«اللي باقي منك» و«فلسطين 36»... ذاكرة بصرية لـ«وعد بلفور» و«النكبة»

مخرجتان فلسطينيتان تفتحان الأبواب المغلقة في «البحر الأحمر السينمائي»

لقطة من فيلم «فلسطين 36» (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)
لقطة من فيلم «فلسطين 36» (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)
TT

«اللي باقي منك» و«فلسطين 36»... ذاكرة بصرية لـ«وعد بلفور» و«النكبة»

لقطة من فيلم «فلسطين 36» (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)
لقطة من فيلم «فلسطين 36» (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)

تُحقّق السينما الفلسطينية حضوراً لافتاً في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» منذ انطلاقته، وفي دورته الـ5 المُقامة حالياً من 4 إلى 13 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، تحضر فلسطين بـ3 أفلام مهمة، سواء عبر مخرجين فلسطينيين أو عرب، من بينها فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية.

شهد يوم الجمعة عرض الفيلمين الفلسطينيين «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، في توقيت متتابع.

يشارك الفيلم الأول في مسابقة «البحر الأحمر للأفلام الطويلة»، في حين يُعرض الثاني ضمن قسم «روائع عربية». والمفارقة أن العملين يستعيدان تاريخاً طويلاً من الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ يعود «فلسطين 36» بالزمن إلى ثلاثينات القرن الماضي، وهو الفيلم الذي يُمثل فلسطين في سباق «الأوسكار 98»، بينما يمثّل «اللي باقي منك» الأردن في المسابقة نفسها. وتنطلق أحداثه من زمن النكبة عام 1948 حتى 2022، ليشكّل الفيلمان معاً ذاكرة بصرية تستعيد زمن «النكبة» و«وعد بلفور». وقد حَظيا بدعم مؤسسة «البحر الأحمر السينمائي».

في فيلم «اللي باقي منك» (All That’s Left of You) تتَّبع شيرين دعيبس دراما عائلية تمتد عبر 3 أجيال من الفلسطينيين، من عام 1948 حتى 2022. تبدأ المشاهد بالشاب الفلسطيني «نور» الذي يُشارك في احتجاجات ضد قوات الاحتلال، فيُصاب برصاصة في رأسه. وتقول الأم المكلومة في أحد المشاهد إنها لا تستطيع رواية مأساة ابنها إلا بالعودة إلى قصة الجد، ومن خلالها تعبر إلى قصتها مع «سليم». وهكذا يروي الفيلم الحكاية منذ بدايتها عبر سردٍ عميق يستحوذ على المشاهد، متنقلاً بين بدايات مبهجة لأسرة «شريف» في يافا الجميلة وسط حدائق البرتقال، وبين التحوُّل المأساوي الذي أعقب النكبة، وما تبِعها من تهجير وسجن للجد وتشتت الأسرة. ويعيش الابن «سليم» تجربة مشابهة في حين تجمعه قصة حب مع «حنان»، تشكّل له طاقة نور في العتمة.

الفيلم من بطولة صالح بكري، ومحمد بكري، وماريا رزيق، وتشارك المخرجة شيرين دعيبس في التمثيل إلى جانب الكتابة والإخراج. وذكرت في مناقشة تلت العرض أن «هذا هو أول عرض للفيلم في العالم العربي، وهو أكبر مشروع عملت عليه»، موجّهة الشكر إلى «مهرجان البحر الأحمر» لدعمه، ولافتة إلى العرض التجاري المُرتقب للفيلم في صالات السينما السعودية. وعن ظروف التصوير قالت: «كُنا نصوّر فيلماً عن النكبة ونحن نعيش نكبة أخرى مع الحرب على غزة، وقد وضعنا كل غضبنا في هذا العمل». وبكت الممثلة ماريا رزيق خلال المناقشة، مؤكدة أنها لا تستطيع مشاهدة الفيلم دون أن تتأثر، «لأن كل فلسطيني يعرف أن أهله مرّوا بكل هذه المآسي»، مشيرة إلى تجربة جدتها التي نزحت مع أسرتها إلى لبنان بعد النكبة. وكان الفيلم قد عُرض لأول مرة في مهرجان «صندانس».

فيلم «اللي باقي منك» وحكايات تبدأ من النكبة (مهرجان البحر الأحمر السينمائي)

ويستعرض فيلم «فلسطين 36» دراما تاريخية مؤثرة تُجسِّد فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، من خلال شخصية «يوسف»، الشاب العالق بين موطنه الريفي وأجواء القدس الملبّدة بالتوتر. ومع تزايد تدفّق المهاجرين اليهود إلى فلسطين، يندلع صدام واسع وانتفاضة فلسطينية عربية ضد الحكم الاستعماري البريطاني وضد قرارات «لجنة بيل»، التي خرج الفلسطينيون بعدها مُندِّدين بمخرجاتها ورافضين «وعد بلفور»، مؤكدين أن أرضهم ليست للبيع، وناجحين في استعادة بعض المدن مثل الخليل وبئر السَّبع والقدس.

