واشنطن وكييف تواصلان محادثات «السلام الصعب» في فلوريدا لليوم الثالث

روسيا تُسابق الدبلوماسية بالتوازي على عدة جبهات

إطفائي يتعامل مع نيران أشعلها هجوم جوي روسي على العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)
إطفائي يتعامل مع نيران أشعلها هجوم جوي روسي على العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وكييف تواصلان محادثات «السلام الصعب» في فلوريدا لليوم الثالث

إطفائي يتعامل مع نيران أشعلها هجوم جوي روسي على العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)
إطفائي يتعامل مع نيران أشعلها هجوم جوي روسي على العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)

تتواصل في فلوريدا لليوم الثالث على التوالي المحادثات الأميركية – الأوكرانية حول خطة واشنطن لإنهاء الحرب مع روسيا، في وقت تواصل فيه القوات الروسية توسيع مكاسبها الميدانية على عدة جبهات، وتكثّف عمليات القصف بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية في أوكرانيا، ما يلقي بظلال ثقيلة على آفاق التوصل إلى تسوية سياسية ويزيد من تعقيد حسابات الطرفين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف يتصافحان خلال اجتماعهما في الكرملين بموسكو 6 أغسطس 2025 (أ.ب)

وقالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان إن الجانبين «اتفقا على أن التقدم الحقيقي نحو أي اتفاق يعتمد على استعداد روسيا لإظهار التزام جاد بسلام طويل الأمد، بما في ذلك اتخاذ خطوات نحو خفض التصعيد ووقف أعمال القتل»، وأن كبير المفاوضين رستم عميروف أكد مجدداً أن أولوية أوكرانيا هي التوصل إلى اتفاق «يحمي استقلالها وسيادتها».

وأشار البيان إلى توافق على «إطار للترتيبات الأمنية وقدرات الردع الضرورية للحفاظ على سلام دائم»، من دون الإفصاح عن طبيعة هذه الضمانات، التي تبقى جوهر الخلاف بين كييف وواشنطن من جهة، وموسكو من جهة أخرى.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتوسط جاريد كوشنر إلى يساره وستيف ويتكوف خلال لقائهم وفدا أوكرانيا في فلوريدا الأحد الماضي (أ.ب)

ويقود المحادثات في الجانب الأميركي المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترمب، ستيف ويتكوف، ويرافقه جاريد كوشنر، في مؤشر إلى رغبة الإدارة الأميركية في دمج قنوات سياسية غير تقليدية في مسار الوساطة. وتمثل كييف في المفاوضات شخصيات بارزة، بينها كبير المفاوضين رستم عميروف والجنرال أندريه هناتوف. وجاءت جلسات فلوريدا بعد سلسلة اجتماعات في جنيف وميامي، وفي أعقاب زيارة قام بها ويتكوف وكوشنر إلى موسكو حيث عرضا النسخة المعدلة من الخطة على الرئيس فلاديمير بوتين.

ومنذ عرض الخطة الأميركية قبل نحو ثلاثة أسابيع، جرت جلسات محادثات عدة مع الأوكرانيين في جنيف وميامي بهدف تعديل النص لمراعاة مصالح كييف. كما عُرضت الوثيقة الأربعاء على الرئيس الروسي خلال زيارة لموسكو أجراها ويتكوف وكوشنر.

الجمعة، أشار المستشار الدبلوماسي للكرملين يوري أوشاكوف، إلى أنّ اجتماع الثلاثاء في موسكو جرى في جو ودي، مرحّباً بمشاركة جاريد كوشنر في المناقشات. وصرح أوشاكوف للتلفزيون الرسمي بأن الرئيس الروسي وويتكوف أجريا «محادثة ودية حقيقية ويفهم كل منهما الآخر». وفي إشارة إلى جاريد كوشنر، وأضاف: «انضمّ إلينا شخص جديد وأود القول إنّه كان مفيداً للغاية».

ولم يعلن عن تفاصيل كثيرة على صلة بالخطة المعدلة، في حين عُدّت النسخة الأولية منها مراعية إلى حد كبير لمصالح روسيا.

