رئيس «مايكروسوفت»: السعودية تنتقل من تصدير النفط إلى تصدير الذكاء الاصطناعي

مع استعداد الشركة لتشغيل أضخم وأحدث مركز بيانات في الدمام في 2026 لتلبية الطلب المحلي والعالمي

تعدّ المهارات البشرية الشابة العنصر الأكثر حسماً في تحويل الاستثمارات التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة (شاترستوك)
تعدّ المهارات البشرية الشابة العنصر الأكثر حسماً في تحويل الاستثمارات التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة (شاترستوك)
TT

رئيس «مايكروسوفت»: السعودية تنتقل من تصدير النفط إلى تصدير الذكاء الاصطناعي

تعدّ المهارات البشرية الشابة العنصر الأكثر حسماً في تحويل الاستثمارات التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة (شاترستوك)
تعدّ المهارات البشرية الشابة العنصر الأكثر حسماً في تحويل الاستثمارات التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة (شاترستوك)

بينما تُسرّع السعودية مسيرة تحولها الوطني تحت مظلة «رؤية 2030»، يشهد المشهد التقني الإقليمي نقطة انعطاف كبرى. وللمرة الأولى، «لا تشارك المنطقة في تحول عالمي فحسب، بل تتصدره بوضوح»، وفق ما يقول رئيس «مايكروسوفت» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، نعيم يزبك، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط».

يعتبر يزبك أن السعودية تقف اليوم في مقدمة مشهد تقني يُعد «لحظة تحول تاريخية لم نشهد مثلها في المائة عام الماضية»، لحظة تُعرّفها البنى السحابية السيادية والذكاء الاصطناعي وقدرات الابتكار الوطني.

نعيم يزبك رئيس «مايكروسوفت» لمنطقة الشرق الأوسط و أفريقيا (مايكروسوفت)

التحول الوطني السعودي

يرى يزبك أن الإرادة السياسية الواضحة في المملكة تقف وراء هذا التسارع. فالدولة لا تسعى فقط إلى تحديث بنيتها التحتية، بل تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بعدّه ركيزة استراتيجية توازي النفط تاريخياً. وإذا كان النفط قد شكّل أساس الاقتصاد لعقود، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح المورد الجديد الذي تراهن عليه المملكة في مستقبلها الاقتصادي.

ويذكر يزبك أن زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مؤخراً إلى الولايات المتحدة حملت دلالة مهمة، إذ جاء ملف الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في مقدمة المحادثات، ما يعكس جدية التوجه السعودي نحو بناء اقتصاد معرفي عالمي التأثير.

هذا التوجه فتح الباب أمام مرحلة جديدة لا تكتفي فيها المملكة باستهلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي من الخارج، بل بتطوير قدراتها المحلية وبناء منظومة إنتاج معرفي يمكن تصديره، وهو ما يعزز مبدأ السيادة التقنية ويؤسس لاقتصاد قائم على الابتكار.

مميزات السوق التقنية السعودية

يؤكد يزبك أن المشهد الإقليمي كله يشهد تحولاً فريداً، إذ لم تعد دول الخليج وخصوصاً السعودية، تتبنى تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل دخلت مرحلة تطويرها وإعادة تصديرها للأسواق العالمية. وتعمل المملكة على بناء بنى تحتية متقدمة قادرة على تشغيل نماذج ضخمة وتوفير قدرات حوسبة هائلة، ما يجعلها جزءاً من معادلة الابتكار العالمية لأول مرة في تاريخها الحديث، لا مجرد مستورِدة للتقنية.

وينقل يزبك انطباعاً مشتركاً سمعه خلال لقاءاته المتعددة مؤخراً في الرياض مع الوزارات والهيئات التنظيمية والمؤسسات الوطنية والشركات العالمية، وهو أن الجميع «يريد أن يكون في طليعة الذكاء الاصطناعي لا خلفه». ويعد أن الطموحات لم تعد شعارات، بل تحولت إلى قرارات تنفيذية واضحة تتجلى في إعادة ترتيب الميزانيات ورفع سقف التوقعات وتسريع الجداول الزمنية للمشاريع.

