، كان قد أدّى فريضة الحج في ذلك الوقت. لم تكن تهدف رحلات زينغ البحريّة في المحيطين إلى إخضاع الشعوب؛ لا بل قامت على جمع الجزية والتبادل الحضاري، خصوصاً أن سفنه كانت تحمل إلى جانب الجنود، مترجمين وأطباء.

في ذلك الوقت، شكّلت المحيطات جسراً للوصل بين الحضارات، وليس جسراً لتسهيل الاستعمار. لكن هذا لا يعني أن العصا لم تكن موجودة، لكنها كانت ترافق «القوة الطريّة». مات زينغ في آخر رحلة له، وألقيت جثّته في البحر. بعده، قرّرت سلالة المينغ الحاكمة للصين الانكفاء البحريّ، والتعامل مع الخطر المغولي المقبل من الشمال.

عَلما الصين وتايوان (رويترز)

تبدّل العالم، ومرّت الصين بكثير من الأزمات، خصوصاً قرن الإذلال من الغرب والمحيط المباشر - اليابان. بعدها، بدأت نظريّة نابليون تتظهّر، حين قال: «الصين نائمة، فدعوها تنَم، لأنه عندما تستيقظ ستهز العالم».

انتقلت الصين تدريجياً من الدفاع الشاطئيّ، أو ما يُسمّى استراتيجيّة الردع عبر المنع (Green Navy-Denial) إلى البحريّة الزرقاء (Blue Navy)، التي من المفترض أن تعمل على مسافات بعيدة جدّاً عن الشواطئ.

في التأثير الاستراتيجيّ

من المنطقي أن تكون للصين عين بحريّة متقدّمة؛ فالأمن البحري، كما السيطرة على الممرّات البحريّة (Choke Points)، وحتى الآن، لا يزال تحت رحمة البحريّة الاميركيّة. والمقصود بذلك، جنوب بحر الصين، كما مضيق مالاكا. فمن هذا المضيق، وعبره، تستورد الصين 80 في المائة من حاجتها للطاقة. كما يمر عبره 66 في المائة من مجموع التجارة الصينيّة. يرى بعض الخبراء الاستراتيجيين أن الصين تحاول الخروج من هذا المأزق عبر وسيلتين: الأولى، عبر المنافسة البحريّة مع أميركا؛ والثانية، عبر الاعتماد على مشروع «الحزام والطريق»، خصوصاً الحزام؛ فالحزام البرّي، يُحرّر الصين من الهيمنة البحريّة الأميركيّة، لكنه في الوقت نفسه، يضع الصين تحت رحمة المنافس الأوّل لها؛ ألا وهو روسيا. فهل ستقبل الصين أن تضع أمنها القومي بيد منافس لها؟

لقطة من فيديو لوزارة الدفاع الصينية حول حاملة الطائرات الثالثة «فوجيان» خلال تجارب بمكان غير محدد في مايو 2024 (أ.ف.ب)

وإذا كانت استراتيجيّة الولايات المتحدّة الكبرى في المحيط الهادئ، ترتكز على الاحتواء الجغرافيّ للصين، عبر ما يُسمّى خط الجزر الأوّل (First Chain Island)، وهو الخط الممتد من جنوب اليابان، وحتى ماليزيا مروراً بجزيرة تايوان، كما على خط الجزر الثاني الذي يرتكز على قاعدة غوام بوصفه مركز ثقل أساسيّاً. فإذا كان الرئيس الصيني، شي جينبينغ، يعتبر أن ضم جزيرة تايوان إلى الأرض الأم سيكون في عام 2027، فمن الضروري أن تملك البحريّة الصينيّة الوسائل اللازمة؛ وعلى رأسها حاملات الطائرات.

حاملة الطائرات «فوجيان»

إنها ثالث حاملة طائرات صينيّة؛ تختلف عن غيرها أنها من صنع صينيّ وبامتياز، وتعتمد مقلاعاً (Catapult) يعمل على القوة الكهرومغناطيسية (Electromagnetic) لإطلاق الطائرات عن سطح الحاملة. لا تعمل على الطاقة النوويّة، كما أغلب حاملات الطائرات الأميركيّة، لكنها تتماثل مع الحاملة «جيرالد فورد» في المقلاع، وتستوعب أكثر من 50 طائرة من كل الأنواع ضمناً طائرات الشبح، كما طائرات الإنذار المُبكر، مثل «كي-جي 600»، وبالطبع الكثير من المُسيّرات، وتعمل في البحر لمدّة 45 يوماً من دون ضرورة للتزوّد بالوقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسناي تاكايتشي رئيسة الوزراء اليابانية خلال حفل توقيع وثيقة بشأن تنفيذ اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة واليابان في طوكيو - 28 أكتوبر 2025 (رويترز)

نقاط الضعف والتقييدات

يقول الخبراء العسكريون إن الإنجاز الصيني مهم جدّاً، لأنه يعكس مرتبة الصين العالمية، فامتلاك حاملات الطائرات يدل على العظمة، حتى إثبات العكس في حروب القرن الـ21؛ فالحاملة تعطي الصين وجوداً متقدّماً في البحر، وبعيداً عن الشواطئ الصينيّة؛ وهو إنذار مبكر، مع توفّر طائرات على متن الحاملة، قادرة على التدخّل العسكري وبسرعة. وبمجرّد وجود هذه الحاملة إلى جانب الحاملات الأخرى (العدد الإجمالي 3) في البحر، وحول تايوان، فقد يُربك هذا الأمر المخططات البحريّة الأميركيّة، كما الاستراتيجيات البحريّة للدول المجاورة. لكن الحاملة لا تعمل منفردة؛ فهي بحاجة إلى قواعد بحريّة، غير الموجودة في الصين. وهذا الأمر لا يتوفّر للصين، لأنها على خلاف حدوديّ بحري مع أغلب الدول المجاورة. يُضاف إلى هذا الأمر، أهميّة الخبرة وتراكماتها في الحروب البحريّة (Maritime Warfare). لدى البحريّة الأميركيّة، التي تأسست عام 1775، نحو 249 عاماً من الخبرة، خصوصاً خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وهي تملك 11 حاملة طائرات، كلها تعمل على الوقود النوويّ، وقادرة على القتال المشترك (Combined)، خصوصاً القدرة على الحشد والربط والتنفيذ السريع قبل تمكّن العدو من التنفيذ. لكن الأهم في القرن الـ21، ومع التقدّم، وانتشار التكنولوجيا بشكل لم تعهده البشريّة، هو القدرة على حماية الحاملة، نظراً لحجمها الكبير وبطئها في التحرّك.

المعضلة الأمنيّة

تقوم المعضلة الأمنيّة على المبدأ التالي: كلما حسّنت أمنك، عرّضت أمني للخطر. وعليه، يجب أن أحسّن أمنيّ كي يتماشى مع الخطر الجديد. وعندما أحسّن أمني، سيكون أمنك بخطر، وما عليك إلا أن تُحسّن أمنك مُجدّداً، وهكذا دواليك. لا تشذّ الحاملة الصينيّة «فوجيان» عن هذا المبدأ؛ فهي حرّكت الديناميكيّة الاستراتيجيّة في الشرق الآسيويّ، خصوصاً حول تايوان.

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» بقاعدة بحرية في بوسان الكورية الجنوبية (أرشيفية - إ.ب.أ)

عندما سئلت رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة، ساناي تاكيتشي، عن السلوك المعتمد في حال هاجمت الصين جزيرة تايوان، ردّت على الشكل التالي: «إنه وضع يُهدّد البقاء». واستناداً إلى قانون الأمن الياباني عام 2015، فإن هذا يعني الردّ العسكريّ الياباني الحتميّ. ولأن للجغرافيا دوراً مهماً في الجيوسياسة؛ ولأن اليابان تتألّف من 14125 جزيرة؛ ولأن أمن الخطوط البحرية يشكل مسألة حياة أو موت للأمن القومي الياباني؛ ولأن اليابان تشكل أهم عقدة في خط الجزر الأول... فإن محاولة الصين الاستيلاء على جزيرة تايوان ستكون تهديداً للأمن القومي الياباني المباشر، كما تهديد الخطوط البحريّة الحيويّة لليابان. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تستورد اليابان 99 في المائة من الغاز المسال عبر البحر (البحر هو الطريق الأهم والأقل تكلفة).