بوتين ومستشاره للسياسة الخارجية يوري أوشاكوف (يسار) والرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل دميترييف (يمين) (أ.ب)

وقد تضمنت المسودة الأولى لخطة واشنطن تنازل أوكرانيا عن أراض بعضها لم تتمكن روسيا من احتلالها حتى الآن، مقابل وعود أمنية لا ترقى إلى مستوى تطلعات كييف للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو).

ورغم أن التفاصيل لا تزال محاطة بالغموض، فإن النسخة الأولية من الخطة وُصفت بأنها «مائلة لمصلحة موسكو»، إذ تضمّنت تنازلات إقليمية من جانب أوكرانيا، بعضها في مناطق لم تحتلها روسيا بعد، مقابل ضمانات أمنية دون مستوى الانضمام إلى «الناتو». وفي حين تطالب كييف بضمانات صارمة تمنع تجدد العدوان الروسي، تبدي واشنطن حذراً في التعهد بخطوات قد تثير مواجهة مباشرة مع موسكو. وبين هذين الموقفين، تواصل روسيا توظيف مكاسبها العسكرية في المفاوضات، وفق مراقبين.

تقدّم روسي يفرض منطقه

على الأرض، كانت موسكو تُرسل إشارات واضحة إلى أنها ماضية في خيار الحسم الميداني. وأعلن الجيش الروسي سيطرته على بلدة بيزيمينيه في دونيتسك، فيما تتواصل محاولات التقدم باتجاه محاور أخرى في باخموت وسيفرسك وكوبينسك. وبحسب خرائط معارك نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» لـ«معهد دراسات الحرب في واشنطن»، ومحللين في منصات مراقبة مستقلة، فإن القوات الروسية تحقق مكاسب بطيئة، ولكن ثابتة، بعدما كثّفت خلال الأسابيع الماضية اعتمادها على الطائرات المسيّرة الهجومية، والمسيّرات الانتحارية الصغيرة التي تصعّب مهمة الدفاع الأوكراني.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف يتصافحان خلال اجتماعهما في الكرملين بموسكو 6 أغسطس 2025 (أ.ب)

ويشير التقرير إلى أن روسيا استولت خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) على نحو 505 كيلومترات مربعة من الأراضي، أي ضعف ما حققته في أكتوبر (تشرين الأول). ويرى محللون أن هذه المكاسب تُغري الكرملين بتشديد شروطه السياسية، وتمنحه شعوراً بأنه قادر على فرض إملاءاته في المفاوضات.

وبعد مناقشاته مع الوفد الأميركي، قال بوتين في تصريحات للتلفزيون الروسي إن اللقاءات جرت «في جو ودي»، لكنه شدد على أن روسيا «لن تغيّر مطالبها الأساسية»، وهو ما فُسر بأنه رفض غير معلن لأي تنازل كبير في الخطة الأميركية.

تصعيد واسع على البنية التحتية

وفي موازاة مسار المفاوضات، شنّت روسيا واحدة من أعنف موجات القصف منذ أشهر، مستخدمة أكثر من 650 طائرة مسيّرة و51 صاروخاً، وفق الجيش الأوكراني الذي أعلن إسقاط الغالبية منها، لكنه أقر بوقوع أضرار جسيمة في منشآت الطاقة ومحطات التدفئة والسكك الحديدية.

وأفاد حاكم العاصمة كييف بأن هجوماً واسعاً بالصواريخ والمسيّرات استهدف ضواحي المدينة ومنطقة فاستيف، حيث تعرض مركز رئيسي للسكك الحديدية للقصف، ما أدى إلى تدمير عربات ومحطات شحن وإلغاء عدد من الرحلات. كما تعرّضت البنية التحتية في تشيرنيهيف، وزابوريجيا، وأوديسا، ودنيبروبتروفسك لضربات تسببت في انقطاع الكهرباء والمياه عن عشرات الآلاف.