الفيلم من تأليف وإخراج آن ماري جاسر، وبطولة جيريمي آيرونز، وهيام عباس، وكامل الباشا، وصالح بكري، وياسمين المصري، وظافر العابدين. وقد عُرض للمرة الأولى ضمن العروض الاحتفالية في «مهرجان تورونتو السينمائي» في دورته الماضية.

وخلال المؤتمر الصحافي عقب العرض، قالت المخرجة إن «ثورة 1936 هي أول انتفاضة جماهيرية للفلسطينيين»، مؤكدة أن جذور ما تعيشه فلسطين اليوم تشكّلت في تلك الحقبة. ولفتت إلى اضطرار فريق العمل لبناء قرية فلسطينية في الأردن، وإلى تصوير مشاهد أخرى في القدس رغم الضغوط النفسية والعاطفية؛ ذلك أنهم كانوا يوثّقون الأماكن لحفظها من الاندثار. وعَدَّت الفيلم بمثابة إحياء للذاكرة، موجّهة الشكر لـ«مهرجان البحر الأحمر السينمائي» وللمملكة حيث تقيم أسرتها. من جانبها، قالت الفنانة هيام عباس إنها لا تستطيع فصل هويتها الفنية عن ذاتها، مشيرة إلى أن ما تركته فلسطين في داخلها تمثل في تلك «الذاكرة العميقة التي تُعد بوصلة عاطفية تقودها إلى حيث يجب أن تكون».

ويرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «القضية الفلسطينية قديمة الجذور، وفي ظل دعاية إسرائيلية قادرة على تزييف الحقائق وترويج الأكاذيب، يصبح التاريخ عرضة للتشويه». وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «عرض الفيلمين الفلسطينيين بالصدفة في اليوم نفسه، واستعادتهما وقائع تاريخية من الثلاثينات والأربعينات، يؤكدان أهمية توثيق الحقائق عبر السينما، ودحض المزاعم التي يتم ترويجها، وأولها ادعاء أن الفلسطيني باع أرضه؛ فالتاريخ يكذّب ذلك، فهو لم يبعها، بل دافع عنها حتى النهاية».

ويشير الناقد المصري إلى أن «العودة إلى الماضي لتوثيق الحقائق كانت مهمة لدى المخرجتين، رغم اختلاف الفترات الزمنية، لأن التاريخ يشكّل جانباً مهماً من الحاضر». وأشاد بدعم «مهرجان البحر الأحمر» للفيلمين «دفاعاً عن الحق الفلسطيني والعدالة، ومساندة لأفلام تطرح قضايا حقيقية ببراعة فنية».


مقالات ذات صلة

مروان خوري في «أعياد بيروت» حين تفيض المدينة حباً ورومانسية

يوميات الشرق عانى خوري من الحر الشديد فأعطته زوجته مروحة يدوية (الشرق الأوسط)

مروان خوري في «أعياد بيروت» حين تفيض المدينة حباً ورومانسية

حوَّل مروان خوري أمسيته إلى كورال جماعي؛ إذ لم يكتفِ بالغناء لجمهوره، بل جعلهم شركاء في صناعة الحفل حتى لحظاته الأخيرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «مهرجان عمّان السينمائي» افتتح دورته الـ7 بعنوان: «ما وراء الإطار» (إدارة المهرجان)

«اعتدنا التحديات»... «مهرجان عمّان» ينطلق ويحتفي بسينما تونس والعرب والعالم

«مهرجان عمّان السينمائي» يفتتح فعالياته في العاصمة الأردنية، ويشرع نافذةً على السينما التونسية...

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق جمهور غفير حضر حفل معلوف (مهرجانات أعياد بيروت)

إبراهيم معلوف يُرقِص الأبواق ويعزف مع طفليه في «أعياد بيروت»

انتصر إبراهيم معلوف لبوق والده، وكان حفله في لبنان إحدى محطات هذا الإنجاز

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق - Ink.jpg سام روكول في «حبر» (نتفليكس)

أسماء عربية وعالمية تزيّن الدورة الجديدة لمهرجان «ڤينيسيا»

لأولئك الذين يسخرون من وضع السينما... ليس أمامهم سوى دخول صالة تعرض فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان؛ فإن السينما تستطيع دوماً أن تولد من جديد.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق الخشبة تتذكّر أصحابها حين يجرؤون على المخاطرة (الشرق الأوسط)

جون أشقر... على طريق الضحكة الأبعد

فتح جون أشقر أمام جمهوره أبواباً شخصية على امتداد الأمسية، وغَرَفَ من حياته مادته الأساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)