«الحرّية المُستذكرة»: معرض يفتح جروح بيروت المُغلَقة على أسئلة العدالة

يجمع 36 فناناً في قراءة شُجاعة لذاكرة الحرب والانفجار

أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)
أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)
TT

«الحرّية المُستذكرة»: معرض يفتح جروح بيروت المُغلَقة على أسئلة العدالة

أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)
أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)

يستقبل «بيت بيروت» زائره هذه المرة كأنه يدخل إلى ذاكرة مفتوحة على جرحها. في معرض «الحرّية المُستذكرة»، تُعرَض الأعمال الفنّية مثل أدلّة في ملف قضية لم يُغلَق بعد. قضية بلد عاش الحروب والعفو العام والانفجارات المتتالية، من 1975 إلى انفجار المرفأ، من دون أن يُجرّب طريق العدالة.

منذ الخطوة الأولى، يُفكّر الزائر بمدى مسؤوليته عن تذكُّر ما جرى، ويتساءل إنْ كان النسيان حقاً دفاعياً أخيراً. المعرض يضعنا وسط منطقة التوتّر بين الذاكرة والعفو. كأنّ عنوانه «الحرّية المُستذكرة» يُلمح إلى حرّية كانت هنا ثم انتُزِعت، فصار استعادتها فعلاً مؤلماً بقدر ما هو ضرورة للشفاء.

شظايا البلاط والدفاتر الممزَّقة (الشرق الأوسط)

تتوزَّع الأعمال على الطبقة الثالثة للمبنى الذي كان يوماً خطَّ تماس. وإنما «الخطّ الأخضر» الذي فَصَل بين شرق بيروت وغربها، تحوّل إلى مسار نباتات وأشجار يقود الزائر من المدخل حتى الطبقة الأخيرة. كأنّ اللون الأخضر الذي يتسلَّل بين الأسمنت يُحاول إعادة اختراع قلب جديد للمدينة. قلب يُداوي ولا يكتفي بتوثيق الألم.

على الجدار، تتناثر شظايا بلاط أزرق فوق دفاتر قديمة وصفحات مملوءة بخطّ اليد. تبدو القطع الأسمنتية كأنها سقطت لتوّها من سقف مُهدّم واستقرَّت فوق الكلمات لتطمسها جزئياً. العمل يختصر علاقة اللبناني مع أرشيفه الشخصي، من مذكّرات ومراسلات وخطط حياة، تنهال فوقها الأنقاض في لحظة انفجار، فيُترك صاحبها لجَمْع ما تبقّى من اللغة بين الخراب.

المدينة رقَّعت جروحها على عجل ولون الدم بقي أعمق من القماش (الشرق الأوسط)

عمل آخر يقف في منطقة بين النحت والنسيج، فتتدلَّى خيوط زرقاء كثيفة من أعلى الإطار لتُكوّن ما يُشبه ستاراً مضطرباً، تتسرَّب منه ملامح جسد إنساني. هنا تتحوَّل الخيوط إلى استعارة للجهاز العصبي المُرهَق ولتلك الذات التي عاشت الحرب والانفجار فهربت إلى الداخل، ثم وجدت نفسها مُحاصَرة في شبكة من الذكريات المُتشابكة. الجسد لا يظهر كاملاً، لأنّ الإنسان في هذا البلد لا يعود كما كان بعد الصدمة، وقدره البقاء في حالة ظهور واختفاء بين طبقات الزمن.

أما العمل المُثبت على إطار خشبي مشدود بالحبال فيبدو مثل سرير إسعاف قديم أو نافذة أُقفلت قسراً. صور وألياف وشَبَك مُحاصَرة تحت أشرطة قماشية تمتدّ مثل غَرْز على جرح كبير. يتجاور الجِلد الخشبي مع اللون الأحمر اللامع في الداخل، فتتكوَّن صورة عن مدينة عاجزة عن الحركة، تدور في حلقات من إعادة البناء والانهيار. الحبال علامة على القيود القانونية والسياسية التي كبَّلت إمكان الوصول إلى الحقيقة، منذ نهاية الحرب الأهلية حتى اليوم.

مدينة تُشبه متاهة من الأسئلة تتقاطع فوقها مسارات الناس والسلطة والمصير (الشرق الأوسط)

في زاوية أخرى من المعرض المستمرّ حتى 11 يناير (كانون الثاني) المقبل، يحتلّ عمل دائري ضخم مساحة القاعة. خريطة لبيروت مُغطّاة بشبكة من الخطوط البيضاء، تتقاطع فوقها نقاط ملوَّنة تُشبه رقاقات اللعب، تُحيط بها صور ووثائق ووجوه سياسية. يقف الزائر عند الحافة مثل مَن يقف أمام لوحة تحقيق مُعمَّق في تاريخ المدينة الحديث، تظهر فيها علاقات القوة والمصالح الاقتصادية والقرارات الدولية وملامح ناس عاديين اختفوا تحت عنوان «خسائر جانبية».