جنود روس يقومون بدورية بمنطقة سودجا بإقليم كورسك (أرشيفية - أ.ب)

وأوضح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن «منشآت الطاقة كانت الهدف الرئيس للهجمات» التي وصفها بأنها محاولة لـ«إلحاق المعاناة بملايين الأوكرانيين، وانحدروا إلى حد إطلاق الصواريخ على مدن مسالمة في يوم القديس نيكولاس»، في إشارة إلى بداية فترة عيد الميلاد في السادس من ديسمبر (كانون الأول)، ويصادف هذا التاريخ أيضاً يوم القوات المسلحة الأوكرانية، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، اليوم السبت. وجدّد دعوته لزيادة الضغط على موسكو وتعزيز الدعم العسكري لكييف، مشدداً على أن «روسيا لا تسعى للسلام، بل لفرض الاستسلام بالقوة».

وفي المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن «ضربة كبيرة» نُفذت رداً على ما قالت إنه «هجمات أوكرانية على أهداف مدنية داخل روسيا»، مؤكدة استهداف «منشآت عسكرية وصناعية وموانٍ وبنية طاقة» في مختلف أنحاء أوكرانيا.

أوكرانيا تردّ بقدرات محدودة

جندي روسي يرفع علم بلاده في إحدى البلدات بإقليم دونيستك الأوكراني الثلاثاء (إ.ب.أ)

ورغم تراجع قدراتها الهجومية، قالت القوات الأوكرانية إنها قصفت مصفاة ريازان الروسية لتكرير النفط ومنشأة لصناعة أغلفة القذائف في منطقة لوهانسك، في محاولة لتهديد القدرات اللوجيستية الروسية. غير أن حجم هذه الضربات يبقى أقل بكثير من تأثير الهجمات الروسية واسعة النطاق، وفق محللين عسكريين.

وتشير شهادات جنود أوكرانيين إلى حالة «إرهاق» في الخطوط الأمامية، وخصوصاً في محيط مدينة بوكروفسك التي تشهد معارك ضارية منذ 18 شهراً. وتصف قوات أوكرانية الوضع هناك بأنه «انهيار تدريجي» ناجم عن تفوق روسي في الطائرات المسيّرة والذخيرة والاستطلاع الليلي، وبسبب نقص الاحتياطيات البشرية في الجيش الأوكراني.

يرى مراقبون أن المفاوضات الجارية في فلوريدا تتأثر مباشرة بالتطورات الميدانية. إذ تدخل كييف المفاوضات من موقع أضعف نسبياً مقارنة بفترات سابقة، بينما يسعى بوتين إلى استثمار التقدم العسكري لفرض خطوط تماس جديدة كأساس لأي تسوية، وربما لانتزاع تنازلات سياسية من واشنطن نفسها.

ورغم تأكيد الجانب الأميركي أن المناقشات «بنّاءة»، فإن طبيعة الوفد الأميركي، الذي يضم شخصيات قريبة من ترمب، تثير تساؤلات حول الاتجاه المستقبلي للسياسة الأميركية تجاه الحرب، خصوصاً في ظل تراجع الحماسة في الكونغرس لتمويل دعم واسع لأوكرانيا. أما كييف، التي تصر على ضمانات أمنية راسخة واستعادة سيادتها، فتبدو في سباق مع الزمن لمنع روسيا من تحقيق مكاسب إضافية قد تفرض واقعاً تفاوضياً أكثر قسوة.


مقالات ذات صلة

ماكرون وكالاس ينددان باستخدام روسيا صاروخ «أوريشنيك» في أوكرانيا

أوروبا الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)

ماكرون وكالاس ينددان باستخدام روسيا صاروخ «أوريشنيك» في أوكرانيا

ندد الرئيس الفرنسي ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بالهجوم الروسي الذي استهدف العاصمة ‌الأوكرانية كييف ‌خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)

صاروخ «أوريشنيك» فرط صوتي يهزّ كييف ويختبر دفاعاتها

تعرّض مقر إقامة السفير الألباني للقصف خلال الهجوم الروسي الواسع على العاصمة الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مبنى يشتعل بعد هجوم روسي على كييف اليوم الأحد (ا.ب)

أوكرانيا تتعرض لهجوم روسي ضخم

تتعرض كييف لقصف كثيف، الأحد، بعد أيام قليلة من هجوم أوكراني دامٍ على كلّية في منطقة تحتلها روسيا توعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برد عسكري عليه.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أندري يرماك يسير خلف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أرشيفية - رويترز)

كييف والسفارة الأميركية تحذّران من احتمال شن روسيا ضربة ضخمة وشيكة

حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت، من احتمال أن تشنَّ روسيا ضربةً ضخمةً وشيكةً قد تستخدم فيها صاروخها من طراز «أوريشنيك».

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا من عبءٍ على الغرب، إلى مختبرٍ لحروب المستقبل.

إيلي يوسف (واشنطن)

ماذا نعرف عن مطلق النار قرب البيت الأبيض؟

ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)
ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

ماذا نعرف عن مطلق النار قرب البيت الأبيض؟

ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)
ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)

فتح رجلٌ النارَ، مساء السبت، عند نقطة تفتيش أمنية قرب البيت الأبيض في واشنطن، ولقي حتفه متأثراً بإصابته برصاص عناصر الخدمة السرية.

وبحسب شبكة «سي إن إن» الأميركية، تشير السجلات القضائية إلى أنَّ مطلق النار هو ناصر بست (21 عاماً) من ولاية ماريلاند، وأنَّه يعاني مشكلات عقلية، حيث سبق أن تمَّ إيداعه في مستشفى للأمراض النفسية، وتمَّ اعتقاله من قبل الشرطة المحلية عندما ادعى أنَّه «المسيح».

وتضمَّنت حسابات بست على مواقع التواصل الاجتماعي منشوراً بدا وكأنَّه يهدِّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعنف.

وبحسب السجلات القضائية، فقد أوقف الضباط بست مرات عدة بالقرب من البيت الأبيض الصيف الماضي، وأصدرت السلطات بحقه «أمراً بالابتعاد» يمنعه من الاقتراب من البيت الأبيض، حيث كان معروفاً لدى جهاز الخدمة السرية لتجوُّله حول مجمع البيت الأبيض واستفساره عن كيفية الدخول عبر نقاط الوصول المختلفة.

الشرطة تطوِّق موقع إطلاق النار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)

وذكرت السجلات أيضاً أنَّه جرى إيداعه قسراً في مستشفى للأمراض النفسية في 26 يونيو (حزيران) 2025؛ بسبب «عرقلة دخول المركبات» إلى جزء من مجمع البيت الأبيض.

وفي 10 يوليو (تموز) 2025، تجاهل بست اللافتات التحذيرية، ودخل منطقةً محظورةً خارج البيت الأبيض، حيث واجهه عددٌ من الضباط، وادّعى أنه المسيح، وقال إنه يريد أن يُقبض عليه، وفقاً للتقرير.


مقتل مسلّح أطلق النار قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب)
TT

مقتل مسلّح أطلق النار قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب)

قُتل مسلّح فتح النار، السبت، قرب نقطة تفتيش أمنية تابعة للبيت الأبيض، بعدما أطلق عناصر الأمن النار عليه رداً على الهجوم. وهذه هي الواقعة الثالثة لإطلاق نار في محيط الرئيس دونالد ترمب خلال الشهر الماضي.

وقالت «الخدمة السرية» الأميركية، في بيان نشرته على منصة «إكس»، إن الرجل كان في منطقة تقاطع الشارع السابع عشر وجادة بنسلفانيا، عندما «أخرج سلاحاً من حقيبته» بعد السادسة مساء السبت، وبدأ إطلاق النار. وأضافت وكالة إنفاذ القانون أن عناصرها ردوا بإطلاق النار وأصابوا المشتبه به، الذي تُوفي لاحقاً في المستشفى.

انتشار أمني خارج البيت الأبيض يوم 23 مايو (أ.ب)

وقال مسؤول في «إنفاذ القانون»، تحدث لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويته، إن المشتبه به يُدعى نصير بست، ويبلغ من العمر 21 عاماً. وبحسب سجلات محكمة مقاطعة كولومبيا، أُوقف بست في يوليو (تموز) 2025 بعدما حاول دخول نقطة تفتيش أخرى تابعة للبيت الأبيض من دون تصريح، ولم يستجب لأوامر الضباط بالتوقف، و«زعم أنه يسوع المسيح»، وقال إنه يريد أن يُعتقل. وذكرت تقارير إعلامية أن بست يعاني من اضطرابات عقلية.

انتشار أمني

تُعدّ هذه المرة الثالثة خلال الشهر الماضي التي تُطلق فيها أعيرة نارية قرب الرئيس، بعد واقعتين خلال عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض في أبريل (نيسان)، وقرب نصب واشنطن في وقت سابق من مايو (أيار).

وأُصيب أحد المارة أيضاً، السبت، لكن مسؤولاً في «إنفاذ القانون» قال إنه لم يتضح ما إذا كان ذلك الشخص أُصيب برصاص المشتبه به في البداية، أم بالرصاص الذي أطلقه الضباط لاحقاً. وقالت «الخدمة السرية» إن أياً من عناصرها لم يُصب، وإن ترمب، الذي كان في البيت الأبيض في ذلك الوقت، لم «يتأثر» بالواقعة. وكان مقرراً أصلاً أن يمضي ترمب عطلة نهاية الأسبوع في ناديه للغولف في نيوجيرسي، لكنه غيّر خططه الجمعة للبقاء في البيت الأبيض بدلاً من ذلك.

ضباط من جهاز الخدمة السرية في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض يوم 23 مايو (إ.ب.أ)

وقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، كاش باتيل، على وسائل التواصل الاجتماعي، إن عناصر الوكالة كانوا في موقع الحادث، مضيفاً: «سنطلع الجمهور على المستجدات عندما نتمكن من ذلك».

وكانت آثار إطلاق النار واضحة على رصيف خارج مجمع البيت الأبيض، حيث امتد شريط أصفر خاص بمسرح الجريمة على الأرض، ووضع عناصر «الخدمة السرية» عشرات العلامات البرتقالية الخاصة بالأدلة. كما شوهدت مواد طبية، بينها ما بدا أنها قفازات جراحية أرجوانية ومعدات تُستخدم عادةً من قبل فرق الإسعاف.

وقال صحافيون كانوا يعملون في البيت الأبيض، مساء السبت، إنهم سمعوا سلسلة من الطلقات النارية، وطُلب منهم الاحتماء داخل غرفة الإحاطة الصحافية.

وفي منشور على منصة «إكس»، نشرت كبيرة مراسلي البيت الأبيض في شبكة «إيه بي سي نيوز»، سيلينا وانغ، مقطع فيديو للحظة قالت إنها سمعت فيها ما «بدا كعشرات الطلقات النارية» قبل أن تنحني للاحتماء.

تجدد محاولات الهجوم

يقع موقع إطلاق النار على مسافة يمكن قطعها سيراً من المكان الذي نصب فيه مسلح كميناً لعنصرين من الحرس الوطني في وست فرجينيا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وتُوفيت الجندية سارة بيكستروم، البالغة 20 عاماً، متأثرة بجروح أصيبت بها في ذلك الهجوم. كما أُصيب الرقيب أندرو وولف، الذي كان يبلغ حينها 24 عاماً، بجروح خطيرة. ووُجهت إلى رحمن لاكانوال اتهامات في تلك الواقعة.

وجاء إطلاق النار السبت بعد نحو شهر من واقعة قالت سلطات إنفاذ القانون إنها كانت محاولة لاغتيال الرئيس أثناء حضوره عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي في فندق بواشنطن في 25 أبريل (نيسان). وقد دفع كول توماس ألن، من كاليفورنيا، أخيراً ببراءته من اتهامات بمحاولة قتل ترمب. ويُتهم ألن بعبور نقطة تفتيش أمنية داخل الفندق، وإطلاق النار من بندقية خرطوش على عنصر في «الخدمة السرية».

وبعد تلك الواقعة، أطلق عناصر «الخدمة السرية» النار على مشتبه به قالوا إنه أطلق النار على الضباط قرب نصب واشنطن، على بُعد عدة مبانٍ من البيت الأبيض. ووُجهت إلى مايكل ماركس، البالغ 45 عاماً، من ميدلاند في تكساس، اتهامات في شكوى قُدمت إلى محكمة اتحادية في إطار حادث إطلاق النار في 4 مايو (أيار). وأُصيب مراهق من المارة في تلك الواقعة.


حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.