لذلك، وردّاً على الحركيّة العسكريّة الصينيّة، بدأت اليابان بتحديث ترسانتها العسكريّة، خصوصاً صواريخ «الكروز»، كما الصواريخ الفرط صوتيّة، على اعتبار أن الحرب المقبلة هذه - إذا حصلت - ستكون بحريّة بامتياز.

وفي الإطار نفسه، وبسبب التحديث الحربي البحري الصيني، بادرت أميركا إلى تعزيز مركز الثقل العسكري لها في المحيط الهادئ بقاعدة «غوام» بصواريخ دفاع جوّي، قادرة على التغطية بكل الاتجاهات - 360د.

ويمكن القول إن الصين تعتمد مبدأ الزعيم الراحل، ماو تسي تونغ، الذي يقوم على «القلم والسلاح»: القلم لتحضير الرأيين العامين الدولي والداخلي، أما السلاح فهو لمرافقة القلم في حال فشله. كذلك الأمر، تعتمد الصين على مبدأ المفكر الصيني الكبير، صان تسو، حول مهاجمة استراتيجية العدو، بدل المواجهة المباشرة. ترتكز هذه الاستراتيجية حالياً، عبر اعتماد استراتيجيّة «الملفوف» (Cabbage) بدل استراتيجية «السلامي» (Salami). تقوم استراتيجية «الملفوف» على تحصين كل مكسب والانتقال منه إلى مرحلة ما بعد، وبشكل لا يمكن عكس (Reverse) هذا المكسب.

هذا في التنظير والتحليل، لكن الصورة الأوضح والاختبار في أرض المعركة ومسرح الحرب؛ فهل الجيش الصيني والبحريّة الصينية جاهزان؟


مقالات ذات صلة

كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

آسيا الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية قوية بإيران، ومع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، ثارت تساؤلات بشأن انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الصيني.

«الشرق الأوسط» (لندن )
شؤون إقليمية ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)

سفن تعلن صلتها بالصين لدى إبحارها أو رسوها بمنطقة الخليج

في خضم حرب الشرق الأوسط، تعلن سفن عن صلة لها بالصين أثناء إبحارها أو رسوها في منطقة الخليج وفقا لبيانات موقع «مارين ترافيك» بينها سفينتان على الأقل فعلتا ذلك.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا مقاتلة صينية تستعد للإقلاع من على متن حاملة الطائرات «شاندونغ» خلال تدريبات عسكرية حول تايوان (أرشيفية - أ.ب)

بكين تحذر اليابان من عواقب زيارة «خاصة» لمسؤول تايواني

حذرت الصينُ اليابانَ من العواقب؛ بعدما سمحت بزيارة نادرة من الجانب التايواني.

«الشرق الأوسط» (بكين)
آسيا المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون (رويترز) p-circle

بكين تعلن معارضتها أي استهداف للمرشد الإيراني الجديد

أعلنت بكين، اليوم الاثنين، معارضتها أي استهداف للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، بعد تهديدات إسرائيلية سابقة بقتل أي خليفة لوالده المرشد السابق علي خامنئي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الخليج الأمير الأمير فيصل خلال استقباله المبعوث الصيني تشاي جون في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي والمبعوث الصيني يبحثان مستجدات المنطقة

بحث الأمير الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع مبعوث الحكومة الصينية الخاص للشرق الأوسط، الأحد، آخر المستجدات الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

سيول: كوريا الشمالية تُطلق نحو عشرة صواريخ باليستية

إطلاق تجريبي لصاروخ «كروز» استراتيجي على متن المدمرة «تشوي هيون» في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)
إطلاق تجريبي لصاروخ «كروز» استراتيجي على متن المدمرة «تشوي هيون» في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)
TT

سيول: كوريا الشمالية تُطلق نحو عشرة صواريخ باليستية

إطلاق تجريبي لصاروخ «كروز» استراتيجي على متن المدمرة «تشوي هيون» في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)
إطلاق تجريبي لصاروخ «كروز» استراتيجي على متن المدمرة «تشوي هيون» في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)

أطلقت كوريا الشمالية نحو عشرة صواريخ باليستية باتجاه بحر اليابان اليوم (السبت)، وفق ما أعلنت هيئة الأركان المشتركة الكورية الجنوبية، في حين تُجري كوريا الجنوبية مناورات عسكرية سنوية مع واشنطن منذ الاثنين.

وأوضحت هيئة الأركان المشتركة في بيان أن القوات المسلحة في سيول رصدت «نحو عشرة صواريخ باليستية مجهولة أُطلقت من منطقة سونان في كوريا الشمالية باتجاه بحر الشرق قرابة الساعة 13:20» (04:20 بتوقيت غرينيتش)، في إشارة إلى الاسم الكوري لبحر اليابان.

يأتي ذلك بعدما كشفت وسائل إعلام رسمية في كوريا الشمالية يوم الأربعاء أن زعيم البلاد كيم جونغ أون وابنته المراهقة شهدا اختبارات لصواريخ «كروز» استراتيجية أُطلقت من سفينة حربية، في حين هددت بيونغ يانغ بالرد على التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

وأظهرت صور أرسلتها وكالة الأنباء المركزية الكورية الزعيم وابنته في قاعة اجتماعات وهما يطلعان على شاشة تعرض إطلاق الأسلحة من المدمرة «تشوي هيون»، التي أتمت عامها الأول في الخدمة البحرية.


باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
TT

باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

اتهمت حكومة «طالبان» في أفغانستان الجيش الباكستاني، الجمعة، باستهداف منازل المدنيين في غارات جوية ليلية على العاصمة كابل، وعلى ولاية قندهار الجنوبية، مشيرة إلى أن ستة مدنيين قُتلوا وأُصيب أكثر من 24 شخصاً بينهم نساء وأطفال، في الوقت الذي دخلت فيه المعارك بين البلدين الجارين أسبوعها الثالث رغم الدعوات الدولية لضبط النفس.

وأضاف المتحدث ذبيح الله مجاهد، بأن قوات إسلام آباد قصفت مستودع وقود تابعاً لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار الأفغاني، في تصعيد جديد لأعنف صراع تشهده الدولتان الجارتان في جنوب آسيا منذ سنوات، مؤكداً أن هذا العدوان «لن يمر دون رد».

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)

وقال مجاهد، على منصة «إكس»، إن الطائرات الباكستانية قصفت مستودعات وقود تابعة لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار. وقال: «هذه الشركة تورد الوقود لشركات الطيران المدني وكذلك لطائرات الأمم المتحدة»، في تصعيد جديد لأعنف صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا منذ سنوات رغم جهود تهدئة التوتر.

وقال مصدر أمني باكستاني، الجمعة، إن الجيش نفّذ ضربات جوية في أفغانستان خلال الليل، بما فيها العاصمة كابل. وقال المصدر الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات كانت ضد «أهداف دقيقة تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»؛ إذ تتّهم إسلام آباد حكومة كابل بإيواء مسلحي حركة «طالبان باكستان» الذين تبنوا سلسلة من الهجمات الدامية في باكستان، وكذلك من ولاية خراسان التابعة لتنظيم «داعش - خراسان».

وقال التلفزيون الباكستاني الحكومي إن القوات المسلحة نفذت «غارات جوية ناجحة في عمق أفغانستان» في إطار العملية الجارية لاستهداف ما قالت إنها أربعة مخابئ محتملة للمسلحين وبنيتهم التحتية في أفغانستان.

قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان 28 فبراير 2026 (د.ب.أ)

واندلع القتال الشهر الماضي بشن غارات جوية باكستانية داخل أفغانستان، وقالت إسلام آباد إنها استهدفت معاقل مسلحين. وذكرت مصادر أمنية باكستانية أن أربعة «معسكرات إرهابية وبنى تحتية للدعم» تعرّضت إلى «الاستهداف والتدمير» في كابل وولايات حدودية، بالإضافة إلى منشأة لتخزين النفط في مطار قندهار. ووصفت أفغانستان الغارات بأنها انتهاك للسيادة وردت بهجمات انتقامية.

وكتب الناطق باسم شرطة العاصمة الأفغانية خالد زدران على «إكس»: «في منطقة غوزار (...) في كابل، استُهدفت منازل مدنيين في قصف شنه النظام الباكستاني أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 15 آخرين»، موضحاً أن نساءً وأطفالاً كانوا بين الضحايا.

أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ورأى فريق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في منطقة غوزار في كابل منزلاً مدمّراً ونحو عشرة منازل أخرى تعرّضت لأضرار بالغة انهارت أسقفها وجدرانها. وانتشرت الشرطة بشكل كبير في المنطقة في حين نزل السكان الذين بدت الصدمة واضحة عليهم إلى الشوارع، بينهم أشخاص كانت وجوههم مضمّدة. وقال مسؤول محلي هو عبد الرحيم تراكيل إن «رجلين وامرأتين استشهدوا». وأضاف: «لا توجد أي مواقع عسكرية هنا... هناك أشخاص عاديون فقط، أناس فقراء. لا علاقة لهم إطلاقا بالسياسة». وقال عامل يدعى عبد الواحد (29 عاماً) إنه وأربعة من أفراد عائلته أُصيبوا بجروح عندما استُهدف منزلهم بعيد منتصف الليل. وأفاد: «فجأة، سمعنا صوتاً من منزل آخر. لا أعرف ماذا حصل بعد ذلك. سقطت الحجارة عليّ. كان هناك نساء وأطفال تحت الأنقاض أيضاً».

وقبل الهجوم الأحدث، لم يبلغ أي من الطرفين عن أي غارات جوية باكستانية على أفغانستان في الأيام القليلة الماضية، كما تراجعت حدة القتال البري على الحدود الممتدة لنحو 2600 كيلومتر. وقالت «رويترز» الخميس، إن جهود الوساطة الصينية، التي تدعو إلى وقف العنف، أسهمت في تخفيف حدة القتال بين البلدين. وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي أن إسلام آباد وبكين منخرطتان في «حوار» بشأن أفغانستان.

وتأتي التطورات وسط تصاعد مثير للتوترات بين البلدين، أشارت إليها باكستان بأنها «حرب مفتوحة». وأفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان بأن 56 مدنياً قُتلوا في أفغانستان، بينهم 24 طفلاً جراء العمليات العسكرية الباكستانية بين 26 فبراير (شباط) و5 مارس (آذار). وأُجبر نحو 115 ألف شخص على الفرار من منازلهم، حسبما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
TT

كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية قوية بإيران، ومع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، ثارت تساؤلات بشأن انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الصيني.

وقالت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إنه بعد إنفاق مليارات الدولارات من قبل الدولة، راكمت الصين ما يعتقد الخبراء أنه من أكبر مخزونات النفط والسلع الحيوية الأخرى في العالم، والآن، يُمثل الصراع في الشرق الأوسط، الذي يعوق أحد أهم طرقها التجارية، أكبر اختبار حتى الآن لمدى استعداد بكين لمواجهة صدمات إمدادات الموارد.

ويمرّ نحو ثلث واردات الصين من النفط و25 في المائة من وارداتها من الغاز عبر مضيق هرمز، حيث توقفت حركة الملاحة فيه بشكل شبه كامل منذ أن أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران المنطقة في أزمة.

وطرحت أسئلة حول ما إذا كانت بكين ستلجأ إلى استخدام الاحتياطات للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار السلع، مثل الارتفاع الحاد في أسعار النفط.

ولفتت الصحيفة إلى تصريح سابق للرئيس الصيني شي جينبينغ عندما فاز بولاية ثالثة مدتها خمس سنوات كزعيم للصين في أواخر عام 2022، بدأ بتحذير كبار المسؤولين من الاستعداد لـ«الظروف الصعبة» و«أسوأ السيناريوهات» التي تنتظر الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 1.4 مليار نسمة.

وقالت إيفن باي، مديرة مجموعة «تريفيوم تشاينا» للاستشارات الاستراتيجية، مشيرةً إلى المخاطر الواضحة التي لم يتم الاستعداد لها بالشكل الكافي: «إن قيادة الحزب مهووسة بأزمات وحيد القرن الرمادي، تماماً كما هو الحال الآن»، وذلك في إشارة إلى مصطلح اقتصادي يشير إلى تهديد مالي محتمل بدرجة عالية له تأثير كبير ويتم في الغالب تجاهله.

خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وأضافت: «الأمن الغذائي والطاقي ليس مجرد موضوع روتيني للنقاش بين القادة، فالحكومة الصينية تُنفق مبالغ طائلة من الموارد المالية على الاستعداد للأزمات والأمن الاقتصادي».

وتُبقي الصين حجم مخزوناتها من الموارد سراً شديد السرية، ويستخلص الخبراء تقديرات متباينة على نطاق واسع من تحليلاتهم لوثائق الميزانية وبيانات التجارة وصور الأقمار الاصطناعية، لكن معظمهم يُرجّح أن احتياطيات الصين من النفط - بما في ذلك الاحتياطي الاستراتيجي الرسمي وبعض المخزونات التجارية - قد زادت بشكل حاد خلال العام الماضي لتتراوح بين 1.1 مليار و1.4 مليار برميل.

وتشير تقديرات «بيرنشتاين للأبحاث» إلى أن حوالي 1.4 مليار برميل تكفي لتغطية واردات النفط لمدة 112 يوماً.

ويقول بعض المحللين إن الاحتياطات أكبر من ذلك، إذ تُقدّرها مؤسسة «جافيكال للأبحاث» في بكين بأكثر من ملياري برميل.

وأظهرت بيانات الجمارك هذا الأسبوع ارتفاعاً بنسبة 16في المائة في واردات النفط الخام خلال أول شهرين من هذا العام، وهي زيادة لم تُقابلها زيادة مماثلة في الطلب المحلي.

وتعكس هذه الزيادات الأولويات التي حددها شي جينبينغ، الذي طالب في عام 2023 المسؤولين بتسريع بناء الاحتياطات، قائلاً إنه يجب جعلها «أكثر قدرة على حماية الأمن القومي».

وقال أندريا غيسيللي، الخبير في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بجامعة إكستر البريطانية: «يمكن القول إنهم ربما لم يتوقعوا تاريخ الهجوم على إيران، لكنهم توقعوا وقوع شيء ما».

وذكر داي جياكوان، كبير الاقتصاديين في معهد البحوث الاقتصادية والتكنولوجية التابع لمجموعة النفط الحكومية الصينية، لصحيفة «فايننشال تايمز» بأنه يتوقع أن تستخدم الحكومة الاحتياطات الاستراتيجية فقط لمعالجة اضطرابات الإمداد.

وأضاف داي: «حسب فهمي الشخصي، لا يرتبط الأمر بأسعار النفط»، مؤكداً أن احتياطات الصين «بالتأكيد» تتجاوز متطلبات وكالة الطاقة الدولية لتغطية واردات تكفي لمدة 90 يوماً.

وأشار خبراء صينيون إلى أن بلادهم اكتسبت مرونة ملحوظة مقارنةً بالعديد من الدول المتقدمة الكبرى.