امرأة تنام فيما التاريخ يُمرّر أصابعه على بشرتها ولا يمحوها (الشرق الأوسط)

وتظهر في مساحة أخرى صورة وجه نسائي مُغمض العينين، يعلوه أثر الزمن والخدوش والطبقات. البشرة مثل قماش جدار قديم تسرَّبت إليه الرطوبة. هذا الوجه، بغطائه القرمزي وملامحه الهادئة، يُحيل إلى ضحايا مجهولين، وإلى مدينة تحاول النوم في حين آثار الكارثة لا تزال محفورة على جِلدها.

تكسر لوحة نيون ملوَّنة ثقل المَشاهد السابقة. أحرف مُضيئة وقلوب وإشارات لا نهائية، ودماغ وكلمات متداخلة. الضوء مُبهر، لكنَّ كثافته تُولّد أيضاً صداعاً بصرياً. هنا، كما في وسائل التواصل الاجتماعي، يختلط خطاب الحبّ بالألم والفكاهة بالتهديد. كأنّ المعرض يُلمح إلى أنّ معركة الذاكرة لم تعد تدور فقط في أرشيف الجرائد ومحاضر المحاكم، وإنما أيضاً في فضاء رقمي مشحون تُعاد فيه كتابة التاريخ كلّ ثانية.

لوحة النيون المشتعلة بالأحرف والرموز (الشرق الأوسط)

ولا يمكن أن يخرج الزائر من دون أن يواجه صورة صوامع المرفأ. هذه المرة في لقطتَين بالأبيض والأسود تبدوان كأنهما استُخرجتا من فيلم قديم. الخدوش على سطح الصورة تعيدنا إلى خدوش الزجاج في البيوت وإلى الخدوش في النفس. الصوامع منحنية وممزَّقة، كأنها شاهد يرفض أن ينهار بالكامل قبل أن يُعيد التذكير بأنّ الانفجار شكَّل لحظة مفصلية في علاقة اللبناني مع دولته ومعنى حياته.

أعمدة من وجع واقفة على حافّة البحر (الشرق الأوسط)

الصوامع شاهدة على انفجار لم يُطوَ ملفّه بعد (الشرق الأوسط)

ثم يُسقِط المعرض على زجاج المبنى أجساداً تتحرَّك ببطء. رجال ونساء يظهرون مثل أطياف شفَّافة، كأنهم يخرجون من طبقة زمنية أخرى ليُخاطبوا المدينة المعاصرة. الانعكاس الذي تُحدِثه الإضاءة والمرور المتواصل للسيارات يجعل المشهد مُعلَّقاً بين الحياة والغياب. فمَن يؤدّون حركات تُشبه الاستغاثة أو محاولات العبور، يظلّون محبوسين خلف السطح الزجاجي الذي يفصلهم عن الضجيج الخارجي. هنا الماضي يقف عند الواجهة، يرفع يده، ويطلب أن نراه ولو على شكل طيف، عوض أن نطالبه بالخروج من المشهد.

على امتداد الطبقة الثالثة من «بيت بيروت»، تُشارك 36 تجربة فردية في نَسْج هذا السرد المفتوح. فنانات وفنانون يُحوّلون الذاكرة إلى صورة والخوف إلى محاولة فَهْم. المعرض لا يَعد بالعدالة ولا يقدّم حلولاً سياسية، لكنه يُعلن أنّ العدالة قد تبدأ من السماح للذاكرة بأن تستعيد مكانها.

الذاكرة الفردية ليست أقل ارتباكاً من ذاكرة المدن (الشرق الأوسط)

المعرض قائم على هندسة فكرية وبصرية دقيقة نقلت «بيت بيروت» من كونه مبنى شاهداً إلى مساحة تُعاد فيها صياغة الأسئلة الوطنية الكبرى. هو ثمرة رؤية القيّمة الفنّية آني فارتيفاريان التي جمعت 36 مُشاركة ومُشاركاً ضمن سردية واحدة، ومنحت لكلّ صوت فضاءه الخاص من دون أن تفقد الفكرة وحدتها الداخلية.

وإلى جانب هذا الإطار الفكري، تبرز السينوغرافيا التي صمَّمتها ياسمينا واكيم بوصفها عنصراً أعاد ترتيب علاقة الزائر بالمكان، وفتح أمام المعرض طبقات جديدة من القراءة. هذا الجهد لم يكن منفرداً، فقد شاركت في صياغته وتحقيقه أسماء حملت المشروع إلى مستوى لائق من التأمُّل والاستعادة: جويل حجار، ومحمود الحمود، ورجاء عبود، وقسطنطين سلامة، وباربرا بولا، والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى. هؤلاء جميعاً حوَّلوا الجدران إلى طبقات زمنية والممرّات إلى نقاط عبور بين المحو وإعادة الاكتشاف. وأصبحت زيارة المبنى أقرب إلى رحلة داخل ذاكرة تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الرواية الجماعية من دون أن تلغي إحداهما الأخرى.


مقالات ذات صلة

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended