العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

الشعور بالعظمة والسعي المستمر لنيل الإعجاب وانعدام التعاطف أهم سماتهم

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين
TT

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

العلم يسلِّط الأضواء على حقيقة النرجسيين

كان مصطلح النرجسية -في السابق- محصوراً في علم النفس والأساطير الكلاسيكية، ولكنه اليوم أصبح متداولاً في الأحاديث اليومية. وانتقل هذا المصطلح من كونه مفهوماً يغلِّفه الغموض إلى أن أصبح شائعاً في الثقافة العامة ووسائل التواصل الاجتماعي؛ إلا أنه غالباً ما يُستخدم بصورة مفرطة في التبسيط، أو بصورة خاطئة.

في هذا السياق، نستعرض اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) وفقاً لما يطرحه العلم، ونشرح الفروقات بين أنواعه، وما إذا كان بإمكان النرجسيين التغيير.

من الأسطورة إلى التشخيص الحديث

يرجع الاهتمام بالإعجاب المفرط بالذات إلى قصة نرجس في أعمال أوفيد؛ حيث وقع نرجس في حب انعكاس صورته حد الموت. وقد بدأ المصطلح يأخذ طابعاً طبياً في أواخر القرن التاسع عشر، حين استُخدم مصطلح «النرجسية» لوصف الإشباع الذاتي المفرط بالرضا.

وبحلول عشرينات القرن الماضي، استعان الأطباء النفسيون بالمصطلح للإشارة إلى اضطراب في الشخصية، ولكن لم يتم الاعتراف رسمياً باضطراب الشخصية النرجسية (narcissistic personality disorder) حتى عام 1980، عندما أُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM).

في المجمل، يتسم اضطراب الشخصية النرجسية بالشعور بالعظمة، والسعي المستمر لنيل الإعجاب، وانعدام التعاطف. ويميل المصابون إلى المبالغة في إبراز مواهبهم وإنجازاتهم، ويشعرون بأنهم يستحقون معاملة خاصة، ويحتاجون باستمرار إلى التقدير. ومع أن مظهرهم يوحي بالثقة، فإن هذا القناع يخفي خلفه هشاشة عاطفية وحساسية مفرطة تجاه النقد. ويمكن أن يمارس النرجسيون دور التلاعب بالآخرين دون إحساس بالذنب، وأحياناً يتجاوزون الحدود بالإساءة العاطفية أو الجسدية.

وتشير العالمة النفسية سارة ديفيز -مؤلفة كتاب «نشأتُ على يد نرجسيين»- إلى أن ليس كل النرجسيين مسيئين، إلا أن تلاعبهم وقيامهم بـ«التلاعب النفسي» (gaslighting) يجعل من الصعب أحياناً رصد الأضرار التي يسببونها. وتُعد النرجسية أحد أضلاع «الثالوث المظلم» من السمات الاجتماعية الضارة، إلى جانب «السيكوباتية» (psychopathy) (الافتقار إلى التعاطف من جهة والاندفاعية من جهة أخرى) و«المكيافيلية» (psychopathy) (التلاعب الاستراتيجي).

قياس النرجسية وانتشارها

تساعد أداة «اختبار الشخصية النرجسية» (Narcissistic Personality Inventory– NPI) في قياس الميول النرجسية لدى عامة الناس. ومع ذلك، يتطلب التشخيص الرسمي تقييماً سريرياً، وهو أمر نادر الحدوث؛ لأن معظم النرجسيين لا يسعون لتلقي العلاج. وحسبما أوضحت ديفيز: «النرجسي الحقيقي دائماً ما يعتقد أن المشكلات سببها الآخرون».وتشير بحوث واسعة في الولايات المتحدة إلى أن نحو 6.2 في المائة من الناس يستوفون معايير اضطراب الشخصية النرجسية، بينما تشير دراسات أخرى إلى متوسطات أقل، تقارب 1 في المائة. ورغم التباين في الأرقام، يرى معظم علماء النفس أن النرجسية تشكل طيفاً. وهنا، توضح إيمي كوسكينن، من جامعة هلسنكي، أن الثقة الصحية بالنفس، والطموح، يمكن أن يكونا أمرين مفيدين، ولكن حين يبلغان حد المبالغة، فإنهما يؤديان إلى تدمير العلاقات الاجتماعية وإلى العزلة العاطفية.

مفارقة التعاطف

في حين يُعرف النرجسيون بافتقارهم إلى التعاطف، فإن الواقع في حقيقته أشد تعقيداً. وكشف تحليل أُجري عام 2023 أنهم قد يحتفظون بالتعاطف المعرفي -أي القدرة على إدراك مشاعر الآخرين- لكنهم يفتقرون إلى التعاطف العاطفي، أي القدرة على الشعور بهذه المشاعر.

ويعني ذلك أن النرجسيين قد يفهمون مشاعر الآخرين، ولكنهم يستخدمون هذه المعرفة للتلاعب بهم بدلاً من التعاطف معهم.

يتعايش هذا المنظور المتمركز حول الذات مع حساسية عاطفية مفاجئة، فالنرجسيون ليسوا بمنأى عن الألم؛ بل على العكس، لديهم قدرة عالية على رصد الرفض (من قبل الآخرين). وفي إحدى الدراسات، شارك أشخاص في لعبة كومبيوتر تُقصيهم عن التفاعل مع الآخرين. وأظهرت فحوصات الدماغ أن من سجلوا درجات أعلى في مقياس النرجسية، أظهروا نشاطاً أكبر في مناطق الدماغ المرتبطة بالضيق النفسي. ومن هنا تظهر المفارقة: فالنرجسيون يتوقون للإعجاب، ولكنهم يُجرَحون بسهولة من الإهانات البسيطة.

ودفعت هذه النتائج الباحثين إلى اعتبار النرجسية بمنزلة آلية دفاعية تحمي من شعور انعدام الأمان الداخلي؛ فالصورة المتضخمة للذات ما هي إلا درع تحمي الأنا الهشة. وتدعم بحوث كوسكينن هذا الطرح؛ إذ أظهرت تجارب تقيس مستويات التوتر في أثناء المحادثات الحميمة، أن المشاركين ذوي الدرجات العالية في النرجسية أظهروا علامات فسيولوجية أكبر ترتبط بالشعور بالتوتر، مثل زيادة التعرق عند الحديث عن مشاعرهم الشخصية. وتولد هذه الحاجة المستمرة لإثارة إعجاب الآخرين حالة من التوتر المزمنة.

دور الإقصاء في التعاظم

من جهتها، وجدت كريستيان بوتنر، من جامعة بازل، أن النرجسيين يميلون إلى تفسير الرفض الاجتماعي بشكل مبالغ فيه. فعند قراءة سيناريوهات افتراضية، افترض ذوو الدرجات الأعلى في النرجسية أنهم تعرضوا للإقصاء، حتى عندما لم يكن هناك ما يشير إلى تعمد ذلك. وفي دراسات الحياة اليومية، بالغوا في تقدير عدد المرات التي تعرضوا خلالها للنبذ، ما يشير إلى أن ذاكرتهم متحيزة نحو تذكُّر مواقف الرفض.

وقد يؤدي هذا الإحساس بالإقصاء إلى تضخيم السلوك النرجسي وإلى التعاظم؛ ففي دراسة طولية استمرت 14 عاماً أجرتها بوتنر، تبين أن الأفراد الذين شعروا بالتعرض للإقصاء أصبحوا أشد نرجسية مع مرور الوقت، ربما كآلية دفاعية ذاتية. ولأن السلوك النرجسي يؤدي إلى نفور الآخرين، فإن هؤلاء الأفراد يواجهون مزيداً من الإقصاء الحقيقي، ما يخلق دورة متكررة من الدفاعية والتعاظم. كلما زاد رفضهم، ازداد تضخمهم وتركيزهم على ذواتهم.

نرجسية متضخمة ونرجسية هشة

رغم أن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسي، يعامل اضطراب الشخصية النرجسية بوصفه حالة واحدة، فإن كثيراً من علماء النفس يميزون بين نوعين:

- النرجسي المتضخم: يَظهَر متعاظماً واثقاً، متفاخراً، ومهيمناً، وغالباً ما يُظهِر استحقاقاً واضحاً.

- النرجسي الهش: يميل إلى الانطواء، شديد الحساسية، ومنغلق في ذاته بصمت. ورغم اعتقاده بأنه مميز، فإنه يبحث باستمرار عن الشعور بالطمأنينة، لا الإعجاب.

في هذا الصدد، أوضحت عالمة النفس الجنائي آفا غرين، أن النرجسي الهش قد يبدو في البداية متواضعاً أو خجولاً، ولكنه يكشف لاحقاً عن توقعاته بتلقي معاملة خاصة وافتقاره إلى الشعور بالتعاطف. أما النرجسي المتضخم، فيُعلن تفوقه بوضوح، ولكنه يعتمد كذلك على انتباه الآخرين للحفاظ على احترامه الذاتي الهش.

ويشترك النوعان كلاهما في عدد من السمات الجوهرية: الشعور بالاستحقاق، والتمركز حول الذات، والتلاعب العاطفي، والتي تتجلى في أساليب مختلفة.

بين الرجال والنساء

تشير إحصاءات إلى أن نحو 75 في المائة من حالات تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية تخص رجالاً، ما يوحي بانحياز تشخيصي محتمل؛ فالنرجسية المتضخمة -التي تتسم بالصوت العالي، والثقة الزائدة، والسعي وراء المكانة- تُعتبر أكثر قبولاً اجتماعياً لدى الرجال، كما أنها أكثر وضوحاً أمام الاختصاصيين النفسيين. أما النرجسية الهشة، والتي غالباً ما تظهر لدى النساء، فقد يجري الخلط بينها وبين القلق أو تدني احترام الذات.

هنا، أوضحت غرين أن النرجسية ليست مرتبطة بالجنس بطبيعتها، وإنما يصوغ المجتمع طريقة ظهورها؛ فالأعراف الثقافية تشجع الرجال على إظهار الهيمنة، بينما تُحفِّز النساء على التواضع. وعليه، تتكيَّف الميول النرجسية بما يتماشى مع هذه التوقعات. وعند قياسها بدقة، تُظهر النساء درجات أعلى من الرجال في النمط الهش من النرجسية، ما يُقلِّص الفجوة المفترضة بين الجنسين.

نرجسية العصر الرقمي

تُوفر البيئة الرقمية الحديثة تربة خصبة لتعبير النرجسيين عن أنفسهم. وتُظهر البحوث أن النرجسية ترتبط بالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة المتكررة في الترويج الذاتي على منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك». ومع ذلك، لا يوجد دليل قاطع على أن وسائل التواصل تسبب النرجسية.

وحسب رينيه موتوس، من جامعة إدنبرة، فإن الأدلة على ازدياد النرجسية بسبب الحياة الرقمية ضعيفة. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن وسائل التواصل تضخِّم السلوك النرجسي، وتُبرز كل من التعبير الصحي عن الذات والانشغال المَرَضي بها.

اللافت أن النرجسية أصبحت موضوعاً شائعاً عبر الإنترنت؛ فقد تجاوز عدد المنشورات تحت هاشتاغ «النرجسية» على «إنستغرام» حاجز المليون، ويمتلك مؤثرون -مثل المعالجة النفسية راماني دورفاسولا، و«النرجسي المتعافي» لي هاموك- جمهوراً واسعاً يتابع مناقشاتهم حول تأثير النرجسية. ورغم أن هذا الظهور يُساعد الضحايا على التعرف على الإساءة، فإنه يسهم في الوقت نفسه في نشر معلومات خاطئة.

وهنا، تحذر سارة ديفيز من أن مصطلح «نرجسي» يُستخدم الآن بشكل مبالغ فيه لوصف أي سلوك أناني أو غير ناضج، ما يُعقِّد التمييز السريري الحقيقي.

ويُعد صعود «مدربي النرجسية» غير المؤهلين، مصدرَ قلق إضافياً؛ فبعض المؤثرين الذين يدَّعون قدرتهم على شفاء صدمات الآخرين يفتقرون إلى التدريب المهني. وتكمن المفارقة في أن طريقتهم في الترويج لأنفسهم قد تكون نرجسية بحد ذاتها. وأكدت ديفيز على ضرورة اللجوء إلى المعالجين المؤهلين والموثوقين، مثل منظمة «See Through NPD» في المملكة المتحدة، أو الخط الساخن الوطني للعنف المنزلي في الولايات المتحدة؛ خصوصاً أن العلاج المناسب يُساعد الناجين على فهم الإساءة النرجسية والتعافي منها.

هل يمكن للنرجسيين أن يتغيروا؟

يشكل رفض النرجسيين فحص الذات عائقاً كبيراً أمام العلاج؛ فمعظمهم لا يعترفون بالخطأ ولا يرون أنفسهم بحاجة للمساعدة. ومع ذلك، هناك بعض الأدلة على إمكانية التغيير عند توفر الالتزام والدعم المهني. وأظهرت دراسة أجرتها كلية الطب بجامعة هارفارد عام 2024، وشملت 8 أشخاص جرى تشخيصهم باضطراب الشخصية النرجسية، وخضعوا لعلاج نفسي مكثف طويل الأمد -إما لعلاج نفسي ديناميكي وإما لعلاج سلوكي جدلي (psychodynamic or dialectical behavior therapy)- أنهم بعد 5 سنوات تقريباً لم يعودوا يستوفون معايير التشخيص. وأبلغوا عن تحسن في قدرتهم على التعاطف، واستقرار في العلاقات، وحصولهم على وظائف ذات مغزى حقيقي. ورغم ندرة هذه الحالات، فإنها تُثبت أن التغيير -رغم صعوبته- ليس بالأمر المستحيل.

ومع ذلك، فإن مثل هذه النتائج تتطلب درجة عالية من الوعي الذاتي، السمة التي يفتقر إليها معظم النرجسيين. وإن محاولة إقناع شخص يرفض الاعتراف بأي خطأ هي مضيعة للجهد؛ خصوصاً أن وجهة نظرهم لا تسمح بوجود شعور بالذنب، وفي بعض الأحيان، يكون الابتعاد عنهم الخيار الأنسب صحة للآخرين.

في نهاية المطاف، فإن العلم يرسم صورة للنرجسية بوصفها طيفاً نفسياً معقداً؛ لا مجرد وصمة أخلاقية؛ فالنرجسيون هم جناة، ولكنهم كذلك ضحايا عالقون داخل دوائر من انعدام الأمان، والدفاعية، والعزلة. كما أن افتتان المجتمع بهذه السمة يعكس هوس العصر الرقمي بالصورة والمكانة والتحقق الاجتماعي. لقد ساعد الوعي المتزايد الضحايا في التعرف على الإساءة النرجسية، ولكنه في الوقت ذاته غيَّب الحدود بين النرجسية المرضية والتركيز العادي على الذات.

إن الفهم الحقيقي للنرجسية يتطلب قدراً من التوازن: التعاطف مع الضحايا، والدقة العلمية في التشخيص، والاعتراف بأن من فقدوا اتصالهم بإنسانيتهم قد يعيدون اكتشافها، إذا توفر لهم الدعم.

مجلة «نيوساينتست»

خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

النوبة القلبية في عمر الشباب... ما أسبابها؟ وكيف تحمي نفسك منها؟

صحتك النوبات القلبية قد تحدث في أي سن (رويترز)

النوبة القلبية في عمر الشباب... ما أسبابها؟ وكيف تحمي نفسك منها؟

صحيح أن خطر الإصابة بنوبة قلبية يزداد مع التقدم في السن، إلا أن الشباب ليسوا بمنأى عنها. فالنوبات القلبية قد تحدث في أي سن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك شرب كوب واحد من ماء الليمون يومياً يسهم في تعزيز جهازك المناعي (الشرق الأوسط)

ماذا يحدث لضغط دمك عند شرب ماء الليمون بانتظام؟

يُعد ارتفاع ضغط الدم حالة شائعة تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية. وقد يُسهم شرب ماء الليمون بانتظام في خفض ضغط الدم تدريجياً مع مرور الوقت.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك البطاطا الحلوة تتفوق على الجزر من حيث محتوى البيتا كاروتين (بيكسباي)

3 أطعمة مفيدة لصحة العين أكثر من الجزر

عندما يتعلق الأمر بالبيتا كاروتين، وهي صبغة نباتية تتحول داخل الجسم إلى «فيتامين أ»، قلّما تجد أطعمة تضاهي الجزر... فما هي الأطعمة الأخرى الغنية به؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك نوم حركة العين السريعة تُعد مرحلة نشطة من النوم تتميز بارتفاع النشاط الدماغي (بيكسلز)

«الضوضاء الوردية»... هل تضر بجودة نومك أم تحسنها؟

الضوضاء الوردية عبارة عن صوت هادئ ومستمر يحتوي على جميع الترددات التي يستطيع الإنسان سماعها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الثوم يتمتع بخصائص مضادة للالتهابات تساعد على مكافحة العدوى (بيكسلز)

5 أطعمة تتفوّق على الثوم في تعزيز المناعة

يُعدّ اتباع نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية وسيلة مثبتة علمياً لتعزيز صحة الجهاز المناعي والوقاية من الأمراض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».