كما يشير يزبك إلى أن المؤسسات السعودية باتت تطالب الشركات التقنية بضمان أعلى مستويات سيادة البيانات، خصوصاً مع حساسية القطاعات المالية والصحية والتعليمية. وفي الوقت نفسه، تتطور البنية التشريعية بسرعة كبيرة لتواكب هذا التحول، إذ قامت المملكة بتحديث أنظمة الأمن السيبراني وحوكمة البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من دول عدة حول العالم، ما جعل القدرة على تعديل التشريعات بمرونة عالية ميزة تنافسية مهمة. ويفيد يزبك بأن نجاح المؤسسات لا يُقاس بعدد مشاريع الذكاء الاصطناعي التي تنفذها، بل بمدى ارتباط هذه المشاريع بالتحديات الوطنية الكبرى، إذ يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي في صميم ملفات الإنتاجية والرعاية الصحية والتعليم والأمن السيبراني، لا في مبادرات صغيرة هدفها الظهور الإعلامي.

تُعد السعودية من أوائل الدول التي تبني بنى تحتية سحابية وسيادية متقدمة ما يمكّنها من تطوير وابتكار تقنيات جديدة وليس فقط استهلاكها (غيتي)

معادلة العائد على الاستثمار

يشير يزبك إلى أن بناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي يتطلب أكثر من مراكز بيانات متقدمة، فهو يبدأ من التخطيط لعقود مقبلة في إنتاج الطاقة وتوسيع شبكات الاتصال. فالتشغيل الفعلي للنماذج الضخمة يحتاج إلى قدرة كهربائية هائلة واستقرار طويل الأمد، وهو ما تعمل عليه المملكة عبر استثمارات استراتيجية في الطاقة المتجددة والبنية الاتصالية. هذه الخطوات تعزز موقع السعودية بوصفها دولة قادرة على استضافة عمليات حوسبة عالمية متقدمة على مدار السنوات المقبلة.

يشرح يزبك أن سؤال العائد على الاستثمار أصبح من أكثر الأسئلة أهمية في هذه المرحلة. فعلى المستوى الوطني، يُقاس العائد بالازدهار الاقتصادي المباشر وزيادة الناتج المحلي وخلق وظائف جديدة وتعزيز القدرة على الابتكار ورفع الإنتاجية وترسيخ المكانة العالمية للمملكة. أما على مستوى المؤسسات، فقد بدأت النتائج بالظهور بالفعل. فمع استخدام أدوات مثل «كوبايلوت»، أصبح الموظفون قادرين على أداء مهامهم بسرعة أكبر وجودة أعلى والتخلص من الأعمال الروتينية وتخصيص وقت للابتكار. وينوه يزبك بأن المرحلة المقبلة ستشهد توسعاً في المكاسب لتشمل تطوير نماذج أعمال جديدة وتحسين تجربة العملاء وتبسيط العمليات التشغيلية ورفع الكفاءة في مختلف القطاعات.

تبدأ «مايكروسوفت» تشغيل المنطقة السحابية الجديدة في الدمام عام 2026 ما يشكل تحولاً كبيراً في القطاعات الصحية والمالية والحكومية ( مايكروسوفت)

2026... نقطة التحول الكبرى

تستعد «مايكروسوفت» لبدء تشغيل منطقة سحابية جديدة في الدمّام خلال النصف الثاني من عام 2026 واستضافة كامل خدماتها السحابية بما في ذلك «Azure» و«Microsoft 365» و«Dynamics وPower Platform» وخدمات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وحلول «كوبايلوت». ويُعد هذا المشروع واحداً من أضخم وأحدث مراكز البيانات في المنطقة، وقد اكتمل البناء بالفعل بينما تجري حالياً الاختبارات ونشر الخدمات تدريجياً استعداداً للإطلاق. ويؤكد يزبك أن الطلب على هذه السحابة ضخم للغاية، ليس فقط من المؤسسات الوطنية، بل أيضاً من شركات عالمية ترغب بتشغيل خدماتها داخل المملكة، وهو ما لم يكن ممكناً سابقاً بهذه السعة.

وسيكون لهذه السحابة أثر فوري على القطاعات المنظمة مثل الصحة والمالية، التي ستتمكن للمرة الأولى من استخدام خدمات سحابية وذكاء اصطناعي محلية متوافقة مع الأنظمة السعودية. ويشير يزبك إلى أن خدمات«أزور» و «كوبايلوت» ستصبح متاحة على نطاق واسع لجميع المؤسسات من الشركات الصغيرة إلى أكبر الكيانات الاقتصادية، وأن جاهزية المؤسسات البشرية والتقنية ستكون العامل الحاسم في سرعة الاستفادة من هذه النقلة النوعية.

قيمة تتجاوز البنية التحتية

يؤكد يزبك أن تشغيل السحابة الوطنية لا يوفر قدرات تقنية فقط، بل يفتح الباب أمام دخول منظومة شركاء «مايكروسوفت» العالمية إلى داخل المملكة. وهذا يعني أن آلاف الحلول المتقدمة، من برمجيات الأعمال إلى تقنيات الأمن وتحليل البيانات، ستصبح متاحة مباشرة للمؤسسات السعودية. ويعدّ يزبك هذه المنظومة المتكاملة هي العامل الأكثر تأثيراً في تسريع الابتكار وبناء خدمات جديدة، إذ تتجاوز قيمته قيمة البنية التحتية نفسها.

تمثل البيانات النظيفة والضخمة ركيزة أساسية لنجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي وتعمل المملكة على تطوير منظومات بيانات وطنية متقدمة (غيتي)

السيادة والأمن

يصرح يزبك لـ«الشرق الأوسط» بأن مفهوم السيادة الرقمية أصبح عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في أي بنية تقنية وطنية. فالمملكة تفرض على مقدمي الخدمات السحابية الالتزام بأعلى درجات الاعتماد لاستضافة البنى الوطنية الحساسة، وهو ما تعمل «مايكروسوفت» على تحقيقه قبل الإطلاق. ومع بدء تشغيل المراكز السحابية في الدمام، ستصبح فعلياً جزءاً من البنية السيادية للمملكة، ما يستلزم أعلى مستويات الحماية. وتستثمر الشركة مليارات الدولارات سنوياً في الأمن السيبراني، وقد تمكنت من صدّ هجمات إلكترونية غير مسبوقة، ما يعكس مستوى التهديدات الذي تواجهه البنى الوطنية اليوم. وتقدم الشركة منظومة واسعة تشمل حوكمة البيانات والحلول السحابية السيادية وأدوات تصنيف البيانات وخيارات هجينة تمنح المؤسسات مرونة في التشغيل والتوسع. ويؤكد يزبك أن السيادة ليست مفهوماً واحداً بل طيف من المتطلبات يشمل حماية البيانات والتحكم التشريعي ووجود البنى داخل الحدود الوطنية.

البيانات... مصدر التفوق المقبل

يعدّ يزبك أن البيانات هي العامل الحاسم لنجاح الذكاء الاصطناعي، وأن أي نموذج ذكاء اصطناعي لا يستند إلى بيانات نظيفة يتحول إلى مصدر للهلوسة. ولذلك تبدأ أي مناقشة وطنية استراتيجية بسؤال حول مدى جاهزية البيانات الوطنية. وتعمل المملكة اليوم بالشراكة مع «سدايا» ووزارة الاتصالات وشركات وطنية على بناء منظومة بيانات ضخمة ومنظمة وفق أعلى المعايير، ما يجعلها ركيزة رئيسية لتطوير نماذج لغوية عربية قادرة على المنافسة عالمياً. ويقول يزبك إن النهج الأكثر فاعلية هو الاعتماد على الضبط الدقيق للنماذج العالمية باستخدام بيانات محلية تعكس اللهجات والسياقات الثقافية والصناعية، بدلاً من بناء نماذج جديدة من الصفر، وهو ما يجعل العملية أكثر استدامة ودقة. كما يدعو يزبك إلى تبنّي إطار واضح للذكاء الاصطناعي المسؤول، مؤكداً أن السرعة وحدها لا تكفي، وأن الاستخدام الآمن والموثوق للتقنية يجب أن يُبنى منذ اللحظة الأولى. وتعمل «مايكروسوفت» مع الهيئات الوطنية على تطوير سياسات تمنع سوء الاستخدام وتضمن حماية البيانات وبناء نماذج عادلة وشفافة. ويعتبر أن هذه الأسس ستحدد مستقبل الثقة بين المواطنين والتقنيات الجديدة.

تدريب المهارات... ميزة وطنية

يشدد يزبك على أن المهارات البشرية هي المحرك الحقيقي للقدرة الوطنية. فامتلاك المملكة لبنية تحتية قوية لا يكفي دون وجود مهارات قادرة على تشغيلها وتطويرها. ويرى أن الشباب السعودي يمثل الميزة التنافسية الكبرى للمملكة، إذ إن الجيل الجديد وُلد في عالم رقمي يتعامل مع التقنيات الحديثة بعفوية ومرونة. وقد درّبت «مايكروسوفت» أكثر من مليون سعودي خلال العامين الماضيين عبر برامج مشتركة مع «سدايا» ووزارة الاتصالات ووزارة التعليم ومؤسسة «مسك»، كما خرّجت أكاديمية الذكاء الاصطناعي المشتركة آلاف الطلاب من أكثر من أربعين جامعة، ووفرت برامج موسعة لتدريب المعلمين على أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم. وتقوم الرؤية على أن تنمية المهارات هي ما يحول البنية الرقمية إلى قدرة وطنية تُترجم إلى ابتكار وإنتاجية.

من التبني إلى الريادة

يؤكد يزبك أن «مايكروسوفت» تجري تقييمات دقيقة لأثر السحابة الوطنية في الدول التي تعمل فيها، وتشمل هذه التقييمات خلق الوظائف والمساهمة في الناتج المحلي ونمو الشركات الناشئة وتوسع منظومة الشركاء وزيادة الإنتاج المعرفي. وعندما ترتفع هذه المؤشرات بالتزامن مع انتشار التطبيقات المحلية للذكاء الاصطناعي، تعدّ الشركة أن الدولة قد انتقلت من مرحلة التبني إلى مرحلة الريادة. وتشير التوجهات إلى أن الشركات الناشئة السعودية تتجه بسرعة نحو بناء حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من منح سحابية ومن دعم تقني يتيح لها تطوير منتجاتها بسرعة أكبر. ومع توفر قدرات الذكاء الاصطناعي محلياً ستتمكن هذه الشركات من دخول السوق بوتيرة أسرع وإطلاق منتجات تتوافق بالكامل مع الأنظمة الوطنية.


مقالات ذات صلة

رئيس «مايكروسوفت» يدعو إلى معايير سلامة للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا براد سميث رئيس شركة «مايكروسوفت» يلقي كلمة في بروكسل ببلجيكا يوم 30 أبريل 2025 (رويترز)

رئيس «مايكروسوفت» يدعو إلى معايير سلامة للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي

دعا رئيس «مايكروسوفت» براد سميث الحكومات وشركات التكنولوجيا إلى وضع معايير فعالة لسلامة الذكاء الاصطناعي، وإلزام الشركات بالإبلاغ عن الحوادث.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
تكنولوجيا بعض الرسائل الاحتيالية تصل عبر إشعارات رسمية وتتضمن رموز تحقق لم يطلبها المستخدم (رويترز)

أكثر من 31 ألف رسالة احتيالية تستغل خدمات «مايكروسوفت» الرسمية

رصدت «كاسبرسكي» أكثر من 31 ألف رسالة احتيالية تستغل خدمات «مايكروسوفت» الشرعية لإخفاء روابط تصيد وسرقة بيانات المستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يسرّع استغلال الثغرات ويضاعف أهمية التحديث (مايكروسوفت)

ثغرات تُستغل خلال ساعات... «مايكروسوفت» تحذر من تأخير التحديثات الأمنية

يحذر تقرير «مايكروسوفت» من تسارع استغلال الثغرات خلال ساعات، واتساع الفجوة بين سرعة الهجوم وبطء تثبيت التحديثات الأمنية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الولايات المتحدة​ شعار «أنثروبيك» (رويترز)

سجالات الذكاء الاصطناعي تُفجر مفاجآت في قاعات المحاكم الأميركية

اتهمت صحف كبرى أميركية شركات الذكاء الاصطناعي بالوقوف عمداً وراء «السرقة الكبرى للعمالة في تاريخ البشرية»، وسط تقارير عن اختراقات جديدة مثيرة للقلق.

علي بردى (واشنطن)
تكنولوجيا «غوغل» توسّع حضور «جيميناي» بتطبيق جديد لـ«ويندوز» (غوغل)

«جيميناي» يصل رسمياً إلى أجهزة «ويندوز»

يتيح تثبيت التطبيق على جهاز الكومبيوتر استدعاء «جيميناي» من أي مكان على الجهاز باستخدام اختصار (Alt + Space).

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
TT

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)

يستعرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، جهود إدارته لمكافحة الشبكات الإجرامية الأجنبية التي تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية في العملات المشفرة، وفق ما أفاد به مسؤول في البيت الأبيض «رويترز»، في إطار فعالية أوسع نطاقاً بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية.

ومن المتوقع أن يستعرض ترمب وعدد من أعضاء حكومته، خلال فعالية في البيت الأبيض، جهود الحكومة لمصادرة مواقع إلكترونية تُستخدم في عمليات احتيال استثماري بالعملات المشفرة، إلى جانب المساعي الرامية إلى وقف عمليات الاحتيال عبر انتحال الهوية على الإنترنت، وفق المسؤول.

وأضاف مسؤول في الإدارة الأميركية أن من المتوقع حضور وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين، ومدير «مكتب التحقيقات الاتحادي» كاش باتيل، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والمدعي العام تود بلانش. كما يُتوقع حضور كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ونائب رئيس الموظفين ستيفن ميلر، والمدير الوطني لـ«الأمن السيبراني» شون كيرنكروس.

وقدّم الأميركيون أكثر من مليون شكوى إلى «مكتب التحقيقات الاتحادي» بشأن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت العام الماضي، بزيادة قدرها 17 في المائة مقارنة بعام 2024، وفقاً لتقرير صادر عن «المكتب» أشار أيضاً إلى أن الخسائر المالية التي أبلغ عنها المشتكون بلغت مستويات قياسية.

وتشارك عائلة ترمب على نطاق واسع في استقطاب استثمارات العملات المشفرة.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن ترمب ونجليه أضافوا ما لا يقل عن 2.3 مليار دولار إلى ثروة العائلة من خلال مشروعاتهم الرئيسية في مجال العملات المشفرة، في حين تكبّد المستثمرون الذين استقطبتهم العائلة خسائر بلغت 2.3 مليار دولار.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، في بيان لـ«رويترز» رداً على التحقيق، إن «جميع الإجراءات التي يتخذها الرئيس ترمب وإدارته تصب في مصلحة الشعب الأميركي».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أصدر ترمب عفواً عن تشانغبينغ تشاو، المؤسس المدان لمنصة «بينانس» لتداول العملات المشفرة، بعدما ترك منصبه إثر إقرار الشركة بالذنب في قضية تتعلق بالإخفاق في الحفاظ على برنامج فعّال لمكافحة غسل الأموال.

وفي مارس (آذار) الماضي، وجّه ترمب وزارة العدل، بموجب أمر تنفيذي، إلى إعطاء الأولوية لتحديد هوية المحتالين الذين يرتكبون جرائم عبر الإنترنت وملاحقتهم قضائياً. كما وجّه لاحقاً وزارة الأمن الداخلي إلى العمل مع شركات خاصة لمراقبة مجموعات القرصنة الإلكترونية الأجنبية.


تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي بأكثر من التوقعات، في حين ارتفعت مخزونات المقطرات.

وأوضحت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام تراجعت بمقدار 3.06 مليون برميل لتصل إلى 412.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته وكالة «رويترز» بانخفاض قدره 820 ألف برميل.

كما أشارت الإدارة إلى ارتفاع مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بمقدار 987 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة أن كميات النفط الخام التي تمت معالجتها في المصافي ارتفعت بمقدار 34 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.1 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 93.4 في المائة. وفقاً للبيانات.

وفيما يتعلق بالبنزين، أفادت الإدارة بأن المخزونات الأميركية انخفضت بمقدار 2.95 مليون برميل لتصل إلى 205.3 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 443 ألف برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات المقطرات -التي تشمل الديزل وزيت التدفئة- بمقدار 1.68 مليون برميل لتصل إلى 104.3 مليون برميل، مخالفةً بذلك توقعات كانت تشير إلى انخفاض قدره 1.16 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 837 ألف برميل يومياً.

وعلى الفور، تحولت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي إلى الارتفاع وسط تداولات متقلبة شهدتها جلسة الأربعاء، وذلك فور صدور التقرير.


ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
TT

ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)

أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان إبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، استجابةً للطعن المقدّم من رئيس الجمهورية جوزيف عون، رسم مسار معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، بما قد ينعكس على صياغة القانون المرتقب والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق تمويلي.

ويعيد القرار مصرف لبنان إلى موقع محوري في إدارة عملية إعادة هيكلة المصارف، في تطور تتجاوز تداعياته قانون إصلاح المصارف إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يُعدّ من المرتكزات الأساسية لمعالجة الفجوة المالية وتحديد المسؤوليات عن الخسائر وتوزيع أعبائها.

وتكمن الأهمية الاستثنائية للقرار في إعادة الاعتبار إلى المضمون الأساسي للقانون رقم 23، الصادر في صيف العام الماضي، والذي يُلزم بالتقيد بأحكام قانون النقد والتسليف، ويستهدف «تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أي مصرف متعثر». وبذلك، يشطب القرار عملياً استهلالية التعديل المطعون به، والتي نصت على «وضع إطار قانوني حديث يتلاقى مع المعايير الدولية المتبعة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وليس خافياً، وفق قراءة مسؤول مالي معنيّ، أن تداعيات القرار لا تقتصر على بُعده القانوني البحت، ولا على واقع الرفض الضمني للتعديل الوارد من قبل فريق الصندوق الدولي، بل تمتدّ تلقائياً إلى اختلاف المقاربات السياسية والقطاعية في إعداد مندرجات مشروع قانون الفجوة المالية الذي يفترض أن تشرع اللجان النيابية بمناقشته قريباً، سواء بنسخته المحالة من الحكومة بنهاية العام الماضي، أو بعد اكتمال المراجعة المرتقبة من قبل الفريق الاقتصادي الحكومي، وبالاستناد إلى خلاصات المداولات مع حاكمية البنك المركزي ومؤسسات مالية دولية.

ويشير المسؤول المالي إلى أن القرار يشدد الضوابط القضائية على مسار المعالجات المطروحة، ويتكامل في هذا السياق مع مطالعة سابقة لمجلس شورى الدولة، تم إعادة تثبيتها قبل أشهر، وتقضي بأنه لا يمكن شطب الودائع أو إلغاء ديون والتزامات مصرف لبنان المركزي بقرار حكومي دون سند تشريعي صريح وضمانات دستورية تحفظ حق الملكية الفردية. كما رفض المجلس تحميل المودعين وحدهم كلفة الخسائر المالية، مؤكداً مسؤولية الدولة ومصرف لبنان في الأزمة المالية.

بذلك، اكتسبت الخشية من العودة إلى نقطة «الصفر» التي أوردتها «الشرق الأوسط» ضمن ترقباتها المسبقة لمنحى القرار، دفعاً قوياً بتأثيره الفوري واللاحق على القانون الارتكازي لمعالجة الفجوة، ولا سيما لجهة وصف المسؤوليات، وبالتبعية تحديد الأحمال على ثلاثي الدولة، والبنك المركزي، والمصارف، فيما تنحو توجيهات صندوق النقد، بتأييد حكومي غير مضمر وفقاً لما ورد في مشروع القانون، إلى تضييق المساهمة بالأموال العامة لأبعد حدود.

الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ومن المرجح، حسب مصادر معنية ومنحى المعطيات المحدثة، انحسار التطلعات لتجديد عقد اتفاق أولي مع صندوق النقد خلال الأشهر القليلة المقبلة، بالنظر إلى ربط توقيعه بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، والمشروط قانونياً بصدور قانون معالجة الفجوة المالية، مع اشتراط توافقها مع المعايير الدولية. فضلاً عن الحاجة إلى إقرار موازنة العام المقبل، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتوافق مع استدامة الدين العام في البلاد.

وتكشف الأرقام المرتبطة بالفجوة المالية عن حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة اللبنانية في ظل الضغوط المتواصلة من صندوق النقد الدولي، وسط تباين في وجهات النظر بشأن كيفية توزيع الخسائر ومعالجة العجز المالي لدى الأطراف المعنية، وهي الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وفي خضم هذه الخلافات، تبقى حقوق المودعين معلّقة إلى حين إقرار القانون الذي يحدد آليات التعامل مع مدخراتهم العالقة، المقدّرة بنحو 80 مليار دولار.

ويقابل هذه الودائع حجم مماثل من توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، استُخدم معظمها في تمويل الدولة، التي استجرّت أموالاً تُقدّر بنحو 64 مليار دولار، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المالية للأزمة.

وفي الأساس، ثمة «فجوة» عميقة في توصيف الأزمة وخلفياتها، حسب المسؤول المالي المعني، بينما تفترض التداعيات وموجبات إيفاء الحقوق، التوافق الناجز على تعريف «الأزمة النظامية» التي أقر بها صندوق النقد، وباعتبار أن المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، وفق تأكيد حاكم المركزي، كريم سعيد، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها، وصولاّ إلى انهيار شامل. كما ينبغي التنويه في سياق المقاربات العلاجية، بأن تخلّف الدولة عن سداد السندات الدولية في ربيع عام 2020، والبالغة حينها نحو 31 مليار دولار، ثم انهيار سعر صرف العملة الوطنية بنسبة قاربت 98 في المائة، الذي محا تقريباً ديون الدولة بالليرة، منحا الدولة فترة سماح طويلة نسبياً لعزل موجبات الديون عن الموازنة العامة، لكن ذلك يؤجل الاستحقاقات فقط ولا يشطبها، بأي حال، مع وجود شريحة واسعة من الدائنين الدوليين، مما يوجب ضم الملف إلى مشروع قانون الانتظام المالي.